طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > الموازنة بين الأعداء أمة الكفر ليست واحدة

ملتقى الخطباء

(485)
776

الموازنة بين الأعداء أمة الكفر ليست واحدة

تاريخ النشر : 1437/06/11
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

الملفت للنظر أن هذا الحدث: هزيمة الروم أمام الفرس، يبعد عن المدينة المنورة مسافة لا تقل عن (1000) كم. فلو لم يذكر لنا القرآن الكريم هذه الحادثة، لما ترتب على المسلمين مفسدة تلحق بهم في ديارهم حينها. إنما أراد منا الشارع الحكيم أن نوظف هذا الحدث لمصلحتنا، ونحكم عليه من خلال ثوابتنا وأصولنا وقواعدنا الفقهية السياسية. فتجد أن المسلمين قد ..

 

 

 

كتاب الفقه السياسي

 

(أعداء الإسلام ليسوا سواءً، كما يظن أغلب العوام في هذا الزمان). وهذه الفكرة أثارها حزب التحرير والشيوعيون والاشتراكيون بين المسلمين لإضلالهم وخداعهم وصرفهم عن أشد الناس عداوة للذين آمنوا، فراجت بيننا بالتكرار والزمن، مقولة: (كلهم أعداء، أو كلهم خَوَنٌ).

 

واعتُبِرَتْ هذه المقولة من المُسَلّمات، فترتب على ذلك، ليس فقط تكذيب الأنظمة الصادقة وتخوين الأنظمة الأمينة، التي أمرنا الله تعالى أن نكون معهم؛ كما في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:119]. بل انقلب هذا العداء للأنظمة الصادقة والأمينة إلى العطف على أعدائنا البعثيين والشيوعيين وأمثالهم. وهذا الأمر جلل وشره مستطير. فعكسوا الواقع والحقيقة في قول الله تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ) [المائدة:82].

 

ومن الأدلة القرآنية الواردة لبيان فقه الموازنات بين الأعداء:

 

قوله تعالى: (غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) [الرم:2-3] .

 

الملفت للنظر أن هذا الحدث: هزيمة الروم أمام الفرس، يبعد عن المدينة المنورة مسافة لا تقل عن (1000) كم. فلو لم يذكر لنا القرآن الكريم هذه الحادثة، لما ترتب على المسلمين مفسدة تلحق بهم في ديارهم حينها. إنما أراد منا الشارع الحكيم أن نوظف هذا الحدث لمصلحتنا، ونحكم عليه من خلال ثوابتنا وأصولنا وقواعدنا الفقهية السياسية.

 

فتجد أن المسلمين قد تعاطفوا مع الروم؛ لأنهم الأقرب إلى ديننا من الفرس, علماً أن هذا التعاطف معهم ليس من باب الولاء أو العمالة لهم في شيء. إنما هو من باب تقليل الشر في الأرض قدر الإمكان، ولو بتغيير الشر الأكبر والكفر الأكبر (الفرس)، بالشر الأصغر والكفر الأصغر (الروم)، تطبيقاً للقواعد الأصولية: ((دفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر)) أو: ((اختيار أدنى المفسدتين)) أو ((درء المفاسد وتقليلها))، ولا يقال في مثل هذا الموضع (كلهم كفار) [1]، فهناك كفر وكفر أكبر، وشر وشر أكبر.

 

ويا للأسف تجد البعض يوافقنا على هذه القواعد الأصولية نظرياً، لكنه يخالفنا عملياً وواقعياً، حين نقرر أن الخطر الاشتراكي اليهودي هو الأكبر والأشد على مصالح المسلمين من الخطر الرأسمالي الغربي؛ انسجاماً مع الواقع الذي نراه ضمن تقريرات الشرع، ولا يرونه بسبب الدعاية المضللة، ومع الآية القرآنية: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ) [المائدة:82].

 

هجرة المسلمين إلى بلاد الحبشة النصرانية:

 

فهل يستقيم اتهام الصحابة المهاجرين إلى الحبشة النصرانية بالولاء والعمالة لها، لقبولهم العيش في كنف النصارى وتحت حكمهم؟ إن الأمر ليس كذلك، إنما كانت هجرتهم إلى الحبشة، من باب ((اختيار أدنى المفسدتين))،  فمفسدة قريش (الوثنية)، أبناء العمومة، أعظم من مفسدة الحبشة (النصارى)، هذه مقاييس الشرع إعمالاً للمصالح، مع أننا نسمع من يردد مقولة: أنّا ضد أي عداء كان ضد أي عربي، نقول: حتى لو كان اشتراكياً كافراً؟ فعجباً لهؤلاء!!

 

فانطلاقاً من مقصد الشريعة الأسمى: (( تحصيل المصالح و تكميلها, وتعطيل المفاسد وتقليلها)) نقول باختصار: علينا أن لا نرفض، بل نؤيد كل ما يؤدي إلى تغيير الواقع من الشر إلى شر أقل منه؛ فإن ذلك يدفع باتجاه تقليل الشر في الأرض، وبالتالي يساهم في قرب النصر.

 

لذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر إنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين" [2].

 

ويقول: "فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير ولا دفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين، فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، ومطلوبها ترجيح خير الخيرين إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعاً، ودفع شر الشرين إذا لم يندفعا جميعاً" [3].

 

ويقول: "إذ الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، والورع ترجيح خير الخيرين بتفويت أدناهما ودفع شر الشرين وإن حصل أدناهما" [4].

 

إذن من الورع أن ندفع شر الشرين: (الاشتراكية الصهيونية) بالشر الأدنى: (الديموقراطية الغربية)، ولا يكون ذلك إلا في حالات الاضطرار، أما في حالة الاختيار، فلا شرقية ولا غربية.

 

ولقد رفع الخميني الاشتراكي الشيعي الإمامي شعار: (لا شرقية ولا غربية) أيام شاه إيران الرأسمالي، فلما استلم الخميني الحكم جعلها شرقية اشتراكية وحارب التوجه الرأسمالي الغربي الذي كان سائداً أيام الشاه، ولو كان مسلماً حقاً -كما يدعي- لرفض التوجه للشرق الاشتراكي كذلك، إنما استدرج غثاء المسلمين بشعاره المضلل حينئذ، وخدعهم بذلك، وربط إيران بموسكو رأساً.

 

الكاتب: العمق

 

——-

 (1) وقول: (كلهم كفار) ليس في المعاملة في الدنيا، بل في حكم الآخرة أنهم كلهم في النار.

 (2) فتاوى ابن تيمية في الفقه (20/54).

 (3) فتاوى ابن تيمية في الفقه (23/343).

 (4) فتاوى ابن تيمية في الفقه (30/193).

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات