طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > أمراض على طريق الدعوة (26) اتباع الهوى [1/ 2]

ملتقى الخطباء

(680)
764

أمراض على طريق الدعوة (26) اتباع الهوى [1/ 2]

تاريخ النشر : 1437/05/07
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

ولخطورة هذا الموضوع وانتشاره في الناس على اختلاف طبقاتهم، وتنوع مواردهم، وتباين مستوياتهم فقد وجب التحذير منه، وذكر شيء من علاجه، فاتباع الهوى ضار ومتلف لعموم الناس، وهو أشد تلفاً وضرراً لمعاشر الدعاة والوعاظ والخطباء؛ لأنهم معلمو الناس ومرشدوهم إلى الهداية، فكيف بهم إذا كانوا هم أنفسهم غارقون في هذه الآفة الخطيرة والداء العضال..

 

 

 

إن من يقلّب طرفه في أحوال الناس، ويصغى سمعه في أقوالهم يرى ويسمع من أمورهم عجبًا. فيرى أناسًا يمدحون أمورًا ثم يذمونها ويعيبون أشياءً ثم يفعلونها، وقد يأخذون على شخص في مقام المسؤولية بعض تصرفاته دون تأمل أو نظر في مبناها الشرعي وإذا تولى أحدهم هذه المسؤولية عمل ما كان يعيب به أخاه وأكثر، ويرى أناسًا يتقبلون أقوالاً وأفعالاً ويتبنون أفكارًا لأنها صادرة عن فلان من الناس ولو عملها غيره لم تحظ منهم بقبول بل ربما تقابل برد ونفور، ويعجب الإنسان من أشخاص يعملون أمورًا ظاهرة العيب، واضحة الخطأ ومع ذلك يستميتون في الدفاع عنها وبيان صوابها، ويذكرون مسوغات؛ لفعلها يضحك منها عامة الناس فضلاً عن خواصهم، وغير ذلك كثير.

 

والسر وراء ذلك التناقض العجيب في حياة البشر هي تلك الآفة الخطيرة التي تعتبر من أشد الآفات والأمراض التي تصيب القلوب، ونقصد بها (اتباع الهوى) والتي إذا أصابت عموم الناس فضلاً عن الدعاة والوعاظ والخطباء، فإنها تدمر مسيرتهم إلى الله بالكلية. وما ذاك إلا لأن صاحب الهوى لا يرى إلا الهوى، فإذا تكلم فبهوى، وإذا صمت فلهوى، وإذا فعل فلهوى، وإذا ترك فلهوى، ولأنه يعيش في محيط هواه الذي أضله وأعماه وأصمه، والذي أسره وقيده، فإن الهوى يأسر صاحبه كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: “المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه”. فإذا كان الإنسان متبعاً هواه معرضاً عن مولاه، غارقاً في وحل المعاصي، بعيداً عن البر والخير، بهذا يكون قد بعد عن الهداية، وانتكس في الغواية، فاتباع الهوى من الموانع والعوائق التي تعيق الإنسان عن الوصول إلى مولاه، سواءً كان عائقاً عن الدخول في الإسلام ابتداءً كما هو حال الكثير من المشركين سابقاً وكذلك الذين لا يدينون بالإسلام في زماننا من اليهود والنصارى والوثنيين والمجوس وغيرهم من الخارجين عن الدين الحق دين الإسلام، أو عائقاً للمسلم من نيل رضوان الله؛ لكثرة معاصيه، وبعده عن طاعة الله -عز وجل- وغيرها من المعاصي والذنوب التي لا تخرج عن الملة.

 

ولخطورة هذا الموضوع وانتشاره في الناس على اختلاف طبقاتهم، وتنوع مواردهم، وتباين مستوياتهم فقد وجب التحذير منه، وذكر شيء من علاجه؛ فاتباع الهوى ضار ومتلف لعموم الناس، وهو أشد تلفاً وضرراً لمعاشر الدعاة والوعاظ والخطباء؛ لأنهم معلمو الناس ومرشدوهم إلى الهداية، فكيف بهم إذا كانوا هم أنفسهم غارقون في هذه الآفة الخطيرة والداء العضال.

 

أولاً: تعريف الهوى لغةً واصطلاحاً:

 

قال ابن منظور -رحمه الله-: “الهَوى مقصور: هَوَى النَّفْس، وإِذا أَضفته إِليك قلت هَوايَ، والهَوى: العِشْق يكون في مداخل الخير والشر، والهَوِيُّ: المَهْوِيُّ، وهَوى النفسِ: إِرادتها والجمع الأَهْواء. فالهَوَى محبةُ الإِنسان الشيء وغَلَبَتُه على قلبه، ومتى تُكُلِّمَ بالهَوى مطلقاً لم يكن إِلا مذموماً حتى يُنْعَتَ بما يُخرجُ معناه كقولهم هَوًى حَسَنٌ وهَوًى موافق للصواب. وقال الراغب الأصفهاني: “الهوى: ميل النفس إلى الشهوة، ويقال ذلك للنفس المائلة إلى الشهوة وقيل: سمي بذلك؛ لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية وفي الآخرة إلى الهاوية، والهوى: سقوط من علو إلى سفل “. وقال ابن عاشور:”والمراد بالهوى: ما تهواه النفس، فهو مصدر بمعنى المفعول مثل الخلق بمعنى المخلوق، فهو ما ترغب فيه قوى النفس الشهوية والغضبية مما يخالف الحق والنفع الكامل، وشاع الهوى في المرغوب الذميم”.

 

أما في الاصطلاح، فللعلماء كلمات كثيرات نافعات في تعريف الهوى ، جماعها “ميل النفس إلى ما تحب من الخير أو الشر”. قال ابن الجوزي في كتابه الشهير (ذم الهوى): “الهوى هو ميل الطبع إلى ما يلائمه ، وهذا الميل قد خلق في الإنسان؛ لضرورة بقائه، فإنه لولا ميله إلى المطعم ما أكل وإلى المشرب ما شرب، وإلى المنكح ما نكح وكذلك كل ما يشتهيه، فالهوى مستجلب له ما يفيد، كما أن الغضب دافع عنه ما يؤذي، فلا يصلح ذم الهوى على الإطلاق، وإنما يذم المفرط من ذلك وهو ما يزيد على جلب المصالح ودفع المضار ولما كان الغالب من موافق الهوى أنه لا يقف منه على حد المنتفع أطلق ذم الهوى والشهوات لعموم غلبة الضرر”.

 

وقال ابن رجب:”وقد يطلق الهوى بمعنى المحبة والميل مطلقًا، فيدخل فيه الميل إلى الحق وغيره، وربما استعمل بمعنى محبة الحق خاصة والانقياد إليه”. إذاً فالهوى في الأصل ميل النفس إلى ما تهواه، فإن مالت إلى ما يخالف الشرع فهو الهوى المذموم، وإن مالت إلى ما يوافق الشرع فهو الممدوح، وإذا ذكر الهوى مطلقًا أو ذكر ذمه فإنما يراد به الهوى المذموم لأنه الغالب -والله أعلم-.

 

واتباع الهوى المذموم قد يكون في أمور الدين وقد يكون في شهوات الدنيا أو بعبارة أخرى قد يكون في الشبهات وقد يكون في الشهوات، وقد يكون في أمر مشترك بينهما. وهوى الشبهة قد يوصل صاحبه إلى حد الابتداع في الدين وهو المراد في عامة كلام السلف حينما يتحدثون عن أهل الأهواء، فإنما يريدون بذلك أهل البدع. وأما هوى الشهوة فقد يكون في الأمور المباحة كالأكل والشرب والنكاح والملبس وقد يكون في الأمور المحرمة كالزنا والخمر ومرتكب هذه المحرمات يسمى فاجرًا وفاسقًا وعاصيًا. قال ابن رجب: “وكذلك البدع إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع ولهذا يسمى أهلها أهل الأهواء، وكذلك المعاصي إنما تقع من تقديم الهوى على محبة الله ورسوله ومحبة ما يحبه. وقال الشاطبي: “ولذلك سمي أهل البدع أهل الأهواء؛ لأنهم اتبعوا أهواءهم فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها، والتعويل عليها، حتى يصدروا عنها، بل قدموا أهواءهم، واعتمدوا على آرائهم، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورًا فيها من وراء ذلك”. قال شيخ -الإسلام- ابن تيمية :”واتباع الأهواء في الديانات أعظم من اتباع الأهواء في الشهوات فإن الأول حال الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين كما قال –تعالى-: ( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ) [القصص: 50].

 

ثانياً: موقف الشرع من الهوى:

 

كما قلنا -من قبل-: إن لفظ الهوى منه ما هو مذموم، ومنه ما هو مباح أو محمود، ولكن إطلاقات اللفظ في النصوص الشرعية محمول على المذموم فقط، ولقد تضافرت النصوص من الكتاب والسنّة وآثار السلف على ذم الهوى وتعظيم شأنه وخطره.

 

أولاً: الهوى في كتاب الله:

1-التحذير من اتباع أهل الأهواء. قال تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ* إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ)[الجاثية:18-19]. قال الإمام الطبري -رحمه الله- في تفسير هذه الآية يقول تعالى ذكره لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: ثم جعلناك يا محمد من بعد الذي آتينا بني إسرائيل الذين وصفت لك صفتهم (عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ) يقول: على طريقة وسنة ومنهاج من أمرنا الذي أمرنا به من قبلك من رسلنا (فاتَّبِعْها) يقول: فاتبع تلك الشريعة التي جعلناها لك (وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) يقول: ولا تتبع ما دعاك إليه الجاهلون بالله، الذين لا يعرفون الحقّ من الباطل، فتعمل به، فتهلك إن عملت به”. وقال تعالى: (قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)[الأنعام150]وقال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)[ الكهف:28] وقال تعالى: (َفلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى)[ طه:16].

 

2-الأمر بالعدل واجتناب الهوى في الحكم قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) [النساء135].قال الإمام ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: “فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغْضَة الناس إليكم على ترك العدل في أموركم وشؤونكم، بل الزموا العدل على أي حال كان، كما قال تعالى: (ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَنْ لا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)[المائدة: 8]، ومن هذا القبيل قول عبد الله بن رواحة، لما بعثه النبي -صلى الله عليه وسلم- يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزرعهم، فأرادوا أن يُرْشُوه؛ ليرفق بهم، فقال: “والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إليَّ، ولأنتم أبغض إليَّ من أعدادكم من القردة والخنازير، وما يحملني حُبي إياه وبغضي لكم على ألا أعدل فيكم، فقالوا: “بهذا قامت السماوات والأرض “.

 

3-متبع الهوى قد يطيع هواه كطاعة الإله قال تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا) [الفرقان:43]، قال الإمام الشوكاني -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: “ثم بين لهم –سبحانه- أنه لا تمسك لهم فيما ذهبوا إليه سوى التقليد واتباع الهوى، فقال معجباً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ) قدّم المفعول الثاني للعناية كما تقول: علمت منطلقاً زيداً أي: أطاع هواه طاعة كطاعة الإله”. وفي هذا المعنى قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) [القصص:23].

 

4-أمر الله أنبيائه أن يجتنبوا الهوى في الحكم، قال تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص26].

 

5-زكى الله نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم- عن اتباع الهوى قال تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى* مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى* وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)[النجم1-4].

 

6-الخوف من الله رادع عن اتباع الهوى قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) [النازعات:40].

 

7-نهى الله أهل الكتاب أن يتبعوا أهواء المضلين فقال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) [المائدة:77].

 

8-ذم الله الرجل من بني إسرائيل وهو بلعم بن باعوراء الذي اتبع هواه فكان سبب غوايته  فقال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِين* وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون) [الأعراف:176].

 

9-اتباع الهوى من موانع الهداية قال تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [الفرقان:50].

 

ثانياً: الهوى في السنّة النبوية:

 

1-قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمِن أحدُكم حتى يكونَ هواه تبعًا لما جِئتُ به” – وفي سنده مقال  قال ابن رجب الحنبلي:”وأما معنى الحديث فهو أنَّ الإنسان لا يكون مؤمناً كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعةً لما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- من الأوامر والنَّواهي وغيرها، فيحبُّ ما أمر به، ويكره ما نهى عنه، وقد ورد القرآن بمثل هذا في غير موضع، قال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [النساء:65]، وقال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [الأحزاب : 36].

 

2-وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “وإنّه سيخرج في أمَّتي أقوامٌ تجارى بهم تلك الأهواءُ كما يتجَارَى الكَلَبُ بصاحبه، لا يبقَى منه عِرق ولا مِفصل إلا دخله” والمعنى تَدَخُّل وَتَسَرِّي تِلْكَ الْأَهْوَاء: أَيْ الْبِدَع”كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْب” وهو دَاء يَعْرِض لِلْإِنْسَانِ مِنْ عَضّ الْكَلْب وَهُوَ دَاء يُصِيب الْكَلْب فَيُصِيبهُ شِبْه الْجُنُون فَلَا يَعَضّ أَحَداً إِلَّا كَلُبَ وَيَعْرِض لَهُ أَعْرَاض رَدِيَّة، وَيَمْتَنِع مِنْ شُرْب الْمَاء حَتَّى يَمُوت عَطَشاً”. وعَنْ أَبِي الْحَكَمِ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “إِنَّ مِمَّا أَخْشَى عَلَيْكُمْ شَهَوَاتِ الْغَيِّ فِي بُطُونِكُمْ وَفُرُوجِكُمْ وَمُضِلَّاتِ الْهَوَى”.

 

3-عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ثلاث مهلكات وثلاث منجيات وثلاث كفارات وثلاث درجات فأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه”.

 

ثالثاً: من أقوال العلماء في ذم إتباع الهوى:

 

العلماء للناس مصابيحٌ في الدجى، يعلمون الجاهل ويبصرون الأعمى، يستندون في علمهم إلى الكتاب والسنة، فما يحذرون منه إنما هو على علمٍ وبصيرةٍ، وإليك بعضاً من أقوالهم التي استطعت أن أصل إليها؛ لأجمعها في بحثي هذا؛ لنستفيد -بعون الله وتوفيقه- من أقوالهم الحكيمة، وندرك أسراراً دقيقة في ضرر اتباع الهوى لمسوها في الحياة، فأخبروا بها رجاء الفوز والنجاة. قال سهل التستري: “ترك الهوى مفتاح الجنة”، وقال: “قسم الله الأعضاء من الهوى لكل عضو منه حظاً، فإذا مال عضوٌ منها إلى الهوى رجع ضرره إلى القلب”، وقال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: “أنتم في زمانٍ يقود الحق الهوى، وسيأتي زمانٌ يقود الهوى الحق فنعوذ بالله من ذلك الزمان”. وقال الجنيد:”علل القلوب من اتباع الهوى، كما أن علل الجوارح من مرض البدن”. قال معاوية -رضي الله عنه-: “المروءة ترك الشهوات وعصيان الهوى”، وقال أبو الدرداء -رضي الله عنه-: “إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله، فإن كان عمله تبعاً لهواه فيومه يومُ سوء وإن كان هواه تبعاً لعمله فيومه يومٌ صالحٌ”. وقال بشر الحافي-رحمه الله-تعالى-: “البلاء كله في هواك والشفاء كله في مخالفتك إياه”. وقال رجل للحسن البصري -رحمه الله تعالى-: “يا أبا سعيد أي الجهاد أفضل؟ قال: جهادك هواك”.

وقال الشعبي:”إنما سمي الهوى هوى؛ لأنه يهوي بصاحبه في النار، وقال ابن عباس: “ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه”، وقال أبو قلابة: “لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون”. وقال إبراهيم النخعي: “لا تجالسوا أهل الأهواء فإن مجالستهم تذهب بنور الإيمان من القلوب وتسلب محاسن الوجوه، وتورث البغضة في قلوب المؤمنين”. وقال يونس بن عبيد: “أوصيكم بثلاث فخذوها عني حييت أو مت: لا تمكن سمعك من صاحب هوى، ولا تخل بامرأة ليست لك بمحرم ولو أن تقرأ عليها القرآن، ولا تدخلن على أمير ولو أن تعظه”.

 

ثالثاً: الأسباب الدافعة لاتباع الهوى:

 

أولاً: ضعف المعرفة بالله والدار الآخرة: فلو عرف العبد ربه حق المعرفة، وقدره حق قدره، ما آثر هواه على ما يحبه ويرضاه -سبحانه وتعالى- كما قال سبحانه: (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج:74]، ولو أدرك متبع الهوى حق الإدراك الدار الآخرة وما فيها وما اعد الله -عز وجل- فيها لأهل الأهواء ما تبع هواه.

 

ثانياً: فراغ القلب من الإخلاص لله -عز وجل-: فإذا انعدم الإخلاص لله -عز وجل- في قلب العبد استحوذ عليه الهوى وانقطعت عنه موارد التوفيق وخرج عن الصراط السوي ووقع فيما حذر الله منه (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [ الأنعام:153].

 

ثالثاً: مجالسه أهل الأهواء؛ لأنه سوف يقتدي بهم، قال ابن عباس:”لا تجالس أهل الأهواء فإن مجالستهم ممرضة للقلوب”. وقال مجاهد: “لا تجالسوا أهل الأهواء فإن لهم عرة كعرة الجرب” يعني: أنهم يعدون من قرب منهم، كما أن من قارب الأجرب جرب. قال أبو قلابة:”لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تحادثوهم فإني لا آمن أن يغمروكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون “.

 

رابعاً: تقصير الآخرين في نصيحته، وبالتالي قد لا يرى أنه مخطئ، فالله -عز وجل- قد جعل سنة التدافع بين البشر؛ ليزجر بعضهم بعضاً فقال سبحانه: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [البقرة:251]، وقال تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج:40]. فقد تزل قدم العبد ويتمادى في المعصية واتباع الهوى فلا يجد من يردعه عن هذا المنكر فيظن أنه يسير في طريق الحق حتى يتمكن الهوى من قلبه ويصبح أسيراً لهواه وهذا من أضل الضلال كما قال سبحانه: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [القصص:50]. ولعل هذا هو السر في تأكيد الإسلام على مقاومة المنكرات، وعدم السكوت عنها ولكن بالأسلوب المناسب، ومع التكرار، نظراً؛ لأن غالبها ناشئ عن اتباع الهوى، إذ يقول الحق سبحانه: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران :104]، (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل :125]، (وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا) [النساء :63]. ولعله السر كذلك في حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على مجانبة من لمح فيهم ميلاً إلى الهوى، وعدم رحابة الصدر لهم، لعلهم يتوبون أو يذكرون. جاء عن عبد الله بن كعب أنه قال: سمعت كعب بن مالك، في غزوة تبوك، قال: “ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة، حتى إذا طال تسورت جدار حائط أبى قتادة، وهو ابن عمى، فسلمت عليه، فوا الله ما رد عليَّ السلام. وجاء عن عائشة -رضي الله عنها-: أنه اعتل بعير لصفية بنت حيي، وعند زينب فضل ظهر، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اعطيها بعيراً، فقالت: أنا أعطى تلك اليهودية؟ فغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهجرها ذا الحجة و المحرم وبعض صفر. وجاء عن عمار بن ياسر أنه قال: قدمت على أهلي، وقد تشققت يداي، فخلفوني بزعفران، فغدوت على النبي -صلى الله عليه وسلم- فسلمت عليه، فرد على، وقال: “اذهب فاغسل عنك هذا”.

 

خامساً: الجهل بآثار هذا الداء الخطير: فالذي يجهل آثار الهوى ولا يدرك خطورة هذا المرض لا يميز بين باعث الهوى وما ليس كذلك فيضل عن طريق الهداية وهو لا يشعر كما قال سبحانه: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا*الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهف: 103-104].

 

سادساً: الكبر والعناد: وهذا من أخطر الأسباب المؤدية إلى اتباع الهوى، والكبر قد عرفه النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: “الكبر بطر الحق وغمط الناس”. فالمستكبر ينكر الحق وإن كان واضحاً للعيان ويؤثر اتباع الهوى بسبب استكباره كما قال سبحانه: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [الفرقان:50]، وقد يتمادى في طاعته لهواه مع علمه ببطلانه لكن استكباره عن الرضوخ للحق أصبح مانعاً بينه وبين الانقياد لله فكان قائده هواه، وفي هذا المعنى قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) [القصص:23]، والكبر هو الذي جعل آل فرعون يرفضون الانقياد لموسى -عليه السلام- بعد أن رأوا الآيات فاستكبروا عن اتباعه كما أخبر سبحانه: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) [النمل:14].

 

سابعاً: عدم التعود على ضبط الهوى منذ الصغر: فالدلال المفرط من قبل الأبوين منذ الصغر قد يكون سبباً في غرس هذا المرض في نفس الإنسان، وقد جعله الدكتور السيد محمد نوح -رحمه الله- أول سبب في ذلك حيث قال: “إن الإنسان قد يلقى من أبويه منذ الصغر حباً مفرطاً وحناناً فوق المطلوب بحيث يطغى هذا الحب وذلك الحنان على تنمية الضوابط الفطرية والشرعية التي لابد منها لتنظيم الرغائب أو الدوافع وحينئذ يكبر هذا الإنسان ويكبر معه الانسياق وراء العواطف والرغائب حتى لو كانت مخالفة للمشروع إذ لمن شب على شيء شاب عليه إلا من رحم الله -عز وجل-“. ثم ينقل كلاماً عن سيد قطب من كتاب منهج التربية الإسلامية قائلاً: “والأم التي ترضع طفلها كلما بكى لكي يسكت أو لأنها لا تطيق أن تسمعه يبكي تضره بذلك لأنها لا تعينه على ضبط رغباته ولا تعوده على ذلك الضبط في صغره فلا يتعوده في كبره، والضبط مقدرة يتدرب الإنسان عليها، وعادة يتعلمها، وكلما تدرب عليها وهو صغير كان أقدر عليها، وأكثر تمكناً منها فيجدها حاضرة في أعصابه حين تفجؤه الأحداث”.

 

ثامناً: حب الدنيا و الركون إليها مع نسيان الآخرة: ذلك أن من أحب الدنيا، وركن إليها ونسى الآخرة يتولد عنده سعى حثيث؛ لتلبية كل ما يفرضه هذا الحب، وذلك الركون، حتى وإن كان مخالفاً لمنهج الله، وذلك بعينه هو اتباع الهوى، وقد لفت المولى النظر إلى هذا السبب في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [يونس :7] كما لفت النبي -صلى الله عليه وسلم-: “الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، و العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله”.

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات