طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > خطبة الجمعة في العالم الإسلامي ‘ملاحظات لا بُدّ منها ‘

ملتقى الخطباء

(1٬148)
756

خطبة الجمعة في العالم الإسلامي ‘ملاحظات لا بُدّ منها ‘

تاريخ النشر : 1437/04/14
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

ولهؤلاء الخطباء الأعزاء نقول: إنه لا يغض من مكانة الخطيب أن يمسك بورقة صغيرة يكون قد رتب فيها أفكاره، أو ورقة كبيرة صاغ عليها خطبته؛ ليقدم لنا خطبة مترابطة مؤثرة بدلاً من إهدار منبر الجمعة في الارتجال العشوائي دون كفاءة أو ثقافة كافية، فالخطبة أمانة، ومسؤولية تحتاج من الخطيب إلى التحضير والتبويب والتنظيم.

 

 

 

لقد كان للكلمة -ولا يزال- أثرها الفاعل، وقيمتها الكبرى، ودورها الحاسم في عمليات التغيير الإنساني على صعيد الدين، والعلم، والفكر، والسياسة، والاقتصاد، والاجتماع .. فالكلمة هي وعاء المعنى، ورسوله إلى القلوب والعقول، وهي القناة التي يتفاهم من خلالها البشر، ويتناقلون الآراء والأفكار. وكلما تقدمت الحياة وتطورت معارفها، ازدادت قيمة الكلمة في حياتنا وازداد دورها خطورة.

 

أهمية الكلمة ودور خطبة الجمعة:

والإسلام -دين الإنسان في كل زمان ومكان- لم يغفل دور الكلمة، بل وضعها في إطارها الصحيح، واهتم بها الاهتمام اللائق، فجعلها الوسيلة لهداية الناس، وتربية الأمة، وتوعية المجتمع، وصياغة الإنسان الإيجابي الصالح. وإمعاناً منه في توظيف الكلمة، كانت خطبة الجمعة التي تسبق صلاة الجمعة المفروضة كل أسبوع، شعيرة ثابتة، وعبادة يثاب عليها المسلم.

وقد ركّزت الآثار النبوية على هذه العبادة، ودعت إلى المواظبة عليها لما فيها من الثواب والفائدة، وشجعت على التهيؤ لها نفسياً وجسدياً.

 

لقد لعبت خطبة الجمعة دوراً كبيراً في المسيرة الإسلامية الطويلة، فمن خلال هذا المنبر الإسلامي الذي انتشر في ديار الإسلام طرحت مفاهيم العقيدة، وتعاليم الشريعة، وِسيرَ الأنبياء والصالحين والمجاهدين.

 

ومن خلال هذا المنبر الحي المتجدد عولجت المشاكل التي كانت تستجد في كل عصر ومصر، وطرحت الحلول المناسبة. ومن خلال هذا المنبر الأسبوعي الذي لا يتخلف استطاع الخطباء البارعون الصادقون أن يبعثوا في النفوس روح الجهاد ضد الغزاة والمارقين الذين عانت الأمة منهم عبر تاريخها الكثير. ومن خلال هذا المنبر الدعوي المؤثر استقبل المسجد أفواجاً من التائبين الذين بدأوا رحلة التزامهم من صلاة الجمعة؛ فكانت الخطبة، دعماً وترسيخاً لمشاعر الهداية التي استيقظت في أعماقهم التائبة.

 

واستمرت صلاة الجمعة وخطبتها عبر القرون شعيرة خالدة ومعلماً بارزاً من معالم المجتمع الإسلامي، حافظ على استمراريته في أسوأ الأيام التي مرت بعالمنا الإسلامي، حتى في هذا العصر الذي انحسر فيه مدّ الإسلام وتخلف فيه المسلمون، وغابت منه الخلافة الإسلامية، ظلت خطبة الجمعة منبراً صامداً للإسلام تفيء إليه الجماهير المسلمة من قيظ الفساد والضياع والانحراف الذي يلّوث حياتها، وظل صوت الخطباء المسلمين عالياً يصدع كل أسبوع بكلمات الحق، ويذكر المسلمين بأيام الإسلام المجيدة وعزهم المفقود، ويروي للأجيال أخبار من قضوا على دروب الجهاد وحملوا مشاعل الهداية والنور، ويحذر من الأخطار المحدقة بالأمة والتحديات الكبرى التي تنتظرها .

 

توظيف خطبة الجمعة في البناء الفكري والإعلام الإسلامي:

واليوم، وقد ووصلنا إلى ما وصلنا إليه، وأمام تزايد وخطورة الدور الذي تحتله وسائل الإعلام في حياتنا المعاصرة، ثمة سؤال يطرح نفسه في حياتنا المعاصرة، ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح، هو: هل وظفنا خطبة الجمعة التوظيف المطلوب لخدمة وترشيد الصحوة الإسلامية التي بدأت طلائعها تظهر في عالمنا الإسلامي؟!

 

إن الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة كما يتصور بعضهم. إذ أن نظرة إلى واقع الخطبة في العالم الإسلامي تعطينا صورة مضطربة تحتاج إلى كثير من المقومات السليمة.

 

إن خطبة الجمعة لا تزال قائمة في عالمنا الإسلامي، والمساجد تتزايد باستمرار فتتزايد معها المنابر الإسلامية، لكن هذه المنابر لمّا تستثمر حتى الآن الاستثمار الكافي، والخطباء الذين يتحدثون من خلالها ليس أكثرهم – مع احترامنا وتقديرنا للجميع- على مستوى الخطابة بمعناها الصحيح، بل قد تجد فيهم – للأسف الشديد- من لا يدرك معنى الخطابة كفنّ من فنون الدعاية والإعلام، ومن يتصور أن الخطبة هي مخاطبة الناس من علٍ بصوتٍ مرتفع، دون أن يعلم خطورة المنبر الذي يعتليه، وهكذا تطالعك على منابرنا أنماط متباينة من خطباء الجمعة، قد يصل تباينها إلى حدّ التناقض الحادّ.

 

نماذج لخطب قليلة الجدوى:

فالخطباء المتحمسون يبالغون في حماسهم، وينفعلون عندما لا يطلب الانفعال، ويطيلون عندما لا يستحق موضوعهم الإطالة، ويعتقدون أن الخطابة هي شحن الجمهور بشحنات الحماس، فيصولون ويجولون في شعور المستمع دون أن يبلغوا عقله، بينما الحقيقة هي أن الحماس وسيلة وليس غاية، وأن المشاعر تأتي وتذهب، بينما الأفكار هي الأبقى ما دامت تجد مكانها في العقل السليم والخطباء الهادئون يبالغون في هدوئهم، ويلقون خطبتهم وكأنهم يلقون محاضرة ( أكاديمية ) على صفوة من المثقفين، فتصل المعاني إلى المستمع جافة باردة، وقد يطيل الخطيب في موضوعه، وقد يخوض في مواضيع بعيدة عن فهم الجمهور، فيدب الملل والضجر في نفوس بعض المصلين، وقد يتسرب النعاس إلى آخرين، فتفقد الخطبة أثرها.

 

والخطباء التقليديون يلقون عليك خطباً مكررة، ويطرقون مواضيع محددة، ولو غبت عنهم سنوات طويلة، وعدت إليهم؛ لوجدتهم يعزفون على الوتر نفسه، ويستعملون الأمثلة والتشبيهات نفسها التي استعملوها في المرة الأولى، وقد يحدثك هؤلاء عن أحكام الأضحية، بينما ضحايا المسلمين في مكان تملأ الطرقات، والمحل الغادر يهدد أرض الإسلام، وبعبارة أخرى فإن هؤلاء الخطباء يقدمون لك خطبة باردة لا توقظ نائماً ولا تهدي تائهاً، بل هي كلمات لملء الساحة وإتمام الفراغ. وآخرون يعتلون المنابر؛ ليقرأوا أوراقاً كُتبت لهم، وليطرحوا أفكاراً أُمليت عليهم، فتسمع منهم عجباً، وتجدهم كالقارئ يتلو صفحة من كتاب، فكأنهم لا يقفون على منبر الجمعة، وكأنهم لا يخاطبون جمهوراً مسلماً له عقله وحسه الإسلامي الدقيق.

 

 بينما الخطباء البارعون الذين يتقنون فن الخطابة ويحسنون توظيفه، ويدركون دوره الخطير في الدعوة، قلة قليلة لا تغطي الملايين الذين يرتادون المساجد باحثين عن المعنى المحرك، والقيمة المؤثرة، والتحليل الذكي، والثقافة الواعية، والفكر السليم.

 

الخطابة فن يحتاج إلى مواهب خاصة وثقافة واسعة:

إن الخطابة فنّ عريق من فنون الدعاية، اهتدى إليه الإنسان منذ فجر التاريخ. ووظفته الحركات الدينية والسياسية في العصور كلها، وكان الإسلام أكثر هذه الحركات توظيفاً لهذا الفن الخطير، فارتقى به من الوسيلة إلى العبادة، وقرنه بفريضة صلاة الجمعة؛ وتحدثنا السيرة النبوية عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، كأنموذج للخطيب البارع، وتذكرة لنا أنه كان إذا خطب في نهي أو زجر احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه منذر جيش، وإذا خطب في الحرب اعتمد على قوس، وإذا خطب في السلم اعتمد على عصا، وقد كانت خطبه -عليه السلام- من جوامع الكلم، تتوفر فيها مقومات الخطبة المثالية المؤثرة جميعها.

والخطابة فن يحتاج إلى مواهب خاصة، وخصائص هامة ليس أولها الصوت القوي المؤثر، والقدرة على الإقناع واستمالة الحضور، والتعبير بالحواسّ مع الكلمات، ومخاطبة العقل والقلب في آنٍ معاً، ومناسبة لهجة الإلقاء للمعاني، وليس آخرها وحدة الموضوع، وموضوعية الطرح، وترابط الأفكار، واستخدام الجمل القصيرة المعبرة، والألفاظ المألوفة.

 

والخطابة تحتاج -أيضاً- إلى ثقافةٍ واسعةٍ في أمور الدين والمجتمع، وفهم دقيق لشرائح الناس الذين يترددون على المسجد وطبقاتهم الفكرية، وأحوالهم الاجتماعية، وظروفهم المعيشية، فلا حياة لإعلام لا يعيش مشاكل الجماهير وقضاياها، ولا أثر لخطبة لا تلمس أعماق الناس الوجدانية والفكرية والاجتماعية، فليحذر خطباؤنا من تحويل منابرنا إلى أبراج عاجية تحجبهم عن جمهورهم المسلم، وتبعدهم عن أوجاعه الحقيقية وواقعة المعاش.

 

ملاحظات ينبغي أن يتجنبها الخطباء:

إن الذي يرصد خطب الجمعة التي تقوم في عالمنا الإسلامي تستوقفه أمور عدة نجد من واجبنا أن ننوّه من خلال هذه السطور، علّها تجد طريقها إلى من يهمه الأمر حتى تتمّ الاستفادة منها، انطلاقاً منّا في التركيز على ضرورة استثمار هذا المنبر الإعلامي الإسلامي الفاعل، في وقت أصبح فيه الإعلام أخطر وأمضى أسلحة التغيير. فما هي هذه الأمور والملاحظات؟‍: ‍

1-عدم التوازن في طرح المواضيع:

إن خطبة الجمعة منبر دعوي هام، ووسيلة ممتازة؛ لتذكير الناس بأمور دينهم وعقيدتهم، ونافذة واسعة؛ لعرض الإسلام بنصاعته كاملة، وتوعية المسلمين بالمرحلة التي يعيشونها، وبالأخطار والتحديات التي تحيط بهم، وحتى يستثمر الخطيب منبر الجمعة الاستثمار الأكمل عليه أن يطرح المواضيع ضمن منهج متوازن شامل يغطي المعاني والأفكار كلها التي يجب على المسلم أن يهتم بها، وعلى الخطيب البارع ألاّ ينسى استغلال المناسبات الراتبة والطارئة ويوظفها لصالح دعوته؛ ليقوم بتشكيل الرأي العام الإسلامي الموحد تجاه القضايا والأحداث، ووضعه في إطاره الإسلامي الصحيح.

 

لكن بعض الخطباء لا ينهج في خطبه هذا المنهج المتوازن الشامل، بل على العكس يقع أسيراً لبضعة مواضيع قد تكون هامة وقد لا تكون، ليطلع بها علينا كل أسبوع، مما يحدث الملل لدى الجمهور الذي يعاني من تكرار الخطب التي لا جديد فيها، ويؤدي إلى إهدار قيمة المنبر الخطير الذي يمكننا أن نقول من خلاله الكثير.

 

ومن الخطباء من يخوض في الخطبة الواحدة في عدة مواضيع لا يربط بينها رباط منطقي، ولو أنه وزع هذه المواضيع على عدة خطب وأشبعها بحثاً ودراسةً لكان أفضل.

 

وهناك من الخطباء من يهمل في موضوعاته أحداث الساعة التي تمسّ واقع المسلمين ووجودهم ومستقبلهم، فلا يجد الجمهور المسلم في خطبته متنفساً لمشاعره العارمة وآلامه الغائرة، فيستمع إلى الخطبة دون أن يتفاعل معها، وكيف يتفاعل مسلم مع خطبة تتحدث عن آداب النكاح بينما المحتل اليهودي الغاصب يجتاح بدباباته أشلاء الرجال والنساء والأطفال؟ ‍‍‍

 

2-عدم التناسق بين انفعال الخطيب وموضوع الخطبة:

إن الخطبة -كما قدّمنا- لها مقوماتها وخصائصها الفنية. وهي تختلف عن المحاضرة التي تلقى في قاعة هادئة على جمهور منتخب، وعن الدرس المفصّل الذي يلقيه الأستاذ على تلاميذه. إن الخطبة هي فنّ نقل الكلمة إلى المستمع بحرارتها، وإيصالها إليه حيّةً مفعمةً بالعاطفة المناسبة، لكن بعضهم يظن –للأسف- أن الخطبة تعني افتعال الحماس، والصراخ أمام مكبر الصوت، وثقب طلبة أذن المستمع، وقد يكون الموضوع المطروح لا يحتاج إلى هذا الانفعال كلّه، مما يشعر المستمع بالافتعال في الانفعال فلا تستقبل نفسه المعنى المطروح الاستقبال المناسب، بل قد ترفضه في بعض الأحيان، وعلى العكس من ذلك يصادفك خطباء آخرون لا يعطون المعاني حقّها من الانفعال، فيلقونها ببرودٍ شديدٍ يعوق دخولها إلى إحساس المستمع، وقد تكون هذه المعاني حارةً ساخنةً تحتاج إلى عاطفة الطيب فيبخل عليها بعاطفته مما يؤدي إلى إهدارها، واستقرارها في الآذان بدلاً من القلوب.

3-الارتجال بلا كفاءةٍ:

إن القدرة على الخطابة ارتجالاً دون الرجوع إلى ورقة مكتوبة ليس بالأمر الهيّن كما يتصور بعضهم.

إن الارتجال عمل يحتاج إلى موهبة خاصة ومرانٍ طويل، وخلفية ثقافيةٍ واسعة تسعف صاحبها في الوقت المناسب، وتمدّه دائماً بما يريد قوله وتوضيحه، ومع ذلك فإنه حتى الخطيب البارع قد يقع في أزمة أثناء خطبته عندما تخونه الذاكرة فتضنّ عليه بشاهد أو تعبير دقيق للمعنى الذي يريد أن يوصله إلى الجمهور، لكن بعض خطبائنا يظن أن الأمر أسهل من هذا، وأن حصيلته الثقافية المتواضعة تكفيه، وأن جرأته الأدبية وقدرته على مواجهة الجمهور تعوضه عن دقيق التعبير وعميق المعنى، فيعتلي المنبر ليقدم لنا خطبة عجيبة يتحدث فيها عم ألف فكرة متنافرة لا تمت لبعضها بصلة، وقد يُرتج عليهم أثناء الخطبة فيقومون باستدعاء ما قالوه في الخطبة ذاتها أو الخطبة التي سبقتها ليكرروه لنا بلهجة مضطربة وربط مشوّه.

 

ولهؤلاء الخطباء الأعزاء نقول: إنه لا يغض من مكانة الخطيب أن يمسك بورقة صغيرة يكون قد رتب فيها أفكاره، أو ورقة كبيرة صاغ عليها خطبته؛ ليقدم لنا خطبة مترابطة مؤثرة بدلاً من إهدار منبر الجمعة في الارتجال العشوائي دون كفاءة أو ثقافة كافية، فالخطبة أمانة، ومسؤولية تحتاج من الخطيب إلى التحضير والتبويب والتنظيم.

 

4-عدم مراعاة جمهور الخطبة:

إن عملية الخطبة عملية ثنائية يشترك فيها الخطيب والجمهور، فالجمهور عنصر مهم، وقد يكون الأهم في هذه العملية، فإذا لم يتأثر بالخطبة وجدانياً وفكرياً، لم تحقق الغاية المرجوة منها. وحتى يتم ذلك يجب على الخطيب أن يكون خبيراً لأنماط الناس الذين يرتادون مسجده له؛ ليقوم باختيار الموضوع المناسب واللغة المناسبة. وجمهور الجمعة جمهور عام تجد فيه الكبير والصغير، والغني والفقير، والمثقف والأمي، والعالم والجاهل، والعامل والفلاح، وغير ذلك من الأنماط الفكرية والاجتماعية، ولا يعقل أن يكون هؤلاء جمعياً بالقدر نفسه من الثقافة والفهم، والخطيب البارع هو الذي يعرف جمهوره جيداً ويعرف كيف يخاطبه، لكن بعض الخطباء يغفلون هذه النقطة ويتحدثون بلغة صعبة لا يفهمها إلا الذين أوتوا حظاً من الثقافة، ويخوضون في مواضيع عملية أو فلسفية تحتاج إلى أفق واسع قد لا يملكه الكثيرون. وفي هذا ظلم لقطاعات واسعة من المسلمين، لا يجوز لخطبائنا أن يتجاهلوها؛ لأنها قد تستفيد من الخطبة وتتأثر بها من غيرها.

 

5-الإطالة:

بعض الخطباء يظن أن الإطالة في الخطبة شيء مستحسن، فيطيل دون أن يستحق الموضوع المطروق الإطالة، مما يورث الناس الملل والضجر. والأصل في حضور خطبة الجمعة أنه عبادة، لذلك يجب أن تكون النفوس بعيدة عن أي أثر سلبي، والنفوس بطبيعتها البشرية تتفاوت في القدرة على التحمل والاستيعاب، لذلك ينبغي على الخطيب أن يكون واقعياً في تعامله مع جمهوره، وتزداد خطورة الإطالة على الجمهور حينما يطرق الخطيب موضوعاً علمياً أو فلسفياً يحتاج إلى تركيز أكبر.

 

ولعل بعض هؤلاء الخطباء يندفعون للإطالة بدافع طيب، إذ يحاولون بإطالتهم اغتنام الخطبة؛ لتثقيف المسلمين بأمور دينهم لما يلاحظونه من ابتعاد المسلمين عن ثقافتهم الإسلامية، لكنهم لا يدركون أن الإطالة قد تفسد تفاعل المستمع مع الخطبة، ولو أنهم فكروا قليلاً؛ لوجدوا أنه ليس من الممكن تثقيف الأمة من خلال منبر الجمعة، وأن منبر الجمعة يؤدي دوراً عظيماً إذا استطاع ربط المسلمين بقضاياهم وعقيدتهم، وحببهم بثقافتهم وحركتهم باتجاهها، وحضهم على التفقُّه بالدين، وزرع نفوسهم بإدارة التغيير.

 

6-المنهج الموضوعي في الطرح:

إنَّ العقل هو الأداة الوحيدة لهضم الأفكار والمعاني، لذلك على الخطيب أن يحترم عقول مستمعيه، وأن يبني أفكاره واستنتاجاته ومعانيه على أسس منطقية مقنعة، وألاّ يفرض أراءه ومواقفه على جمهوره أن يقدم المبررات الشرعية والمنطقية لها، فعندما يحارب الخطيب ظاهرة ما، يجب ألاّ يلجأ إلى السباب والشتائم في معالجة هذه الظاهرة، وأن يتجنب شحن الجمهور عاطفياً ضدّها دون أن يقنعهم بها بشكل منطقي واضح نزيه، فالعواطف عامل متغير يتأثر بالظروف المحيطة، أما الإقناع المنطقي فهو عامل ثابت يستمد ثباته من الحقائق التي لا تتغير بتغيير الزمان والمكان، والإنسان يحب بطبعه أن يتخذ موقفه بنفسه، ويكره أن يفرض عليه أحد الموقف الذي يريده .

 

لقد ابتلي المسلمون في أيامنا هذه بأسلوب غريب في معالجة مشاكلهم، ألا وهو أسلوب السبّ والشتم والتجريح، وبعض خطباء المسلمين يستعملون هذا الأسلوب في معالجة القضايا الإسلامية على المنبر، فيعلنون الحرب الشعواء مثلاً على المسلم الذي يصلي يوم الجمعة فقط ويتهاون بالصلاة في باقي الأيام، ويكفرونه أحياناً، وقد يكون بعض هؤلاء الذين يحاربهم الخطيب قد حضروا إلى المسجد وفي أنفسهم بعض بذور التوبة التي لمّا تنضج بعد، فيقضي الخطيب بأسلوبه القاسي على هذه البذور، ويدفع بهذا الذي يحبو في توبته، بعيداً عن دائرة التوبة، ولو أنه ترفق في حربه، واستخدم الألفاظ الطيبة والأمثلة المؤثرة، لأضاف للمسجد كسباً بهذا التائب الجديد.

 

وقد يكون للخطيب موقف معين من بعض القضايا الخلافية، فيحاول فرضه على جمهوره، ويقوم بالتقليل من قيمة الرأي المقابل، وقد يجرح أصحابه، دون أن يترك للجمهور فرصة ليتخذ موقفه من هذا الأمر على ضوء حجج شرعيةً ومنطقيةً مقنعة.

 

7-استهلاك المنبر في القضايا الخلافية والحزبية:

إن منبر الجمعة منبر دعوي يجب أن يوجه لهداية الناس، وتعميق الإيمان والتقوى في نفوسهم، وتنمية روح العمل والإخلاص، لكن بعض المسلمين للأسف يصّرون على نقل خلافاتهم الحزبية، والفكرية والفقهية، والشخصية أحياناً، إلى المنابر ليشغلوا الجماهير المسلمة بقضايا هامشية، أو شكلية، أو اجتهادية، أو شخصية، وليزرعوا في نفوسهم الإحباط واليأس من الواقع الإسلامي المتدهور بسبب خلافات الإسلاميين.

 

ماذا ننتظر من الجمهور المسلم غير الإحباط واليأس عندما يرى الدعاة الذين يحتلون موقع القدوة الأولى في الصف الإسلامي وهم مشغولون بخلافات مؤسفة يعالجونها بالاتهام والتجريح؟!

 

8-عدم مراعاة الرواد الجدد للخطبة:

إنَّ ما يثلج صدر المؤمن أنه بالرغم من الواقع الإسلامي المضطرب، فإن المسجد لا يزال يستقبل أفواجاً من التائبين الذين استيقظت في نفوسهم بذور الإيمان، وصحا في وجدانهم الانتماء للإسلام، وإن أول ما يفكر فيه هؤلاء لإرواء أشواقهم إلى دينهم وعقيدتهم هو المواظبة على خطبة الجمعة، لكن عدداً من الخطباء لا ينتبهون لهذه الظاهرة، ولا يراعون في خطبهم هذه الشريحة من الرواد، علماً بأن هذه الشريحة حساسةً تتأثر بسرعة، وعلى خطيب الجمعة أن يتعامل معها بدقة، فهي شريحة حديثة عهد بالالتزام، وقد تنفرها السلبيات التي تحدثها، فتؤديها الإطالة في غير موضعها، أو عدم الموضوعية في الطرح، أو الانفعال المفتعل، أو الخوض في الخلافيات والقضايا الحزبية.

 

وبعد: فنحن لا ننكر العامل البشري في الخطابة -فالكمال لله وحده- ومن الإنصاف أن نذكر أن الحاجة للخطباء هي التي دفعت بالكثير إلى هذا المجال.

 

اقتراحات على طريق النهوض بمنبر الجمعة:

وحتى تكتمل الفائدة من هذا البحث، أتقدم ببعضه اقتراحات للارتقاء بخطبة الجمعة إلى المستوى المطلوب، آملاً أن تجد هذه الاقتراحات حظها من الاهتمام:

1-إحداث وتشجيع معاهد تأهيل خطباء المساجد، وتطوير مناهجها وبرامجها بحيث تقدم لنا خطيباً جيداً تتوفر فيه مقومات الخطيب الناجح.

 

2-تأليف مرشد خاص بالخطباء المسلمين يحتوي على المعلومات والتوجيهات التي تهم الخطيب، وتشرف عليه لجنة من علماء المسلمين المتمرسين في مجال الخطابة.

 

3-تأليف كتاب أنموذجي يحتوي على مجموعة من الخطب التي تغطي الموضوعات الإسلامية الأساسية كافة؛ ليستهدي به الخطباء المبتدئون، على أن تقوم بإعداد هذا الكتاب نخبة من العلماء المتمرسين في هذا المجال، إعداداً لغوياً وفكرياً يتناسب مع القرن الخامس عشر الهجري، ويقوم بعض الخطباء البارعين بإلقاء الخطب إلقاءً أنموذجياً، وتسجيل الإلقاء على أشرطة توضع في خدمة المتدربين على الخطابة.

 

4-إقامة صندوق استفتاء في كل مسجد؛ لجمع آراء المصلين بالخطبة وموضوعها، حتى يتم تحسين الخطب من خلال النقد الذاتي البناء.

 

5-رفد الخطبة بدرس إسلامي يقام بعدها، ويتوسع الخطيب فيه بتفصيل المعاني التي ذكرها في خطبته، حتى يكون المجال مفتوحاً لمن يريد الاستزادة من المصلين، وبذلك ننجو من آثار الإطالة السلبية على بعض الحضور.

 

6-تشجيع انتشار أشرطة (الكاسيت أو ما يقوم مقامها) التي تحوي خطب الجمعة القّيمة والناجحة والمؤثرة؛ للاستفادة منها، علماً بأنه ليست أشرطة الخطب الموجودة في الأسواق كلها على المستوى المطلوب، وحبذا لو قامت لجنة معتمدة في العالم الإسلامي، للاهتمام بهذا الميدان، وتقديم الدراسات فيه، وعرض النماذج الجيدة؛ لتعمّ ويتحقق المقصود.

 

وختاماً فإننا لا ندَّعي -في هذه العجالة- أننا غطينا هذا الموضوع الخطير، لكنها محاولة لتسليط الضوء على واقع خطبة الجمعة التي نعول عليها الكثير.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات