طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > دور الدعاة في مواجهة علمنة الإسلام

ملتقى الخطباء

(724)
751

دور الدعاة في مواجهة علمنة الإسلام

تاريخ النشر : 1437/03/25
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

فيجب على المسلم أن يعظم النص الشرعي، وأن يعرف قدره، وأن ينزله منزلته التي تنبغي له، وأن يحفظه من عبث العابثين والمعتدين والمبطلين، وأن يعظم النص ويحترمه فلا يرده أو يحرفه، أو يزيد فيه أو ينقص منه، أو يبدل أو يغير، بل يجعله الأصل الذي يجب إتباعه والميزان الذي يزن به كل الأقوال والأعمال.

 

 

 

العلمانية منتج ثقافي، واجتماعي أوروبي  ظهر، في أواسط القرن الثامن عشر في فرنسا من بعدها لباقي دول العالم؛ وذلك نتيجة ظروف دينية، واجتماعية، وسياسية، واقتصادية، وكانت بمثابة انتفاضة النخب العلمية والثقافية ضد الطغيان الكنسي الذي فاق كل التصورات وجاوز كل الحدود في تحدي المعقولات ومعاداة الكشوف العلمية في شتى مجالات الحياة، والإصرار علي الوصاية علي العقول والضمائر، والخلط بين الموروث والمكشوف، حتى أصبحت الكنيسة كابوساً يؤرق كل الأحرار والعقلاء، وفي النهاية سقطت الأساطير والخرافات                                                                                            الكنسية، ولكن بأفدح ثمن وهو نبذ الدين والمقدسات بالكلية، ومن ثم ظهرت أوروبا العلمانية بديلاً عن أوروبا النصرانية.

 

ورغم أن الغرب استفادت كثيراً من الفكر العلماني وتقدمت حضارياً وصناعياً واقتصادياً وسياسياً إلا أن الثمن كان فادحاً، فقد وقع الغرب في مأزق خطير تمثل في الأزمة الروحية الخطيرة التي يعانيها الغربيون في ظل غياب الإيمان وتحييد الدين وتحطيم المقدسات، وانتشار الإلحاد وتوحشه وظهور المناهج العلمانية المتطرفة التي تتصادم مع الفطرة، وتقوم بنفس الدور الذي لعبته الكنيسة من قبل، ولكن من زاوية أخرى، فظهرت الشيوعية التي مارست أشد أنواع الإقصاء للدين وأتباعه، وصادرت كل الحريات وقضت علي كل الإرادات، من أجل فرض منهجها ورؤيتها الخاصة، وبعد الشيوعية ظهرت الوجودية وحركات تقديس العقل، وجماعات عبادة الذات، والانفلات الجامح عن كل شيء، وأي شيء باسم الحريات الشخصية.

 

العلمانية لم تعبر البحر المتوسط إلى عالمنا العربي والإسلامي من خلال الأفكار والقناعات والمطالب الشعبية أو الصراع التاريخي بين المجتمع والمؤسسات الدينية، كما حدث في الغرب، ولكن فرضت علي المنطقة فرضاً ورغماً عن أهلها، ولأنها منتج غربي وليد بيئته وابن ظروفه، فقد كان مثل السم الزعاف الذي سار في جسد الأمة، فلم يجلب عليها إلا الخراب والدمار وطمس الهوية وضياع الخصوصية، والتعلق بأذيال الغرب، والاقتداء بآثاره والسير علي خطاه، حتى ولو علي حساب ثوابتنا الدينية وهويتنا الوطنية وخصوصيتنا القومية، واقتيد أبناء الإسلام لبلاد الغرب باسم الابتعاث العلمي وتحت مسمى دراسة الفيزياء والكيمياء والطب، فعادوا بالفلسفة والمنطق واللغات والسياسة، عادوا بالغث الفاسد وتركوا السمين النافع، عادوا ليكونوا جراباً وسهاماً في يد أعداء الأمة يطعنون بها ثوابت الأمة الدينية والاجتماعية، ويسخرون من تراثها وثقافتها، ويشوهون تاريخها وإنجازاتها الحضارية. وعطائها الإنساني والترويج للمبادئ العلمانية والأنماط الأوروبية في الحياة، باعتبارها النموذج الناجح في التعامل مع متغيرات الحياة المتلاحقة.

 

ونظراً لكون العلمانية نبت شيطاني غريب على التربة الإسلامية التي ماؤها وغذاؤها القرآن والسنّة والتجربة الثرية للأمة، لذلك فقد اجتهد سدنة العلمانية في الترويج لأفكارهم ومبادئهم بطريقة شيطانية تعتمد على مزج العلمانية بالدين الإسلامي، والتنقيب في النصوص الإسلامية والمواقف التاريخية من أجل استخراج ما يعضد أفكارهم الخبيثة، وذلك لنزع فتيل التعارض بين الفكرة الإسلامية والفكرة العلمانية، وبالتالي يسهل الادعاء بطون العلمانية لا تتعارض مع الإسلام في شبر، لذلك فلا مانع من تطبيقها والاستفادة منها؛ لنهضة الأمة الإسلامية.

 

 ومن أبرز النصوص التي يعتمد عليها العلمانيون في بث الشبهات، قوله -صلى الله عليه وسلم-: "أنتم أعلم بأمور دنياكم".

 

وقصة الحديث كما رواها الإمام مسلم في صحيحه: ولفظه عن طلحة -رضي الله عنه -قال: مررت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-بقوم على رءوس النخل فقال: "ما يصنع هؤلاء؟" فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما أظن يغني ذلك شيئاً" قال: فأُخبروا بذلك فتركوه، فأُخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذلك، فقال: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظناً، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به، فإني لن أكذب على الله -عز وجل-".  وفي رواية عن رافع بن خديج قال: قدم نبي الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة، وهم يأبِرون النخل، يقولون يُلقِّحون النخل، فقال: "ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه، قال: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً" فتركوه فنفضت أو فنقصت، قال: فذكروا ذلك له، فقال: "إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر". وفي رواية عن أنس وعائشة -رضي الله عنهما-: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم-مر بقوم يلقحون، فقال: "لو لم تفعلوا لصلُح" قال: فخرج شيصاً، فمر بهم فقال: "ما لنخلكم؟" قالوا: قلت كذا وكذا، قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم".

 

وتفسير الحديث بديهي لا يحتاج لكل هذه الطنطنات التي أثيرت حوله، وبه، وقصته واضحة الدلالة فيما تركه الرسول -صلى الله عليه وسلم-للناس من أمور يتصرفون فيها بمعرفتهم؛ لأنهم أعلم بها وأخبر بدقائقها.

 

 إنها المسائل العلمية الفنية التطبيقية التي تتناولها خبرة الناس في الأرض، منقطعة عن كل عقيدة أو تنظيم سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي، وهي في الوقت –ذاته- تصلح للتطبيق مع كل عقيدة وكل تنظيم؛ لأنها ليست جزءاً من أي عقيدة أو أي تنظيم؛ بل إنها حقائق علمية مجردة عن وجود الإنسان ذاته بكل عقائده وكل تنظيماته.

 

كحقيقة اتحاد الأكسجين والهيدروجين؛ لتكوين الماء، وحقيقة انصهار الحديد في درجة كذا مئوية: هي حقائق ليست ناشئة عن وجود الإنسان. وإنما هي سابقة له، موجودة منذ وجدت هذه العناصر في الكون.

 

 وقصارى تدخل الإنسان فيها أن يكتشفها ويعرفها، ثم يستغلها لصالحه، ويطبقها في حياته العملية.

 

وقصة النخل لا تخرج عن كونها حقيقة علمية اكتشفها الإنسان فطبقها في حياته العملية: حقيقة التلقيح والإخصاب في عالم النبات، وهي عملية لا يتم بدونها تكون الثمرة ونضجها على النحو المعروف. والرسول     -صلى الله عليه وسلم- لم يقطع فيها برأي -كما هو ظاهر من الحديث -وإنما قال: " إنما ظننت ظناً."

 

فالعلمانيون ومن تبعهم أو انخدع بزائف أقوالهم، يريدون التوصل من خلال الفهم المحرف لهذا الحديث، إلى أن كل ما جاء في النصوص الشرعية متعلقاً بأمر من أمور الدنيا على جهة الأمر أو النهي أو غير ذلك، فإن تلك النصوص تصبح كأن لم تكن، وتدار أو يتم التعامل مع تلك الأمور الدنيوية من قبل الرأي البشري القائم على المصلحة أو التجربة على أساس أنها مسألة دنيوية، لا دخل للشرع فيها.

 

وهم بعد تقريرهم لتلك القاعدة الفاسدة، إذا أعياهم تأويل أو تحريف أي نص يتعلق بمسألة لهم فيها رأي مناقض للشرع، إذا أعياهم ذلك، قالوا: هذه من مسائل الدنيا وأمورها، وبالتالي فنحن أحق بها، ولا دخل للشريعة فيها!

 

 ومن تلك المسائل التي تعاملوا معها بتلك القاعدة الفاسدة:

 

-النظام السياسي فإنهم يقولون: هو من مسائل الدنيا التي نحن أعلم بها، وأحق بإبداء الرأي فيها.

 

والرد على هذه الشبهة يكون من عدة أوجه:

 

أولاً: أن يعرف المسلم الحق واجبه تجاه النصوص الشرعية حتى لا يكون نهباً وغنيمةً باردة للمفسدين والمتأولين، يعبثون به كيف ما شاءوا.

 

فيجب على المسلم أن يعظم النص الشرعي، وأن يعرف قدره، وأن ينزله منزلته التي تنبغي له، وأن يحفظه من عبث العابثين والمعتدين والمبطلين، وأن يعظم النص ويحترمه فلا يرده أو يحرفه، أو يزيد فيه أو ينقص منه، أو يبدل أو يغير، بل يجعله الأصل الذي يجب إتباعه والميزان الذي يزن به كل الأقوال والأعمال. وهذا أصل من الأصول التي ينبغي للمسلم التنبه لها فتعظيم النص من تعظيم المولى -جل وعلا-ومن التعظيم الانقياد والاتباع والقبول به، ومن التعظيم للنصوص وجوب الجمع بين النصوص التي ظاهرها التعارض وهي في حقيقتها ليست كذلك. فنصوص الشريعة مؤتلفة لا مختلفة، ومتفقة لا مفترقة ليس بينها اضطراب أو اختلاف ولا تعارض، أو تضارب أو إشكال؛ لأنها من عند العزيز الحكيم لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها جاء بها من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وما يظهر من التعارض في النصوص إنما هو في الظاهر، وفي ذهن الناظر لا المنظور من النصوص فلا تعارض بين النصوص الصحيحة سواءً كانت قطعية أو ظنية.

 

ثانياً: الأصل في أقوال النبي محمد -صلى الله عليه وسلم -وأفعاله وتقريراته أنها حجةً شرعيةً على عباد الله، إن ثبتت بطريقةٍ صحيحةٍ.

 

وهذا واضح كل الوضوح فيما كان من ذلك مبيِّنًا لأمور الدين، كالإيمان بالله –تعالى-، والإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، وكالأحاديث المبينة لأحكام الله –تعالى-من الحلال والحرام والفرائض وأنواع التعبدات والمعاملات.

 

أما الأمور الدنيوية، فهل يلزم أن تكون اعتماداته وأقواله –صلى الله عليه وسلم- فيها مطابقة للواقع بمقتضى نبوته، أو لا صلة له بمنصب النبوة.

 

واختلف فيه على مذهبين:

 

المذهب الأول: هو مذهب الجمهور القائل بعصمته -صلى الله عليه وسلم -في أمور الدنيا أيضاً.

 

والمذهب الثاني: القائلين بعدم العصمة في الأمور الدنيوية، وحكاه عن القاضي عياض، والقاضي عبد الجبار الهمداني المعتزلي، والشيخ محمد أبو زهرة.

 

والأمور الدنيوية على ثلاثة أنواع:

 

النوع الأول: الأمور الغائبة عنه -صلى الله عليه وسلم -مما شأنه أن يعرفه من رآه أو سمع به، ولا يعرفه الإنسان المعتاد بمجرد الفكر. فهذا من علم الغيب، فلا يعلم النبي -صلى الله عليه وسلم-مثل ذلك إلا بطرق الوحي.

 

النوع الثاني: أمور البشر وأسرارهم، وما في قلوبهم، وما عملوا في حال غيبتهم، فلا يعلمُ النبي ذلك بغير اطلاع خاص من الله –تعالى-، وكان -صلى الله عليه وسلم- يُجري أحكامه على الظاهر وموجب غلبة الظن، بالشاهدين، أو يمين الحالف، أو القرائن أو غيرها.

 

النوع الثالث: ما يدخل من أمور الدنيا ضمن ما يسمى العلوم البحتة والعلوم التطبيقية، وهي ما يفعله الإنسان بقصد تحصيل نفع في البدن أو المال، أو دفع ضرر كذلك، أو يدبر تدبيراً في شأنه خاصةً، أو شؤون المسلمين عامةً؛ لغرض التوصل إلى جلب نفع أو دفع ضرر، وهذا النوع الأخير يشمل أنواعاً منها: الأمور الطبية، وشؤون الزراعة، والصناعة، والتجارة، والتدابير الفنية في الحروب وغيرها.

 

يخلص بعدها إلى القول بأن أقواله -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله في ذلك الباب ليست حجة، ولا يلزم الأخذ بها، بل هي أقوال وأفعال مبنية في الأصل على التجارب الشخصية للنبي –صلى الله عليه وسلم- من حيث هو بشر.

 

ثالثاً: أن ما ذكره العلمانيون عن تفسير الحديث لم يقله أحد من أهل العلم المتخصصين في تفسير كلامه -صلى الله عليه وسلم-، بل هو مخالف لأقوالهم، وما كان هذا سبيله فهو مردود على صاحبه، مرفوض غير مقبول، فقد بوب النووي على ذلك الحديث بقوله: "باب وجوب امتثال ما قاله شرعاً، دون ما ذكره -صلى الله عليه وسلم- من معايش الدنيا على سبيل الرأي"، وقال أيضاً في شرح هذه الأحاديث: "قال العلماء: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مِنْ رَأْي ) أَيْ فِي أَمْر الدُّنْيَا وَمَعَايِشهَا لَا عَلَى التَّشْرِيع. فَأَمَّا مَا قَالَهُ بِاجْتِهَادِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَآهُ شَرْعًا يَجِبُ الْعَمَل بِهِ، وَلَيْسَ إِبَارُ النَّخْل مِنْ هَذَا النَّوْع، بل من النوع المذكور قبله، قال العلماء: ولم يكن هذا القول خبراً، وإنما كان ظناً كما بينه في هذه الروايات، قالوا: ورأيه -صلى الله عليه وسلم- في أمور المعايش وظنه كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نقص في ذلك، وسببه تعلق هممهم بالآخرة ومعارفها والله أعلم". فمما تقدم نقله عن أهل العلم يتبين أن مجال هذا الحديث إنما هو في (أمر الدنيا ومعايشها)، ولم يذكر العلماء تلك العبارة مطلقة، بل قيدوها بما يبطل كل محاولات التأويل الباطل لهذا الحديث، فقد قيد العلماء (أمر الدنيا ومعايشها) بأن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- قاله (على سبيل الرأي) أي أنه قاله (لا على سبيل التشريع) وهذا التقييد يعني أمرين:

 

الأول: أن الأمور التي يقال فيها: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" هي تلك الأمور التي لم تتناولها الأدلة الشرعية تناولاً عاماً أو تناولاً خاصاً، أو الأمور التي تناولتها السنة لا على سبيل التشريع وإنما على سبيل الرأي فقط.

 

الثاني: أن الأصل في كل ما تناولته النصوص الشرعية –ولو كان متعلقاً بأمر الدنيا أو المعاش أو غيره-أن يكون على سبيل التشريع إلا أن يدل الدليل أو القرينة على خلاف ذلك ويؤيد هذا الكلام أيضاً أمران:

 

أ-تصرف الصحابة في القصة المذكورة حيث امتنعوا من تأبير النخل –رغم خبرتهم السابقة عن أهمية ذلك التلقيح علاوة على أنه أمر من أمور المعايش الدنيوية-وذلك لما لم يظهر لهم دليل أو قرينة تبين لهم أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال ما قال على غير سبيل التشريع، وهذا يعني أنهم -رضي الله عنهم- يتعاملون مع أقواله -صلى الله عليه وسلم- ولو كانت في أمور المعايش على أنها على سبيل التشريع حتى يأتي من الدليل الشرعي ما يبين أنها على غير سبيل التشريع.

 

ب-طريقة صياغة العلماء للعبارات السابقة، فإنها واضحة كل الوضوح في أن الأصل في كل ما جاء في النصوص الشرعية إنما يتم التعامل معه على أنه جاء على سبيل التشريع، ولذلك احتاج هؤلاء العلماء أن يقيدوا الأمور التي لا يجب على المسلمين امتثالها من معايش الدنيا، بأنها التي جاءت (على سبيل الرأي) أو (لا على سبيل التشريع)، وهذا يعني أن النصوص التي جاءت في معايش الدنيا أو غيرها ولم تظهر قرينة أو دليل يبين أنها جاءت (على سبيل الرأي) لا على سبيل التشريع فإنه يتم التعامل معها على أنها نصوص تشريعية يجب امتثالها.

 

رابعاً: الأدلة على تعلق الخطاب الشرعي أمراً ونهياً وتخييراً بأمور الدنيا، أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر في هذا الكتاب، لذلك نشير إلى جمل من ذلك فقط، فعلى سبيل المثال:

 

-عيادة المريض، هو أمر اجتماعي يمس علاقات التواصل والألفة بين الناس، ومع ذلك فقد تعلق به الخطاب الشرعي أمراً وتحريضاً: منه قوله -صلى الله عليه وسلم-: "عودوا المريض"، ومنه قول البراء بن عازب: أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-بسبع…الخ، الحديث، وفيه "وأمرنا أن نتبع الجنائز ونعود المريض ونُفشي السلام".

 

-وعلى سبيل المثال أيضاً: الطب والدواء، فهو أمراً من المصالح والمنافع التي يحتاجها الناس، وهو أيضاً أمراً للخبرة فيه دخل كبير، ومع ذلك فقد تعلق به الخطاب الشرعي، وانظر في ذلك كتاب (الطب) أو كتاب (المرضى) في صحيح البخاري وغيره من كتب السنة، وعلى سبيل المثال فقد جاء قوله -صلى الله عليه وسلم-: "الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار وأنهى أمتي عن الكي" ففي هذا الحديث يبين الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعض الأدوية النافعة في العلاج، ثم ينهي عن بعضها، وهذه الأمور هي من الأمور الدنيوية، ولكن مع ذلك قد تعلق بها الخطاب الشرعي، حتى إنه عندما أشار الرسول -صلى الله عليه وسلم- باستعمال العسل شفاءً من داء استطلاق البطن، وأخذ المريض الدواء، فازداد بطنه استطلاقاً، ورجع الخبر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-لم يقل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-في هذا الحديث كما قال في حديث تأبير النخل: "أنتم أعلم بأمر دنياكم"، وإنما قال لمخبره: اسقه عسلاً، فسقاه فازداد استطلاقاً، فرجع إليه وقال: لقد ازداد بطنه استطلاقاً، فقال -صلى الله عليه وسلم- مصراً على مقالته الأولى-: اسقه عسلاً، فسقاه فجاءه الرجل المخبر وكان أخاً للمريض-وأخبره بعدم الشفاء، فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم- مؤكداً على مقالته الأولى ومحتجاً لها-"صدق الله وكذب بطن أخيك، اسقه عسلاً، فسقاه فبرأ"، والحديث أخرجه البخاري في كتاب الطب ومسلم وغيرهما.

 

يقول ابن تيمية -رحمه الله-: "التشريع يتضمن الإيجاب والتحريم والإباحة، ويدخل في ذلك ما دل عليه من المنافع في الطب، فإنه يتضمن إباحة ذلك الدواء والانتفاع به، فهو شرع لإباحته، وقد يكون شرعاً لاستحبابه، فإن الناس قد تنازعوا في التداوي والتحقيق أن منه ما هو محرم ومنه ما هو مكروه ومنه ما هو مباح، ومنه ما هو مستحب وقد يكون منه ما هو واجب".

 

-وعلى سبيل المثال أيضاً: اللباس والزينة، ما يلبس المرء ومالا يلبس وتفاصيل كثيرة متعلقة بذلك هي من الأمور الدنيوية، ومع ذلك فقد تعلق بها الخطاب الشرعي، بحيث يبين ما يجوز لبسه وما لا يجوز، ويبين كيفيات اللباس المباحة والممنوعة إلى غير ذلك من التفاصيل، ومن أراد التفاصيل فليطلع في كتب السنة على أحاديث كثيرة مجموعة تحت اسم: (كتاب اللباس والزينة).

 

-وعلى سبيل المثال أيضاً: كراء الأرض الزراعية بتفاصيلها المختلفة سواءً كانت الأرض مشجرة أو غير مشجرة، وسواءً كان الإيجار بمال، أو بغلة جزء معين من الأرض وغير ذلك من التفاصيل قد تناولها أيضاً الخطاب الشرعي، ولينظر الناظر في تفاصيل ذلك في كتاب المساقاة والمزارعة وكراء الأرض في كتب السنة وكل هذا من الأمور الدنيوية.

 

-وعلى سبيل المثال أيضاً مسائل البيع والشراء، والربح والدين، والرهن، وما يتعلق بذلك من التفاصيل الكثيرة التي لا يتسع المقام للحديث عنها تعلق بها الخطاب الشرعي مع أنها من أمور الدنيا. فكل ما ذكرناه، وما لم نذكره من هذه الأمور، هو من الأمور الدنيوية، ومع ذلك فقد تعلق بها الخطاب الشرعي أمراً أو نهياً وتفصيلاً وبياناً، ولو صدق كلامهم في فهم الحديث: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" لانطبق كلامهم ذاك على ما تقدم ذكره من الأمثلة، ولأدى هذا إلى إخراج كثير من الأمور من الخضوع للأحكام الشرعية، ولأدى ذلك أيضاً إلى هدم الدين وتبديل أحكام الشريعة، وهو أمر باطل باتفاق أهل العلم، وما استلزم الباطل فهو باطل فيكون فهمهم للحديث باطلاً. ومن كل ما تقدم يتبين أن قوله -صلى الله عليه وسلم-: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" لا يتعارض مع النصوص الشرعية التي جاءت متعلقة بأمور الدنيا، وبالتالي فإنه لا يمكن أن يستفاد من ذلك الحديث أن المسائل المتعلقة بالنظام السياسي هي من الأمور المتروكة للبشر، وذلك لأن النظام السياسي جاءت في شأنه نصوص شرعية من الكتاب والسنة عامةً وخاصةً تبين وتفصل الأحكام المتعلقة به.

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات