طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خادم الحرمين يؤكد الحرص على توطيد العلاقة مع العراق    ||    اليمن.. انطلاق مهمة "القبضة الحديدية" في حضرموت    ||    ليبيا.. تراجع حاد بأعداد المهاجرين في مركز تهريب البشر    ||    ميليشيات الحوثي تداهم المنازل بصنعاء وتختطف 40 فتاة    ||    مشاعر محبوسة    ||    انطواء طفلك.. بيدك أنت!    ||    مخالفات قولية عند نزول المطر    ||    الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة الغلو والتطرف    ||

ملتقى الخطباء

(817)
749

العدل والإنصاف

تاريخ النشر : 1437/03/23
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

تواضعُ الإنسانِ في نظرته إلى نفسه وعلمه وآرائه، هو الذي يُـمَكِّنه أن يكون متواضعاً في نظرته إلى غيره. ومن هنا يأتي إنصافه لهم، فالتواضع يكون أساساً مع النفس ومع الذات، والإنصاف يكون مع الغير وخاصة مع المخالفين.

 

 

 

ما أرى شريعة دعت إلى الإنصاف ولا شريعة حذرت من الإجحاف والعصبية من شريعة تقول: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [المائدة :2].

 

إنَّ الإنصاف خلُق رفيع وأدب سامٍ يدلُّ على كرم النفس وصفاء السيرة والبعد عن الأثرة، وبالإنصاف يقوى الفهم، ويتسع الأفق، ويعلو القدر، ويسود الود، وأعلى ما في ذلك كله: حصول رضا الله -جلَّ وعلا-، قال تبارك وتعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) [النحل: 90]. وقال عز وجل: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين) [الحجرات: 9]، وقال تبارك وتعالى: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [المائدة: 8].

 

أخرج ابن الجوزي عن عمر بن سعيد عن أمه قالت: "قدم ابن عمر مكة، فسألوه، فقال: "أتجمعون لي يا أهل مكة المسائل وفيكم ابن رباح -يعني عطاءً-؟!".

 

فابن عمر-رضي الله عنه- كان صحابيًا وعطاء -رحمه الله- كان تابعيًا، ومع ذلك لم يجد ابن عمر غضاضة أو حرجًا من إنصاف عطاء.

 

الإنصاف لغة: مأخوذ من (النِّـصْـف). وأصل استعماله من الشيء يكون مشتركاً على التساوي بين اثنين، فمن أخذ نصفه بلا زيادة فقد أنصف، ومن أعطى شريكه نصفه بلا نقصان فقد أنصف. ومن حَكمَ أو قَسَم بين شريكـين فأعطى كل واحد نصفه بلا زيادة ولا نقصان فقد أنصف. ثم اتسع استعمال اللفظ ومشتقاته، للدلالة على السَّوِية بين الناس فيما لهم وما عليهم، سواء كان النصفَ أو غيرَه مما هو مستحق، وسواء كان ذلك في الأشياء، أوفي الأفعال، أوفي الأقوال.

 

تواضعُ الإنسانِ في نظرته إلى نفسه وعلمه وآرائه، هو الذي يُـمَكِّنه أن يكون متواضعاً في نظرته إلى غيره. ومن هنا يأتي إنصافه لهم، فالتواضع يكون أساساً مع النفس ومع الذات، والإنصاف يكون مع الغير وخاصة مع المخالفين.

 

ولا يكون إنصافٌ للمخالف، بدون تواضع ذاتي، فالمتكبر والمكابر في نفسه، لا يُنتظر منه إنصاف لغيره.

قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) [النساء: 135]، وقال سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المائدة: 8].

 

أ-الإنصاف مع الكفار:

دعانا سبحانه في كتابه وعلّمنا الإنصاف حتى مع الكفار، فقال تعالى مفرقاً بين أصناف أهل الكتاب: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً) [آل عمران:75]. فتأمل كيف فصّل ولم ينسب هذا الخُلق السيئ إليهم جميعاً، مع أن عند جميعهم ما هو أسوأ منه، وقال تعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) [العنكبوت :46]. ففرّق –تعالى- بين الذين ظلموا وبين غيرهم، وبيّن لنا أن منهم من يجادَل بالتي هي أحسن، ومنهم من يجالَد بالتي هي أقوم، وبين تأخير اللام وتقديمها –لمن يستحق ذلك– عدل عظيم وإنصاف مبين.

 

وفي سورة الممتحنة فرّق سبحانه بين من قاتلونا في الدين وأخرجونا من ديارنا و ظاهروا على إخراجنا، وبين من لم يفعل ذلك من الكفار، فقال تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الممتحنة:8-9]

ولذلك فرّق رسولنا -صلى الله عليه وسلم- في معاملاته وسيرته وطريقته وهديه مع من حارب الله ورسوله وآذى المؤمنين كعقبة بن أبي معيط وأمثاله، وبين من أجاره ونصره وسعى في نقض صحيفة الحصار التي أبرمتها قريش كالمطعم بن عدي و أبو البختري، حتى قال -صلى الله عليه وسلم- في أسارى بدر: "لوكان مطعم بن عدي حياً، ثم كلَّمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له".

 

 أيُّ شكر هذا وأيُّ إنصاف في الحديث حتى عن مشرك وثني كان قد أعانه وأجاره في وقت من الأوقات، فكافأه صلى الله عليه وسلم بهذا الموقف حتى بعد وفاته، وقال فيه هذه المقالة؟!

 

هذا الإنصاف الذي هو مزية الأشراف، فمن باب أولى إن كان الحديث عن مسلمين لهم حق من الموالاة لا يخرجون منها ما داموا داخل دائرة الإسلام.

 

ب-بين المشركين والعصاة من المؤمنين:

إنه في مقابل ما طلبه الله منا من براءة كاملة من الشرك وأهله كما في قوله: (قدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّه) [الممتحنة:4]. فإنه –سبحانه-أمرنا بالإنصاف مع العصاة من أهل الملة فقال في شأن المؤمنين: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ) [الشعراء: 215-216].

 فتأمل الفرق بين البراءة الكاملة من المشركين والبراءة الجزئية من المؤمنين والمتمثلة بالبراءة من معاصيهم فقط، دون البراءة منهم أنفسهم.

 

هذا الفرقان يمثّل العدل والميزان والإنصاف، ولذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا عصى أحد أصحابه لا يتجاوز في عقوبته الحد الذي حده الله لأمثاله، ويشهد حتى للعصاة منهم بالحق الذي يستحقونه، فلا تُضيِّعُ معصيتُهم – ولو كانت من الكبائر- حقوقَهم ولا تخرجُهم من دائرة الموالاة الإيمانية، فلما رجم الغامدية في الزنا ورماها خالد بن الوليد بحجر في رأسها فنضح دمها على وجهه فسبّها، قال له صلى الله عليه وسلم: "مهلاً يا خالد، فو الذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مَكْسٍ لغُفر له" (مسلم:1695)، ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت.

 

وفي رواية لمسلم –أيضاً- أن عمر قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "أيصلى عليها؟ فقال: "لقد تابت توبة لو قُسمت بين أهل المدينة لوسعتهم". وفي رواية "هل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله" (مسلم:1696).

الله أكبر..ما أجمله وأكمله من عدل وإنصاف! خطيئتها شيء وحقها وإنصافها شيء لا يضيع رغم خطيئتها، إن هذا هو العدل الذي أمرنا الله تعالى به في كتابه: (وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) [الأنعام :152].

 

وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: "أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَكَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَا تَلْعَنُوهُ فَوَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ"(البخاري:6780).

 

جـ-حرمة التعميم في الذم:

 سبحانه ما أعدله حتى مع من حارب دينه وآذى نبيه وصدَّ عن سبيله، قال: (وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ…) [الأحزاب:13]، (وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ…) [الأحزاب:13]، (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي…) [التوبة:49]، (وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ…) [التوبة:58]، (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ…) [التوبة:61]، (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ…) [التوبة:57]، وهكذا، ومنهم، ومنهم.

 

وكذلك فصل في الأعراب فقال: (وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ) [التوبة:98]، وقال: (وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ) [التوبة:99].

 

ففرّق وعَدَلَ ومَيَّزَ، وهو أهل العدل والتقوى والمغفرة، وهذا كله ليُعلمنا العدل والإنصاف والتمييز والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.

 

د -العدل مع الحيوانات:

في غزوة الحديبية، لما أبت ناقة النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تسير، وقال الصحابة: خَلأت القصواء، (يعني حرنت وبركت وأبت أن تسير من غير علة) , فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- مدافعاً عن دابته:" والله ماخلأت القصواء، وما ذاك لها بخلُق بل حبسها حابس الفيل" (البخاري:2731). فتأمل كيف يعدل النبي صلى الله عليه وسلم في الكلام والقول حتى مع البهيمة العجماء.

 

هـ-الإنصاف مع المعاهدين والذميين:

عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ آبَائِهِمْ دِنْيَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوْ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [أبو داود/3052 وصححه الألباني].

  

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-قَالَ: "أَلَا مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهِدًا لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ فَقَدْ أَخْفَرَ بِذِمَّةِ اللَّهِ فَلَا يُرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ خَرِيفًا" [الترمذي/1403 وصححه الألباني].

 

 ولما فتح الفرنجة القدس ذبحوا سبعين ألفاً في ليلتين، فلما فتح صلاح الدين القدس جاءته امرأة من أهل القدس فقدت ابنها، فوقف ولم يجلس حتى أعادوا له ابنها، هذا هو العدل، وأنت كمسلم مقيد بالعدل، لا تقلد الطرف الآخر، أنت مقيد بمنهج، يجب أن يشيع العدل بين المسلمين، بين الأسر، بين الأولاد، في الميراث، في الوصية، في التوزيع، بين الموظفين، إن لم نكن عادلين لا نستحق أن يتنزل علينا نصر الله -عز وجل.

 

قال الحافظ بن عبد البر: "المؤمن وإنْ أبغض في الله لا يحمله بغضه على ظلم مَن أبغضه"، سأل أحدهم عمر بن الخطاب (عملاق الإسلام)، قال: "أتحبني؟ قال: لا والله لا أحبك، قال: هل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي؟ قال: لا والله، قال: إذًا إنما يأ-سف على الحب النساء ".

يقول الله -عز وجل-: (فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) [النساء: 135].

 

 تروي القصص أن يهودياً جاء يشتكي على سيدنا عليّ أمام عمر بن الخطاب، وكان قاضيًا، قال: قم يا أبا الحسن، فوقف بجانب الرجل ليستويا، فلما حكم تغير وجه سيدنا علي، قال عمر: يا أبا الحسن هل وجدتَ عليّ؟ قال: نعم، قال: ولِم، ماذا فعلت؟ قال: لِم قلت لي: يا أبا الحسن، ولم تقل لي: يا علي، فضلتني عليه بالكنية.

 

و-عدل النبي مع من قسى عليه:

 وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: "جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَقَاضَاهُ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ لَهُ أُحَرِّجُ عَلَيْكَ إِلَّا قَضَيْتَنِي، فَانْتَهَرَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا وَيْحَكَ تَدْرِي مَنْ تُكَلِّمُ قَالَ إِنِّي أَطْلُبُ حَقِّي فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هَلَّا مَعَ صَاحِبِ الْحَقِّ كُنْتُمْ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَقَالَ لَهَا إِنْ كَانَ عِنْدَكِ تَمْرٌ فَأَقْرِضِينَا حَتَّى يَأْتِيَنَا تَمْرُنَا فَنَقْضِيَكِ فَقَالَتْ نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ فَأَقْرَضَتْهُ فَقَضَى الْأَعْرَابِيَّ وَأَطْعَمَهُ فَقَالَ: أَوْفَيْتَ أَوْفَى اللَّهُ لَكَ، فَقَالَ أُولَئِكَ خِيَارُ النَّاسِ إِنَّهُ لَا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لَا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ" [ابن ماجه/2426 ورجال إسناده ثقات].

 

ز-بين البغض والإنصاف:

عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعَثَ بَعْثًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قَوْمٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَإِنَّهُمْ الْتَقَوْا فَكَانَ رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إِذَا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ، وَإِنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ غَفْلَتَهُ قَالَ: وَكُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَتَلَهُ فَجَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ كَيْفَ صَنَعَ فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: لِمَ قَتَلْتَهُ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْجَعَ فِي الْمُسْلِمِينَ وَقَتَلَ فُلَانًا وَفُلَانًا وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا وَإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْهِ فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَقَتَلْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ: فَجَعَلَ لَا يَزِيدُهُ عَلَى أَنْ يَقُولَ كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"  (مسلم :97).

 

فتأمل كيف أن هذا الرجل قد أثخن في المسلمين الجراح، ولكن لم يحمل بغضُه النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- على عدم العدل معه حتى ولو أتى بحسنة واحدة.

 

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقْسِمُ، جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذِي الخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ، فَقَالَ: اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: "وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ". قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ، قَالَ:   " دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا، يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ فِي قُذَذِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي نَصْلِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي رِصَافِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي نَضِيِّهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ الفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ إِحْدَى يَدَيْهِ، أَوْقَالَ: ثَدْيَيْهِ، مِثْلُ ثَدْيِ المَرْأَةِ، أَوْقَالَ: مِثْلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ"، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا، قَتَلَهُمْ، وَأَنَا مَعَهُ، جِيءَ بِالرَّجُلِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: فَنَزَلَتْ فِيهِ: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ) [التوبة:58]. (البخاري:6933).

 

فانظر إلى غلو هذا الرجل كيف جعله يتهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعدم العدل، فكيف بأحفاده من أهل الغلو في الدين وقد رأينا منهم تكفيرهم للمسلمين مما جعلهم يستبيحون دماءهم وأموالهم وأعراضهم.

 

 

 

أـ الانتباه إلى المقاصد:

 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ" [متفق عليه ].

 

 فهذا الأعرابي نطق بالكفر، ولكن ما كل مَن وقع في الكفر وقع عليه الكفر، ليس هذا مقصده، إذًا أنت حينما تعيش بين مؤمنين، وحينما ترى خطأ أو كلمة في غير محلها ابحث عن قصد قائلها، لعله ما أراد أن يسيء، اغفر له ذلك، فحينما تكون مع القصد، ومع النية قد تسامح من حولك، أما حينما تكون قناصاً تأخذهم بكلمة ما أرادوا معناها، وما أرادوا أبعادها، فأنت لم تنصفهم، لأن نية العمل جزء منه.

 

ب ـالتحقق بالتثبت:

 شيء آخر، من عوامل الإنصاف أن تكون متحققاً متثبِّتاً، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [سورة الحجرات:6]، لأَنْ تخطئ في العفو أفضل ألف مرة مِن أن تخطئ في الاتهام، هل عندك الأدلة الكافية؟ (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) [سورة الحجرات:12]. ليس هناك دليل، كيف تهدر كرامة أخيك؟ كيف تتهمه بسوء الائتمان وليس عندك دليل؟

 قال الحسن البصري: المؤمن وقّاف حتى يتبين. وقال تعالى: (قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) [سورة النمل:27]، تحقق، تريّث، تأنّ، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِناً) [سورة النساء: 94].

 توزيع التهم بسرعة وبكثافة وبراحة، وأنت المنزَّه، وأنت المعصوم، وأنت الفهيم، والناس كلهم حولك يخطئون، هذا خطأ كبير.

 

جـ ـ حمل الكلام على أحسن الوجوه:

 ينبغي أن تحمل الكلام على أحسن الوجوه، فأحسِن الظن بإخوانك، التمس لهم الأعذار، احمل كلماتهم على مقاصد شريفة، وقد جاء في بعض أقوال الصحب الكرام: "ضع أمر أخيك على أحسنه، ما لم يأتك ما يغلبك، لا تظنَّنَّ بكلمة خرجت من امرئ مسلم شراً، وأنت تجد لها في الخير محملاً"، حاول أن تبحث عن قصد شريف لهذه الكلمة.

-عدم نشر سيئات الإنسان وتجاهل حسناته:

من التوجيهات النبوية ألاّ تنشر سيئات إنسان وتتجاهل حسناته، كان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول:

(اللهمَّ إني أعوذُ بكَ من جارِ السُّوءِ، ومن زوجٍ تشيِّبني قبلَ المشيب، ومن ولد يكونُ عليّ رَبّاً، ومن مال يكونُ عليّ عذاباً، ومن خليلٍ ماكر عينَه تراني، وقلبُه يرعاني؛ إن رأى حسنة دفنها، وإذا رأى سيّئةً أذاعها" (أخرجه الطبراني وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة:3137)

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات