طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > أمراض على طريق الدعوة (24) النميمة

ملتقى الخطباء

(775)
746

أمراض على طريق الدعوة (24) النميمة

تاريخ النشر : 1437/03/06
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

وتكمن خطورة النمام في أنه يقل الاحتراز منه؛ لأنه يأتي في صورة الناصح المشفق، فإن صدقته تحقق حينئذ ما يريده النمام من الإفساد، قال ابن حزم: “من جاء إليك بباطل رجع من عندك بحق، وذلك أن من نقل إليك كذبًا عن إنسان حرك طبعك فأجبته فرجع عنك بحق، فتحفظ من هذا ولا تجب إلا عن كلام صح عندك عن قائله”.

 

 

 

داء وبيل، وشر خطير يولد أعظم الشرور، وينتج أشد المفاسد، فكم أُدميت به من أفئدة، وقرحت من أكباد، وقُطّعت من أرحام، وقُتل من أبرياء، وعُذّب مظلومون، وطُلّقت نساء، وقذفت محصنات، وانتُهكت أعراض، وتفككت أسر، وهُدمت بيوت؛ بل كم قد أوقدت به من فتن، وأثيرت نعرات على مستوى الأفراد والأسر والبلدان والأقاليم، ففسدت العلاقات، وقامت حروب، وساءت الظنون، ولم يدع مقترفها هذا الداء للصلح موضعاً، ولا للود مكاناً. مرض خطير من أمراض القلوب وآفات اللسان وأدواء المجتمعات، وعصرنا في إعلامه واتصالاته ومواصلاته ساعد على انتشاره وزاد في آثاره، وأقصى آثاره وأخطر مجالاته عندما يكون في باب الدعوة إلى الله -عز وجل- عندها تكون حالقة الدين، وقاصمة الظهر التي لا تبقي ولا تذر.

 

إنها النميمة، بضاعة إبليس التي عرضها على الناس فاشتروها بثمن بخس. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم” يئس من الشرك بعدما دخلت العرب في الإسلام لكن لم ييئس من السعي في تفريقهم، والتحريش بينهم، وإذكاء العداوات المريقة للدماء، المفرقة بين الأحبة والأصدقاء. هذه بضاعة إبليس التي راجت في القديم والحديث، ولم يسلم من شرها وضررها تقي ولا فاجر، كان بسببها قتلُ عثمان رضي الله عنه، وموقعةُ الجمل وصفين بين سادة الأولين والآخرين. فالنمام صديقُ إبليس الصدوق، وساعده الأيمن، ووكيله المُعتَمد، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إن إبليس يضع عرشه على الماء ويبعث سراياه فأدناهم منه منزلةً، أعظمهم فتنةً، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئًا. قال: ثم يجيء أحدهُم فيقول ما تركته حتى فرقتُ بينه وبين زوجته فيدنيه منه ويقول نعم أنت”. فكيف إذا كان النمام داعية يدعو إلى الله، أو طالب علم ؟! فعندها وجب الوقوف -وبمنتهى القوة- أمام هذا الداء الفتاك والمرض العضال الذي قد يبتلى به نفر من العاملين في حقل الدعوة الإسلامية.

 

أولاً: النميمة لغة واصطلاحاً:

 

تطلق النميمة في اللغة على معان عدّة، نذكر منها:

 

1-قتُّ الكلام أو الحديث مطلقاً أي نقله، تقول: نم الحديث نماً أي قتَّه، ورجل نَمُّ، ونمَّام أي قتَّات، ثم صارت تطلق على نقل الكلام على جهة الإفساد، وفي الحديث: “لا يدخل الجنة قتّات”.

 

2-الهمس والحركة، ومنه قولهم: أسكت الله نامّته، أي ما ينمُّ عليه من حركته.

 

3-الترقيش والزخرفة، تقول: نمنم الشيء نمنمةً، أي رقّشه، وزخرفه، وثوب منمنم أي موشّى، ومنه قيل للبياض الذي يكون على أظفار الأحداث: نمنمة. ولا تعارض بين هذه المعاني جميعاً، إذ قتُّ الكلام أو الحديث قد يكون مصحوباً بالهمس، والحركة، وقد يكون مزخرفاً، ومنمقاً حتى يحظى بالقبول.

 

اصطلاحاً: أما معنى النميمة في الاصطلاح الشرعي فلها معنيان:

 

أحدهما خاص، وهو: نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد بينهم. والآخر عام، وهو: كشف ما يكره المرء كشفه سواء كرهه المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو كرهه ثالث، وسواء أكان الكشف بالقول، أم بالكتابة، أم بالرمز، أم بالإيماء يعني الإشارة وسواء أكان المنقول من الأفعال، أم من الأقوال، وسواء أكان ذلك عيباً أو نقصاً في المنقول عنه، أم لم يكن. وليس من النميمة بمعنييها الخاص، والعام، نقل الكلام أو الحديث على جهة الإصلاح كالتقريب بين متخاصمين مثلاً، وكما إذا رأى من يعتدي على مال غيره بسرقة، أو اختلاس، وشهد به مراعاة لحق المشهود عليه ويعرف هذا في اللغة باسم الإنماء، وقد جاء في الحديث قوله -صلى الله عليه وسلم-: “ليس الكذاب من أصلح بين الناس، فقال خيرا، أو نمى خيرا “.

 

والفرق بين النميمة والغيبة على هذا التعريف هو العموم والخصوص المطلق، أي أن كل نميمة غيبة، وليس كل غيبة نميمة، فإن الإنسان قد يذكر عن غيره ما يكرهه، ولا إفساد فيه بينه وبين أحد، وهذا غيبة، وقد يذكر عن غيره ما يكرهه وفيه إفساد، وهذا غيبة، ونميمة معاً.

 

ثانياً: موقف الإسلام من النميمة:

 

النميمة من أقبح القبائح وكثر انتشارها بين النّاس حتى ما يسلم منها إلا القليل. والنميمة محرمة بإجماع المسلمين وقد تظاهرت على تحريمها الدلائل الصريحة من الكتب والسنة وإجماع الأمة. قال الحافظ المنذري -رحمه الله-: “أجمعت الأمة على تحريم النميمة وأنّها من أعظم الذنوب عند الله -عز وجل-“. وقد حُرمت النميمة لما فيها من إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين”. لا يوجد مجال إطلاقاً للمبالغة، فالشرع لا يوجد فيه مبالغة، كلام النبي -عليه الصلاة والسلام- حقّ من عند الله –تعالى-، فمن الممكن لإنسان واحد أن يفسد علاقة ألف إنسان، وقد يدفع بهؤلاء جميعاً إلى أشد أنواع العداوة والبغضاء، وقد يدفع بهم إلى التقاطع والتدابر، لذلك عظم الذنب بعظم آثاره، والنميمة لها آثار لا تعد ولا تحصى.

 

أدلة تحريم النميمة:

 

قال الله –تعالى-: (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) [سورة القلم: 11] الزنيم هو الدعي، ومعنى الدعي ولد الزنا، أي الله -عز وجل- جعل الذي يمشي بالنميمة أقرب إلى أن يكون من الزنا. وقال تعالى:(مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [سورة قّ: 18]. وقال جل وعلا: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) [سورة الهمزة: 1]. قيل الهمزة: النمام. وقال تعالى: (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) [سورة المسد: من الآية 4]. قيل: كانت نمامة حمالة للحديث إفساداً بين النّاس، وسميت حطباً؛ لأنّها تنشر العداوة والبغضاء بين النّاس كما أنّ الحطب ينشر النّاس، والنميمة من الأذى الذي يلحق المؤمنين ويُفسد بينهم. قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) [سورة الأحزاب: 58

هذا من القرآن، أما من السنّة النبوية المباركة، عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلاً يَنُمُّ الْحَدِيثَ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: “لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ ” ولو صلى، ولو صام، ولو حج، ولو أدى زكاة ماله، ولو زعم أنه مسلم، لا يدخل الجنة، وفي حديث آخر:عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَجُلاً يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى عُثْمَانَ فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: “لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ “، والقتات هو النمام، وعن أبي هريرة:” أحبُّكم إلى اللهِ أحاسنُكم أخلاقًا، المُوَطَّئون أَكْنافًا، الذين يَأْلَفُون ويُؤْلَفون، وإن أبغضَكم إلى اللهِ – أبغضكم على الإطلاق اسم تفضيل – المَشَّاؤون بالنميمة المُفَرِّقُون بين الإخوان المُلْتَمِسُون لهم العَثَرَاتِ”. وعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاقًا وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ الْمُتَكَبِّرُونَ”. في الحديث: “ألا أخبركم بشراركم؟ المشاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، والباغون للبرآء العَنَت”.

 

وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَخِيَارُكُمِ الَّذِينَ إِذَا رُءُوا ذُكِرَ اللَّهُ –تَعَالَى-، أَلا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَشِرَارُكُمُ الْمُفْسِدُونَ بَيْنَ الأحِبَّةِ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْبَاغُونَ الْبُرَآءَ الْعَنَتَ “، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مر بقبرين فقال: “إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله”. قال العلماء في معنى “وما يعذبان في كبير” أي في زعمهما، وقيل: كبير تركه عليهما”، ولذلك يقال: “أنّ ثلث عذاب القبر من النميمة”.

 

هذا من القرآن والسنّة، أما من آثار السلف في ذم النميمة فكثيرة ومنها:

 

قال يحيى بن أكثم: “النمام شر من الساحر، ويعمل النمام في ساعة مالا يعمل الساحر في سنة ” قال أكثم بن صيفي:” الأذلاء أربعة: النمام، والكذاب، والمديون، واليتيم”، وقال ابن حزم: “وإن النميمة لطبع يدل على نتن الأصل، ورداءة الفرع، وفساد الطبع، وخبث النشأة، ولابد لصاحبه من الكذب والنميمة فرع من فروع الكذب، ونوع من أنواعه، وكل نمام كذاب”. قال عمرو بن ميمون الأزديّ: “لمّا تعجّل موسى إلى ربّه رأى رجلا تحت العرش فغبطه بمكانه فسأل ربّه أن يخبره باسمه فلم يخبره، وقال: لكنّي أحدّثك عن عمله بثلاث خصال: “كان لا يحسد النّاس على ما آتاهم اللّه من فضله، ولا يعقّ والديه، ولا يمشي بالنّميمة “.

 

ومشى رجل سبعمائة فرسخ إلى حكيم في سبع كلمات، فلما قدم عليه قال: إني جئتك للذي آتاك الله من العلم، أخبرني عن السماء وما أثقل منها؟، وعن الأرض وما أوسع منها؟، وعن الصخرة وما أقسى منها؟، وعن النار ما أحر منها؟، وعن الزمهرير وما أبرد منه؟، وعن البحر وما أغنى منه؟، وعن اليتيم وما أذل منه؟ قال الحكيم: “البهتان على البريء أثقل من السماوات، والحق أوسع من الأرض، والقلب القانع أغنى من البحر، والحرص والحسد أحر من النار، والحاجة إلى القريب إذا لم تنجح أبرد من الزمهرير، وقلب الكافر أقسى من الحجر، والنمام إذا بان أمره أذل من اليتيم”. وروى وكيع عن أبيه عن عطاء بن السائب قال: قدمت من مكة فلقيني الشعبي، فقال: يا أبا زيد أطرفنا مما سمعت، قلت: سمعت عبد الرحمن بن عبد الله ابن سابط يقول: لا يسكن مكة سافك دم، ولا آكل ربا، ولا مشاء بنميم، فعجبت منه حين عدل النميمة بسفك الدماء، وآكل الربا، فقل الشعبي، وما يعجبك من هذا، وهل تسفك الدماء، وتركب العظام إلا بالنميمة “.

 

ثالثاً: أسباب النميمة:

 

أولاً: جهل البعض بحرمة النميمة وأنّها من كبائر الذنوب، تؤدي إلى شر مستطير، وتفريق أحبة، وتهديم بيوت، وإشاعة التباغض والتناحر بين المسلمين. فالبعض ينظر إلى النميمة على أنها نوع من الاصلاح وسد الخلل ومواجهة العيوب والتأكد من سلامة الأتباع وهكذا وكلها شبهات باطلة تتهاوى أن صحة الحق.

 

ثانياً: البيئة المحيطة: فقد ينشأ الإنسان في بيئة دأبها الإفساد والوقيعة بين الناس، فيأخذ في الأثر بها، ومحاكاتها، ولا سيما إذا لم يكن قد توفرت لديه الوقاية والحصانة اللازمة لحمايته من مثل هذه الآفات، ولا فرق بين أن تكون هذه البيئة قريبة -أي البيت- أو بعيدة- أي المجتمع- إذ الكل له دور كبير في حياة المرء على وجه العموم، والناشئة على وجه الخصوص.

 

ثالثاً: التملق لدى ذوي الوجاهة والسلطان: وقد يكون التملق لذوي الوجاهة والسلطان، إرضاءً لهم أو طمعاً فيما بأيديهم، هو السبب في الوقوع في آفة النميمة، ذلك أن نفراً من الناس يتصورون بفهمهم القاصر أن إرضاء ذوي الوجاهة والسلطان، أو الحصول على ما بأيديهم لا يتم إلا على أعراض الناس، والوشاية أو الوقيعة بينهم وقد نسوا، أو تناسوا أن ما عند الله. والنمامون كثيرون ومن أشدهم خطرًا: طائفة جعلت مهنتها الوقيعة بين العلماء والحكام، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ -رضي اللهُ عنه- قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ رَسُولُ اللهِ -صلى اللهُ عليه وسلم- نَاسًا فِي الْقِسْمَةِ، فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ وَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ اللهِ، قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللهِ لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى اللهُ عليه وسلم-، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ، قَالَ: فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ، ثُمَّ قَالَ: فَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ؟! قَالَ: ثُمَّ قَالَ: يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ، قَالَ: قُلْتُ: لَا جَرَمَ لَا أَرْفَعُ إِلَيْهِ بَعْدَهَا حَدِيثًا “.

 

رابعاً: الحسد والغيرة من الأقران: وقد يكون الحسد أو محبة الشر والسوء للناس مدعاة للوقيعة والإفساد. فقد يرى بعض الدعاة إخوانهم من الدعاة مشهورين ولهم أنصار وأتباع ويحبهم الناس ويقبلون على جالسهم، ودروسهم بصورة أكبر مما هو عليه، فيعبث إبليس برأسه ويوسوس له بداء الحسد والغيرة ومحاولة هدم هذا الداعية بإشاعة الكلام عنه حتى يوقع بينه وبين إخوانه، وحسبنا ما كان بين إمامين جليلين من أئمة المسلمين: الأول: الحافظ أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي، المعروف بابن حجر العسقلاني (ت 852 ه )، والآخر العلامة بدر الدين محمود بن أحمد المعروف بالعيني ( ت 855 ه )، وكلاهما له شرح نفيس على صحيح البخاري، وقد كانا على صلة وثيقة، وصداقة وصحبه، وذهبا معاً رفقة السلطان المملوكي(المؤيد شيخ ” في رحلة إلى الشام، واستضاف العيني ابن حجر في بلد تعيتاب، فلبى الحافظ ذلك، وأخذ كل منهما عن الآخر، ثم سعى بينهما الوشاءون النمامون، فدب الخلاف بينهما، وتتبع كل منهما الآخر في كتبه ومؤلفاته، ودروسه ملاءاته، وأول ما بدأ الخلاف بينهما على ما يحكي المؤرخون أن اتفق أن المئذنة التي بنيت على البرج الشمالي بباب زويلة للجامع المؤيدي بمصر، قد مالت، وكان العيني يدرس بالجامع المؤيدي آنذاك، فرسم محضر بهدمها، فقال ابن حجر معرضاً بالعيني:

 

لجامع مولانا المؤيد رونـق***منارته بالحسن تزهـو وبالزين

 

أصيب بعين، قلت ذا غلط***فليس على جسمي أضر من العين

 

فذكر بعض الجلساء للعيني أن ابن حجر عرض به، فغضب ورد عليه قائلاً:

 

منارة كعروس الحسن إذ جليت***وهدمها بقضاء الله والقدر

 

قالوا أصيبت بعين قلت ذا غلط***ما أوجب الهدم إلا خسة الحجر

 

ثم اتسع الخلاف بينهما، وإن كان ذلك لم يمنع كل واحد منهما من إنصاف الآخر والشهادة له بالفضل، ومتانة الدين، والكفاية العلمية، ولا سيما عندما يسأل أو يستشهد، وقاتل الله الوشاة النمامين.

 

خامساً: غياب الزجر المجتمعي: وهو من أهم الأسباب من وجهة نظر. فللمجتمع دور هام في مواجهة الأمراض والآفات والأدواء السلوكية والأخلاقية التي تدب فيه، وإذا لم يمارس المجتمع هذا الدور استفحلت تلك الأمراض وانتشرت وأصبحت مثل النار في الهشيم، والأخطر من ذلك ألا تستبشع هذه الآفات والأمراض وتصبح أمراً عادياً يتعاطاه الجميع داخل المجتمع بلا حرج ولا خجل. وقد وعى المسلمون الأوائل واجبهم نحو النمامين، فقطعوا الطريق عليهم بأداء هذا الواجب.

 

هذا أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز يدخل عليه رجل، فيذكر له عن رجل شيئاً، فيقول له أمير المؤمنين عمر: “إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذباً، فأنت من أهل هذه الآية: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) [الحجرات: 6]، وإن كنت صادقاً، فأنت من أهل هذه الآية: (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) [القلم:11]، وإن شئت عفونا عنك، فقال: العفو يا أمير المؤمنين، لا أعود إليه أبداً”. وهذا سليمان بن عبد الملك يأتيه رجل وعنده الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري فيقول سليمان للرجل: “بلغني أنك وقعت في، وقلت كذا وكذا، فقال الرجل: ما فعلت، ولا قلت، فقال سليمان: إن الذي أخبرني صادق، فقال الإمام الزهري: لا يكون النمام صادقاً، فقال سليمان: صدقت، ثم قال للرجل: اذهب بسلام”.

 

وهذا عمرو بن عبيد زعيم المعتزلة يدخل عليه رجل، فيقول له: “إن الأسواري ما يزال يذكرك في قصصه بشر، فقال له عمرو: يا هذا، ما رعيت حقّ مجالسة الرجل حيث نقلت إلينا حديثه، ولا أديت حقي حين أعلمتني عن أخي ما أكره، ولكن أعلمه: أن الموت يعمنا، والقبر يضمنا، والقيامة تجمعنا، والله –تعالى-يحكم بيننا، وهو خير الحاكمين “.

 

وهذا الصاحب بن عباد يرفع إليه بعض السعاة رقعة نبه فيها على مال يتيم يحمله على أخذه لكثرته، فوقع الصاحب بن عباد على ظهرها: “السعاية قبيحة، وإن كانت صحيحة، فإن كنت أجريتها مجرى النصح، فخسرانك فيها أفضل من الربح، ومعاذ الله أن نقبل مهتوكا في مستور، ولولا أنك في خفارة شيبتك لقابلناك بما يقتضيه فعلك في مثلك، فتوقَّ يا ملعون العيب، فإن الله أعلم بالغيب، الميت -رحمه الله-، واليتيم جبره الله، والمال ثمَّره الله، والساعي لعنه الله”.

 

سادساً: مسايرة الجلساء والترويح عن النفس: فكثير من مجالس الناس اليوم، وربما بعض مجالس الدعاة أو طلبة العلم، إنما هي للنميمة وهتك الأستار، وإذاعة الأسرار، والنفس البشرية مجبولة على الفضول، والفضول أحد قتلة البشر كما قيل من قبل، فترى المجالس عامرة بأخبار الآخرين وأحوالهم وأسرارهم ودقائقهم ، وقد يرى بعض الناس أن الخوض في الفضول والباطل، والسعي بين الناس بالقطيعة، والإفساد، إنما هو من قبيل التنفيس والترويح عن النفس ومن ثم فلا يتورع عن الوقوع في هذه الآفة، ناسياً أو متناسياً أن الترويح عن النفس بالخوض في الباطل والفضول، والسعي بين الناس بالقطيعة والإفساد لا يعود على المرء إلا بالقلق، والاضطراب النفسي؛ نظراً لأنه معصية، وللمعصية عواقب وخيمة، وآثار مهلكة أعظمها هذا القلق والاضطراب النفسي.

 

وتكمن خطورة النمام في أنه يقل الاحتراز منه؛ لأنه يأتي في صورة الناصح المشفق، فإن صدقته تحقق حينئذ ما يريده النمام من الإفساد، قال ابن حزم: “من جاء إليك بباطل رجع من عندك بحق، وذلك أن من نقل إليك كذبًا عن إنسان حرك طبعك فأجبته فرجع عنك بحق، فتحفظ من هذا ولا تجب إلا عن كلام صح عندك عن قائله”.

 

النميمة كغيرها من المعاصي والسيئات تسود القلب وتدنسه، فيصيبه المرض، ويظل هذا المرض يسري فيه حتى يموت، فتكون القسوة، والويل كل الويل لمن قسا قلبه كما قال سبحانه: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [الزمر: 22].كما تنتهي النميمة بصاحبها إلى نزع هيبته والثقة به من قلوب الناس، من باب أن من نم لك نم عليك، وإذا نزعت هيبة المرء، وضاعت الثقة به من قلوب الناس احترقت كل أوراقه، ولم يبق له ما يعيش أو يحيا به بين الناس، فيكون قد حكم على نفسه بالموت، وإن بدا أنه واحد من الأحياء. والنميمة تقود صاحبها إلى الإفلاس، إذ تضيع حسناته إن كانت له حسنات، الواحدة تلو الأخرى، بل ربما حط عليه من سيئات الآخرين إن لم تف حسناته بما عليه من مظالم وديون، وهذا ما لفت إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- الأنظار حين قال لأصحابه: “أتدرون ما المفلس؟”، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له، ولا متاع، فقال: “إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار”.

 

رابعاً: كيفية علاج النميمة؟

 

قال الذهبي -رحمه الله-: “كل من حُملت إليه نميمة وقيل له: قال فيك فلان: كذا وكذا؛ لزمه ستة أحوال:

 

الأول: ألا يصدقه لأنه نمام فاسق وهو مردود الخبر.

 

الثاني: أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبح فعله.

 

الثالث: أن يبغضه في الله -عزَّ وجلَّ-، فإنه بغيض عند الله، والبغض في الله واجب.

 

الرابع: ألا يظن في المنقول عنه السوء لِقَولِهِ تَعَالَى: (اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) [الحجرات:12].

 

الخامس: ألا يحمله ما حُكي له على التجسس والبحث عن تحقق ذلك مصداقًا لِقَولِهِ تَعَالَى: (وَلاَ تَجَسَّسُوا).

 

السادس: ألا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه، فلا يحكي نميمته.

 

وتكمن خطورة النمام في أنه يقل الاحتراز منه؛ لأنه يأتي في صورة الناصح المشفق، فإن صدقته تحقق حينئذ ما يريده النمام من الإفساد، قال ابن حزم: “من جاء إليك بباطل رجع من عندك بحق، وذلك أن من نقل إليك كذبًا عن إنسان حرك طبعك فأجبته فرجع عنك بحق، فتحفظ من هذا ولا تجب إلا عن كلام صح عندك عن قائله”.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات