طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > أمراض على طريق الدعوة (23) الرياء

ملتقى الخطباء

(1٬043)
736

أمراض على طريق الدعوة (23) الرياء

تاريخ النشر : 1437/02/04
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

أصل الرياء حب الجاه والمنزلة، ومن غلب على قلبه حب هذا صار مقصور الهم على مراعاة الخلق، مشغوفا بالتردد إليهم، والمراءاة لهم ولا يزال في أقواله وأفعاله وتصرفاته ملتفتا إلى كل ما يعظم منزلته عند الناس، وهذا أصل الداء والبلاء، فإن من رغب في ذلك احتاج إلى الرياء في العبادات، واقتحام المحظورات. وهذا باب غامض لا يعرفه إلا العلماء بالله، العارفون به، المحبون له.

 

 

 

 

أولاً: تعريف الرياء والسمعة لغةً واصطلاحاً:

 

الرياء والسمعة لغةً: الرياء في اللغة مشتق من الرؤية تقول: أرْأى الرجل: إذا أظهر عملاً صالحاً ليراه الناس ومنه قوله تعالى: (يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء: 142]، وقوله: (الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ*وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) [الماعون: 6، 7]، وقوله: (بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ) [ الأنفال: 47]. أما السمعة مشتقة من سمّع يقول: سمّع الناس بعمله أي أظهره لهم بعد أن كان سراً. ومنه قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: “من سمع سمع الله به ومن يرائي يرائي الله به “.

 

أما تعريفه اصطلاحاً: فمفهوم الرياء أو السمعة في اصطلاح الدعاة وعلماء السلوك والأخلاق : فهو إطلاع المسلم الناس  على ما يصدر منه من الصالحات طلبا للمنزلة والمكانة عندهم أو طمعا في دنياهم فإن وقعت أمامهم ورأوها فذلك هو الرياء وإن لم تقع أمامهم لكنه حدثهم بها فتلك هي السمعة ، وفرق العلامة عز الدين بن عبد السلام بين الرياء والسمعة قائلا: الرياء: ( أن يعمل لغير الله والسمعة أن يخفي عمله لله ثم يحدث به الناس ) وكأنه يرى أن الرياء كله مذموم، أما السمعة فقد تكون مذمومة إذا قصد بالحديث عن عمله وجه الناس، ومحمودة إذا قصد بذلك وجه الله وابتغاء مرضاته وذلك الذي قاله ابن عبد السلام هو ما تصدقه النصوص الشرعية إذ يقول الله -عز وجل- 🙁 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ )[البقرة:264]، وإذ يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: “من سمع سمع الله به ومن يرائي يرائي الله به”.

 

فحد الرِّياء المذموم إرادة العامل بعبادته غير وجه اللَّه –تَعالَى- كأن يَقصد اطلاع النَّاس على عبادته وكماله حتى يحصل له منهم نحو مال أو جاه أو ثناء. إمَّا بِإظهار نحول وصفرة، ونحو تشعث شعر، وبذاذة هيئة، وخفض صوت، وغمض جفن إيهاما لشدة اجتهاده في العبادة وحزنه وقِلة أَكله وعدم مبالاته بِأمر نفسه لاشتغاله عنها بالأهم، وتوالي صومه وسهره، وإعراضه عن الدُّنيا وأهلها، وما درى المخذول أنه حينئذ أقبح من أراذلهم كالمَكَّاسين وقُطَّاع السبيل. وأمثالهم، لأنهم معترفون بذنوبِهم لا غرور لهم في الدين بخلاف ذلك المخذول الممقوت. وإما بِإظهار زي الصالحين كإطراق الرأس في المشي والهدوء في الحركة، وإِبقاء أثر السُّجود على الوجه ولبس الصوف وخشن الثياب وتقصيرها وغير ذلك إيهاما أنَّه من العلماء والزهاد.

 

ثانياً: حكم الرياء

 

الرياء هو الشرك الأصغر وهو من الكبائر المحبطة للعمل، وقد شهد بتحريمه الكتاب والسنة، وانعقد عليه إجماع الأمة:

أ-الكتاب:

قال تعالى:( الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ)، وَقال تعالى:(وَاَلَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَاب شَدِيدٌ)[فاطر:10] قَالَ مُجَاهِدٌ : هُمْ أَهْلُ الرِّيَاءِ، وَ قال تعالى:(وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)[الكهف:110]، وقال في شأن المنافقين: (يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء: 142]، ، والآيات المحذرة من الرياء كثيرة واستفاضت بها آي الذكر الحكيم.

ب-السنة:

فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ: “إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ الرِّيَاءُ يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إذَا جَزَى النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا اُنْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً “. وَما راوه الطَّبَرَانِيُّ: “إنَّ أَدْنَى الرِّيَاءِ وَأَحَبَّ الْعَبِيدِ إلَى اللَّهِ الْأَتْقِيَاءُ الْأَسْخِيَاءُ الْأَخْفِيَاءُ” أَيْ الْمُبَالِغُونَ فِي سَتْرِ عِبَادَاتِهِمْ وَتَنْزِيهِهَا عَنْ شَوَائِبِ الْأَغْرَاضِ الْفَانِيَةِ وَالْأَخْلَاقِ الدَّنِيئَةِ. “الَّذِينَ إذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا، وَإِذَا شَهِدُوا -أَيْ حَضَرُوا- لَمْ يُعْرَفُوا أُولَئِكَ أَئِمَّةُ الْهُدَى وَمَصَابِيحُ الدُّجَى”. وَما راوه الْحَاكِمُ وهو من أخوف النصوص النبوية في شأن الرياء: ” أَوَّلُ النَّاسِ يَدْخُلُ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، يُؤْتَى بِالرَّجُلِ، فَيَقُولُ: رَبِّ عَلَّمْتَنِي الْكِتَابَ فَقَرَأْتُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَيْ سَاعَاتِهِمَا رَجَاءَ ثَوَابِك، فَيَقُولُ: كَذَبْتَ إنَّمَا كُنْتَ تُصَلِّي لِيُقَالَ: إنَّك قَارِئٌ مُصَلٍّ وَقَدْ قِيلَ، اذْهَبُوا بِهِ إلَى النَّارِ؛ ثُمَّ يُؤْتَى بِآخَرَ، فَيَقُولُ: رَبِّ رَزَقْتَنِي مَالًا فَوَصَلْتُ بِهِ الرَّحِمَ وَتَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَحَمَّلْتُ بِهِ ابْنَ السَّبِيلِ رَجَاءَ ثَوَابِك وَجَنَّتِك، فَيُقَالُ: كَذَبْتَ إنَّمَا كُنْتَ تَتَصَدَّقُ وَتَصِلُ لِيُقَالَ: إنَّهُ سَمْحٌ جَوَّادٌ فَقَدْ قِيلَ، اذْهَبُوا بِهِ إلَى النَّارِ، ثُمَّ يُجَاءُ بِالثَّالِثِ فَيَقُولُ: رَبِّ خَرَجْتُ فِي سَبِيلِك فَقَاتَلْتُ فِيك غَيْرَ مُدْبِرٍ رَجَاءَ ثَوَابِك وَجَنَّتِك، فَيُقَالُ: كَذَبْتَ إنَّمَا كُنْتَ تُقَاتِلُ لِيُقَالَ: إنَّك جَرِيءٌ وَشُجَاعٌ فَقَدْ قِيلَ، اذْهَبُوا بِهِ إلَى النَّارِ”. وَما رواه الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ:” مَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعْ اللَّهُ بِه، وَمَنْ يُرَائي يُرَاءِ اللَّهُ بِهِ: وَمَنْ كَانَ ذَا لِسَانَيْنِ فِي الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ لِسَانَيْنِ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ “.
ثالثاً: أنواع الرياء:

 

الرياء ذموم مقبوح بالنصوص الشرعية وبإجماع الأمة، غير أن بعض أنواعه أشد قبحاً وخطراً من غيره، ولحجة الإسلام الغزّالي كلاماً نفسياً في هذا الباب خلاصته:

 

أ-أقبحها الرياء في الإيمان: وهو شأن المنافقين الذين أكثر الله من ذمهم في كتابه العزيز: (إنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ) [النساء:45]، وهنا يتحول الرياء من الشرك الأصغر إلى الشرك الأكبر، أو رياء الاعتقاد الذي يستوجب الخلود لصاحبه في النار.

ب-ثم المراءون بأصول العبادات الواجبة: كأن يعتاد تركها في الخلوة ويفعلها في الملأ خوف المذمَّة، وهذا أيضاً عظيم عند اللَّهِ –تعالى- لإنبائه على غاية الجهل وأدائه إلى أعلى أنواع المقتِ.

ج-ثم المراءون بالنوافل: كأن يعتاد ذلك فيها وحدها خوف الاستنقاص بِعدم فعلها في الملأ، وإيثاراً للكسل وعدم الرغبة في ثوابها في الخلوة.

د-ثم المراءون بأوصاف العبادات: كتحسيِنها وإطالة أركانها، وإظهار التخشع فِيهَا، والاقتصار في الخلوة على أدنى واجباتها، فهذا محظور أيضًا لأنَّ فيه كالذي قبله تقديم المخلوق على الخالق. والمرائي لأجله أيضاً درجات:

أ-فأقبحها أن يقصدَ التَّمكُّن من معصية كمن يظهر الورع والزهد حتى يعرف به فيولَّى المناصب والوصايا، وَتُودَعَ عنده الأموال، أو يفوَّض إليه تفرقة الصدقات وَقَصده بِكل ذلك الخيانة فيه.

ب-ويليها من يتَّهم بمعصية أو خيانة فيظهر الطاعة والصدقة قصدا لدفع تلك التهمة.

ج-ويليها أن يقصد نيل حظ مباح من نحو مال أو نكاح، أو غيرهما من حظوظ الدنيا.

د-ويليها أن يقصد بإظهار عبادته وورعه وتخشعه ونحو ذلك ألا يحتقر وينظر إليه بِعين النَّقص، أو أن يعدَّ من جملة الصَّالحين وفي الخلوة لا يفعل شيئًا من ذلك، ومن ذلك أن يترك إظهار النظر في يوم يسن صومه خشيةَ أن يظنَّ به أنَه لا اعتناء له بالنَّوافل. قال الغزالي:” وجميعهم تحت مقت اللَّهِ تعالى وغضبه وهو من أشدِّ المهلكات “.

 

رابعاً: الفرق بين الرياء وإرادة الدنيا:

 

من الخطر العظيم أن يعمل الإنسان عملاً صالحاً يريد به عرضاً من الدنيا، وهذا شرك ينافي كمال التوحيد الواجب ويحبط العمل، وهو أعظم من الرياء؛ لأن مريد الدنيا قد تغلب إرادته على كثير من عمله، وأما الرياء فقد يعرض له في عمل دون عمل ولا يسترسل معه، والمؤمن يكون حذراً من هذا وهذا.

 

والفرق بين الرياء، وإرادة الإنسان بعمله الدنيا: هو أن بينهما عموم وخصوص مطلق يجتمعان في أن الإنسان إذا أراد بعمله التزين عند الناس؛ ليروه ويعظموه ويمدحوه، فهذا رياء، وهو أيضا إرادة للدنيا؛ لأنه تصنع عند الناس وطلب الإكرام منهم والمدح والثناء. أما العمل للدنيا فهو أن يعمل الإنسان عملاً صالحاً لا يقصد به الرياء للناس، وإنما يقصد به عرضاً من الدنيا: كمن يحج عن غيره ليأخذ مالاً، أو يجاهد للمغنم، أو غير ذلك، فالمرائي عمل لأجل المدح والثناء من الناس، والعامل للدنيا يعمل العمل الصالح يريد به عرض الدنيا وكلاهما خاسر نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه.

 

وقد جاءت النصوص تدل على خسران صاحب هذا العمل في الدنيا والآخرة، قال الله –تعالى-:( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [هود: 15-16] .

 

وقال عز وجل: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ) [الإسراء: 18]، وقال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ) [الشورى: 20]، وقال سبحانه وتعالى: (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ) [البقرة: 200].

 

وقال صلى الله عليه وسلم: “من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله -عز وجل- لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة” يعني ريحها. وعن جابر -رضي الله عنه- يرفعه: “لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا لتخيروا به المجالس فمن فعل ذلك فالنار النار”. وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: “لا تعلموا العلم لثلاث: لتماروا به السفهاء، وتجادلوا به العلماء، ولتصرفوا به وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم ما عند الله؛ فإنه يدوم ويبقى وينفذ ما سواه”. ولهذا تكفل الله بالسعادة لمن عمل لله، فعن أنس يرفعه: “من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له”.

 

والعمل للدنيا أنواع متعددة، وقد ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله -تعالى- أنه جاء عن السلف في ذلك أربعة أنواع:

 

النوع الأول: العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله تعالى: من صدقة، وصلاة، وإحسان إلى الناس، ورد ظلم، ونحو ذلك مما يفعله الإنسان أو يتركه خالصا لله –تعالى-؛ لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، وإنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله، وتنميته، أو حفظه أهله وعياله، أو إدامة النعم عليه وعليهم، ولا همة له في طلب الجنة والهرب من النار، فهذا يعطى ثواب عمله في الدنيا وليس له في الآخرة من نصيب. وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما.

 

النوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو أن يعمل أعمالا صالحة ونيته رياء الناس لا طلب ثواب الآخرة. وهو ما ذكر عن مجاهد -رحمه الله –تعالى-.

 

النوع الثالث: أن يعمل أعمالاً صالحةً يقصد بها مالاً، مثل أن يحج عن غيره لمال يأخذه، ولا يقصد بذلك وجه الله ولا الدار الآخرة، أو يهاجر لدنيا يصيبها، أو يجاهد لأجل المغنم، أو يتعلم العلم ليحصل على الشهادة وعلى الجاه، ولا يقصد بذلك وجه الله مطلقا، أو يتعلم القرآن ويواظب على الصلاة؛ لأجل وظيفة المسجد أو غيره من الوظائف الدينية، ولا يريد بذلك ثوابا مطلقا.

 

النوع الرابع: أن يعمل بطاعة الله مخلصا في ذلك لله وحده لا شريك له، لكنه على عمل يكفره كفراً يخرجه عن الإسلام، كمن يأتي بناقض من نواقض الإسلام، كمن يستغيث بالموتى، ويعتقد في القبور، ويرى أفضلية التحاكم بالقوانين الوضعية إلى آخر هذه النواقض المعروفة عند أهل العلم.

 

خامساً: أسباب الرياء:

 

أصل الرياء حب الجاه والمنزلة، ومن غلب على قلبه حب هذا صار مقصور الهم على مراعاة الخلق، مشغوفا بالتردد إليهم، والمراءاة لهم ولا يزال في أقواله وأفعاله وتصرفاته ملتفتا إلى كل ما يعظم منزلته عند الناس، وهذا أصل الداء والبلاء، فإن من رغب في ذلك احتاج إلى الرياء في العبادات، واقتحام المحظورات. وهذا باب غامض لا يعرفه إلا العلماء بالله، العارفون به، المحبون له.

 

وإذا فصل هذا السبب والمرض الفتاك رجع إلى ثلاثة أصول:

 

1-حب لذة الحمد والثناء والمدح.

 

2-الفرار من الذم.

 

3-الطمع فيما في أيدي الناس.

 

ويشهد لهذا ما جاء في حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-، قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: “من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله”. فقوله “يقاتل شجاعة” أي ليذكر ويشكر ويمدح ويثنى عليه، وقوله: “يقاتل حمية” أي يأنف أن يغلب ويقهر أو يذم، وقوله: “يقاتل رياء” أي ليرى مكانه وهذا هو لذة الجاه والمنزلة في القلوب.

 

ولكن يبقى أيضاً وجود أسباب أخرى لوقوع الداعية في مرض الرياء منها:

 

1-عدم المعرفة الحقيقة -بالله عز وجل-: وقد يكون عدم المعرفة الحقيقة بالله -عز وجل- هو السبب أو الباعث على الرياء أو السمعة إذ أن الجهل بالله أو نقصان المعرفة به يؤدى إلى عدم تقديره حق قدره : ومن ثم يظن هذا الجاهل بالله الذي لم يعرفه حق المعرفة ولم يقدره أن العباد يملكون شيئا من الضر أو النفع فيحرص على مراءاتهم وتسميعهم كل ما يصدر عنه من الصالحات ليمنحوه شيئا مما يتصور أنهم مالكوه ولعل ذلك هو السر في دعوة الإسلام إلى المعرفة بالله أولاً، قال تعالى: (فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلا الله)[محمد:19]، بل وتطبيقه ذلك حيث دار القرآن المكي وعمل الرسول -صلى الله عليه وسلم- طوال المرحلة المكية حول التعريف بأصول العقيدة وتأكيدها وترسيخها في النفس .

 

2-الرغبة في الصدارة أو المنصب: وقد تدفع الرغبة في الصدارة أو في المنصب إلى الرياء أو السمعة حتى يثق به من بيدهم هذا الأمر فيجعلوه في الصدارة أو يبوئوه المنصب ولعل ذلك هو السر في تأكيد الإسلام على اختيار أو ابتلاء الناس قبل الوثوق بهم أو الركون إليهم لا سيما إذا كانوا على حال تدعو إلى ذلك إذ يقول الله -عز وجل-: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) [النساء:6].

 

3-كثرة الإطراء: وقد يكون إظهار الآخرين إعجابهم به وبما يصدر عنه من أعمال هو الباعث على الرياء أو السمعة كي يكون هناك مزيد من هذا الإعجاب. وحتى يحمى الإسلام البشر من هذا الداء منع إبراز هذا الإعجاب فإن كان ولا بد فليكن معه الاحتراز والحيطة بأن يقول:” أحسب فلاناً كذا والله حسيبه ولا أزكى على الله أحدا “.

 

4-الخوف من قالة الناس لا سيما الأقران: وقد يكون الخوف من قالة الناس لا سيما الأقران هو الباعث على الرياء أو السمعة حتى يظهر أمامهم بالصورة التي ترضيهم وتسكت ألسنتهم عنه وإذا ما خلا بنفسه انتهك محارم الله: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) [النساء: 108].

 

5-البيئة المحيطة: إذ قد ينشأ الولد في أحضان بيت دأبه وديدنه الرياء أو السمعة فما يكون منه إلا التقليد والمحاكاة وبمرور الزمن تتأصل هذه الآفة في نفسه وتصبح وكأنما هي جزء لا يتجزأ من شخصيته ولعل هذا هو السر في وصية الإسلام بأن يكون الدين هو أساس اقتران الرجل بالمرأة إذ يقول صلى الله عليه وسلم:” فاظفر بذات الدين تربت يداك “، ” وإذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه “.

 

سادساً: الآثار الوخيمة للرياء على الدعاة:

 

1-الحرمان من الهداية والتوفيق: ذلك أن الله -عز وجل- هو وحده الذي يملك الهداية والتوفيق وهو وحده الذي يمن بهما على من يشاء ويمنعها ممن يشاء لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه وقد مضت سنته وجرى قضاؤه أنه لا يمنحهما إلا لمن علم منه الإخلاص وصدق التوجه إليه، والمرائي بدد هذا الإخلاص وضيع ذلك الصدق فأنى له الهداية والتوفيق؟.

 

2-الاضطراب النفسي: ذلك أن المرائي إنما يفعل طلباً لمرضاة الناس وطمعاً فيما بأيديهم وقد يحول قضاء الله وقدره دون تحقيق ذلك نظراً لأن الأمور عنده سبحانه تجرى بالمقادير. وحينئذ يعتريه الضيق والاضطراب النفسي فلا هو الذي ظفر برضا الله -عز وجل- ولا هو بالذي حصل ما كان يؤلمه ويرجوه من الناس.

 

3-سقوط الجاه والهيبة: ذلك أن الله وحده هو الذي يملك غرس هذه الهيبة في قلوب من يشاء من عباده بيد أن ذلك مرهون بتقديم الإخلاص بين يدي كل سلوك أو تصرف والمرائي أو المسمع أضاع هذه الرهينة فيضيع الله عليه الهيبة ونزعها من قلوب الناس فصار هينا عليهم. ولقد وعى السلف ذلك فكانوا أحرص الناس على إخلاص العمل لله حتى تبقى هيبتهم ومكانتهم مستقرة في الصدور أو في القلوب، والأخبار الواردة عنهم في ذلك أكثر من أن تحصى وحسبنا منها ما أوصى به عمر بن الخطاب -رضى الله تعالى عنه- أبا موسى الأشعرى إذا قال له: “من خلصت نيته كفاه الله –تعالى- ما بينه وبين الناس”.

 

4-فقدان التأثير: ذلك أن القلب هو محل التأثر من الإنسان والقلوب بيد الرحمن يقلبها كيف يشاء ومن راءى أو سمّع بعمله فقد قطع ما بينه وبين الله وأنى لذلك أن يمنحه الله إقبالاً من الناس أو تأثيراً فيهم لذا تراه إذا تكلم لا يسمع وإذا عمل لا يحرك والحوار التالي يكشف لنا عن حقيقة ذلك بجلاء ووضوح: كان عمر بن هبيرة الفزاري والياً على العراقين في عهد الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك، وكان يزيد يرسل إليه بالكتاب تلو الكتاب ويأمره بإنفاذ ما في هذه الكتب ولو كان مجافياً بحق أحياناً فدعا ابن هبيرة كلاً من الحسن البصري وعامر بن شراحبيل المعروف بالشعبي يستفتيهما في ذلك وهل له من مخرج في دين الله؟ فأجاب الشعبي جواباً فيه ملاطفة للخليفة ومسايرة للوالي والحسن ساكت فالتفت عمر بن هبيرة إلى الحسن وقال: ما تقول أنت يا أبا سعيد فقال: يا ابن هبيرة خف الله في يزيد ، ولا تخف يزيد في الله، واعلم أن الله -عز وجل- يمنعك من يزيد، وأن يزيد لا يمنعك من الله، يا ابن هبيرة  إنه يوشك أن ينزل بك ملك غليظ لا يعصى الله ما أمره فيزيلك عن سريرك هذا وينقلك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك ، حيث لا تجد هناك يزيد، وغنماً تجد عملك الذي خالفت فيه رب يزيد، يا ابن هبيرة إنك إن تك مع الله –تعالى- وفي طاعته يكفك بائقة يزيد بن عبد الملك في الدنيا والآخرة، وإن تك مع يزيد في معصية الله –تعالى- فإن الله يكلك إلى يزيد. واعلم يا ابن هبيرة أنه لا طاعة لمخلوق كائناً ما كان في معصية الخالق -عز وجل-  فبكى عمر بن هبيرة حتى بللت دموعه لحيته ومال عن الشعبي إلى الحسن، وبالغ في إعظامه وإكرامه، فلما خرجا من عنده توجها إلى المسجد، فاجتمع عليهما الناس، وجعلوا يسألونهما عن خبرهما مع أمير العراقين، فالتفت الشعبي إليهم وقال: أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله -عز وجل- على خلقه في كل مقام فليفعل، فوالذي نفسي بيده ما قال الحسن لعمر بن هبيرة قولاً أجهله ولكنى أردت فيما قلته وجه ابن هبيرة، وأراد فيما قاله وجه الله، فأقصاني الله من ابن هبيرة وأدناه منه وحببه إليه.

 

5-عدم إتقان العمل: ذلك أن المرائي أو المسمِّع إنما يراقب الخلق لا الخالق، والخلق مهما كانت طاقاتهم وإمكاناتهم، عاجزون عن المتابعة في كل بيئة وفي كل وقت، وفي كل ظرف أو ملابسة، لذا فإن عجزهم هذا ينتهي بالمرائي أو بالمسمِّع إلى عدم إتقان العمل، ولقد أشار المولى إلى هذا الأثر وهو يتحدث عن المنافقين فقال: ( وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا)[النساء:142].

 

6-الوقوع في غوائل الإعجاب بالنفس، ثم الغرور ثم التكبر: ذلك أن المرائي يخدع كثيراً من الناس فترة زمنية معينة، وخلال هذه الفترة تلهج ألسنة الناس وأفئدتهم بحمده والثناء عليه، وقد يحمله ذلك على الإعجاب بنفسه، ثم الغرور، ثم التكبر، ثم يعيث في الأرض فساداً، ويؤكد ذلك ما نشاهده في الوقت الحاضر من أن كثيراً من ذوى القيادة في أمتنا، يسلكون سبيل الرياء والتسميع حتى إذا انخدع بهم الدهماء و العامة، وسبحوا بحمدهم انقلبوا إلى معجبين بأنفسهم، ثم مغرورين، ثم متكبرين، ثم سلطوا على الذين يفهمونهم منذ اللحظة الأولى يسومونهم سوء العذاب، وأخيراً يسلطون على أولئك الذين ضيعوهم، فيأكلونهم.

 

7-بطلان العمل: ذلك أن الحق –سبحانه- مضت سنته في خلقه ألا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له، وابتغي به وجهه: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [ الكهف110].

 

والمرائي جعل لنفسه وللناس حظاً من عمله، وأنى لذلك أن يقبل الله منه عملاً، أو أن يثيبه عليه وصدق الله: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) [الفرقان: 23]، وصدق النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال: الرياء يقول الله -عز وجل- يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذي كنتم تراءون في الدنيا فانظروا: هل تجدون عندهم لجزاء “، ويقول الله –تعالى- في الحديث القدسي: ” أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، فمن عمل لي عملاً أشرك فيه غيري فأنا منه برئ وهو للذي أشرك”.

 

8-العذاب الشديد في الآخرة: فإن من حبط عمله على النحو الذي قدمنا، ليس له من جزاء إلا العذاب الشديد في الآخرة، ولذلك العذاب صور أبرزها صورتان:

 

الأولى: أنه يكون أول من تسعر بهم النار، فإن وقودها كما قال الله في كتابه، الناس و الحجارة، ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : “إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة، رجل استشهد، فأتى به فعرَّفه نعمته فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار، ورجل تعلم العلم و علَّمه وقرأ القرآن، فأتى به فعرَّفه نعمته فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: إنك عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتى به فعرَّفه نعمته فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك ، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقى به في النار “.

 

الأخرى: الإلقاء في النار بحيث تخلع مفاصله وتتفكك أوصاله، وتسقط أمعاؤه، ويدور بها على مشهد ومرأى من أهل النار جميعاً، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- :”يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار  بالرحى، فيجتمع عليه أهل النار، فيقولون: يا فلان مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهي عن المنكر وآتيه “.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات