طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||

ملتقى الخطباء

(1٬113)
702

علاج الفتور

تاريخ النشر : 1436/10/23
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

تصفية القلوب من الأحقاد والحسد وسوء الظن من أعظم أسباب شرح الصدر، بل إن شرح الصدر وسلامة القلب مقترنان، وليس أقسى على المرء ولا أثقل من قلب مليء بالغل والهوى وسائر الأدناس، يُقعده عن العمل ولا يهنأ بعيش، أما صاحب القلب السليم، والصجر المنشرح، فإنه يتجدد ويزداد نشاطًا وإشراقًا.

 

 

 

 

الفتور من أشد الأمراض المعنوية، وتتأكد خطورته حينما لا يشعر الإنسان به، فيقضي عليه، كما تقضي الأعراض على أصحابها حينما لا يدركون خطورتها فيتساهلون في علاجها أول الأمر، فيصعب بعد ذلك تلافيها والقضاء عليها.

 

والفتور طريق الضلال والانحراف – غالبًا – ذلك أن كثيرًا من المنحرفين بعد استقامة والتزام مروا بمرحلة الفتور قبل انحرافهم وضلالهم.

 

وهنا تتأكد أهمية المبادرة إلى علاج الفتور، وعلاجه إما باتخاذ سبل الوقاية منه ابتداء، وإما بعمل الأسباب التي تذهبه بعد وقوعه.

 

قال الله تعالى مثنيًا على الملائكة: ( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ) [الأنبياء: 20].

 

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ فَلَا تَعُدُّوهُ»[1].

 

قَوْلُهُ: (إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ حِرْصًا عَلَى الشَّيْءِ وَنَشَاطًا وَرَغْبَةً فِي الْخَيْرِ أَوْ الشَّرِّ.

 

(وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ التَّاءِ أَيْ وَهَنًا وَضَعْفًا وَسُكُونًا. (فَإِنْ) شَرْطِيَّةٌ (صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ) أَيْ جَعَلَ صَاحِبُ الشِّرَّةِ عَمَلَهُ مُتَوَسِّطًا وَتَجَنَّبَ طَرَفَيْ إِفْرَاطِ الشِّرَّةِ وَتَفْرِيطِ الْفَتْرَةِ (فَأَرْجُوهُ) أَيْ أَرْجُو الْفَلَاحَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ الدَّوَامُ عَلَى الْوَسَطِ, وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدُومُهَا.

 

(وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ) أَيْ: اِجْتَهَدَ وَبَالَغَ فِي الْعَمَلِ لِيَصِيرَ مَشْهُورًا بِالْعِبَادَةِ وَالزُّهْدِ وَسَارَ مَشْهُورًا مُشَارًا إِلَيْهِ (فَلَا تَعُدُّوهُ) أَيْ: لَا تَعْتَدُّوا بِهِ وَلَا تَحْسَبُوهُ مِنْ الصَّالِحِينَ لِكَوْنِهِ مُرَائِيًا, وَلَمْ يَقُلْ فَلَا تَرْجُوهُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ قَدْ سَقَطَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ تَدَارُكُ مَا فَرَّطَ.

 

فتأمل محنة الرجل عند ثناء الناس عليه إن لم يضبط قلبه ويعرف حقيقة نفسه ولماذا يعمل؟ فإذا قال الناس: فُلَانٌ الْعَابِدُ أَوْ الْعَالِمُ وَيُطْرُونَ فِي مَدْحِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ بَلَاءٌ وَمِحْنَةٌ لَهُ، إِلَّا مَنْ حَفِظَهُ بِحَيْثُ صَارَ لَهُ مَلَكَةٌ يَقْتَدِرُ بِهَا عَلَى قَهْرِ نَفْسِهِ بِحَيْثُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَى ذَلِكَ وَلَا يَسْتَنْفِرُهُ الشَّيْطَانُ بِسَبَبِه[2].

 

وقد ورد مثل هذا برويات وطرق مختلفة كلها تدل على أن الفتور مما يصاب به العبدُ، وقد استعاذ منه النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: "اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ منَ الكسَلِ والهرمِ والمأثمِ والمغرمِ"[3].

 

تعريف الفتور:

لغة: الفترة: الانكسار والضعفُ. وطرف فاتر إذا لمن يكن حديدًا[4].

اصطلاحًا: استثقال الشيء ونفور الناس عنه بعد محبته[5].

 

وهو داء يصيب بعض العباد والدعاة وطلاب العلم، فيضعف المرء ويتراخى ويكسل، وقد ينقطع، بعد جد وهمة ونشاط.

 

أولاً: تعاهد الإيمان وتجديده:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُاللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ الْخَلِقُ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُجَدِّدَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ»[6].

 

فتعاهد الإيمان وتجديده وقاية بإذن الله من كثير من الأمراض ومنها الفتور. ومن تعاهد الإيمان ذكر الله وأعظمه قراءة القرآن، ولذلك فعلى المسلم أن يكون له ورد يومي من القرآن، وليحذر أن يهجره فيدخل فيمن يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيهم: ( وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ) [الفرقان: 30].

 

فتأمل الرسول -صلى الله عليه وسلم- مناديًا لربه وشاكيًا له إعراض قومه عما جاء به، ومتأسفًا على ذلك منهم: ( يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي ) [الفرقان: 30] الذي أرسلتني لهدايتهم وتبليغهم، ( اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ) [الفرقان: 30].

 

أي: قد أعرضوا عنه وهجروه وتركوه مع أن الواجب عليهم الانقياد لحكمه والإقبال على أحكامه، والمشي خلفه!!

 

ومما يلحظ على بعض الدعاة وطلبة العلم في هذا العصر التساهل في هذا الباب والغفلة عنه، حتى إن بعضهم قد لا يتم أذكار ما بعد الصلاة، وأذكار الصباح والمساء بحجة الانشغال بالدعوة والعلم، وهذا من تلبيس الشيطان ليضعفهم ويوهنهم، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه مع انشغالهم لم يتركوا أسباب زيادة إيمانهم.

 

قال ابن القيم -رحمه الله-: "إن الذكر ليعطي الذاكر قوة، حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يطق فعله بدونه…

 

وقد علم النبي -صلى الله عليه وسلم- ابنته فاطمة وعليًا -رضي الله عنهما- أن يُسبحا كل ليلة إذا أخذا مضجعهما ثلاثًا وثلاثين، ويحمدا ثلاثًا وثلاثين، ويكبرا أربعًا وثلاثين؛ لما سألتهُ الخادم، وشكت إليه ما تقاسيه من الطحن والسعي والخدمة، فعلمها ذلك، وقال: "إنه خير لكما من خادم"[7].

 

فقيل: إن من داوم على ذلك وجد قوة في بدنه مُغنية عن خادم.

 

وكان حبيب بن مسلمة يستحب إذا لقي عدوًا، أو ناهض حصنًا قول: "لا حول ولا قوة إلا بالله". وإنه ناهض يومًا حصنًا فانهزم الروم، فقالها المسلمون وكبروا، فانصدع الحصن[8].

 

ثانيًا: العلم:

فالعلم الصحيح يزكي النفس ويدفعها للعمل، ومن العلم: "العلم بفضائل الأعمال".

 

مما يزيد في إيمان المسلم ويدفعه إلى العمل والإنتاج، ويبعد عنه الكسل والفتور، معرفة فضل العمل الذي يقوم به ومكانته الشرعية.

 

ولذلك قال الخضر لموسى -عليه السلام-: ( وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ) [الكهف: 68].

 

أَيْ: إِنَّمَا تَعْرِفُ ظَاهِرَ مَا تَرَى مِنَ الْعَدْلِ، وَلَمْ تُحِطْ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ بِمَا أَعْلَمُ[9].

 

فلا يستوي رجلان: رجل يؤدي العبادة وهو يعلم أنها عبادة لكنه لا يعلم فضلها وما أعده الله للعاملين، وآخر قد فقه ما ورد فيها من نصوص تبين منزلتها وما أعده الله من أجر عظيم لمن قام بها.

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا"[10].

 

وبين الأجر في حديث عثمان بن عفان -رضى الله عنه- قال، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ»[11].

 

فجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معرفة الأجر سببًا لنبذ الفتور والكسل، حتى عن المنافقين، فلا شك أن تأثيرها في المؤمنين أقوى وأرجى.

 

ومن العلم: إدراك حجم محنة الأمة:

هو فرع من فروع العلم، وإنما يفرد لأهميته فإدراك المسلم لواقعه وما يجري فيه، وفقهه لهذا الواقع، يدفعه للجد والعمل، فمن للأمة الغرقى إذا كنا الغريقينا.

 

فكيف يتراخى من يشاهد بلاد المسلمين مستباحة من قبل اليهود وأعوانهم؟! كيف يمكن لعالم رباني أن ينزل بلدًا يعيش أهله بين أمية وجهل فينزوي دون أن ينصب نفسه هاديًا ومعلمًا؟!

 

كل هذا لا يكون، فكذلك من يفقه واقع أمته وحالها، كيف يجد الفتور إلى قلبه طريقًا؟ وإلى عمله سبيلاً؟ هذا بعيد كل البعد، إلا من عاش الهوان والذل وفقد الإحساس ( وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ) [الحج: 18].

 

وما أجمل وصف المتنبي:

كُلُّ حِلْمٍ أتَى بغَيرِ اقْتِدارٍ *** حُجّةٌ لاجىءٌ إلَيها اللّئَامُ

مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الهَوَانُ عَلَيهِ *** ما لجُرْحٍ بمَيّتٍ إيلامُ

 

ثالثًا: الصبر:

فطريق العلم والعبادة والدعوة طريق شاق وطويل، تحفه المصاعب والمشاق، والصبر هو: حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع أو عما يقتضيان حبسهما عنه[12].( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) [العنكبوت: 2، 3].

 

( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) [البقرة: 214].

 

هكذا خاطب الله جيل الصحابة، وهكذا وجهها إلى كل الناس بعد ذلك، وإلى سنته سبحانه في تربية عباده المختارين، الذين يكل إليهم نصرة دينه، وينوط بهم أمانته في الأرض ومنهجه وشريعته.

 

إن هذا السؤال من الرسول والذين آمنوا معه: «مَتى نَصْرُ اللَّهِ؟» ليصور مدى المحنة التي تزلزل مثل هذه القلوب الموصولة. ولن تكون إلا محنة فوق الوصف، تلقي ظلالها على مثل هاتيك القلوب، فتبعث منها ذلك السؤال المكروب: «مَتى نَصْرُ اللَّهِ؟».

 

وعندما تثبت القلوب على مثل هذه المحنة المزلزلة، عندئذ تتم كلمة الله، ويجيء النصر من الله، «أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ»، إنه مدخر لمن يستحقونه، ولن يستحقه إلا الذين يثبتون حتى النهاية.

 

ولما للصبر من عظيم الأثر في الثبات على الطريق، والعصمة من الزلل والانحراف والاستعجال والفتور جاءت آيات كثيرة تبين أهميته وتوصي به وتحث عليه، ويصعب حصرها[13]، منها: ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ )[الزمر: 10].

 

وعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَاللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «الصَّبْرُ ضِيَاءٌ»[14] فيهون عليك مشاق العمل.

 

رابعًا: سلامة الصدر:

تصفية القلوب من الأحقاد والحسد وسوء الظن من أعظم أسباب شرح الصدر، بل إن شرح الصدر وسلامة القلب مقترنان، وليس أقسى على المرء ولا أثقل من قلب مليء بالغل والهوى وسائر الأدناس، يُقعده عن العمل ولا يهنأ بعيش، أما صاحب القلب السليم، والصجر المنشرح، فإنه يتجدد ويزداد نشاطًا وإشراقًا.

 

سَلَامة الصَّدر، المراد بها: عدم الحقد والغل والبغضاء[15].

 

( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [الأعراف: 43].

 

ففي هذه الآية الكريمة، يبيِّن الله تبارك وتعالى أنَّ سَلَامة الصَّدر، ونقاء القلب من أمراضه – والتي منها الغِلُّ – صفة من صفات أهل الجنَّة، وميزة من ميزاتهم، ونعيم يتنعمون به يوم القيامة.

 

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِاللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ". قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: "هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ"[16].

 

قال علي القاري: "أي: سليم القلب، لقوله تعالى: ( إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) [الشُّعراء: 89]، من خَمَمْت البيت، إذا كنسته، على ما في (القاموس) وغيره، فالمعنى: أن يكون قلبه مكنوسًا من غبار الأغيار، ومُنَظَّفًا من أخلاق الأقذار"[17].

 

نماذج على سلامة الصدر:

• وعن زيد بن أسلم، أنَّه دخل على ابن أبي دُجانة، وهو مريض، وكان وجهه يتهلَّل، فقال له: ما لك يتهلَّل وجهك؟ قال: ما من عملِ شيءٍ أوثق عندي من اثنين: أمَّا أحدهما، فكنت لا أتكلَّم بما لا يعنيني، وأما الأُخْرى: فكان قلبي للمسلمين سليمًا[18].

 

• وعن الفضل بن أبي عيَّاش، قال: "كنت جالسًا مع وهب بن منبِّه، فأتاه رجل، فقال: إنِّي مررت بفلان وهو يشتُمك. فغضب، فقال: ما وجد الشَّيطان رسولًا غيرك؟ فما بَرِحْت من عنده حتَّى جاءه ذلك الرَّجل الشَّاتم، فسلَّم على وهب، فردَّ عليه، ومدَّ يده، وصافحه، وأجلسه إلى جنبه" [19].

 

خامسًا: الوسطية:

( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) [البقرة: 143].

 

والوسطية كما تكون في العقيدة تكون في الأعمال، والذي يجانب هذا المنهج من الغلاة والمتشددين سرعان ما يفترون وبخاصة الغلو والتشدد في الأعمال من العبادة وطلب العلم ونحوها.

 

وقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة بلزوم المنهج الوسطي والبعد عن التكلف والتنطع، أذكر من ذلك مثالاً واحدًا:

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: زَوَّجَنِي أَبِي امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيَّ جَعَلْتُ لَا أَنْحَاشُ لَهَا، مِمَّا بِي مِنَ الْقُوَّةِ عَلَى الْعِبَادَةِ، مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، فَجَاءَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى كَنَّتِهِ[20]، حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهَا: كَيْفَ وَجَدْتِ بَعْلَكِ؟ قَالَتْ: خَيْرَ الرِّجَالِ أَوْ كَخَيْرِ الْبُعُولَةِ، مِنْ رَجُلٍ لَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا[21]، وَلَمْ يَعْرِفْ لَنَا فِرَاشًا، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ، فَعَذَمَنِي، وَعَضَّنِي بِلِسَانِهِ، فَقَالَ: أَنْكَحْتُكَ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ ذَاتَ حَسَبٍ، فَعَضَلْتَهَا[22]، وَفَعَلْتَ، وَفَعَلْتَ ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَشَكَانِي، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ لِي: "أَتَصُومُ النَّهَارَ؟" قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟" قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَمَسُّ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي".

 

قالَ: "اقْرَأِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ"، قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُنِي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عَشَرَةِ أَيَّامٍ"، قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُنِي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ".

 

قَالَ: ثُمَّ قَالَ: "صُمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ"، قُلْتُ: إِنِّي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يَرْفَعُنِي حَتَّى قَالَ: "صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الصِّيَامِ، وَهُوَ صِيَامُ أَخِي دَاوُدَ".

 

قَالَ حُصَيْنٌ فِي حَدِيثِهِ: ثُمَّ قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "فَإِنَّ لِكُلِّ عَابِدٍ شِرَّةً[23]، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَإِمَّا إِلَى سُنَّةٍ، وَإِمَّا إِلَى بِدْعَةٍ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّةٍ، فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ".

 

قَالَ مُجَاهِدٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، حَيْثُ ضَعُفَ وَكَبِرَ، يَصُومُ الْأَيَّامَ كَذَلِكَ، يَصِلُ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، لِيَتَقَوَّى بِذَلِكَ، ثُمَّ يُفْطِرُ بِعَدِّ تِلْكَ الْأَيَّامِ، قَالَ: وَكَانَ يَقْرَأُ فِي كُلِّ حِزْبِهِ[24] كَذَلِكَ، يَزِيدُ أَحْيَانًا، وَيَنْقُصُ أَحْيَانًا، غَيْرَ أَنَّهُ يُوفِي الْعَدَدَ، إِمَّا فِي سَبْعٍ، وَإِمَّا فِي ثَلَاثٍ، قَالَ: ثُمَّ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: " لَأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ أَوْ عَدَلَ، لَكِنِّي فَارَقْتُهُ عَلَى أَمْرٍ أَكْرَهُ أَنْ أُخَالِفَهُ إِلَى غَيْرِهِ "[25].

 

فالوسطية منهج حياة، وهي من فقه هذا الدين، ذلك أن الالتزام بها ضمانة لتجاوز المحن والابتلاءات، فيصبح لدى المسلم قدرة عجيبة لتجاوز المحن والشدائد، وذلك بإعماله النصوص الشرعية في مواضعها.

 

سادسًا: الرفقة الصالحة:

إن التزام المسلم بالرفقة الصالحة والوسط الطيب سبب للنجاة من كل شرور، ومن ذلك التراخي والفتور، عن أبي الدرداء مرفوعًا: «مَا مِنْ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ إِلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الْغَنَمِ الْقَاصِيَةَ»[26].

 

والجماعة هنا المراد بها: "أهل السنة والجماعة" أي المنهج ومن كان متبعًا له بغض النظر عن أي حزبية وعصبية، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُاللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مِثْلُ مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِثْلًا بِمِثْلٍ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقُوا عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً» قِيلَ: مَنْ هِيَ يَا رَسُولَاللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-؟ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي»[27].

 

سابعًا: الدعاء:

ونختم هذه الأسباب والوسائل المعينة على التخلص من الفتور والنجاة منه بوسيلة من أعظم الوسائل وأقواها تأثيرًا ألا وهي "الدعاء" ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) [غافر: 60]، ( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ) [النمل: 62].

 

لذا أرشدنا النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الدعاء في حال الفتور – كما تقدم في العلاج الأول – عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُاللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ الْخَلِقُ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُجَدِّدَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ»[28].

 

فعلينا أن نُلح في الدعاء، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُاللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ»[29].

 

إن بعضنا قد يشعر بداء الفتور، لكنه يهمل في علاجه حتى يعظم في حياته، فعلينا أن نبادر قبل أن يستفحل الداء ويصعب انتزاعه، نسأل الله تعالى أن يثبتنا على دينه حتى نلقاه… وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

 ____

 

[1] أخرجه الترمذي (2453) وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وحسنه الألباني في أصل صفة الصلاة (2/ 524).

[2] تحفة الأحوذي للمباركفوري (7/ 127).

[3] متفق عليه: أخرجه البخاري (6368)، ومسلم (589).

[4] مختار الصحاح، مادة (ف ت ر).

[5] فتح الباري لابن حجر (1/ 126).

[6] أخرجه الحاكم في المستدرك (1/ 45). وقال: هَذَا حَدِيثٌ لَمْ يُخَرَّجْ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَرُوَاتُهُ مِصْرِيُّونَ ثِقَاتٌ. ووافقه الذهبي. وانظر السلسلة الصحيحة (1585).

[7] متفق عليه: أخرجه البخاري (3705)، ومسلم (2727).

[8] أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (6/ 113)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (12/ 77). وانظر: الوابل الصيب لابن القيم (185 – 187).

[9] تفسير القرآن العظيم لابن كثير (5/ 179).

[10] متفق عليه: أخرجه البخاري (657)، ومسلم (651).

[11] أخرجه مسلم (656).

[12] مفردات الراغب (5273).

[13] انظر: موسوعة نضرة النعيم (6/ 2441 – 2473).

[14] أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (1100)، وصححه الألباني.

[15])في السلوك الإسلامي القويم لابن الشوكاني (121).

[16] أخرجه ابن ماجه (4216)، وصححه الألباني.

[17] مرقاة المفاتيح لملا علي القاري (8/ 3267 – 3268).

[18] أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (3/ 556)، وابن أبي الدنيا في الصمت (95).

[19] صفة الصفوة لابن الجوزي (1/ 457).

[20] الكنة: زوجة الابن.

[21] أي: ثوبها الذي يسترها، والمراد جماعها، لكنها تأدبت في التعبير عن مرادها.

[22] أي: منعتها. والمراد أهملتها فلم تعاملها كزوجة.

[23] أي: الشرة: النشاط والرغبة.

[24] الحزب: ما اعتاد من قراءته من قرآن وصلاة ونحوها.

[25] متفق عليه: أخرجه البخاري (5052)، ومسلم (1159)، واللفظ لأحمد (6477).

[26] أخرجه الحاكم في المستدرك (1/ 211). وقال النووي في المجموع (4/ 182): إسناده صحيح. وقال ابن الملقن في البدر المنير (4/ 387): إسناده صحيح.

[27] أخرجه الآجري في الشريعة (1/ 308/ 24) بإسناد ضعيف، لكن له شواهد يتقوى بها، فالحديث حسن لغيره، وله طرق صحيحة.

[28] أخرجه الحاكم في المستدرك (1/ 45). وقال: هَذَا حَدِيثٌ لَمْ يُخَرَّجْ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَرُوَاتُهُ مِصْرِيُّونَ ثِقَاتٌ. ووافقه الذهبي. وانظر السلسلة الصحيحة (1585).

[29] أخرجه الترمذي (2140) وقال: حسن. وحسنه ابن حجر في تخريج المشكاة (1/ 99)، بناء على شرطه في المقدمة.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات