طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > وسائل الاتصال الحديثة بين كسب الفضيلة وجلب الرذيلة

ملتقى الخطباء

(1٬826)
661

وسائل الاتصال الحديثة بين كسب الفضيلة وجلب الرذيلة

تاريخ النشر : 1436/07/18
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

وهنا يجزم المستقرئ الكريم والمتابع المنصف لهذه الوسائل أنها ليست إيجابية بحتة ولا خيرا صرفا؛ لكنَّ لها إيجابيات فما اكتسبناه من ورائها ليس بالسهل وما استفدناه من خلالها لم يكن بالهيِّن؛ لكن ما فقدناه إزاءها عظيم جدا يتألم على ذهابه، ولا يمكن تعويضه ولا المساومة فيه، ولا يدرك غوائل ذلك إلا الواقفون على الجادة المتمسكون بالفضيلة المحافظون على القيم، أما غيرهم ممن ابتلوا بشرور هذه الوسائل وأبحروا في مستنقع تلك الرذيلة، وغاصوا في بؤر ذلك الفساد فهم في غيهم يعمهون، وفي ضلالهم يترددون كما ورد في الحديث “لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه …”.

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الآمين وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليماً كثيراً، وبعد:

 

في ظل العيش الرباني والكنف الإلهي يتقلب العباد بين نعم سابغة تتنزل عليهم وآلاء عظيمة تتوفر لهم ومنن جسمية تتجدد فيهم، نعمٌ يعجز الجميع أن يحصوها والكل أن يعدوها، قال الله: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)[إبراهيم: 34]، وما عصرنا هذا إلا خير شاهد وأعظم دليل على بعض تلك النعم؛ حيث يشهد عصرنا انتفاضة إلكترونية واسعة ويلحظ ثورة اتصالاتية عارمة، ويعيش نهضة تكنولوجية باهرة ومتطورة، لم يكن للمرء أن يتخيلها ولا بمقدوره أن يتوقعها، وما يكاد السامع ليصدق لولا ما رآه، وما كان ليقتنع حتى جربه، وسائل جعلت المستحيل ممكنا والبعيد قريبا والصعب سهلا والخيال حقيقة، وصدق الله حيث قال: (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [النحل: 8].

 

تلكم الوسائل لا حد لها وتقنية لا نهاية فيها وأجهزة لا رقيب عليها، حطمت بتقنيتها كل الحدود الجغرافية، وتجاوزت بدقتها كل الفواصل الدولية؛ لتنفتح على العالم كله دون قيد أو شرط، والأدهى من ذلك والأمرّ أنها  تخطت أستار الخصوصية وتسورت الحجب العائلية، وتسلقت التحصينات الأسرية والعوازل الاجتماعية، فهي فاضحة ما لها من دون مراقبة الله كاشفة.

 

نعم، إنها ثورة اتصالات طائشة طغت على كل شيء، وسيطرت على كل وضع وكشفت كل خاص، وأصبحت في كل أمر، لا يمكن الاستغناء عنها ولا التعايش بدونها ولا يسع امرؤ الحياة بمعزل عنها؛ فقد أصبحت جزءًا بالغ الأهمية من حياتنا وحتمًا في معايشنا وضرورةً في عالمنا لا مناص عنها.

 

وبهذا لم يعد التواصل بالعالم الداخلي والخارجي مشكلة بحيث يتطلب التواجد أو معضلة يلزم الحضور، وحتى إنجاز المهمات لم يعد يتطلب اللقاء في بعض الأحايين لأجلها، بل من خلال تلكم الوسائل والتقنيات تنجز كثير من التكاليف وتحقق العديد من الأهداف، وينفذ الكم من المهمات، وتنشر الكثير من الأفكار والتصورات.

 

ولكن برغم ما لهذه الوسائل من نفع لا يُنكر، ولظهورها فوائد لا تُجحد، ولوجودها ثمرة لا تنسى، ما كنا لنحقق كثيرًا من نجاحاتنا لولاها -بعد الله-، وما  كنا لننجز العديد من الأعمال لولا توفرها، ولم نكن لنصل لكثير من الأهداف لولا إتاحتها، ولم نكن نستطيع تحقيق الكثير من المهام؛ إلا إنه مع هذا النفع النسبي الملموس والخير الجزئي المشاهد، لا ننسى ما جلبته على مجتمعاتنا هذه الوسائل من فساد عقدي، ولا نتغافل عما أورثته على أسرنا من تلوث فكري، ولا نغض الطرف عما خلفته في واقعنا من تردٍّ سلوكي، ولا نتغابى عما أنتجته في عصرنا من انحلال أخلاقي.

 

ومن هنا كان وصفها بالثورة الالكترونية والمعلوماتية لم يأتِ من فراغ كما لم تكن عبارة اعتباطية ولا عابرة ولا لفظة عفوية ولا ساقطة؛ بل كانت مقصودة وهادفة فهي ثورة أصابت كل مناشط الحياة، جلبت علينا بخيلها ورجلها، حملت في برامجها إلينا الغث والسمين،  لم ترد على كثير من أمور حياتنا إلا غيّرت ملامحه، وعدلت جوهره، ومحت بعض مضامينه ومحتواه.

 

وهنا يجزم المستقرئ الكريم والمتابع المنصف لهذه الوسائل أنها ليست إيجابية بحتة ولا خيرا صرفا؛ لكنَّ لها إيجابيات فما اكتسبناه من ورائها ليس بالسهل وما استفدناه من خلالها لم يكن بالهيِّن؛ لكن ما فقدناه إزاءها عظيم جدا يتألم على ذهابه، ولا يمكن تعويضه ولا المساومة فيه، ولا يدرك غوائل ذلك إلا الواقفون على الجادة المتمسكون بالفضيلة المحافظون على القيم، أما غيرهم ممن ابتلوا بشرور هذه الوسائل وأبحروا في مستنقع تلك الرذيلة، وغاصوا في بؤر ذلك الفساد فهم في غيهم يعمهون، وفي ضلالهم يترددون كما ورد في الحديث “لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه …”.

 

ولعلّي في هذه الأسطر أعرج على بعض تلك السلبيات جازمًا أني لم آتِ بجميعها ولم أقف على أطرافها، بل كما قيل يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق:

 

* جرأت الجنسين من الرجال والنساء على التواصل والتبادل … وربما اللقاء عن قرب، في حين أن ذلك لم يكن سهلاً في سابق الأزمان، ولولا ما خدمة هذه الوسائل والتقنيات ما كان انتشار الموبقات بالإحصائيات الموجودة ولا بالشكل الملحوظ، فقد أصبح من السهل أن يتحدث الرجل إلى المرأة على بعد آلاف الأميال سواء بالصوت والصورة أو بالصوت فقط، أو بالمراسلة والمحادثة، أو بغير ذلك عبر الخدمات التي وفرتها تلكم الأجهزة.

 

* سهلت المعصية وقربتها سواء مسموعة أو مرئية أو مقروءة أو مباشرة لها بينما، ذلك لم يكن بهذه الصورة ممكنًا في السابق، حيث كان يحتاج  لجهد أكبر ووقت أطول، وربما تعرض القاصد للمعصية لخطر قبل أن يصل لمبتغتاه، ولك أن تتخيل وسائل تجمعك بالعالم وتقنيات تقفز بك أسوار الحصون، وتأذن لك بالدخول إلى البيوت وغرف النوم من غير استئذان ولا استئناس من أصحابها لا تردها أسلاك شائكة ولا  تمنعها كاميرات مراقبة خفية ولا يقف لها حراس يقظون.

 

* ضُيعت بسببها كثير من الأوقات والتي كان من المفترض صرفها فيما يدر نفعه في الدارين، ويجلب خيره في الحياتين، فتجد عشاقها متلبسين بها عشية وضحاها، وترى المدمنين عليها منهمكين فيها بكرة وأصيلا؛ حيث استغرقت كل أوقاتهم، وأخذت كل أعمارهم، ولو سألت أو تابعت عن فوائد ذلك الاستغراق ونتيجة ذلك الانهماك فيها لما وجدت فائدةً تُذكر، ولا مصلحة تُرجى سوى قتل الأوقات وإجهاض الأعمار.

 

* فرّط الكثير بسببها في واجباته الأخروية والدنيوية الخاصة والعامة، فكم حصل نتيجة الاستغراق فيها من تعطيل مصالح وذهاب منافع وفوات خير كثير، فكم من صلاة في الجماعة ضُيعت؟! وكم آيات للقرآن هُجرت؟! وكم درس علمي أو محاضرة فوتت؟! وكم أيام عن الدراسة انقطعت ؟! وكم أعمال ومهمات خاصة وعامة للنفس والغير قُصر فيها وما أنجزت؟!

 

* نتج عنها كثير من المشاكل العائلية والأسرية نتيجة للنقص في حقوقهم وحاجياتهم والتفريط في مصالحهم ومعاشهم، سواء أكان داخل المنزل أو خارجه، كل ذلك بسبب الانشغال بهذه الوسائل، ولك أن تسمع عن نهايات تلك الخلافات المحزنة ومآلاتها المبكية وصل بعضها للضرب والسجن وبعضها للهجر والشقاق، وانتهى ببعضهم إلى الطلاق.

 

* النتائج المخزية والنهايات المنكسة لمستخدمي تلك الوسائل الاستخدام السيئ المحض، فلقد كانت نهايات مدمرة ونتائج مؤسفة وخيمة، فهذه زوجة طُلقت، وتلك ابنة سُجنت، وآخرون أودعوا في السجون وأنهوا حياتهم وراء القضبان، وثان خسر سمعته وضاعت كرامته بسبب ما وقع في عرضه، وآخر حُكم عليه بالقتل أو الجلد تعزيرًا، مآلات مخزية وويلات مبكية صاننا الله وإياكم.

 

* أضاعت كثيرًا من القيم والخلال الحميدة على كل المستويات، فعلى سبيل المثال تجد الضيف في منزله فبدل أن يهتم الفرد بضيفه والنازل عليه فيكون حاضرًا مجالسهم بخدمتهم ومشاركتهم مبتسمًا في وجوههم محييا ومرحبا بوصولهم صار منشغلاً بهذه الوسائل دونهم مما يعكس صورة سلبية لدى ضيفه ويعكر صفو زيارته له.

 

* جرّأت بعض أصحابها على الاعتداء على أملاك الغير، فتجد المرء يشترك من أجهزتهم دون إذنهم، بل لا يتعفف أن يسأل غيره للاشتراك معه فيها.

 

* أصبح وسيلة لنقل الأراجيف والأخبار غير الموثوقة والشائعات والأكاذيب.

 

* فتح المجال لغير أصحاب الخبرة والعلم والتخصص في الحديث والمناقشة والرد والفتيا.

 

* ولا تسأل عن الأموال الطائلة التي تصرف في اقتناء هذه الوسائل وتخصيص أموال لشراء هذه التقنيات، بل صار البعض ينتظر كل جديد ويرقب كل موضة فيبيع الأسبق بثمن بخس ويشتري الجديد بأغلى الأثمان حال نزوله السوق ينافس بذلك الزملاء ويساير به القرناء.

 

وبعد هذا المرور السريع والعاجل لا أعتقد في ظني أن واحدا سالم أو غير متورط في كثير من هذه السلبيات، ومن قال: إنه سالم من واحدة فلن يسلم من الأخرى، ومن تحرز من واحدة فلن يفلت من غيرها، والمحفوظ من حفظه الله، وكل إنسان يجني من مساوئها بقدر قربه منها وانهماكه فيها.

 

لقد كانت هذه التقنيات رغم ما فيها من المنافع بمثابة امتحان واختبار، وبالرغم ما فيها من مصالح لكنها بمثابة تمحيص وابتلاء ليختبر الله تقوى أصحابها واقتصار استعمالهم للخير فيها، وانحصارهم على النفع الذي منها، وهذا الاختبار من سنن الله في التي يجريها على عباده، فالله سبحانه ابتلى الصحابةَ -رضي الله عنهم- وهم في حال الإحرام بالحج أو العمرة؛ حيث ابتلاهم بجعل الصيد في متناول أيدهم فربما أمسكه المحرم بيده دون آلة صيد أو مثلها،.. وهكذا يتكرر الابتلاءٌ في كل زمن بما يناسبه، ويأتي على كل قوم حسب إيمانهم، ويتنزل على كل أمة بما يتناسب معها زمنا وحالا !

 

والمتأمل يجد أن الله –سبحانه- قد سخّر لنا من هذه الوسائل وهيّأ لنا من هذه التقنيات ما يمكن لأحدنا أن يقترف المعصية من خلالها دون تعب أو مكابدة ودون أن يراه أحد؛ إن كان لا يخاف إلا الناس وليس لله -سبحانه العليم- في قبله حسبانًا ولا اعتبارًا.

 

كيـــف ذلك ؟! أقول لك: لقد كان قبل عشرة أعوام تقريبًا كان الحصولُ على الصُّوَر والمقاطع المحرمة صعبًا إلى حد مـا، أمَّا الآن فبلمسةٍ يسيرة على شاشة الجوال أو بضغطة زر على الحاسب الآلي تشاهد ما تريد مما يحب الله ومما يبغضه – أعاذنا الله وإياك -، وبالتالي أقول لك تــذكر قوله: (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [المائدة: 94]، وفي خلوتك لا يغرنك صمتُ أعضائـك وسكوتها عنك، فـإن لهـا يـومـاً تتكلـم فـيـه وتنطق ! قال الله تعالى: ( الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [يس: 65].

 

ومع توفر هذه الخدمات وقربها من صغار السن وبقائها في متناول أيديهم من ليل أو نهار لا تعجب أن طفلا لم يبلغ العاشرة من عمره يدرك ما لم يكن يدركه البالغون في الزمن السابق، وما ذلك إلا لأن هذه الوسائل قد أفصحت عن كل شيء وطفا كل شيء على السطح، نسأل الله السلامة والعافية.

 

اللهم اصرف عنا السوء والفحشاء واجعلنا من عبادك المخلصين ! اللهم صن أعراضنا واحفظ كرامتنا ! واستر عيوبنا ! ونق سرائرنا ! وطهر من الرذيلة مجتمعاتنا ! وكره الكفر والفسوق والعصيان إلى قلوبنا ! واختم بالصالحات أعمالنا !

 

وسلامٌ على المرسلين والحمدلله رب العالمين.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات