طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > التدريب على الدعوة في ضوء الكتاب والسنة وهدي السلف

ملتقى الخطباء

(1٬153)
657

التدريب على الدعوة في ضوء الكتاب والسنة وهدي السلف

تاريخ النشر : 1436/07/07
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

وكان هذا التدريب والانتقاء وفق مهارات وكفاءات وقدرات كل واحد منهم، فجعل خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص-مثلاً-قادة جيوش وأمراء سرايا، في حين جعل معاذ بن جبل، وعلي بن أبي طالب دعاة وقضاة، وجعل مصعب بن عمير سفيراً، وجعل أبا بكر وعمر وزراء ومستشارين، ومحمد بن مسلمة قائد الحرس النبوي، وقيس بن سعد بن عبادة قائداً للشرطة، وثابت بن قيس خطيبه، وحسان بن ثابت شاعره، وحذيفة بن اليمان أمين سره، وعمرو الضمري قائد العمليات الخاصة(الكوماندوز) وغيرهم كثير، وذلك كله حتى يكونوا مستعدين للمشاركة الفعالة في بناء الأمة الإسلامية.

 

 

 

 

إن العمل الإسلامي متجلياً في أسمى صوره؛ الدعوة إلى الله-عز وجل-، تظهر معالمه في صور عديدة، فهناك المسجد وحلقاته ودروسه، وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجامعات الإسلامية، والمراكز الدعوية الرسمية والخيرية، والقنوات الفضائية الإسلامية، والمشاريع الاقتصادية المخصصة للأوقاف الإسلامية، ومراكز دعوة الأقليات، والأفراد والجماعات العاملة في حقل الدعوة إلى الله-عز وجل-. هذا العمل الضخم الذي يحسب في القائمين عليه الإخلاص والبذل، يوجد به آفة كبيرة ندر أن يسلم منها عمل أو مجهود فردي أو جماعي، هذه الآفة هي ضعف التدريب، وسوء التوجيه وقصوره، فرغم النوايا الطيبة، والأهداف الراقية، إلا إن الحقيقة المريرة؛ أن كثيراً من الدعاة إلى الله-تعالى-لا يعرفون الكيفية الإيجابية للدعوة، ولا الخطوات الشرعية الصحيحة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسبب أنه لم يتدرب على أداء هذه المهمة تدريباً كافياً، وربما لم يتدرب عليها بالكلية، والشواهد على ذلك كثيرة، من خطيب حاز الشهادة النظرية المؤهلة، في حين لم يرتق المنبر ولا مرة في حياته؛ ليتهيأ لهذا المقام الرفيع، ومراكز دعوية وخيرية وإغاثية في بلاد خارجية يوفد إليها دعاة لا يحسن لسان القوم ولا عاداتهم ولا طرائق تفكيرهم، وبرامج إعلامية على الفضائيات تتصدى لمناقشة قضايا هامة بصورة سطحية، ويتناولها أشخاص غير مؤهلين، ليس لهم تجارب سابقة، ولا تصورات صحيحة، ولا قواعد منضبطة فيما ينبغي قوله وتركه، والمحصلة النهائية لكل هذه العشوائية وعدم التدريب قبض الريح.

 

أولاً: معنى التدريب لغةً واصطلاحاً:

 

التدريب لغةً بمعنى التعويد والتمرين، يقال: درّب فلان فلاناً بالشيء، ودرّبه على الشيء: عوده ومرنه

أما التدريب اصطلاحاً: " عبارة عن نشاط منظم يركز على الفرد؛ لتحقيق تغير في معارفه، ومهاراته، وقدراته؛ لمقابلة احتياجات محددة في الوضع الحاضر أو المستقبلي، في ضوء متطلبات العمل المنوط به أداءه، في ضوء رؤيته وطموحاته، وآماله في أثر هذا العمل في البيئة المحيطة، وبعبارة أخرى: " هو مجموعة البرامج المهتمة بتحسين القدرات الفنية، والعقلية، والمهارية؛ لتحقيق أداء أفضل في العمل ". وعلى هذا فالتدريب يهدف-باختصار-إلى الارتقاء الدائم والتوسع الرأسي لمهارات وقدرات الأفراد.

 

ثانياً: التدريب في ضوء النصوص الشرعية:

 

قد يرى البعض أن التدريب وبرامجه ووسائله ما هي إلا نوع من الترف العقلي والمهاري الذي تعيقه الحاجة الماسة للعمل والبذل وضخامة المشكلات التي تواجه الأمة، وقلة العاملين وكثرة الأعباء، وأن التدريب رفاهية لا تملكها الأمة حالياً؛ لضعف الإمكانات، وكثرة التحديات، في حين ينظر البعض الآخر للتدريب على أنه من علوم الغرب المستوردة التي لا أصل عليها في الشرع، وأن الاهتمام به والتركيز عليه من جنس التقليد المذموم لهدي الغرب وعاداته ومناهجه. وكل هذا محض خطأ فادح يسكب من أجله العبرات على وصول التفكير ببعض العاملين في ميدان الدعوة إلى هذا المستوى من التدهور والانحطاط !!

 

فالمتأمل للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة وحياة الأنبياء والمرسلين ورحلتهم الدعوية يجد عشرات بل مئات النصوص الدالة على هذه المهمة الرفيعة، مما يجعل مسألة تأصيل التدريب من مسلمات الوحي المعصوم التي لا يجسر أحد على المماراة والمجادلة فيها. فالمتأمل لصنيع الله-عز وجل-مع أنبيائه -صلوات ربي وتسليماته عليهم- يعجب لهذا الإعداد الرباني الدقيق والتدريب العميق المحكم لأوليائه وأصفيائه من أجل التأهل للمهمة العظيمة المنوط بهم أداؤها؛ النبوة، فالنبوة اصطفاء ثم إعداد وتأهيل وتدريب. ومن طرائق هذا التدريب والإعداد:

 

 1-العمل المبكر:

 

فقد جعل الله-عز وجل-أنبيائه ورسله يعملون في سن مبكر، فلم يكونوا في بيئة منعمة، أو أسرة مترفة، بل أغلبهم ولد يتيماً، وامتهن الأشغال منذ الصغر؛ ليخشوشنوا، ويتعلموا الاعتماد على النفس، ومكابدة المشاق وتحمل الصعاب، بل إن الله-عز وجل-جعلهم جميعاً يعملون في مهنة معينة: رعي الأغنام؛ لما في هذه المهنة من أمور وصعاب تحتاج توافر مهارات خاصة في منتحلها، فهي مهنة تحتاج إلى الصبر والرفق واللين والحزم والشجاعة وقوة النفس وثبات الجنان، وحسن السياسة، والقدرة على توجيه وقيادة الجموع، حتى لو كانت غير عاقلة، فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال: "ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم" فقال أصحابه: وأنت؟ قال: "نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة " قال ابن حجر-رحمه الله-تعالى-معلقاً على هذا الحديث: قال العلماء: "الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلَّفونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة؛ لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى ونقلها من مسرح إلى مسرح ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها، وشدة تفرقها، مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة؛ ألفوا من ذلك الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها فجبروا كسرها، ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كُلفوا القيام بذلك من أول وهلة؛ لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم. وخُصت الغنم بذلك؛ لكونها أضعفَ من غيرها، ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر؛ لإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها في العادة المألوفة، ومع أكثرية تفرقها فهي أسرع انقياداً من غيرها ". 

 

ثانياً: العزلة وعدم مخالطة الناس قبل البعثة:  

 

فالأمور العظيمة الضخمة تحتاج إلى تهيئة وإعداد كبيرين قبل الإقدام عليها، ومن ذلك الإعداد للعزلة الوقتية التي يحتاجها كل من يريد أن يجمع شتات أمره، ويحزم أمره، ويصفو ذهنه، ويهدأ باله، ويمعن في التأمل، حتى يكون القلب مهيئاً لاستقبال النبأ العظيم، والنفس مستعدة لتولى المهمة الجسيمة، والله تبارك وتعالى عليم أن نبيه محمداً-صلى الله عليه وسلم-مقدم على أمر عظيم جليل خطير، فحبَّب إليه العزلة ورغَّبه فيها، فكان يتعبد بحراء الليالي ذوات عدد، منفرداً وحيداً قبل أن يَفْجَأه جبريل-عليه السلام-بالرسالة العظيمة. فكان اختياره-صلى الله عليه وسلم-لهذه العزلة طرفاً من تدبير الله له؛ ليعده لما ينتظره من الأمر العظيم. ففي هذه العزلة كان يخلو إلى نفسه، ويخلص من زحمة الحياة وشواغلها الصغيرة؛ ويفرغ لموحيات الكون، ودلائل الإبداع؛ وتسبح روحه مع روح الوجود؛ وتتعانق مع هذا الجمال وهذا الكمال؛ وتتعامل مع الحقيقة الكبرى وتمرن على التعامل معها في إدراك وفهم. فالاستغراق في واقع الحياة يجعل النفس تألفه وتستنيم له، فلا تحاول تغييره. أما الانخلاع منه فترة، والانعزال عنه، والحياة في طلاقة كاملة من أسر الواقع الصغير، ومن الشواغل التافهة فهو الذي يؤهل الروح الكبير لرؤية ما هو أكبر، ويدربه على الشعور بتكامل ذاته بدون حاجة إلى عرف الناس، والاستمداد من مصدر آخر غير هذا العرف الشائع.

         

ثالثاً: التكاليف الثقيلة:

 

إن الله-تبارك وتعالى-أعدَّ نبيه-صلى الله عليه وسلم-للمهمات الثقيلة، التي سيقبل عليها بتكليفات تعبدية ثقيلة، ممثلة في فرض قيام الليل، والتطويل فيه عليه وعلى أنصاره طيلة عام كامل، ثم نسخ حكم الوجوب في حق أصحابه، وبقى حكم الوجوب في حقه-صلى الله عليه وسلم-، فكان التدريب على المشاق التي تخالط هذا القيام قوة تربوية دافعة نحو أعباء الدعوة بعد ذلك  فالتكليف الثقيل كان تدريباً على اعتياد المشاق وتحمل الصعاب. قال الأستاذ سيد قطب-رحمه الله تعالى-شارحاً قوله تعالى: (يا أيها المزمل * قم الليل إلا قيلاً * نصفه أو أنقص منه قيلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً * إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً * إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً) [ المزمل: 1-6 ] قال:" قيل لرسول الله-صلى الله عليه وسلم-:"قم"، فقام، وظل قائماً بعدها أكثر من عشرين عاماً! لم يسترح، ولم يسكن، ولم يعش لنفسه ولا لأهله، قام وظل قائماً على دعوة الله، يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ ولا ينوء به: عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض، عبء البشرية كلها، وعبء العقيدة كلها، وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى، حمل عبء الكفاح والجهاد في ميدان الضمير البشري الغارق في أوهام الجاهلية وتصوراتها، المثقل بأثقال الأرض وجواذبها، المكبل بأوهاق الشهوات وأغلالها، حتى إذا خلص هذا الضمير في بعض صحابته مما يثقله من ركام الجاهلية والحياة الأرضية؛ بدأ معركة أخرى في ميدان آخر، بل معارك متلاحقة مع أعداء دعوة الله المتألبين عليها وعلى المؤمنين بها، الحريصين على قتل هذه الغرسة الزكية في منبتها، قبل أن تنمو وتمد جذورها في التربة وفروعها في الفضاء، وتطلل مساحات أخرى.

 

ولم يكد يفرغ من معارك الجزيرة العربية حتى كانت الروم تعدّ لهذه الأمة الجديدة وتتهيأ للبطش بها على تخومها الشمالية. وهكذا قام محمد-صلى الله عليه وسلم-وهكذا عاش في المعركة الذائبة المستمرة أكثر من عشرين عاماً، لا يلهيه شأن عن شأن في خلال هذا الأمد، منذ أن سمع النداء العلوي الجليل وتلقى منه التكليف الرهيب، جزاه الله عنا وعن البشرية كلها خير الجزاء.

 

(يا أيها المزمل * قم الليل إلا قيلاً * نصفه أو أنقص منه قيلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً) إنه الإعداد للمهمة الكبرى بوسائل الإعداد الإلهية المضمونة: قيام الليل، أكثره: أكثر من نصف الليل ودون ثلثيه، وأقله: ثلث الليل. وكان هذا الإعداد للقول الثقيل الذي سينزله الله عليه (إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً) إن تلقي هذا الفيض من النور والمعرفة واستيعابه لثقيل، يحتاج إلى استعداد طويل، وإن التعامل مع الحقائق الكونية الكبرى المجردة لثقيل، يحتاج إلى استعداد طويل، وإن الاتصال بالملأ الأعلى وبروح الوجود وأرواح الخلائق الحية والجامدة على النحو الذي تهيأ لرسول الله-صلى الله عليه وسلم-لثقيل، يحتاج إلى استعداد طويل.

       

رابعاً: التدريب على مواجهة الطغاة:

 

إن الله-تعالى-كلف رسله-عليهم الصلاة والسلام-الإبلاغ والإنذار، وساعدهم على هذا بمعجزات وأسعفهم بآيات بينات، ولقد أعد الله-تعالى-بعض أنبيائه فتربوا على التعامل مع هذه المعجزات. وليس أعظم ولا أدل على هذا من قصة موسى-عليه الصلاة والسلام-، فالله-تبارك تعالى-أرسله إلى أمتي القبط وبني إسرائيل، وهي مهمة صعبة ولا شك، لكن الله-تعالى-أعانه فدرَّبه قبل الرسالة وأثناءها، إذ مرَّت عليه أحداث جسام قبل الرسالة صقلته وهيَّأته، ولعل أبرز ما هيَّاه الله-تعالى-به السنوات التي قضاها عند شعيب-عليه الصلاة والسلام-، ثم إن الله-تعالى-اصطفاه في مشهد مهيب بطريقة لم تتكرر في عظمتها ومهابتها وقوَّتها لنبي آخر، وكان في هذا حكماً كثيرة، من أهمها-والله أعلم بحكمته-؛ تدريبه ليواجه هيبة فرعون وصورته التي تصوَّر عليها من العظمة والطغيان. ثم إن الله-تعالى درَّبه على مواجهة فرعون تدريباً كافياً شاملاً للمهمة التي أرسله من أجلها جلَّ جلاله، والمتأمل لقصته في كتاب الله-تعالى-يعلم هذا، فقد قال جلَّ جلاله:( وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) [ طه: 16-24 ]، والله تبارك وتعالى كان قادراً على تثبيت موسى لأول وهلة، لكن من الحكم في هذا الصنيع هو أن ندرك أن لله سنناً في كونه يجب احترامها والتدريب على التعامل معها. ثم إن الله-تعالى-جرَّأَ نبيَّه موسى-عليه الصلاة والسلام-على مواجهة الطاغية وماذا يقول له وكيف يرد، فقال:( فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى) [النازعات: 18-19] وطمأنه تعالى بقوله: (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) [ طه: 46 ]، (قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ) [ القصص:35].

         

ثالثاً: مظاهر التدريب النبوي في حياة الصحابة:

 

تزخر السيرة النبوية بعدد وافر من المواقف التدريبية التي يظهر معها-بوضوح-مدى العناية الفائقة التي أولاها النبي-صلى الله عليه وسلم-لهذه المسألة المهمة، ويظهر معها عظمة هذا الدين ورياديته لكل زمان ومكان، فمن تلك المواقف:

 

1-تدريب الصحابة على الدعوة وطرائقها: فعندما أرسل رسول الله-صلى الله عليه وسلم-معاذ بن جبل-رضي الله عنه-إلى اليمن علَّمه كيف يصنع، ودربه على الكلام مع القوم الكافرين فقال له: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم".

 

ففي هذا الحديث تدريب لمعاذ وميثاق عمل واضح على مواجهة أهل اليمن، وفي صحيح مسلم أنه قال له-صلى الله عليه وسلم-: " إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب " فوصفهم له حتى يكون على معرفة بمن سيقدم عليهم، ولأن أهل الكتاب يُفترض أن يكونوا أكثر قبولاً للدعوة من غيرهم من الوثنيين. هذا، وقد دربه على التدرج في الدعوة، لا فائدة من دعوة قوم إلى فروع وهم عن الأصول غافلون، ولا فائدة من دعوتهم إلى أصل كان غيره أولى منه وأجدر بالدعوة إليه.

 

2-تدريب الصحابة على القضاء والفتوى: فقد كان النبي-صلى الله عليه وسلم-يعهد إلى بعض الصحابة بالقضاء والفتوى قاصداً من ذلك التمرين على الاجتهاد، وذلك لأنه ليس لأحد أن يفتي أو يقضي بحضرة رسول الله، ولكن الغرض هو تدريب الصحابة-رضي الله عنهم-على شؤون القضاء والفُتيا بحضرته-صلى الله عليه وسلم-فعن عقبةَ بن عامر الجهني-رضي الله تعالى عنه-قال: جاء رسولَ الله خصمان، فقال: "اقضِ بينهما "، قال: أنت أولى بذلك مني يا رسول الله، قال:وإن كان. قال: فإذا قضيت بينهما فما لي؟ قال: "إن كنتَ قضيت بينهما فأصلحت القضاء فلك عشر حسنات، وإن أنت اجتهدت فأخطأت فلك حسنة" .ومثل هذا الحديث ورد أيضاً جاء عن عمرو بن العاص-رضي الله تعالى عنهما-.

 

وفي قضاء عقبة وعمرو-رضي الله عنهما-بين يدي رسول الله-صلى الله عليه وسلم-تدريب على القضاء بحضرته وتعليم. وعن علي-رضي الله تعالى عنه-قال: "بعثني رسول الله-صلى الله عليه وسلم-إلى اليمن قاضياً، فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السن ولا علم لي بالقضاء؟! فقال: "إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضينَّ حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء"، قال: "فما زلت قاضياً، أو: ما شككتُ في قضاءٍ بعدُ".

 

3-تدريب الصحابة على إدارة بعض شؤون دنياهم :كان النبي-صلى الله عليه وسلم-يدرِّب الصحابة على إدارة بعض شؤون دنياهم من الولايات والمناصب العامة؛ حتى يتأهلوا لشغلها حال وفاته-صلى الله عليه وسلم-، وكان هذا التدريب والانتقاء وفق مهارات وكفاءات وقدرات كل واحد منهم، فجعل خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص-مثلاً-قادة جيوش وأمراء سرايا، في حين جعل معاذ بن جبل، وعلي بن أبي طالب دعاة وقضاة، وجعل مصعب بن عمير سفيراً، وجعل أبا بكر وعمر وزراء ومستشارين، ومحمد بن مسلمة قائد الحرس النبوي، وقيس بن سعد بن عبادة قائداً للشرطة، وثابت بن قيس خطيبه، وحسان بن ثابت شاعره، وحذيفة بن اليمان أمين سره، وعمرو الضمري قائد العمليات الخاصة(الكوماندوز) وغيرهم كثير، وذلك كله حتى يكونوا مستعدين للمشاركة الفعالة في بناء الأمة الإسلامية.

 

إن التدريب يشمل أموراً كثيرة أعظم من أن تحصر في مقام أو يتحدث عنها في عجالة كهذه؛ إذ قلَّما أمر يهم المسلم في شؤون الدعوة إلا وهو محتاج فيه إلى تدريب، فالتدريب أحد قسمي التأهيل؛ إذِ التأهيل قسمان: نظريّ وعمليّ، وكلا القسمين مهم لا يُستغنى عنه، لكن البرامج التدريبية تفترض وجود مستوى محدد من الفهم والوعي، ومن ثَمَّ السعي للبناء عليه، والمحصلة الأهم تكوين الكوادر القادرة على القيادة الناجحة في كل المجالات وهو الباب الأوسع لعودة الأمة إلى مجدها وعزها.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات