طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > الآثار الفقهية المترتبة على تحريم الاكتتاب في البنك الأهلي

ملتقى الخطباء

(948)
586

الآثار الفقهية المترتبة على تحريم الاكتتاب في البنك الأهلي

تاريخ النشر : 1435/12/29
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

إذا حرُم الاكتتاب في البنك الأهلي؛ لكونه عقداً فاسداً، فإن التحريم يستمر حتى ولو عصى المسلم ربه ودخل فيه، ودخوله فيه لا يصيِّره عقداً مباحاً ولا صحيحاً، فلا يحل له الاستمرار والمضي فيه، سواء طرأ عليه الفساد أم كان فاسداً من الأصل؛ لأن المضي والاستمرار في الفاسد والمحرم مضادة لله -عز وجل-؛ بل يجب أن يقاطعاه، وأن يعود لكل منهما ماله الذي كان له قبل العقد؛ فالحق -سبحانه- إنما حرم هذا الشيء وأفسده لئلا يرتكبه الناس، والمضي فيه ارتكاب له…

 

 

 

 

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

 

فقد صدرت فتوى اللجنة الدائمة للفتوى في هيئة كبار العلماء برقم: (26302)، وتاريخ (22/12/1435) وفتاوى كثيرة لمختصين في الاقتصاد الإسلامي بتحريم الاكتتاب بالبنك الأهلي، وهذا هو الحكم التكليفي لهذه النازلة، ومقام الفتاوى غالباً ما تتطرق إلى الحكم التكليفي فقط دون الإشارة إلى الحكم الوضعي والآثار المترتبة على الحكم بتحريم عقد من العقود، وهذا باب مهم ينبغي تفصيله وذكره تبعاً في مقام التفصيل كالبحوث والرسائل العلمية ونحو ذلك.

 

ومن باب التوضيح الفقهي للمختصين وغيرهم لهذا الباب وبيانه نُسهم في هذه الأوراق ببيان بعض تلك الآثار على سبيل الاختصار ويمكن تلخيصها في الآثار التالية:

 

الأثر الأول: أن عقد الاكتتاب في البنك الأهلي عقد غير صحيح، والعقد غير الصحيح هو ما لا يعتبره الشرع ولا يترتب عليه مقصوده، أو هو ما لا يكون مشروعاً وصفاً. (1).

 

قال ابن عبد البر:" إنه كل ما لا يجوز بيعه ولا العقد عليه، ولا العمل في البيوع به، فهو من البيوع الفاسدة، وكذلك ما جاءت الآثار بالنهي عنه"(2).

 

الأثر الثاني: أن من اكتتب في البنك الأهلي فإن عقده يكون باطلاً أو فاسداً، وجمهور العلماء عدا الحنفية لا يفرقون بين الفاسد والباطل هنا، قال ابن قدامة:" الباطل: هو الذي لم يثمر، والصحيح الذي أثمر، والفاسد مرادف الباطل فهما اسمان لمسمى واحد"(3).

 

أما عند الحنفية فإن الاكتتاب في البنك الأهلي يعتبر من قبيل العقد الفاسد لا بالباطل، إذ الفاسد عندهم هو: الصحيح بأصله لا بوصفه (4)، ومثلوا له بالمال الربوي الذي يكتسبه المسلم من معاملة بيع دخلها الربا، فإن عقد البيع الذي ينشأ عنه الربا في نظر الحنفية مشروع من حيث إنه عقد بيع، ممنوع من حيث وجود التفاضل في أحد العوضين، وكذلك بيع المجهول، وإبرام صفقتين في صفقة وغيرها (5).

 

الأثر الثالث: إذا حرُم الاكتتاب في البنك الأهلي؛ لكونه عقداً فاسداً، فإن التحريم يستمر حتى ولو عصى المسلم ربه ودخل فيه، ودخوله فيه لا يصيِّره عقداً مباحاً ولا صحيحاً، فلا يحل له الاستمرار والمضي فيه، سواء طرأ عليه الفساد أم كان فاسداً من الأصل؛ لأن المضي والاستمرار في الفاسد والمحرم مضادة لله -عز وجل-؛ بل يجب أن يقاطعاه، وأن يعود لكل منهما ماله الذي كان له قبل العقد؛ فالحق -سبحانه- إنما حرم هذا الشيء وأفسده لئلا يرتكبه الناس، والمضي فيه ارتكاب له، واستثنى بعض العلماء من ذلك الحج والعمرة. ويحرم المضي فيما فسدا إلا بحج واعتمار أبداً(6).

 

الأثر الرابع: من اكتتب في البنك الأهلي جاهلاً حكم الاكتتاب فيه أو بتأويل أو بناء على فتوى عالم ثم تبين له الصواب في التحريم، ولمَّا يتم قبض الأسهم بعد فإنه لا يجوز له قبضها، وليس له إلا رأس ماله الذي دفعه أثناء الاكتتاب، وهذا قول جمهور العلماء من الحنفية (7)، والشافعية (8)، والحنابلة(9)، وبعض المالكية (10).

 

والدليل على ذلك هو قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)، إلى قوله تعالى: (وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ…) [البقرة: 279 – 280].

 

وجه الدلالة من الآية: أن الله أمر بترك ما بقي من الربا في الذمم وأبطله، والذي بقي هو الذي لم يقبض بعد، وردهم إلى رؤوس أموالهم، ولم يستحق الزيادة الربوية التي لم تقبض.(11).

 

قال القرطبي في بيان هذه الآية:"  ظاهره أنه أبطل من الربا ما لم يكن مقبوضاً وإن كان معقوداً قبل نزول آية التحريم"(12).

 

وقال في بيان قوله تعالى: (وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ): "تأكيد لإبطاله ما لم يقبض منه، وأخذ رأس المال الذي لا ربا فيه، فاستدل بعض العلماء بذلك على أن كل ما طرأ على البيع قبل القبض مما يوجب تحريم العقد أبطل العقد…"(13).

 

وبدليل قوله تعالى: (فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ)(14)، وجه الدلالة من الآية : أن المعنى " فَلَهُ مَا سَلَفَ" من المقبوض قبل نزول تحريم الربا، ومفهوم المخالفة لهذا المعنى أن ما لم يقبض يدخل في النهي فلم يُرِد في الآية ما لم يقبض بدليل أنه قد ذكر في نسق التلاوة حظْر ما لم يقبض منه وإبطاله بقوله" وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا" فأبطل الله من الربا ما لم يكن مقبوضاً وإن كان معقوداً قبل نزول التحريم، والقرآن يفسر بعضه بعضاً.(15).

 

أما من علم بالحكم بعد العقد والقبض" إيداع الأسهم في المحفظة"، فإنه يجب عليه في هذه الحال فسخ الاكتتاب إن أمكن ورد الأسهم إلى البنك، وإن كان ثَمَّ رباً فليس للمرابي إلا رأس ماله، وهذا قول في مذهب الحنابلة(16)، وهو قول المالكية(17)، والشافعية(18)، والظاهرية(19).

 

وأقوى دليل على ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: جاء بلال بتمر برني، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من أين هذا؟"، فقال بلال: تمر كان عندنا رديء فبعت منه صاعين بصاع لمطعم النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند ذلك:"أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر ثم اشتر به"(20)، وفي رواية لمسلم: "فردوه، ثم بيعوا تمرنا، واشتروا لنا من هذا"(21).

 

وجه الدلالة من الحديث: أن بلالاً -رضي الله عنه- يعرف تحريم الربا، ويعتقد ذلك، ولكن جهل أن هذه المعاملة هي من الربا، ولو كان يعلم أنها ربا لما أقدم عليها، وحصل القبض من الطرفين، ومع ذلك كله أَمَرَ النبي -صلى الله عليه وسلم- بردِّ هذا العقد وفسخه وإبطاله، ولو كان يعذر بجهله لما أمره بالفسخ، قال ابن عبد البر: " والبيع إذا وقع محرماً فهو مفسوخ مردود وإن جهله فاعله، ويفسخ البيع بين المتبايعين فيه(22)، وقد نقل ابن بطال-رحمه الله- إجماع العلماء على ذلك(23).

 

وبدليل ما رواه مالك في موطَّئه عن يحيى بن سعيد أنه قال: "أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- السعدين أن يبيعا آنية من المغانم من ذهب أو فضة فباعا كل ثلاثة بأربعة عيناً، أو كل أربعة بثلاثة عيناً، فقال لهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أربيتما فردا"(24).

 

وله شاهد عند أبي داود من حديث رافع بن خديج: "أنه زرع أرضاً فمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يسقيها، فسأله: "لمن الزرع؟ ولمن الأرض؟" فقال: زرعي ببذري وعملي، لي الشطر ولبني فلان الشطر، فقال: "أربيتما فرد الأرض على أهلها وخذ نفقتك"(25).

 

ووجه الدلالة من الحديث : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بفسخ العقد الفاسد ورده مع أنه صدر من جاهلين بالحكم، أو جاهلين أن هذه الصورة من الربا وهما: سعد بن أبي وقاص، وسعد بن عبادة، ولم يعذرهما بالجهل إلا من جهة ترك المعاتبة على ما صنعا(26) فلم يكن الجهل عذراً لفسخ العقد(27).

 

الأثر الخامس: من اكتتب في البنك الأهلي عالماً بالتحريم عاصيًا لله بفعله ولم يقبض الأسهم بعد فلا خلاف بين العلماء على أنه يجب عليه فسخه، ولا يترتب على الاكتتاب أي حكم شرعي من ملك ونحوه.

 

الأثر السادس: من اكتتب في البنك الأهلي عالماً بالتحريم وقبض الأسهم لم يثبت للمكتتب ملك شرعي على الأسهم، ولم يثبت للبنك ملك على الثمن، ويجب على المكتتب فسخ العقد واسترداد ثمنه، وهذا قول جمهور الفقهاء من الشافعية(28)، والمالكية(29)، والحنابلة في الصحيح من المذهب(30)، والظاهرية(31)، وبعض الحنفية (32).

 

قال مالك: "وكل بيع حرام لا يقر على حال إن أدرك رد وإلا فقيمتها على المشتري(33).

وقال الشافعي: "وفي الإجماع أن من باع بيعاً فاسداً فالبائع على أصل ملكه لا يخرج من ملكه إلا والبيع صحيح" (34)، وقال: "والبيع الفاسد لو مرت عليه الآباد أو اختار المشتري أو البائع إنفاذه لم يجز"(35).

 

وقال النووي: " إذا اشترى شيئاً شراءً فاسداً إما لشرطٍ فاسد، وإما لسبب آخر، ثم قبضه لم يملكه بالقبض، ولا ينفذ تصرفه فيه، ويلزمه رده"(36).

 

وقال ابن قدامة: " فإن حكمنا بفساد العقد لم يحصل به ملك سواء اتصل به القبض أم لم يتصل"(37).

 

وقال ابن حزم: "وكل من باع بيعاً فاسداً فهو باطل، ولا يملكه المشتري، وهو باقٍ على ملك البائع…"(38).

 

وقال ابن عبد البر: "ومعروف في الأصول أن ما ورد التحريم به لم يجز العقد عليه ولا بد من فسخه"(39)، وقال: "قال مالك: ومن البيوع ما يجوز إذا تفاوت أمره وتفاحش رده، فأما الربا فإنه لا يكون فيه إلا الرد أبداً، ولا يجوز منه قليل ولا كثير، ولا يجوز فيه ما يجوز في غيره؛ لأن الله -تعالى- يقول في كتابه: (وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)(40)…"، وقال: "وقد اتفق الفقهاء على أن البيع إذا وقع بالربا مفسوخ أبداً"(41).

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " والواجب رد المال المقبوض بالمعاملة الربوية الفاسدة إن كان باقياً، وإن كان فانياً رد مثله ولا يستحق الدافع أكثر من ذلك …"(42)، وقال عن العقود والقبوض المحرمة كالربا والميسر ونحو ذلك: " والواجب على من حصلت هذه بيده ردها إلى مستحقها، فإذا تعذر ذلك فالمجهول كالمعدوم"(43).

 

ولم يخالف في ذلك إلا الحنفية في المشهور عنهم على أصلهم أنه إذا قبض الأسهم من البنك بإيداعها في المحفظة فإنه يملكها ملكاً غير تام، ويبقى كونه ملكاً خبيثا وغير لازم ومستحق للفسخ بل يجب على كلا الطرفين فسخه(44).

 

والصحيح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء تخريجاً أن الأسهم الربوية لا تملك بالقبض وتعتبر خبيثة عند الجميع ومستحقة للفسخ والدليل عليه حديث أبي سعيد الخدري السابق في قصة بلال، وفي رواية لمسلم : "فردوه، ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا"(45).

 

ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بالرد وذلك بعد ما قبض.

قال النووي عند هذا الحديث: "وقوله -صلى الله عليه وسلم-: هذا الربا فردوه هذا دليل على أن المقبوض ببيع فاسد يجب رده على بائعه، وإذا رده استرد الثمن"(46)، وقال ابن حجر: "وفيه أن البيوع الفاسدة ترد"(47).

 

الأثر السابع: لو نشب خلاف بين المكتتب والبنك وعرض العقد على القضاء وجب على القاضي فسخه من أساسه جبراً عليهما حقاً للشرع، وقد نص على ذلك فقهاء الحنفية(48).

 

الأثر الثامن: أن الأسهم المقبوضة بالاكتتاب في البنك الأهلي تبقى مقبوضة بعقد فاسد أبداً ولو تطاول عليها الزمان، ولا يثبت فيه الملك بذلك ويجب فسخه، والتخلص من الربا والخروج منها، ولو كان مضى عليها سنين عدداً، وهذا قول الشافعية(49)، والحنابلة(50)، والظاهرية"(51).

 

قال الشافعي: "والبيع الفاسد لو مرت عليه الآباد أو اختار المشتري والبائع إنفاذه لم يجز"(52).

 

وقال ابن حزم عن البيع الفاسد: "ولا يصححه طول الأزمان ولا تغير الأسواق ولا فساد السلعة ولا ذهابها ولا موت المتبايعين أصلاً".(53).

 

وقال: "من أيقن تحريم شيء بنص ثابت فليحرمه وليبطله أبداً، ومن أيقن بإباحته بنص فليبحه ولينفذه أبداً، ومن أيقن بوجوب شيء بنص فليوجبه ولينفذه أبداً"(54).

 

وهذا القول هو ظاهر اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه قال في من قبض مالاً ببخس الكيل والميزان: "وينبغي أن يؤخذ منه ما بخسه من أموال المسلمين على طول الزمان ويصرف في مصالح المسلمين إذا لم يمكن إعادته إلى أصحابه"(55).

 

الأثر التاسع: أن جميع التصرفات الواردة على الأسهم كالتداول بالبيع والشراء والهبة ونحوه باطلة ولا ينفذ، وهذا مذهب الشافعية"(56)، والحنابلة"(57)، والظاهرية"(58)، لأنه إذا لم يثبت له الملك على الصحيح -كما سبق- وهو الأصل- لم يثبت له صحة التصرف -وهو الفرع عن ذلك الأصل-، والعلماء مجمعون على وجوب الفسخ -كما سبق- وتصرفه في الأسهم مضادة لشرع الله ونهيه، واستمرار عليه، والشارع قد أمر برد المقبوض -كما في قصة بلال- وتصحيح التصرف يناقض هذا كله.

 

الأثر العاشر: إذا لم يمكنه فسخ العقد واسترداد رأس ماله ورد الأسهم إلى البنك بعد اكتتابه فيه، فإن المكتتب ليس أمامه إلا أحد طريقين إما أن يتخلص منها بالبيع ويأخذ منها رأس ماله، ويتصدق بالربح بنية التخلص لا التقرب إن كان هناك أرباح أو يتركها أبداً في محفظته ولا يستثمرها ولا يستفيد منها بشيء، وهذه المسألة إحدى نوازل العصر ويتراودها عدة إشكالات، وذلك أن القول بتركها في البنك هو تقرير للفساد والحرام، ثم ربما يترتب عليه أنه لو مات ورثها من بعده ورثته فقبضوا تلك الأسهم ويستمروا عليها.

 

والقول ببيعها هو نوع تعاون على الإثم والعدوان ونشر للفساد، ومخالفة للشرع في بيع محرم الأصل، وليس هناك طريق غير هذين الطريقين فيما أعلم؛ إذ لا يتصور فيها الإتلاف كالخمر والخنزير، ولا يتصور فيها التصدق؛ لأنه تصدق بما عينه محرمة فهي ليست كالأموال النقدية يتصور التصدق بها، وتنقلب حلالاً للفقير.

 

وإن مثل هذا النوع من المسائل يجب فيها إعمال قواعد الشريعة وأصولها، والنظر فيما اشتملت عليه من المصالح ودرأ المفاسد، ودفع المفسدتين باحتمال أدناهما وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما ليتبين الراجح في المسألة بإذن الله.

 

وهذه المسألة يمكن تخريجها على مسألة ذكرها العلماء، ونص عليها ابن القيم -رحمه الله- وهي"حكم التخلص من الحرام بالحرام" أو"هل تعقل التوبة من الحرام بحرام؟ وكيف ذلك؟"(59)، ويمثل لهذه المسألة بمن أولج في فرج حرام ثم عزم على التوبة قبل النزع الذي هو جزء الوطء، وكمن توسط أرضاً مغصوبة، ثم عزم على التوبة ولا يمكنه التوبة إلا بالخروج الذي هو مشي فيها وتصرف.

 

وعند تطبيق هذه المسألة على ما ذكره ابن القيم وغيره يُلحظ أنها من قبيل التخلص من الحرام بحرام مثله، وعلى ما ذكر ابن القيم -رحمه الله- يكون التخلص منها بالبيع توبة وليس بحرام ؛ إذ هو مأمور به ومحال أن يؤمر بالحرام، وإنما يكون التخلص منها إذا قصد بها التجارة والربح ونحو ذلك، وأما التخلص الذي يقصد منه مفارقة الحرام فلا دليل على تحريمه كما قال ابن القيم لا من نص ولا إجماع ولا قياس صحيح يستوي فيه الأصل والفرع في علة الحكم.

 

ومحال خلو هذه الحادثة عن حكم الله فيها، وحكمه فيها: وجوب التخلص منها بالبيع وإلا كانت الاستدامة على هذه الاسم مباحة، وذلك عين المحال، وإنما يكون التخلص منها بالبيع حراماً إذا كان على وجه الانتفاع بها، أما إذا كان القصد من التخلص ترك الانتفاع، ومفارقة الحرام، فلم يحرم الله ولا رسوله ذلك، ولا دل على تحريمه نظر صحيح ولا قياس صحيح.د

 

فإن قيل: هذا يتأتى فيما إذا لم يكن في التخلص بالبيع مفسدة، فما تصنعون إذا تضمن مفسدة؟ والمفسدة في هذه المسألة تقرير الفساد ونشره والتعاون على الإثم والعدوان وغير ذلك.

 

قيل: تكون توبة مثل هذا بالتزام أخف المفسدتين من البقاء على هذه الأسهم الربوية أو التخلص منها بالبيع ثم التصدق بأرباحها، ولا شك أن الثاني أخف المفسدتين؛ لأن استدامة بقاء الأسهم الربوية في محفظته استدامة للحرام، وعرضة لأن يتداولها الورثة من بعده بصفته المحرمة، فهو أعظم ضرراً من بيعها الذي فيه نشر للفساد، وذاك أن الفساد كله ليس متوقفاً على أسهمه الربوية، بل الأسواق المالية تعج بها، وأسهمه لا تشكل شيئاً في هذه السوق، بخلاف هذه الأسهم فإنها تشكل شيئاً مهماً ومقلقاً في محفظته وحسابه.

 

وإن مما يخفف مفسدة التخلص منها بالبيع أمران:

الأول: أن هذا التخلص يقصد منه مفارقة الحرام – الأسهم الربوية- لا بقصد الربح والاتجار بها .

 

الثاني: أن التخلص منها بالبيع يعقبه التصدق بأرباحها في مصالح المسلمين فيعطى منه للفقراء والمساكين وغيرهم لأنه كسب خبيث شأنه شأن غيره من المكاسب الخبيثة بخلاف ما لو قضي باستدامته فقد حُرِم منه من يستحقه وهم الفقراء والمساكين، وأخذه من لا يستحقه وهم ورثته من بعده؛ لأنها في ملكه. والله -تعالى- أعلم.

 

هذه أهم الآثار الظاهرة المترتبة على القول بتحريم الاكتتاب في البنك الأهلي، وهناك تفاصيل جزئية تركتها تجناً للإطالة، وهي تدل على خطورة الاكتتاب فيه، وعلى عظم هذه الشريعة وثراء الفقه الإسلامي بما يمكن به معالجة مثل هذه النوازل والوقوف على أحكامها التفصيلة بالتخريج والقياس الصحيح.

 

بصرنا الله بالحق ودلنا إلى سبيل البصيرة في العلم والهدى.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

ـــــــــــ

 

حاشية:

 

(1) مختصر الروضة للطوفي (1/444)، وبدائع الصنائع (4/218)، وتيسير التحرير (2/234)، وكشف الأسرار للبخاري (1/ 259)، وفتح القدير لابن الهمام (6/400)، والبناية في شرح الهداية للعيني(6/374)، والبحر الرائق (6/74)، وحاشية ابن عابدين(4/99).

(2) الكافي في فقه أهل المدينة المالكي ص(722).

(3) روضة الناظر وجنة المناظر ص(56).

(4) التعريفات للجرجاني(1/211).

(5) ينظر: البحر الرائق شرح كنز القائق للزيلعي(6/136).

(6) منظومة أصول الفقه وقواعده ص(216).

(7) الأصل المسمى بالمبسوط لمحمد الشيباني(5/46)، والمبسوط للسرخسي(14/58) و(5/222)، وأحكام القرآن للجصاص(1/570)، وشرح كتاب السير الكبير(1/471).

(8) الأم (4/211)، (7/361)، 5/47-48، (5/165)، والحاوي الكبير للماوردي (5/74) و(9/309-310).

(9) المقنع ومعه الشرح الكبير والإنصاف(10/1493)، وأحكام أهل الملل من الجامع لمسائل الإمام أحمد ابن حنبل للخلال ص(110) وما بعدها، والفروع(10/351)، وشرح منتهى الإرادات(3/114).

(10) مقدمات ابن رشد(2/616)، ومذاهب الحكام في نوازل الأحكام للقاضي عياض وولده محمد ص(255)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي(2/362).

(11) الأم (4/211) و(5/165) و(7/361) و(5/47-48)، وأحكام القرآن للجصاص(1/510)، والحاوي الكبير(5/136)، ومجموع الفتاوى(29/411-412) و(4/319) و(4/157) و(8/ 22).

(12) الجامع لأحكام القرآن(2/364).

(13) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي(2/365)، وأحكام القرآن للكيا الهراسي(1/358-359).

(14) سورة البقرة،آية (275).

(15) ينظر: أحكام القرآن للجصاص(1/569-570)، وأحكام القرآن للكيا الهراسي(1/358)، والتفسير الكبير للرازي(3/81)، ومجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز(19/263).

(16) مجموع الفتاوى(22/11).

(17) الاستذكار(6/327)، والفروق وحواشيه(2/164)، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل(4/380-381)، ومقدمات ابن رشد ص(503)، ومسائل لا يعذر فيها بالجهل على مذهب مالك ص(49)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي(2/356).

(18) المجموع شرح المهذب للنووي)  9/369)، وتفسير البحر المحيط)  2/348).

(19) المحلى(8/134).

(20) رواه البخاري في صحيحه) كتاب الوكالة- باب إذا باع الوكيل شيئاً فاسداً فبيعه مردود (2188، 2/613)، ومسلم في صحيحه) كتاب المساقاة- باب بيع الطعام مثلاً بمثل(1594)، (3/1215).

(21) رواه مسلم في صحيحه (3/1215).

(22) الاستذكار(6/327)، والتمهيد بتصرف يسير(5/129).

(23) شرح ابن بطال(6/322) و(6/512).

(24) موطأ مالك(2/632).

(25) سنن أبي داود(3/261)، ورواه الحاكم في مستدركه(2/48) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي (6/133)، والحديث متكلم في إسناده من أجل بكير بن عامر، قال: فيه أحمد وأبو زرعة ليس بالقوي في الحديث، وضعفه ابن معين والنسائي والباجي، تهذيب التهذيب ص(4308)، والمغني في الضعفاء(1/115)، والكامل في الضعفاء(2/33)، وضعفاء العقيلي(1/153).

(26) المبسوط(16/276) بتصرف، وينظر: تحقيق المراد للعلائي(1/119).

(27) ينظر: الاستذكار(6/309)، وينظر: معتصر المختصر(2/58).

(28) الأم(2/53) و(3/247) و(6/184)، والمهذب(1/275)، والحاوي الكبير (5/316)، والمجموع (9/377)، والأنوار لأعمال الأبرار للأردبيلي(1/333).

(29) المدونة الكبرى(4/145) وما بعدها، والقوانين الفقهية ص(265)، والكافي لابن عبد البر ص(721)، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد(2/230)، وعيون المجالس للقاضي عبد الوهاب(3/1489)، والتفريع لأبي القاسم ابن الجلاب(2/180)، وعقد الجواهر الثمينة لابن شاش(2/434)، والتمهيد(5/29ا).

(30) المغني(6/327)، والمحرر في الفقه لأبي البركات مجد الدين ابن تيمية(1/323)، والفروع(6/287) والإنصاف(4/473)، وشرح منتهى الإرادات(3/237).

(31) المحلى لابن حزم(8/421) .

(32) ومنهم زفر والسرخسي، ينظر: الجامع الصغير (1/332)، وأصول السرخسي ص(83).

(33) المدونة الكبرى(10/318)  بتصرف.

(34) الأم(6/184).

(35) الأم(6/250).

(36) روضة الطالبين(3/72)، والمجموع(9/377) و(9/372).

(37) المغني(6/327).

(38) المحلى لابن حزم(8/421).

(39) التمهيد(20/58).

(40) سورة البقرة، آية (279).

(41) التمهيد(5/129)، والاستذكار)  19/146)، وهذا النقل لاتفاق الفقهاء في هذه المسألة فيه نظر، فإن جمهور الحنفية يرون أن الربا يملك إذا قبض بعقد فاسد وإن كان واجب الفسخ، وخالفهم شمس الدين السرخسي في هذه المسألة، فوافق الجمهور وقال: "إن الربا… لا يكون موجباً للملك بكل حال"، أصول السرخسي ص(83)، وينظر: البحر الرائق(6/136)، وحاشية ابن عابدين(5/169).

(42) مجموع الفتاوى(29/437-438) بتصرف يسير.

(43) مجموع الفتاوى(28/592-599).

(44) بدائع الصنائع(6/304)، والمبسوط(29/142)، وفتح القدير(6/400) وما بعدها، والبناية(6/377).

(45) رواه مسلم(3/1215).

(46) شرح النووي على صحيح مسلم(11/22).

(47) فتح الباري(4/401).

(48) بدائع الصنائع(6/304).

(49) الأم(6/250)، والمهذب للشيرازي(1/275)، والحاوي الكبير(5/316)، والمجموع (9/377).

(50) المغني(6/327)، والفروع لابن مفلح(6/287) والإنصاف(4/473)، وشرح منتهى الإرادات(3/237)، يتنبه هنا إلى أن الحنابلة وإن لم ينصوا على نفي الملكية ولو تطاول عليه الزمان كالشافعية إلا إن هذا متمش مع قاعدتهم في هذا، ولم أجدهم استثنوا تقادم الزمن على المقبوض في ذلك، والله أعلم.

(51) المحلى(8/421).

(52) الأم(6/250).

(53) المحلى(8/421).

(54) المحلى(8/421).

(55) مجموع الفتاوى(29/474).

(56) المهذب للشيرازي(1/275)، والحاوي الكبير(5/316)، والمجموع (9/377)، وروضة الطالبين(3/72)، والأنوار لأعمال الأبرار للأردبيلي (1/333)، وعمدة القاري للعيني (4/266).

(57) المغني(6/327)، والمحرر في الفقه لأبي البركات مجد الدين ابن تيمية(1/323)، والفروع (6/287) والإنصاف (4/473)، وشرح منتهى الإرادات(3/237).

(58) المحلى (8/421).

(59) ينظر مدارج السالكين (1/286-287).

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات