طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||

ملتقى الخطباء

(2٬188)
554

التدرج حكمة

تاريخ النشر : 1435/10/18
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

فإذا كانوا حديثي عهدٍ بالإسلام، فلا يصلح معهم تبليغ كل الدين، وإنما يُجزِئ لهم البلاغ بما لا يكون المرء مسلمًا إلا به، ثم الأهم فالأهم، مع مراعاة الأيسر فالأيسر، فتلك الحكمة، ومَن لم يكن التديُّن فيهم باقيًا، حيث غاب عن واقعِهم السنوات، لا يُطِيقون التكاليف جملةً والبلاغ دفعةً، فيأتيهم التبليغ على مراحل؛ حتى يَفِيئوا إلى الرشد المفقود..

 

 

 

 

فكما رأينا، التدرُّج في خلق السموات والأرض، والتدرُّج في خلق الإنسان، فكان الكمالُ والإحكام، والجمال والتمام؛ مما دل على أن التدرج سنةٌ ربانية.

 

كذلك كان التدرُّج في تنزيل القرآن مُنجَّمًا حسب الوقائع والأحداث، وكان ترتيب النزول مَعْنِيًّا بتربية جيلٍ، كما كان ترتيب المصحف مَعْنِيًّا ببناءِ دولة وقيام أمة على منهج الله عز وجل، وكان التدرُّج في فرض العبادات وفي تحريم المحرَّمات؛ مراعاةً لأحوال الناس، ورحمةً بهم، وتيسيرًا عليهم، فسهل عليهم قَبول الأحكام والالتزام بالتكاليف، بعد أن تجهَّزوا وتهيَّأت نفوسهم لقَبولها؛ لأن الإيمان قد خالط قلوبهم، وصاروا طائعين لله، مستجيبين لأوامره.

 

 وكان التدرُّج كذلك سِمَة في السنة النبوية المطهَّرة، وظهر ذلك واضحًا في أقواله ودعوته صلى الله عليه وسلم، فكان يبدأ بالأهم، وهو التوحيد، والأقربين، وهم أهله وعشيرته، فكان من ثمرة ذلك الإصابة والتوفيق، وهي الحكمة.

 

وكانت الحكمة في نزول القرآن مُنجَّمًا.

 وكانت الحكمة في التدرج في التشريعات.

وكانت الحكمة في البَدْء بالتوحيد.

إنها الحكمة من وراء خلق الإنسان على مراحل مُتدرِّجة.

 وإنها الحكمة من وراء خلق السموات والأرض على مراحل زمنية متدرجة.

وإنها الحكمة في تربية الله تعالى لعباده ومخلوقاته، التربية الخَلْقية (بفتح الخاء)، والتربية الخُلُقية (بضم الخاء).

ويهمني هنا أن أتحدث عن التدرج في التبليغ.

 

التدرج في التبليغ:

 

فرسالة الإسلام تدرَّجت في تبليغ دعوتِها للناس، ومن صور ذلك:

 

1- تدرج الدعوة بين الرسل:

 

فكان كل نبي يُرسِله الله تعالى إلى قومه من أجل قضيةٍ معينة، أو لعلاج داء معين، كما كان يرسل الرسول إلى قومٍ بعينهم، ولم تكن رسالات الرسل السابقين رسالاتٍ عامَّةً، ولكنها رسالاتٌ مؤقَّتة أو محلية.

 

 أرسل الله تعالى شُعيبًا – عليه السلام – ليُبلِّغ أمر الله في الأموال والبيوع، ومحاربة الغش في الكيل والموازين؛ قال تعالى: (أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [الشعراء: 181 – 183].

 

 وأرسل الله تعالى لوطًا – عليه السلام – لمنع مرض الشذوذ الجنسي، المُتمثِّل في اللواط، يقول – عز وجل -: (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ * أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ) [العنكبوت: 28، 29].

 

 وأرسَل الله تعالى عيسى – عليه السلام – ليُقوِّمَ اعوجاجَ اليهود وإفراطَهم وفسادَهم وإفسادهم في الأرض، إلى أن أتم الأمر – أمر الوحي – بخاتَم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم -، وقال سبحانه في ختام الوحي: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) [المائدة: 3]، فكان حسنَ الختام وكماله.

 

2- التدرج في إعداد أهل البلاغ:

 

وظهر ذلك في عناية الله تعالى بنبيه محمد – صلى الله عليه وسلم -، فكان الإعداد الروحي بالتحنُّث في الغار، وبرعاية نسبِه، ثم كانت تأتيه الرؤيا الصادقة، ثم يأتيه الوحى يقول له: ( اقْرَأْ )، ثم يقول له: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) [المزمل: 1]، ثم بأمره بالصبر، ثم يستدعيه في الإسراء ثم المعراج، ثم إعداد النبي – صلى الله عليه وسلم – أصحابه، فكانوا جيلاً فريدًا.

 

 3- التدرج مع مَن يراد تبليغهم:

 

فكان البَدْء بالأقربين؛ زوجته، ثم صديقه، ثم ابن عمه، ثم قومه المُقرَّبين، ثم كان يعرِضُ نفسه على القبائل في المواسم فيدعوهم، ثم كانتِ الهجرةُ إلى المدينة، ثم مرحلة الانطلاق للناس كافَّة.

 

4- التدرج في مقدار البلاغ:

 

فعلى الداعي أن ينظرَ في أحوال الناس ممَّن يُراد تبليغهم: هل هم حديثو عهد بالإسلام؟ وهل التدين باقٍ فيهم حيًّا ممارسًا؟

 

فإذا كانوا حديثي عهدٍ بالإسلام، فلا يصلح معهم تبليغ كل الدين، وإنما يُجزِئ لهم البلاغ بما لا يكون المرء مسلمًا إلا به، ثم الأهم فالأهم، مع مراعاة الأيسر فالأيسر، فتلك الحكمة، ومَن لم يكن التديُّن فيهم باقيًا، حيث غاب عن واقعِهم السنوات، لا يُطِيقون التكاليف جملةً والبلاغ دفعةً، فيأتيهم التبليغ على مراحل؛ حتى يَفِيئوا إلى الرشد المفقود[1].

 

 كما يجبُ على الداعي أن يكون مستوعبًا لدعوته، فاهمًا لمهمتِه، وأن يكون نشيطًا سريع الحركة، لا يترك فرصة دعوية تضيع منه، فجحافل الكفر متحركة، ساهرة، دائبة، قال تعالى: (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ) [سبأ: 33].

 

ويقول تعالى: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) [النساء: 27]، وإني لأعجب لجلد الفاجر وعجز المؤمن.

 

 

———

[1] من كتاب: "خصيصة التدرج في الدعوة إلى الله (فقه التدرج)"

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات