طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > الاستدلال بين الجاهلية والإسلام (1 ـ 2)

ملتقى الخطباء

(1٬688)
518

الاستدلال بين الجاهلية والإسلام (1 ـ 2)

تاريخ النشر : 1435/08/04
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

وبجانب صحة الدليل فإن استقامة الاستدلال تنجي صاحبها من الزيغ والانحراف، ولعل أبرز أسباب الفرقة والاختلاف وظهور البدع والأهواء: الاضطراب في مسألة التلقي والاستدلال، فكم من مبتدع زائغ، وطرقي حائر، وزنديق فاجر استطاع أن يفسد عقائد الناس، ويلبس عليهم دينهم بسبب جهلهم بدينهم، خاصة جهلهم بأصول الاستدلال ومصادر التلقي. لذلك فقد توجب على الدعاة والمخلصين وطلبة العلم بيان

 

 

 

 

 

 

من أعظم النعم التي أنعم الله – عز وجل –  بها على أمة الإسلام ؛ نعمة إكمال الدين وإتمامه، فهذا الدين العظيم دين كامل تام، ما ترك الله تعالي شيئا من أمر الدنيا والآخرة إلا بينه ووضحه وأظهره في هذا الدين العظيم، حتى قال أبو ذر رضي الله عنه: " تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يطير بجناحيه إلا وعندنا منه علم ". ونعمة الإكمال والإتمام جاءت من كمال الوحي القرآني والنبوي وتمامهما، وغيرهما من المصادر إنما هو فرع عنهما، قال ابن تيمية – رحمه الله -: " ولا تجد من يقول إنه محتاج إلى غير آثار الرسول إلا من هو ضعيف المعرفة والإتباع لآثاره، وإلا فمن قام بما جاء به الكتاب والسنّة، أشرف على علم الأولين والآخرين، وأغناه الله بالنور الذي بعث به محمدا عما سواه " .

 

وبجانب صحة الدليل فإن استقامة الاستدلال تنجي صاحبها من الزيغ والانحراف، ولعل أبرز أسباب الفرقة والاختلاف وظهور البدع والأهواء: الاضطراب في مسألة التلقي والاستدلال، فكم من مبتدع زائغ، وطرقي حائر، وزنديق فاجر استطاع أن يفسد عقائد الناس، ويلبس عليهم دينهم بسبب جهلهم بدينهم، خاصة جهلهم بأصول الاستدلال ومصادر التلقي. لذلك فقد توجب على الدعاة والمخلصين وطلبة العلم بيان الأصول العلمية للاستدلال في الإسلام ومقارنته بما كان يفعله الناس في الجاهلية، وبيان المنهج الحق في الاستدلال والتلقي عند أهل السنة ومقارنته بما يفعله أهل البدع مع نصوص الوحيين.

 

أولا: التفكير والاستدلال في الجاهلية

 

التفكير والتدبر من الأمور التي اختص الله – عز وجل –  الإنسان وجعلها شعارا له عن غيره من المخلوقات، والله تعالى قد دعا عباده في عشرات الآيات لإعمال هذه النعمة، ففي أكثر من خمسين آية ختمها الله – عز وجل –  بقوله " أفلا تعقلون " " أفلا تتفكرون " " أفلا تذكرون " " أفلا تتذكرون "، كما أنه سبحانه وتعالى قد امتن على عباده بأدوات التفكير الفاعلة مثل السمع والبصر والفؤاد لتكون روافع لإعمال نعمة العقل والتفكير، قال تعالى: ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) [ النحل: 78]. ولكن حين تنتكس الفطرة، ويرتكس العبد في أوحال الشرك والخرافات، ويتقلب في غياهب الضلال، فإن موازينه الفكرية وطرقه الاستدلالية ترتكس معه وتضطرب وتتشوه، قال تعالى: ( أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم ) [ الملك: 22].

 

 ومن أبرز المعالم القرآنية في بيان الانحراف الفكري والاستدلالي عند أهل الجاهلية الأولى:

 

1 ـ تعطيل الحواس، فالمشركون قد عطلوا حواسهم وألغوا عقولهم ولم يستخدموها كما أمرهم الله، بل كانت وبال عليهم، قال تعالى: ( وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ) [ الملك: 10]، وقال ( ولقد ذرأنا لجنهم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) [ الأعراف: 179]

 

2 ـ الاعتماد على الخرافات والأساطير، وذلك كنتيجة طبيعة لإلغاء العقول وتعطيل الحواس، فالبديل وقتها يكون الخرافة والأسطورة، فقد كانوا يصنعون إلهتهم من حجارة الطريق، ثم يعبدونها من دون الله وهو خالقهم جميعا، قال أبو رجاء العطاردي – رضي الله عنه -: " كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجرا هو خير منه ألقيناه، وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثوة من تراب، ثم جئنا بالشاه فحلبنا عليه، ثم طفنا به " مما يكشف عن مدى التدهور العقلي لأهل الجاهلية الأولى.

 

 

3 ـ الاعتماد على السحر والدجل والكهانة، حيث كان للكهنة حظوة وسطوة كبيرة في الجاهلية، فقال الله في شأنهم ( واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ..) [ البقرة: 102].

 

4 ـ تقديس الجن والشياطين، فقد كان أهل الجاهلية الأولى يقدسون الجن ويعظمونهم تعظيما كبيرا، ويخافون منهم، ويذبحون لهم، ويعوذون بهم، وكان العرب إذا نزل الرجل منهم بواد قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في جواره حتى يصبح، وسورة الجن في القرآن الكريم شرحت كيفية هذا التعظيم والتقديس.

 

5 ـ التشاؤم والتطير، وكان هذا هو دأبهم ومصدرهم الرئيسي في اتخاذ القرارات المصيرية، فكانوا لا يقدمون على أي خطوة ذات شأن قبل أن يضربوا الأقداح عليها، وأن يطيروا الطير من أجل تحديد مصيرها، وكانوا يتأثرون بذلك أيما تأثر، فعن معاوية بن الحكم السلمي – رضي الله عنه – قال: قلت: يا رسول الله، أمورا كنا نصنعها في الجاهلية: كنا نأتي الكهان ؟ قال: " لا تأتوا الكهان " قال: قلت: كنا نتطير ؟ قال: " ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم ".

 

6 ـ الانغماس في الماديات، فقد اقتصر أهل الجاهلية على الأمور المادية والمحسوسة فقط دون غيرها، ولم تستوعب عقولهم المعطلة ما وراء ذلك، فهم مثلا قالوا لموسى عليه السلام (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) [ البقرة: 55] فهم لم يؤمنوا غيبا بالله – عز وجل –  وطلبوا رؤيته عيانا في الدنيا حتى يؤمنوا به، رغم الآيات والدلائل الكثيرة على وجوده، ولكن آياته البينات لا يراها ويدركها إلا أولى الأبصار الذين يوظفون نعمة العقل ويستغلون حواسهم في معرفة الحق.

 

7 ـ التقليد الأعمى، وهو التقليد الذي لا يكون على بصيرة، أي يكون تقليدا دون وعي ومعرفة للدليل، التقليد الذي لا يبالي فيه المقلد بصحة أو فساد الرأي، إنما هو التقليد القائم على تعظيم القائل، لا تعظيم ما يقول. وهو عدة أنواع: منه تقليد الآباء والأجداد، قال تعالى: ( وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) [ الزخرف: 23]، وقال أيضا: ( وإذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما أفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ) [ البقرة: 170].

 

ومنه تقليد العلماء والعباد، قال تعالى: ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم ) [ التوبة: 31] وهذا الاتخاذ إنما يكون بطاعتهم في تحريم الحلال، وتحليل الحرام. ومنه تقليد الرؤساء والملوك والكبراء، قال تعالى ( يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضلونا السبيلا ) [ الأحزاب: 66ـ 67].

 

8 ـ إتباع الهوى؛ للهوى دور كبير في التفكير الجاهلي، فالهوى هو إله كثير من الناس لوقتنا الحالي، قال تعالى: ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة ) [ الجاثية: 23]، فإتباع الهوى يمنع من قبول الحق والاستجابة إليه، قال تعالى: ( فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ) [ القصص: 50]. فإذا كان الهوى هو الحاكم والإله استغلق العقل، وسدت منافذ التفكير، فلا تنفع الآيات البينات، ولا الدلائل الواضحات، فكلها تصدم على صخرة الهوى، وما أقواها من صخرة !

 

ثانيا: التفكير والاستدلال في الإسلام

 

بعد أن أبان الإسلام عن الطرق والعوائد المعوجة لأهل الجاهلية الأولى في التفكير والاستدلال، واستفاض في بيان عوار هذه الطرق، ومصائر من سلكها واعتمدها في مواجهة الحق، وبعد أن أبان عن ذلك كله وضع القواعد العامة للتفكير والاستدلال الصحيح الذي يكون أساسا للهداية والاستقامة، من هذه القواعد:

 

1 ـ تعظيم العلم، برفع منزلته والحض عليه، وذم الجهل والتحذير منه، قال تعالى أمارا بالعلم ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) [ محمد: 19 ]، وقال: ( وقل ربي زدني علما ) [ طه: 114]، وكان أول ما نزل من القرآن سورة العلق التي تحض على العلم والقراءة، والآيات في فضل العلم وأهله ومكانتهم السامقة كثيرة جدا في كتاب الله. فالعلم كقاعدة في التفكير والاستدلال يسقط كل الخرافات والأساطير، ويزول التعلق بغير الله من المدعين والدجالين والجهلة.

 

2 ـ الإخلاص والتجرد في طلب الحق، فالإخلاص هو مفتاح النجاة، وزورق الوصول إلى الحقيقة، وهو الأساس الذي ينير القلب، ويطرد ظلمات التيه والشك والحيرة، فالتجرد هو الذي دفع النبي صلى الله عليه وسلم لقبول نصيحة الحبر اليهودي على الرغم من العداوة التاريخية بين اليهود والمؤمنين، ففي مسند الإمام أحمد من حديث قتيلة بنت صيفي أن حبرا من الأحبار أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون .فقال رسول الله: " سبحان الله ! وما ذاك ؟! ". قال: تقولون إذا حلفتم والكعبة. قالت: فأمهل رسول الله شيئا، ثم قال: " إنه قد قال ؛ فمن حلف فليحلف برب الكعبة ". قال :يا محمد، نعم القوم أنتم، لولا أنكم تجعلون لله ندا .قال: " سبحان الله ! وما ذاك ؟!". قال: تقولون: ما شاء الله وشئت. قالت: فأمهل رسول الله شيئا، ثم قال: " إنه قد قال ؛ فمن قال: ما شاء الله، فليفصل بينهما، ثم شئت ".

 

3 ـ تحريم القول على الله بغير علم، فالله – عز وجل –  قد حذر عباده من القول عليه بغير علم، لأن هذا سيقود للتخرص والتأليف والاختراع وتبديل الحقائق، والزيغ والانحراف، قال تعالى: ( إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) [ الأعراف: 33]، والمسلم مطالب بحفظ جوارحه من استعمالها في الباطل والتخرص على الله – عز وجل –  والقول عليه بغير علم، قال تعالى: ( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كان عنه مسئولا ) [ الإسراء: 36].

 

4 ـ الاعتماد على الحجة والبرهان، وهذه القاعدة هي من أعظم قواعد الإسلام، ومن أصوله الجامعة، ومن علاماته المميزة له عن مناهج الضلال والزيغ والخرافة، فالإسلام دين ومنهج يعتمد على البرهان، والتنفير من الظن والتخرص، وقد وضع ميزانا دقيقا لقبول الآراء والأقوال والأفكار، وهو ميزان الدليل والبرهان، فما دل عليه البرهان والدليل هو الحق الذي لا عدول عنه إلى غيره، وبذلك لا يتماسك بناء كل الخرافات والظنون والأوهام والضلالات الفكرية، قال تعالى: ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) [ البقرة: 111] وقال: ( ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين ) [ الأحقاف 4] وقال: ( هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه إلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين ) [ الكهف: 15 ].

 

5 ـ النظر في آيات الله في الكون، فقد تواترت النصوص الشرعية التي تأمر الناس بوجوب النظر وإعمال الفكر والتدبر في آيات الله – عز وجل –  في الكون والخلق، وتستحث العقل البشري على ضرورة التأمل والتعقل في الملكوت وما فيه من دلائل وبراهين على عظيم صنع الله سبحانه، وكمال إتقانه، قال تعالى: ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ) [ العنكبوت: 20]، وقال: ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبن لهم أنه الحق ) [ فصلت: 53]، وقال: ( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ) [ آل عمران: 190].

 

إن بعضَ طرق البحث العلمي لن تؤتي ثمارها في معزل عن الإيمان بقطع الصلة بين الخلق والخالق، فهذه الحضارة الحديثة، وإن شعّ بريقها فظهرت أنها تكشف الآيات العظيمة، ثم تقف حيث يجب أن تنطلق، تظهرُ الأسباب وتنسى ربّ الأسباب سبحانه، وكأن هذه الأسباب التي يُفسّرون بها حصول الكسوف والخسوف والزلازل والبراكين ونزول الأمطار وغيرها كأن هذه الأسباب هي الفاعل الحقيقي، وما عداها وهمٌ، وهذا ضلال بعيد فالفاعل على وجه الحقيقة هو الله الفعّال لما يريد.

 

أما المنهج الإيماني فإنه لا ينقص شيئًا من ثمار البحث العلمي، لكنه يزيد عليه بربط هذه الحقائق بخالقها ومُوجدِها ومدبّرها ومصرّفها، ليقدر العباد ربّهم حقَّ قدره، وليعلموا أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، فلا يستحقّ العبادة إلا هو، ولا يُتوجّه بخوف أو رجاء إلا إليه، ولا يُخشى إلا هو، ولا يذلّ إلا له، ولا يُطمَع إلا في رحمته.

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات