طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > القاعدة الثانية: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ…)

ملتقى الخطباء

(2٬137)
513

القاعدة الثانية: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ…)

تاريخ النشر : 1435/07/16
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

توقف -أيها المؤمن ويا أيتها المؤمنة- عندها قليلاً! كم من إنسان لم يقدر الله تعالى أن يرزقه بالولد، فضاق ذرعًا بذلك، واهتمّ واغتمّ وصار ضيقًا صدره -وهذه طبيعة البشر-، لكن الذي لا ينبغي أن يحدث هو الحزن الدائم، والشعور بالحرمان الذي يقضي على بقية مشاريعه في الحياة!

 

 

 

 

 

الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

وبعد:

 

فحديثنا في هذه الحلقة مع قاعدة عظيمة، لها أثرٌ بالغ في حياة الذين وعوها وعقلوها، واهتدوا بهداها، قاعدة لها صلة بأحد أصول الإيمان العظيمة: ألا وهو: الإيمان بالقضاء والقدر، وتلكم القاعدة هي قوله -سبحانه وتعالى- في سورة البقرة في سياق الكلام على فرض الجهاد في سبيل الله: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 216].

 

وهذا الخير المجمل، فسّره قوله تعالى في سورة النساء -في سياق الحديث عن مفارقة النساء-: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) [النساء: 19].

 

فقوله: (خيراً كثيراً) مفسر وموضح للخير الذي ذكر في آية البقرة، وهي الآية الأولى التي استفتحنا بها هذا الحديث.

 

ومعنى القاعدة بإيجاز:

 

أن الإنسان قد يقع له شيء من الأقدار المؤلمة، والمصائب الموجعة، التي تكرهها نفسه، فربما جزع، أو أصابه الحزن، وظن أن ذلك المقدور هو الضربة القاضية، والفاجعة المهلكة، لآماله وحياته، فإذا بذلك المقدور منحة في ثوب محنة، وعطية في رداء بلية، وفوائد لأقوام ظنوها مصائب، وكم أتى نفع الإنسان من حيث لا يحتسب!!

 

والعكس صحيح؛ فكم من إنسان سعى في شيءٍ ظاهره خيرٌ، وأهطع إليه، واستمات في سبيل الحصول عليه، وبذل الغالي والنفيس من أجل الوصول إليه، فإذا بالأمر يأتي على خلاف ما يريد، وهذا هو معنى القاعدة القرآنية التي تضمنتها هذه الآية باختصار.

 

أيها القارئ الموفق: ما أن تمعن بناظريك، وترجع البصر كرتين، متأملاً الآيتين الكريمتين الأولى والثانية، إلا وتجد الآية الأولى -التي تحدثت عن فرض الجهاد- تتحدث عن ألم بدني وجسميّ قد يلحق المجاهدين في سبيل الله، كما هو الغالب، وإذا تأملت الآية الثانية -آية مفارقة النساء- ألفيتها تتحدث عن ألم نفسي يلحق أحد الزوجين بسب فراقه لزوجه، وإذا بصرت في آية الجهاد وجدتها تتحدث عن عبادة من العبادات، وإذا تمعنت آية النساء، وجدتها تتحدث عن علاقات دنيوية.

 

إذًا فنحن أمام قاعدة تناولت أحوالاً شتى: دينية ودنيوية، بدنية ونفسية، وهي أحوال لا يكاد ينفك عنها أحد في هذه الحياة التي:

 

جبلت على كدر وأنت تريدها *** صفوًا من الأقذاء والأقذار

 

وقول الله أبلغ وأوجز وأعجز، وأبهى مطلعًا وأحكم مقطعًا: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ).

 

إذا تبيّن هذا -أيها المؤمن بكتاب ربه- فأدرك أن إعمال هذه القاعدة القرآنية: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) من أعظم ما يملأ القلب طمأنينة وراحةً، ومن أهم أسباب دفع القلق الذي عصف بحياة كثير من الناس، بسبب موقف من المواقف، أو بسبب قدر من الأقدار المؤلمة -في الظاهر- جرى عليه في يوم من الأيام.

 

ولو قلبنا قصص القرآن، وصفحات التاريخ، أو نظرنا في الواقع لوجدنا من ذلك عبراً وشواهدَ كثيرة، لعلنا نذكر ببعض منها، عسى أن يكون في ذلك سلوة لكل محزون، وعزاء لكل مهموم:

 

1 ـ قصة إلقاء أم موسى لولدها في البحر! فأنت -إذا تأملتَ- وجدتَ أنه لا أكره لأم موسى من وقوع ابنها بيد آل فرعون، ومع ذلك ظهرت عواقبه الحميدة، وآثاره الطيبة في مستقبل الأيام، وصدق ربنا: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).

 

2 ـ وتأمل في قصة يوسف -عليه الصلاة والسلام- تجد أن هذه الآية منطبقة تمام الانطباق على ما جرى ليوسف وأبيه يعقوب -عليهما الصلاة والسلام-.

 

3 ـ تأمل في قصة الغلام الذي قتله الخضر بأمر الله تعالى، فإنه علل قتله بقوله: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا) [الكهف: 80، 81]!

 

توقف -أيها المؤمن ويا أيتها المؤمنة- عندها قليلاً! كم من إنسان لم يقدر الله تعالى أن يرزقه بالولد، فضاق ذرعًا بذلك، واهتمّ واغتمّ وصار ضيقًا صدره -وهذه طبيعة البشر-، لكن الذي لا ينبغي أن يحدث هو الحزن الدائم، والشعور بالحرمان الذي يقضي على بقية مشاريعه في الحياة!

 

وليت من حرم نعمة الولد يتأمل هذه الآية؛ لا ليذهب حزنه فحسب، بل ليطمئن قلبه، وينشرح صدره، ويرتاح خاطره، وليته ينظر إلى هذا القدر بعين النعمة، وبصر الرحمة، وأن الله تعالى رُبَما صرف هذه النعمة رحمةً به! وما يدريه؟! لعله إذا رزق بولد صار هذا الولد سبباً في شقاء والديه، وتعاستهما، وتنغيص عيشهما! أو تشويه سمعته.

 

4 ـ وفي السنة النبوية نجد هذا؛ لما مات زوج أم سلمة: أبو سلمة -رضي الله عنهم- جميعاً، تقول أم سلمة -رضي الله عنها-: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اؤجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها. إلا أخلف الله له خيرًا منها".

 

قالت: فلما مات أبو سلمة، قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟! أول بيت هاجر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟! ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

فتأمل هذا الشعور الذي انتاب أم سلمة -وهو بلا شك ينتاب بعض النساء اللاتي يبتلين بفقد أزواجهن ويتعرض لهن الخُطاب-، ولسان حالهن: ومن خير من أبي فلان؟! فلما فعلتْ أم سلمة ما أمرها الشرع به من الصبر والاسترجاع وقول المأثور، أعقبها الله خيراً لم تكن تحلمُ به، ولا يجول في خلدها.

 

وهكذا المؤمنة؛ يجب عليها أن لا تختصر سعادتها، أو تحصرها في باب واحد من أبواب الحياة، نعم، الحزن العارض شيء لم يسلم منه الأنبياء ولا المرسلون! بل المراد أن لا نحصر الحياة أو السعادة في شيء واحد، أو رجل، أو امرأة، أو شيخٍ!

 

5 ـ وفي الواقع قصص كثيرة جداً، أذكر منها ما ذكره الطنطاوي -رحمه الله- عن صاحب له: أن رجلاً قدم إلى المطار، وكان حريصًا على رحلته، وهو مجهد بعض الشيء، فأخذته نومةٌ ترتب عليها أن أقلعت الطائرة، وفيها ركاب كثيرون يزيدون على ثلاثمائة راكب، فلما أفاق إذا بالطائرة قد أقلعت قبل قليل، وفاتته الرحلة، فضاق صدره، وندم ندماً شديداً، ولم تمضِ دقائق على هذه الحال التي هو عليها حتى أعلن عن سقوط الطائرة، واحتراق من فيها بالكامل!

 

والسؤال أخي: ألم يكن فوات الرحلة خيراً لهذا الرجل؟! ولكن أين المعتبرون والمتعظون؟!

 

6- وهذا طالب ذهب للدراسة في بلد آخر، وفي أيام الاختبارات ذهب لجزيرة مجاورة للمذاكرة والدراسة، وهو سائر في الجزيرة قطف بعض الأزهار، فرآه رجال الأمن فحبسوه يوماً وليلة عقاباً على صنيعه مع النبات، وهو يطلب منهم بإلحاح إخراجه ليختبر غدًا، وهم يرفضون، ثم ماذا حصل؟! لقد غرقت السفينة التي كانت تقل الركاب من الجزيرة ذلك اليوم، غرقت بمن فيها، ونجا هو بإذن الواحد الأحد!

 

والخلاصة -أيها المستمعون الكرام-: أن المؤمن عليه:

 

أن يسعى إلى الخير جهده *** وليس عليه أن تتم المقاصد

 

وأن يتوكل على الله، ويبذل ما يستطيع من الأسباب المشروعة، فإذا وقع شيءٌ على خلاف ما يحب، فليتذكر هذه القاعدة القرآنية العظيمة: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 216].

 

وليتذكر أن "من لطف الله بعباده أنه يقدر عليهم أنواع المصائب، وضروب المحن، والابتلاء بالأمر والنهي الشاق رحمة بهم، ولطفاً، وسوقًا إلى كمالهم، وكمال نعيمهم"(1).

 

ومن ألطاف الله العظيمة أنه لم يجعل حياة الناس وسعادتهم مرتبطة ارتباطاً تاماً إلا به -سبحانه وتعالى-، وبقية الأشياء يمكن تعويضها، أو تعويض بعضها:

 

من كل شيء إذا ضيعته عوضٌ *** وما من الله إن ضيعتهُ عوضُ

 

وإلى لقاء قريب في الحلقة القادمة بإذن الله..

 

____________

(1) تفسير أسماء الله الحسنى للسعدي: (74).

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات