طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خادم الحرمين يؤكد الحرص على توطيد العلاقة مع العراق    ||    اليمن.. انطلاق مهمة "القبضة الحديدية" في حضرموت    ||    ليبيا.. تراجع حاد بأعداد المهاجرين في مركز تهريب البشر    ||    ميليشيات الحوثي تداهم المنازل بصنعاء وتختطف 40 فتاة    ||    مشاعر محبوسة    ||    انطواء طفلك.. بيدك أنت!    ||    مخالفات قولية عند نزول المطر    ||    الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة الغلو والتطرف    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > الدولة الإسلامية وحرب المصطلحات

ملتقى الخطباء

(1٬709)
510

الدولة الإسلامية وحرب المصطلحات

تاريخ النشر : 1435/07/06
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

ولكن العلمنة في النهاية كانت ظاهرة تاريخية، صنعتها جملة المتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية التي عاشتها أوروبا الحديثة، وأدت إلى تراجع دور طبقة رجال الدين وصعود فئات اجتماعية حديثة؛ وإلى انحسار دور الكنيسة، حتى في دول الأغلبية الكاثوليكية، لصالح مؤسسات غير دينية المنشأ؛ وإلى تقويض المؤسسات والعلاقات الاقتصادية التقليدية ونشوء علاقات جديدة، داخل المجتمعات وبينها وبين الخارج، مجردة من القيم الدينية؛ وإلى انهيار الرواية الكنسية للعالم، مفسحة المجال لروايات جديدة كلية.

 

 

 

 

 

من امتلك المصطلحات، امتلك الأفكار، ومن امتلك الأفكار، احتكر توجيه المسار. هذه مقدمة فكرية بمثابة المسلمة العقلية التي تبين لنا السبب الرئيس وراء انحراف كثير من التصورات لدى قطاعات متزايدة من المثقفين، فالمصطلحات المتداولة في أوساط المفكرين والمهتمين بالشأن الإسلامي هي في حقيقة أمرها مصطلحات وافدة تحمل شحنة هائلة من المعاني والدلالات المرتبطة ارتباطا وثيقا بالبيئة التي نشأت فيها، وتأثرت بشدة بحقبتها الزمنية، والأجواء الدينية والسياسية والاجتماعية المحيطة بوقت ظهور المصطلح، مما جعل محاكمة الواقع الإسلامي لأمثال هذه المصطلحات هو نوع من الاستيلاء الفكري والسطو المعرفي، والانسياق وراءه يورث كثيرا من الإشكاليات التي تجعل من شبهات العلمانيين والكارهين تروج على النخب الثقافية والفكرية التي وللأسف الشديد تتصدر الساحة العلمية والثقافية في عالمنا الإسلامي، وقد أورث هذا نوعا من الاختلاط في المدلول عند التعامل معه في البيئة المغايرة، حيث ترتب على ذلك أخطاء كبيرة، إذ بينما يستخدمها فريق حسب الاصطلاح المتعارف عليه في البيئة التي أنتجته، يستخدمها آخرون انطلاقا مما يستفاد من المعنى اللغوي، وهذا الكلام ينطبق على كثير من المصطلحات التي يعج بها المجتمع والواردة من خارج البيئة الإسلامية، من تلك المصطلحات مصطلح الدولة الدينية والدولة المدنية.

 

الدولة لغة واصطلاحا:

 

الدولة في اللغة: كما قال ابن فارس: الدال والواو واللام أصلان: أحدهما يدلّ على تحول شيء من مكان إلى مكان، والآخر يدل على ضَعْف واسترخاء. والدَّولة والدُّولة لغتان، ويقال بل الدُّولة في المال، والدَّولة في الحرب، وقال الزجاج: الدُّولة اسم الشيء الذي يُتداول، والدَّوْلةُ الفعل والانتقال من حال إِلى حال، وفي "الصحاح في اللغة": الدُولَةُ والدَوْلَةُ لغتان بمعنىً. وأَدالَنا الله من عدوّنا من الدَوْلَةِ. والإدالة الغلبة. يقال: اللهم أَدِلْني على فلان وانصرني عليه. ودالت الأيام، أي دارت، والله يُداولها بين الناس. وتداولتْه الأيدي، أي أخذَتْهُ هذه مرة وهذه مرة.

 

أما الدولة في الاصطلاح فهي كما يعرفها القانون الدولي مكونة من ثلاثة عناصر أساسية: عنصر الأرض ويطلق عليه اسم الإقليم، والعنصر السكاني الذي يعيش على هذا الإقليم ويطلق عليه شعب، والعنصر الثالث وهو السلطة الحاكمة التي تنظم العلاقات بين أفراد الشعب فيما بينهم، وتنظم علاقاتهم مع البلاد الخارجية والشعوب الأخرى. وبذلك يتفق المعني اللغوي للدولة مع المعنى الاصطلاحي لها في العنصر الثالث أي في عنصر السلطة حيث من المعاني اللغوية للدول الغلبة، والغلبة (القهر والإكراه واحتكار القوة) العنصر الفعال في السلطة.

 

تاريخ الدولة المدنية الحديثة:

 

ما لا يختلف عليه دارسو الدولة الحديثة أن بداياتها تعود إلى صلح وستفاليا في 1648، الذي وضع نهاية لحروب الثلاثين عاماً، عندما كانت أوروبا تعيش ذيول عصر النهضة وولادة الطبقات الوسطى، ولم تزل فريسة للصراعات الدينية الناجمة عن الانشقاق البروتستانتي، وصراعات الأمراء والملوك فيما بينهم حول نطاقات السيطرة والشرعية، وبين أغلبهم والمؤسسة الإمبراطورية، التي ورثت الإمبراطورية الرومانية المقدسة وإطارها الأوروبي الجمعي، حول السيادة. في وستفاليا، وضعت أسس فكرة الاستقلال السياسي، والتطابق بين حكم معين وحدود الكيان الذي يخضع لسيطرته. وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، شهدت أوروبا ثورتين كبريين، الثورة الإنجليزية والثورة الفرنسية. دفعت الأولى باتجاه فكرة الاجتماع السياسي وتوكيد الحقوق، وأنجزت قفزة ملموسة باتجاه انتقال الدولة إلى مؤسسة تعبر عن إرادة الأمة، لا تجلياً لحق الملك الإلهي .أما الثورة الفرنسية، التي كان لها أصداء كبيرة وواسعة النطاق، فقد أعلت من شأن فكرة المواطنة والمساواة أمام القانون كما لم يحدث من قبل في التاريخ الأوروبي، وأكدت الطابع القومي للدولة، باعتبارها تجلياً للتماهي بين مؤسسة الحكم والتنظيم الاجتماعي والأمة.ولأن الدولة الحديثة نشأت في حقبة الصعود القومي، الذي كان المسوغ الأبرز لوجود العدد الأكبر من الكيانات السياسية الحديثة، تلعب الفكرة القومية دوراً بارزاً في بنية الدولة وتوجهاتها وطبيعة قراراتها. ولكن الدول تختلف في علاقتها بالفكرة القومية. هناك دول تتمتع بشعب متجانس  إلى حد ما، وهو ما يساعد على تعزيز بنية الدولة الحديثة واستقرارها. ولكن دولاً كبريطانيا، مثلاً، التي هي نتاج المملكة المتحدة من عدد من الكتل الإثنية، تتجنب عادة التركيز على الهوية القومية؛ وقد طورت بدلاً منها هوية بريطانية جامعة وأوسع نطاقاً من الهويات القومية.

 

بيد أن جرثومة الهوية القومية سرعان ما انتشرت داخل أوروبا وخارجها، بقوة المدرسة والجامعة الحديثتين والتسارع الكبير في أدوات الاتصال والطباعة؛ وقد جعل التزاوج بين الحركة القومية والتقدم العسكري من الحرب جحيماً واسع النطاق من الدمار والخراب والإبادة. وأصبحت الحروب بدورها رحماً ضرورياً لولادة الدول القومية وتكاثرها .

 

تمارس الدولة الحديثة حكماً مركزياً، يقوم على الأصل الأكبر: أن الدولة مصدر الشرعية ومنها تصدر القوانين؛ وتؤسس عملية التقنين لسيطرة الدولة الشاملة على التعليم، الاقتصاد والتجارة والنقد، الاتصال، الإسكان، أنماط السلوك، العقاب، الملكية، الأمن، والأرض والحدود. تفترض الدولة، باعتبارها تجلي الأمة، الولاء الكامل، الذي يؤسس في المقابل لفكرة أن قرارات الدولة وسياساتها تعبيراً عن إرادة الأمة، وللنص الدستوري الشهير على سيادة الشعب وعلى أنه مصدر السلطات، كما يؤسس كذلك لمبدأ الخيانة بكافة مستوياتها ودرجاتها. وتعتبر الدولة الحديثة في مهدها الأوروبي دولة علمانية بامتياز.

 

وبالرغم من أن من الصعب تحديد لحظة الانفصال الأولى بين الدولة والكنيسة، فالمتفق عليه أن الانشقاق البروتستانتي، وما ولده من حروب، يؤشر إلى بداية هذا الانفصال.

 

بهذا المعنى، لم تمثل العلمانية في مطلعها تياراً مناهضاً للدين، بل توجهاً لتأميم الدين، أو تحريره من احتكار المؤسسة الكنسية.

 

ولكن العلمنة في النهاية كانت ظاهرة تاريخية، صنعتها جملة المتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية التي عاشتها أوروبا الحديثة، وأدت إلى تراجع دور طبقة رجال الدين وصعود فئات اجتماعية حديثة؛ وإلى انحسار دور الكنيسة، حتى في دول الأغلبية الكاثوليكية، لصالح مؤسسات غير دينية المنشأ؛ وإلى تقويض المؤسسات والعلاقات الاقتصادية التقليدية ونشوء علاقات جديدة، داخل المجتمعات وبينها وبين الخارج، مجردة من القيم الدينية؛ وإلى انهيار الرواية الكنسية للعالم، مفسحة المجال لروايات جديدة كلية.

 

 تعبير الدولة الدينية والدولة المدنية ليس من مفردات السياسة الشرعية رغم أن الألفاظ المفردة المكونة للتعبير ألفاظ عربية، يدل على ذلك أنك لو فتشت فيما كتبه العلماء المسلمون فيما مضى في باب السياسة الشرعية لم تجد لهذه التعبيرات أثر، وهو مما يدل على أن هذه التعبيرات إنما وفدت من خارج البيئة الإسلامية، لو نظرنا في المعنى اللغوي كان مصطلح الدولة الدينية يعني الدولة التي يكون دين الشعب المحرك والمهيمن على كل أنشطتها، أما مصطلح الدولة المدنية فهي الدولة الحضارية التي فارقت البداوة والتخلف وأخذت بأسباب الرقي، أو الدولة التي تباين الدولة العسكرية، ومن البين أنه في هذه الحالة ليس يمتنع أن تكون الدولة دينية ومدنية في آن حيث لا تعارض بينهما، وهو ما يعني أن المعنى اللغوي لكلا المصطلحين لا إشكال فيه وليس في استخدامه لغويا ما يحذر، ولكن ذلك لا يستقيم بحال بعد استصحاب كل المعاني والدلالات التي يحملها المصطلح المستورد من الغرب.

 

فمصطلح الدولة الدينية أو الثيوقراطية  في البيئة التي ولد فيها، يختلف تماما عن المعنى اللغوي للمصطلح كما أسلفنا ،فالدولة الدينية في تصورهم هي الدولة التي يكون الحاكم فيها ذا طبيعة إلهية، أو أنه مختار بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من الله تعالى حسب ما عرف في التراث الأوروبي بنظرية الحق الإلهي، ويترتب على ذلك أن يكون الحاكم في منزلة عالية لا يرقى إليها أحد من أفراد الشعب، وأنه لا يعترض على أقواله أو أفعاله، وليس لأحد قبله حقوق أو التزامات بل عليهم الخضوع التام لإرادة الحاكم حيث لا حق لهم في مقاومته أو الاعتراض عليه. وقد أوجدت هذه السلطة التعسفية لدى الكنسية ومن دار في فلكها من رجال الملك، ردة فعل عنيفة عند مفكري تلك الأمم جرهم إلى اتخاذ موقف مناقض أشد المناقضة، تزايدت ضراوته مع الكشوف العلمية التي صادمت الموروثات الكنسية المقدسة، فلم يكفهم أن ينفوا المعاني الباطلة المتعلقة بذلك المصطلح، بل بالغوا وغالوا ونفوا أن يكون للدين أي تدخل أو تعلق بالدولة، ومن ثم استعاضوا عن ذلك بوضع الإنسان في موضع الدين، فأصبح الإنسان هو من يضع القوانين وهو الذي ينظم الأمور من غير أن يتقيد في ذلك بشيء من خارجه.

 

فالدولة المدنية ليست لها مرجعية سوى الإنسان، ومن ثم فهي مناقضة لتدخل الدين في أي من شئونها وقضاياها، أي تقوم بفصل الدولة عن الدين فهي بذلك مرادفة للدولة العلمانية، وهذا يتضح بجلاء عندما نجد كل الأطياف المعادية للإسلام في بلاد المسلمين على اختلافها وتنوعها تنادي بالدولة المدنية في مقابل دعوات الإسلاميين لتحكيم الشريعة لأن الدولة المدنية في مفهومهم مناقضة للدولة الإسلامية التي لا يمثل الإنسان فيها مهما كان نبوغه وتفوقه، أية مرجعية تشريعية، بل المرجعية فيها لكتاب الله تعالى وسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم -.

 

كما أن الحاكم مهما كان عدله واستقامته لا يحكم بما يعرف بالحق الإلهي، فليس لهذا التصور الكهنوتي وجود له في الفقه السياسي الإسلامي، ولا في التاريخ الإسلامي، فالحاكم بشر خالص ليس له علاقة بالله إلا علاقة العبودية والخضوع لبارئه، وللمسلمين الحق في متابعته ومراقبته ومحاسبته، وكذا مقاومته لو خرج عن حدود الشرع الذي يجب عليه التقيد به.

 

ومن هنا نلمح حرص الشديد لدى النخب العلمانية على تسويق مصطلح الدولة المدنية والضغط على الحركة الإسلامية كي تستخدمه، حتى تورط بالفعل الكثير من المفكرين والمثقفين الإسلاميين في استعمال أمثال هذه المصطلحات، هذا الحرص إنما يكون بغرض إدخال الأفكار والتصورات العلمانية والتمكين لها بين المصطلحات الإسلامية بعيدا عن مصطلح العلمانية الذي افتضح أمره وملته النفوس السليمة.

 

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات