طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > قضايا دعوية معاصرة (1) العذر بالجهل

ملتقى الخطباء

(2٬262)
442

قضايا دعوية معاصرة (1) العذر بالجهل

تاريخ النشر : 1435/01/07
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

فقضية العذر بالجهل ليست قضية مطلقة بحيث أنها ثابتة مهما اختلفت العوامل المحيطة بها، بل هي قضية نسبية تخضع لتأثيرات البيئة وتغيرات الزمان، فما يعذر به في دار الحرب، غير ما يعذر به في دار الإسلام مثلا، فليس من نشأ في ديار الإسلام وآباؤه وأجداده مسلمون، كمن نشأ في البادية والفيافي أو كان حديث عهد بالإسلام، والعذر

 

 

 

 

من أهم قواعد إجراء الأحكام الشرعية وإنفاذ أثرها المادي والمعنوي هو اجتماع الشروط، وانتفاء الموانع، أما اجتماع الشروط فمعلوم من الكتاب والسنة، فالوصف لا يلحق بالعمل إلا إذا اجتمعت شروطه، أما الحكم فلا يلحق إلا إذا انتفت الموانع، ومن أهم هذه الموانع ؛ عوارض الأهلية التي تمنع لحوق الوعيد بالوصف الثابت باجتماع شروطه، ومن أهم عوارض الأهلية الجهل والتأويل والإكراه، وكل واحد منها يمثل قضية كلية من قضايا العقيدة والدعوة الإسلامية، تحتاج إلى ضبط وتحقيق، ومعرفة الثابت فيها والمتغير، وما لا يسع الخلاف فيه، وموارد الاجتهاد فيه، حتى لا يطيش الدعاة عند إجراء الأحكام بين جافي وغالي، مُفرط ومفرّط، وينتج عن ذلك كثيرا من الإحن والخلافات والصراعات التي ما كان لها أن تندلع لو انضبط الدعاة بضوابط الشرع في هذه القضية الحساسة.  

 

ثوابت عارض الجهل:

 

أولا: المعرفة لا تكون إلا بالشرع

 

فمعرفة الله بأسمائه وصفاته وآلائه، ومعرفة الرسل – صلى الله عليهم وسلم – وواجباتهم وحقوقهم، ومعرفة الدين بتكاليفه الشرعية من حلال وحرام وجائز ومستحب، كل ذلك لا يكون إلا على لسان الشارع الكريم، وذلك عند أهل السنة والجماعة خلافا لما ذهبت إليه المعتزلة من جعل المعرفة تجب عقلا على المكلفين، وقولهم ظاهر البطلان، إذ كيف يتعرف الإنسان على صفات الله – عز وجل -؟، في حين لا سبيل لهم لرؤيته أو إدراكه ما لم يخبرهم الوحي المعصوم، قال اللالكائي – – رحمه الله – – في شرح أصول الاعتقاد: " سياق ما يدل من كتاب الله – عز وجل -، وما روي عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على أن وجوب معرفة الله تعالى وصفاته بالسمع لا بالعقل، قال الله تعالى يخاطب نبيه بلفظ خاص والمراد به العام ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) [ محمد 29 ]، وقال تبارك وتعالى ( اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين ) [ الأنعام 106] وقال ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) [ الأنبياء 25 ] ".

 

 أما ما ذهب إليه المعتزلة من الاستدلال بواقعة نظر إبراهيم – عليه السلام –  في آيات الله في الكون للتعرف على الله – عز وجل – فهو استدلال ناقص وفي غير موضعه، لأن الله عز وجل ختم الآيات بقوله على لسان إبراهيم عليه السلام: ( لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ) [ الأنعام 77]، فدل ذلك على أن معرفة الرسل أنفسهم بالسمع والوحي، قال الغزالي – رحمه الله – في فيصل التفرقة: " وقد ظن بعض الناس أن مأخذ التكفير من العقل لا من الشرع، وأن الجاهل بالله تعالى كافر، والعارف به مؤمن، فيقال له: الحكم بإباحة الدم والخلود في النار، حكم شرعي لا معنى له قبل ورود الشرع " وقال القرطبي – رحمه الله – في تفسير قوله عز وجل ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) [ الإسراء 15 ]: " وفي هذا دليل على أن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع، خلافا للمعتزلة القائلين بأن العقل يقبح ويحسن، ويبيح ويحظر "

 

وقال ابن القيم – رحمه الله – في طريق الهجرتين: " إن الله – سبحانه – لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، كما قال تعالى ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) وهذا كثير في القرآن، يخبر أنه يعذب من جاءه الرسول وقامت عليه الحجة " وقال الشنقيطي في تفسير آية الإسراء: " والآيات القرآنية مصرحة بكثرة، على عدم الاكتفاء بما نصب من الأدلة، وما ركز في الفطرة، بل إن الله تعالى لا يعذب أحدا حتى يقيم عليه الحجة بإنذار الرسل، فالله عز وجل قال فيها ( حتى نبعث رسولا ).  ولم يقل: حتى نخلق عقولا، وننصب أدلة، ونركز فطرة ".  

 

ثانيا: البلاغ هو أصل الاعتبار

 

فالأصل عند اعتبار عارض الجهل، أن حكم الخطاب لا يثبت في حق المكلف إلا إذا بلغه، على الأظهر من أقوال العلماء، وذلك لقواه تعالى ( لأنذركم به من بلغ ) [ الأنعام 19 ]، وقوله ( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) [ النساء 165]، ولهذا لم يأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – عمر وعمارا لما أجنبا، فلم يصل عمر وصلى عمار بعد أن تمرغ بالتراب، أن يعيد واحد منهما، وكذلك لم يأمر من استمر في الصلاة إلى بيت المقدس، ولم يبلغه تحول القبلة بالقضاء حين بلغه خبر التحول، ومهاجرة الحبشة مكثوا فيها حتى العام السابع من الهجرة، وكانت خبر التكاليف تصل بعد فرضها بأسابيع، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من الإعادة، والأمثلة على ذلك كثيرة.  

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: " وأصل هذا أن حكم الخطاب هل يثبت في حق المكلف قبل أن يبلغه ؟ وفيه ثلاثة أقوال في مذهب الإمام أحمد، والأظهر أنه لا يجب قضاء شيء من ذلك، ولا يثبت الخطاب إلا بعد البلاغ، لقوله تعالى ( لأنذركم به ومن بلغ ) ومثل هذا في القرآن متعدد، بين سبحانه أنه لا يعاقب أحدا حتى يبلغه ما جاء به الرسول، ومن علم أن محمدا رسول الله فآمن بذلك، ولم يعلم كثيرا مما جاء به، لم يعذبه الله على ما لم يبلغه، فإنه إذا لم يعذبه على ترك الإيمان بعد البلوغ، فإنه لا يعذبه على بعض شرائطه إلا بعد البلاغ أولى وأحرى ".  قال الحافظ الذهبي – رحمه الله -: " فلا يأثم أحد إلا بعد العلم وبعد قيام الحجة عليه، وقد كان سادة الصحابة بالحبشة، وينزل الواجب والتحريم على النبي – صلى الله عليه وسلم – فلا يبلغهم إلا بعد أشهر، فهم في تلك الأمور معذورون بالجهل حتى يبلغهم النص، وكذا يعذر بالجهل من لم يعلم حتى يسمع النص "

 

ثالثا: المقبول والمردود من العذر

 

فإن من الجهل ما يعذر به صاحبه، ومنه ما لا يعذر فيه، وذلك لأن العلم علمان؛ أولهما: علم العامة: وهو ما لا يسع أحدا غير مغلوب على عقله جهله، مثل وجوب أركان الإسلام أو المباني الخمسة، ونحوه مما علم من الدين بالضرورة، وهذا لا عذر لأحد فيه، وثانيهما: علم الخاصة: وهو ما ينوب العباد في فروع العبادات والمعاملات والاعتقادات، مما لم يرد فيه نص قاطع أو إجماع، وهذه الدرجة من العلم لا تبلغها العامة، ولم يكلفها كل الخاصة، فهي من فروض الكفاية التي تسقط بقيام البعض بها دون البعض، وهذا العلم يعذر فيه المرء بجهله، ويقبل فيها دعواه بعدم العلم.  

 

رابعا: نسبية العذر بالجهل

 

فقضية العذر بالجهل ليست قضية مطلقة بحيث أنها ثابتة مهما اختلفت العوامل المحيطة بها، بل هي قضية نسبية تخضع لتأثيرات البيئة وتغيرات الزمان، فما يعذر به في دار الحرب، غير ما يعذر به في دار الإسلام مثلا، فليس من نشأ في ديار الإسلام وآباؤه وأجداده مسلمون، كمن نشأ في البادية والفيافي أو كان حديث عهد بالإسلام، والعذر بالجهل في زمان رفع العلم وشيوع الفتن وكثرة الشبهات وطي أعلام السنة، ليس كالعذر بالجهل في أزمنة التمكين وتطبيق الشريعة وقمع البدع وإقامة السنن، لذلك قال أهل العلم إن العذر بالجهل مما تتغير به الفتوى، بتغير الزمان والمكان والأحوال والأشخاص ونحوه.  

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " كثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة التي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرا مما يبعث الله به رسوله، ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة على أن نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث عهد بالإسلام، فأنكر شيئا من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة، فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول، ولهذا جاء في الحديث: " يأتي على الناس زمان، لا يعرفون فيه صلاة ولا زكاة ولا صوما ولا حجا إلا الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة، يقول: أدركنا آباءنا وهم يقولون: لا إله إلا الله " انتهى كلامه – رحمه الله -، قال الشيخ أبو زهرة من الأصوليين المعاصرين: " الجهل بالأحكام الإسلامية في غير الديار الإسلامية هو جهل قوي، إلى درجة أن جمهور الفقهاء قال: إنه تسقط عنه التكليفات الشرعية، حتى أنه لو أسلم رجل في دار الحرب، ولم يهاجر إلى الديار الإسلامية، ولم يعلم أنه عليه الصلاة والصوم والزكاة، فإنه يؤديها قضاء إذا علم، ووجهة نظر الفقهاء أن دار الحرب ليست موضع علم بالأحكام الشرعية، فلم تستفض فيها مصادر الأحكام ولم تشتهر، فكان الجهل جهلا بالدليل، والجهل بالدليل يسقط التكليف، إذا لم يتوجه الخطاب " وكذلك قال الألباني – رحمه الله – كلاما شبيها بذلك.  

 

خامسا: لا عذر في الإقرار المجمل والبراءة المجملة

 

فثمة أصل كلي لا عذر فيه على الإطلاق، وهو ما لم يدن بدين الإسلام فهو كافر بيقين لا مجال للاعتذار أو التأويل، سواء كان عنادا أم جهلا، أما مآله في الآخرة فهو من موارد الاجتهاد، وكان الفلاسفة والمتكلمون من أمثال الجاحظ لا يرون كفر اليهود والنصارى إلا المعاند منهم، وقد رد عليهم أهل العلم ردودا قوية مثل الغزالي في المستصفى، وابن القيم في طريق الهجرتين، ومن المعاصرين أبي زهرة في الأصول، فقد قال ابن القيم – رحمه الله – في معرض حديثه عن طبقة المقلدين وجهال الكفرة وأتباعهم: " والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله ورسوله وإتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافرا معاندا فهو كافر جاهل.  فغاية هذه الطبقة أنه كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم من عن كونهم كفرا، فإن الكافر من حجد توحيد الله وكذب ورسوله، إما عنادا أو جهلا وتقليدا لأهل العناد"    

 

وهذه النقطة تقود إلى الكلام عما يعذر فيه من تفاصيل التوحيد بالجهل، مثل الجهل ببعض صفات الله – عز وجل -، والتحاكم إلى بعض جزئيات في الشرائع الأرضية ظنا بجواز ذلك، اعتمادا على قوله صلى الله عليه وسلم " أنتم أعلم بشئون دنياكم ".  

 

وقد وقع الإنكار لبعض صفات الله – عز وجل – من جماعة من العلماء، بل إنه وقع من الصحابة أنفسهم، كما جهلت عائشة – رضي الله عنها – أن الله عز وجل قد أحاط بكل شيء علما، فقد قالت للنبي – صلى الله عليه وسلم -: هل يعلم الله – عز وجل – كل ما يكتم الناس ؟ فقال لها النبي – صلى الله عليه وسلم -: " نعم "، وعائشة بسؤالها هذا كانت جاهلة بعلم الله المحيط، ولم تكن بذلك الجهل كافرة، فالقول وإن كان كفرا بواحا إلا أن تكفير قائله لا يحكم به حتى يكون قد بلغه العلم والحجة الرسالية.  

 

أيضا وقع من الصحابة اختلاف في رؤية الله – تعالى – يوم القيامة، فأثبته جماعة وأنكره جماعة، ومن أنكره لم يصله قوله صلى الله عليه وسلم: " أنكم سترون ربكم يوم القيامة. . ".  ومن ذلك أيضا جهل بعض الفضلاء والعلماء بأحوال بعض الزندقة من الحلوليين والقبوريين والمبتدعين، مثل جهل السيوطي والهيتمي والألوسي والقاسمي وغيرهم من فطاحل العلماء بحال ابن عربي الزنديق، وثناؤهم عليه في مصنفاتهم ومؤلفاتهم.  

 

ومن ذلك أيضا جهل عوام المنتسبين إلى الفرق الضالة مثل المعتزلة والجهمية والقدرية والجبرية ممن لا يعرفون حقائق المذهب وأسرارهم ومواطن ضلاله، ويدخل معهم بصورة أقل عوام القبوريين وأتباع سدنة المقابر وشيوخ الطرق البدعية، ولعلماء نجد من آل الشيخ المتقدمين جهد مشكور في بيان ذلك الأمر.  

 

أما الأمور الاجتهادية التي وقع فيها الاختلاف بين أهل العلم في جواز العذر به أو عدمه فكثيرة، فمن موارد الاجتهاد قضية الجهل بعموم  قدرة الله عز وجل، وإنكار معاد الأبدان إذا تفرقت، وأصل الاختلاف هو الاختلاف في فهم خبر الرجل الذي لم يفعل خيرا قط، فلما حضرته الوفاة أمر بنيه أن يحرقه ويذروه في يوم شديد الرياح، ظنا منه أن الله – عز وجل – لن يقدر على جمعه، ولعلماء تأويلات ومخارج عديدة في فهم الحديث، وباختلاف الأفهام، اختلفت الأقوال بين مجيز ومانع.  

 

ومن الأمور الاجتهادية أيضا تكفير عوام الرافضة والحرورية الخوارج، ففيه قولان مشهوران عند أهل العلم.  ومنها مآل من مات ولم تبلغه الدعوة فقد وقع في هذه المسألة تحديدا خلاف كبير بين أهل العلم، فمنهم من جزم بكفرهم وخلودهم في النار كما ذهب لذلك كثير من الأحناف، ومنهم من عذره وأدلته على ذلك كثيرة، ومنهم من ذهب لاختباره في عرصات يوم القيامة، ومنهم من ذهب إلى بقائه على الفطرة.  

 

 

 

 

قضايا دعوية معاصرة (2) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

سلسلة قضايا دعوية معاصرة (3) الاجتهاد والتقليد

قضايا دعوية معاصرة (4) الإيمان والكفر

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات