طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > أمراض على طريق الدعوة (12) تنافس الدنيا

ملتقى الخطباء

(3٬013)
413

أمراض على طريق الدعوة (12) تنافس الدنيا

تاريخ النشر : 1434/10/12
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

الانشغال بمتاع الدنيا والتنافس على تحصيل شهواتها ناتج عن طول الأمل ونسيان الإنسان كونه في رحلة إلى الدار الآخرة تكتمل بنزول ملك الموت لقبض الروح، ونظراً لخطورة تلك الغفلة عن ذلك المصير وما تنتجه من ضعف الخوف من الله – تعالى -، وبالتالي عدم المحاسبة للنفس والمراقبة لعملها، فإن الله – عز وجل – حذرنا في آيات عديدة من هذا العرض فقال سبحانه ( ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) [الحجر:3]،

 

 

 

 

من الأمراض العضال التي تعترض طريق كثيرا من الدعاة في سيرهم إلى الله – عز وجل -؛ مرض التنافس على الدنيا وزينتها ومتاعها وشهواتها، فإن سلطان وسحر زينة الحياة الدنيا وشهواتها قد أخذ بألباب وعقول كثير من أبناء الأمة حتى عبدوها، وأصبحوا يرون في تعاليم الإسلام وأحكامه ما يفسد عليهم متعتهم بها، فصاروا يحاربون تعاليم الإسلام والداعين إليه، ويقفون في وجه كل دعوة جادة إلى الإسلام تريد إعادة الأمر إلى نصابه، وتقوم ببيان خطر الاغترار بالدنيا.

 

والشباب الملتزم بعامة والدعاة إلى الله – عز وجل – بخاصة،جزءٌ من أفراد المجتمع الإسلامي يصيب بعضهم ما يوجد في مجتمعاتهم من أمراض وأدواء،ومن ذلك وجود ظاهرة التنافس الدنيوي، وانشغالهم بذلك عن تربية أنفسهم والقيام بواجبـهـم تـجاه دينهم وأمتهم؛ بل إن الأمر لدى أولئك تجاوز حد التشاغل إلى مرحلة التساقط عن الطريق وترك الطاعة ومبارزة الله – عز وجل – بالمعاصي.هذا المرض قد أولاه النبي – صلى الله عليه وسلم – عناية خاصة لعلمه الشريف بأنه سيكون المرض الأشد فتكا والأنكى أثرا في عمل كثير من الدعاة إلى الله – عز وجل -، وقد خلّف هذا المرض وراءه آثارا خطيرة وعواقب مهلكة، لذلك كان الحذر منه من أولويات ومهمات العاملين المخلصين والدعاة المتجردين.

 

أولا: تعريف التنافس الدنيوي

 

التنافس في اللغة يأتي على عدة معان:

 

منها محبة الشيء والرغبة في الحصول عليه، يقال نافست في الشيء منافسة، ونُفاسة بالضم أي صار مرغوبا فيه ومحبوبا ،وأصله من الشيء النفيس. ومن المعاني أيضا الضن بالشيء والبخل به، يقال نفست عليه بالشيء بكسر النون أي ضننت به وما أحب أن يناله أحد غيري. ومنها التسابق والتباري في الشيء دون إلحاق الضرر بالآخرين ومنها قوله عز وجل ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) [ المطففين 26]. ومنها رؤية الغير غير أهلا للشيء يكون معه ومن ثم ينافسه عليه. وهذه المعاني كلها متقاربة لا تعارض فيها، وعلى هذا يكون تنافس الدنيا في اللغة بمعنى التسابق والتباري مع الغير على أمور الدنيا وأحوالها، وذلك رغبة ومحبة وضنا بهذه الدنيا.

 

أما تنافس الدنيا في الاصطلاح فهو واضح ومعروف ويكون بمعنى لا يختلف كثيرا عن المعنى اللغوي وهو التباري رغبة في حظوظ الدنيا ومتاعها والاستئثار بها دون الآخرين.

 

والأدلة من الكتاب والسنة على ذم هذا المرض الخبيث كثيرة ومتواترة وتضع تصورا شاملا وحدا فاصلا بين التمتع بما أباحه الله – عز وجل – من زينة الدنيا ومتاعها، وبين التنافس على أمرها، أما من الكتاب فمثل قوله عز وجل (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) [الحديد 20]، وقوله عز وجل (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ? وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) [ طه 131 ]

 

أما من أحاديث النبي – صلى الله عليه وسلم – فهي كثيرة وتحمل تحذيرات قوية وواضحة وصريحة لا لبس فيها عن خطورة هذا المرض، فعن الزهري عن عروة بن الزبير أخبره أن المسور بن مخرمة أخبره، أن عمرو بن عوف وَهُوَ حَلِيفُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ, وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ فَقَدِمَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَافَوْا صَلاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ الله – صلى الله عليه وسلم – ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُ لَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حِينَ رَآهُمْ، ثُمَّ قَالَ: ” أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ ؟ ” قَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ” فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُ ” أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة.

 

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما  – عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: ” إذا فتحت عليكم فارس والروم أي قوم أنتم ؟ قال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: أو غير ذلك تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون أو نحو ذلك، ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين فتجعلون بعضهم على رقاب بعض ” أخرجه مسلم وابن ماجة

 

ومنها قوله: ” إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه من المال، والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه ” وفي نفس معناه قوله صلى الله عليه وسلم: ” انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله ”

 

ومنها عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ, أَنَّ رَسُولَ الله – صلى الله عليه وسلم –  خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلاتَهُ عَلَى الْمَوْتَى, ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمِنْبَرِ فقال: ” إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ, وَإِنِّي وَاللَّهِ لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ وَإِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ, وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا “.

 

وللتنافس على أمور الدنيا مظاهر وعلامات وآيات يعرفها أولوا الألباب والأبصار من أبرزها:

 

1ـ التوسع في المباحات من المآكل والمشارب والمتع والزينات، والتجمل والإكثار من التأنق في الهيئات.

 

2 ـ الانشغال الدائم والحديث المستمر عن الدنيا وزخارفها ومتعها وأحدث فنونها وملذاتها، وسبل التحصل عليها واقتناصها والبحث عن أحدث الموضات والابتكارات، والمخاصمة المستمرة عليها مع أهلها وعبيدها.

 

3 ـ كثرة استخدام وسائل الترويح عن النفس من مزاح وألعاب ونزهة وزيارات كثيرة تخرج بالترويح عن الأمر الذي شرع له، وتصبح في حياة كثير من الناس كأنها هي الأصل والجد هو الفرع.

 

4 ـ ضياع الأوقات وانتشار البطالة في حياة بعض من الدعاة والمصلحين، حيث تكثر ساعات نومهم ويتتابع فناء أعمارهم دون أن يقضوا شيئاً منها في أمر ينفعهم في دينهم أو دنياهم.

 

5 ـ التعلق بالتوافه، وضعف التفكير، وغياب القدرة على النقد البناء، وانتشار التقليد، والتسرع في الحكم على الأشياء بناءً على ظواهرها، وإمكانية التلاعب بالشخص واستدراجه إلى ما يراد من قبل الآخرين بيسر وسهولة وبدون عناء أو مشقة.

 

6 ـ إهمال الورع وضياعه في غالب الأحوال وترك التحري في ما يدخل الجوف ويكسو البدن، وازدراء نعمة الله علي عبده، والتسخط من تقلب الأمور وعند نزول البلاء.

 

7 ـ الأخذ بالرخص والبحث عن أقوال العلم وانتقاء ما يناسب منها حاله من التلذذ بالدنيا والتنافس عليها، لكي يرفع عنه حرج السائلين ولوم اللائمين، ويبرر لنفسه انغماسه في هذه المباحات والتنافس على طلبها.

 

وللتنافس على الدنيا أسباب تقود إليه، وبواعث تؤدي للوقوع فيه، من أهمها:

 

1 ـ طول الأمل ونسيان الموت:

الانشغال بمتاع الدنيا والتنافس على تحصيل شهواتها ناتج عن طول الأمل ونسيان الإنسان كونه في رحلة إلى الدار الآخرة تكتمل بنزول ملك الموت لقبض الروح، ونظراً لخطورة تلك الغفلة عن ذلك المصير وما تنتجه من ضعف الخوف من الله – تعالى -، وبالتالي عدم المحاسبة للنفس والمراقبة لعملها، فإن الله – عز وجل – حذرنا في آيات عديدة من هذا العرض فقال سبحانه ( ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) [الحجر:3]، وقال صلى الله عليه وسلم موصياً ابن عمر: ” كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل” ،ذلك لأن الغريب لا تعلق له ببلد الغربة، ولا تشاغل لديه بملذاتها وملهياتها، بل قلبه معلق بوطنه الذي يرجع إليه، والمسافر لا هم له في الاستكثار من متاع الدنيا أثناء قطعه لمنازل السفر، وإنمـا يكتفي بتحصيل زاد السفر فقط. وعن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال: خط النبي صلى الله عليه وسلم خطا مربعا، وخط خطا في الوسط خارجا منه، وخط خططا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط وقال: ” هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به ـ أو قد أحاط به ـ وهذا الذي هو خارج: أمله، وهذا الخطط الصغار: الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا ” أخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه والدارمي، وقال ابن حجر معلقا عليه في الفتح: ” ويتولد من طول الأمل: الكسل عن الطاعة، والتسويف بالتوبة، والرغبة في الدنيا، والنسيان للآخرة، والقسوة في القلب ”

 

2 ـ الغفلة عن حقيقة الدنيا:

 

وهو السبب الأهم الذي يقود إلى الوقوع في مرض التنافس الدنيوي، فالدنيا دار مم لا دار مقر، جعلها الله – عز وجل – معبرا للآخرة ومتزودا للرحلة الآخرة، وفي نفس الوقت جعلها الله – عز وجل – دار ابتلاء وسجن وعقوبة، شحنها بالزخارف والزينات وحفها بالمحبوبات والملذات، فكان من اشتغل بهذه الزخارف والزينات ونسي الغاية من خلقه من الغافلين والخاسرين، ومن انتبه وأخذ منها بقدر، سلم من شرها ونجا من حبائلها، والآيات عن حقيقة الدنيا وزينتها كثيرة جدا منها، (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ( [ آل عمران 14 ]، ومنها قوله (إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ ) [ يونس 7 ]، وقوله (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [سورة هود آية: 15-16 ] والآيات كثيرة في هذا الباب وهي تكشف حقيقة الدنيا، ومن غفل عن هذه الحقيقة فسوف يركن إلي الدنيا ويؤثرها على الآخرة ويحرص على تحصيل ملذاتها ومتعها، ومن ثم ينتقل الحرص إلى التنافس.

 

3 ـ ضعف الإيمان بالقضاء والقدر:

 

فالأرزاق والآجال والأحوال والأعراض وكل ما يعرض لابن آدم في دنياه من خير وشر كان بعلم الله وتقديره، وقد تضعف عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر في قلوب البعض فينسى أن حظوظ الدنيا تجري وفق هذه المقادير، وأن كل إنسان قد فُرغ من كتابة أجله ورزقه وحظه من الدنيا قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، فقد قسّم الله المعايش والأرزاق والآجال، فبسط للبعض وضيق على البعض الآخر، فلا حيلة فيما كتب الله – عز وجل – في لوحه المحفوظ، ومهما تبارى الناس وتسابقوا وتنافسوا فلن يخرجوا عما كتبه وقدره الله لهم، ولا يظن البعض من هذا السياق أنها دعوة لترك الأسباب والتنافس في الخيرات، ولكنه دعوة لتجديد الإيمان بالقضاء والقدر والرضا بما قسمه الله، وفهم حقيقة الدنيا وحظ كل امرئ منها. وزيادة المال ووجود النعم ووفرتها تكون أحياناً من أكبر دواعي الإقبال والتنافس على الدنيا، وذلك لأن المال يعمي ويصم، ويدعو إلى الركون والمتعة والراحة ويدفع صاحبه إلى البذخ والإنفاق في غير حاجة، وقد أوضح الله – تعالى – في كتابه هذه الحقيقة في آيات، منها قوله (كَلاَّ إنَّ الإنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى ) [العلق:6-7]،ويزداد تأثير كثرة المال ووفرة النعم على الإنسان وجره إلى الترف وغاية الرفاهية حين يكون مولوداً في النعم، لم تمر به حالات بؤس، ولم يعرف شدة البلاء ومعاناة الفقر، بل جاءه المال وتوفرت لديه النعم بسهولة ويسر من دون ما كسب أو بذل جهد، عندها تكون الدنيا أكبر همه وغاية سعيه.

 

4 ـ التناقض في حياة الإنسان:

الانغماس في مباهج الحياة وزينتها عادة ما يكون ناتجا عن تغليب الإنسان لمتطلبات،وإغفاله لمتطلبات مهمة أخرى من عقل وروح، وعدم قيامه بالأخذ بالهدي النبوي الرشيد الداعي إلى الموازنة بين تلك الجوانب المختلفة، روى البخاري أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال لعبد الله بن عمرو حين علم بمغالاته في العبادة: ” ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل، فقلت: بلى يا رسول الله، قال: فلا تفعل صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً”، وروى البخاري أيضاً أن نفراً من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- سألوا عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها، وقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم –  فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني “.

 

5 ـ ضعف التربية وخلل البدايات:

 

من أبرز أسباب التنافس على الدنيا والاشتغال بشهواتها ضـعــف التربية وضعف التوجيه الجاد والمناسب للشباب من قبل بعض المربين في كيفية التعامل مــع فتنة الحياة الدنيا وزخرفها وما نتج عن ذلك من عدم تربية النشء على الجَلَدَ والخشونة بذريعة الخوف من انفراط اجتماع الطلاب حول المربي والخشية من انصرافهم عنه بالكلية، فتجد المربي يكثر من الرحلات الخلوية والخروج إلى المتنزهات بحجة تفريغ الطاقات والترويح عن عنت المذاكرات، وهذا ينتج على المدى الطويل وسطا حريصا على التنافس على الدنيا، وبيئة قابلة لزيادة التنافس والتسابق على متاع الدنيا، وهذه البيئة وحدها كفيلة بإنتاج جيل كامل من الشباب دعاة وغيرهم من المتنافسين على زخارف الدنيا.

 

6 ـ الغفلة عن الموت:

 

كل الناس يؤمنون بأن الموت هو غاية كل حي، ولكن قليل منهم من يؤمن بذلك إيمانا حقيقيا ينطبع على جوارحه وسلوكياته ومعاملاته، فالإيمان الحقيقي يجعل الإنسان يضع الدنيا في يديه لا في قلبه، ولا يبالي أقبلت عليه أم أدبرت عنه، أما الإيمان النظري بالموت يجعل الإنسان من حيث لا يدري ينسى هذا الحقيقة، ويركن إلى الدنيا ويقيم لها وزنا، ويعمل لها حسابا ويبذل قصارى جهده في تحصيلها ولو بالتنافس والتباري عليها، لذلك أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم بالإكثار من ذكر الموت ودوام الاستعداد للقاء الله – عز وجل – حتى لا تغيب هذه الحقيقة عن قلوب وعقول الصالحين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” أكثروا ذكر هاذم اللذات ” أخرجه الترمذي وقال حسن غريب، وقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم مصلاه يوما فوجد أناسا يكتشرون ـ تظهر أسنانهم من الضحك ـ فقال: ” أما لو أنكم لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى ” أخرجه النسائي في سننه باب كتاب الجنائز.

 

الدعاة عندما تلبسوا بهذه الآفة الخطيرة ونسوا مهمتهم الأصلية، ونسوا أن الأطباء الذين يصفون العلاج لمن يقع في أمثال هذه الأدواء أصابهم كثير من الأذى والآثار الجانبية الضارة والمهلكة سواء في الدنيا أو الآخرة، ومن أبرزها: القلق والتوتر والاضطراب النفسي بسبب سيطرة الدنيا على قلبه وعقله وتفكيره، بعد أن ابتلي بجمعها والخوف من ضياعها، ومنها أيضا إهدار الحقوق الدعوية والأخوية، فالتنافس على الدنيا يقود إلى الصراع والتباري المذموم، وإساءة الظنون وتتبع العورات والتفتيش على الزلات، كما أنها تهدر معظم وقت الداعية بحيث يقع في التقصير والخلل في أداء الواجبات والاستحقاقات الدعوية لكثرة مشغولياته الدنيوية، ومع ازدحام الرغبات الدنيوية على الواجبات الدعوية يبدأ الداعية في التضحية بالدعوي إيثارا للدنيوي، بل يصل الأمر بالبعض للانصراف على أعمال الآخرة من العبادات والطاعات، ذلك لأن الدنيا قد صارت أكبر همه ومبلغ علمه وغاية سعيه.

 

لن يتخلص الداعية من هذه الآفة الخطيرة الضارة المضرة إلا بالاعتماد على الله وحده، واليقين التام بأن حظوظ الدنيا تجري بالمقادير، ومهما فعل الإنسان من أجل تحصيل حظ أو نصيب منها، فإنه لن يصل فوق ما قسم الله – عز وجل – له، وإن البصيرة التامة بحقيقة الدنيا وأنها ليست الهدف أو الغاية من أكبر معينات الداعية في الخروج من شرك هذا المرض الخطير، كما يجب على الداعية الذي يعيش في بيئة تنافسية ووسط حريص على الدنيا أن يقوم بتغيير هذا الوسط والخروج إلى البيئة الصالح أهلها الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، فإن ذلك ينزع من قلبه هذا الداء الخطير.

 

 

سلسلة ‘أمراض على طريق الدعوة‘ (1) التصدر وطلب الرئاسة

سلسلة أمراض على طريق الدعوة (2) العجلة في الحكم وعدم التثبت

سلسلة أمراض على طريق الدعوة (3) اليأس والقنوط

سلسلة أمراض على طريق الدعوة (4) رد النصيحة ورفض النقد

سلسلة أمراض على طريق الدعوة (5) المراء والجدل

سلسلة أمراض على طريق الدعوة (6) سوء الظن

سلسلة أمراض على طريق الدعوة (7) التنطع والغلو

سلسلة أمراض على طريق الدعوة (8) إتباع الهوى

سلسلة أمراض على طريق الدعوة (9) العجب بالنفس

أمراض على طريق الدعوة (11) الفتـور

أمراض على طريق الدعوة (12) الغضب

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات