طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > منهج الإسلام في تربية الإرادة

ملتقى الخطباء

(1٬367)
397

منهج الإسلام في تربية الإرادة

تاريخ النشر : 1434/09/07
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

وهو خامساً: يشرع من الأعمال ما يكوِّن الإرادة الإنسانية، ويقوِّيها ويشحذها، فالصلاة فريضة تحتاج إلى التطهُّر المادي والروحي، وتقوم على استجماع القلب، واتِّصاله بالله في شبه فناء فيه، وهي مع ذلك فريضة كل يوم، بل فريضة كل وقت في كل يوم، من حين يصبح الإنسان إلى حين يمسي، فكلما أوشك أن يغفل أو يسهو صاح به المؤذِّن يدعوه إليها، وينبِّه إرادته!

 

 

 

 

يا أخي القارئ…

 

هذا الدين الحنيف الذي شرح الله صدرك له، وهداك إليه، فآمنت بالعقيدة التي دعاك الله إلى اعتناقها، وأديت العبادات التي كلفك أداءها، والتزمت  المنهج الذي شرعه لمعاملاتك. هل فكرت فيه من حيث يربي فيك الإرادة القوية، ويزوِّدك بمقومات الشخصية المتكاملة، ويمدك بأسباب النجاح وعوامله جميعاً.

 

إنه دين يتعهد الإرادة بالتربية، في كل ما شرع من أحكام فهو:

 

أولاً: يحتِّم النيَّة في كل عبادة، فلا يعتبر الأعمال عبادات إلا إذا سبقتها وصحبتها نيَّة العبادة، ولو كانت إنما شرعت للتعبد…

 

فأما الأعمال المباحة كالأكل والشرب، وغيرهما مما يقوم به الإنسان في حياته، وقد تقتضيه غرائزه وفطرته. فهو يعتبرها من العبادات إذا نوى بها التعبُّد، على ألا تختلط بالحرام.

 

وإن رسول الله – – صلى الله عليه وسلم-  – ليقول فيها صحت روايته عنه: "إنما الأعمال بالنيات، وإنَّما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه".

 

وإن فقراء المسلمين في عهده ليذهبون إليه، يشكون من أن: "أهل الدثور ذهبوا بالأجور"، يعنون الأغنياء، لأنهم يملكون ما يتصدقون به ولا يملك الفقراء مثله، فيجيبهم – صلى الله عليه وسلم-  بقوله: "في كل تسبيحة صدقة، وفي كل تحميدة صدقة، وفي كل تكبيرة صدقة" حتى يقول: "وفي بضع أحدكم صدقة"!

 

ويعجب السائلون فيقولون: " أيأتي الرجل منا زوجه ثم يكون له مع ذلك أجر؟ " ويجيب الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم- : "أرأيتم لو وضعه في الحرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعه في الحلال كان له به أجر"!…

 

وهو ثانياً: ينظر إلى القلب. موطن الإرادة، على أنه هو كيان الإنسان، ومصدر صلاحه أو فساده، فيعيب الله عزَّ وجل في القرآن على الكفار أنهم:" لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا" [الأعراف:179]. ويأخذ عليهم أنهم يهملون إرادتهم حين يتابعون آباءهم على كفرهم، قائلين: "بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ" [الزُّخرف:22].

 

ويقرر الرسول – – صلى الله عليه وسلم-  – هذه النظرة حين يقول: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" وحين يقول: "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم".

 

وهو ثالثاً: يعتبر الهمَّ بالفعل، وبالترك، ويحاسب عليه ولو لم يترتب عليه ترك أو فعل.

 

فرسول الله – – صلى الله عليه وسلم-  – يقول: "فيما يروي عن ربه عزَّ وجل ": "إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك.

 

فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هو همَّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة. زاد في رواية: أو محاها. ولا يهلك على الله إلا هالك ".

 

وإذا كانت هذه الرواية تتعارض في ظاهرها مع الرواية الأخرى التي يقول – صلى الله عليه وسلم-  فيها: " ومن همَّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه " فإن التحقيق أنه لا تعارض بين الروايتين، لأن من همَّ بالسيئة فلم يعملها لأنه راجَعَ نفسه، وقاوم همَّه بفعلها، تُكتب له حسنة. ومن همَّ بها فلم يعملها لعجز منه عن فعلها فحسبه فضلاً من الله عليه ألا تكتب ضمن سيئاته!…

 

يشهد لهذا تلك الرواية الأخرى. وقد خرَّجها مسلم في صحيحه عن محمد رسول الله – صلى الله عليه وسلم-  قال: "قال الله عزَّ وجل: إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشر أمثالها. وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جرَّاي " أي: من أجلي.

 

ففي هذه الرواية تفرقة بين ثلاث حالات لمن يهم بالسيئة: حالة الفعل، وحالة عدم الفعل، وحالة الترك، وإنما يقصد بالأخيرة مقاومة الهمِّ بهم آخر، فهي إذن دعوة إلى أعمال إرادة الخير وتربية عليا للإرادة الإنسانية!.

 

وهو رابعاً: يبني التكليف على شرطين أساسيين وهما البلوغ والعقل، فلا يخاطب بالتكاليف إلا من يقدرون على الفهم، ويستطيعون الأداء، وإنما يكون الأداء بالإرادة، فالتكليف إذن اعتبار لإرادة الإنسانية، وتربية لها.

 

ويتضح هذا في قوله – صلى الله عليه وسلم- : "إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه" ذلك أن المخطئ والناسي والمكره لم يريدوا ما وقع منهم، فلا يؤاخذون به.

 

وإذا كان إعفاء العجزة والمرضى من الأداء لوناً من اعتبار الإسلام لإرادة الإنسانية وطاقاتها. فإن حساب القادرين المريدين لون آخر من ألوان هذا الاعتبار، وهو لون فيه إلى جانب التكليف والمطالبة توجيه، وتربية، وتكريم.

 

وهو خامساً: يشرع من الأعمال ما يكوِّن الإرادة الإنسانية، ويقوِّيها ويشحذها، فالصلاة فريضة تحتاج إلى التطهُّر المادي والروحي، وتقوم على استجماع القلب، واتِّصاله بالله في شبه فناء فيه، وهي مع ذلك فريضة كل يوم، بل فريضة كل وقت في كل يوم، من حين يصبح الإنسان إلى حين يمسي، فكلما أوشك أن يغفل أو يسهو صاح به المؤذِّن يدعوه إليها، وينبِّه إرادته!

 

والصيام فريضة تقوم على حرمان النفس من كل متعها، وحاجاتها الضرورية، فلا طعام، ولا شراب، ولا شهوة، ولا رفث، ولا صخَب، ولا جهل، ولا جدال. وهو مع ذلك يشغل النهار كله من بزوغ الفجر حتى تغرب الشمس، ويمتد شهراً بأكمله في كل عام… فهل يتصور أو يعقل بدون الإرادة؟ وهل يجرؤ مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر على تركه؟

 

والزكاة. هي أيضاً.  فريضة يطالب بها الإسلام كل من يملك من المال قدراً معيناً: كان هذا المال زروعاً وثماراً، أو ماشية، أو نقداً، أو عروض تجارة. وإن المال لشقيق الروح، فهل يستجيب مسلم إلى الأمر بإخراجه زكاة، وبالتصدُّق به إلا إذا كان ذا إرادة ؟ وهل يعني الأمر بالزكاة وبالصدقة إلا تربية هذه الإرادة وتقويتها؟.

 

والحج فريضة يلزم الإسلام بأدائها كل من استطاع السبيل إلى بيت الله الحرام، وإن فيها من مشقَّة الاغتراب والسفر غالباً، ومن مشقة الأداء دائماًُ ما يؤكد لزوم الإرادة لها، وأثرها هي في التمكين لهذه الإرادة وتقويتها.

 

وهو سادساً: يفرض على كلم مسلم منهجاً في السلوك لا يستطاع الثبات عليه إلا بمعونة الإرادة القوية، فالصدق، والوفاء بالعهد وبالوعد، والأمانة، والعفّة، و العزة، والتواضع، والحِلم، وغيرها كثير. كلها أخلاق للمسلم، لا يتهاون الإسلام في أمرها، ولا يتسامح في ضرورة التمسك بها كثيراً ولا قليلاً، مهما تكن الأسباب والمعاذير.

 

والكذب والخلف والخيانة والطمع، والذلة والاستكبار والغضب، وأمثالها كلها محظورة على المسلم، لا يسمح له بشيء منها مهما قل، ولأي سبب!…

 

وهو سابعاً: يلزم المسلم بالصبر على كل ما ينزل به في حياته من نوائب، ومحن، وكل ما يتعرض طريقه من عقبات، ويلزمه بالشكر على كل ما يستقبل من نعم الله عليه.

 

وما أكثر هذه النعم، وما أعظم ما تقتضيه من حق الشكر.

 

وإذا كان الإنسان، كما وصفه الله تعالى وهو خالقه: بقوله: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا *وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ) [المعارج: 19 – 21]، فما أعظم ما يتطلبه الصبر والشكر إذن من جهد لن يتيسَّر إلا بالإرادة القويَّة. وتربية هذه الإرادة أو تقويتها هي بعض ما يهدف إليه الإسلام من إيجاب الصبر والشكر على كل مسلم.

 

وما أبلغ وأعمق قوله – صلى الله عليه وسلم-  في تصور المؤمن: "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له " ذلك أنه جعل الصبر نتيجة محتومة للضراء، والشكر نتيجة محتومة للسراء، ما دام الإنسان مؤمناً، ولو أنه قال: إن أصابته سراء فشكر كان خيراً له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له. لكان هناك احتمال أن تصيب الضراءَ المؤمنُ فلا يصبر، وأن تُصيبَه السراء فلا يشكر.

 

ونستطيع أن نتبيَّن مدى حرص الإسلام على تربية إرادة المسلم بالصبر والشكر إذا نحن ذكرنا أن مادة الشكر قد وردت في أكثر من ستين موضعاً في القرآن الكريم، ومادة الصبر قد وردت فيه أكثر من مائة مرة!…

 

وهو ثامناً: قد شدَّد النكير على المنافقين، وأعلن الحرب على النفاق بجميع صوره، لأن النفاق. في حقيقته. نوع من ضعف الإرادة في الإنسان، لا يرضاه الإسلام له، بل يربأ به أن ينجر إليه!…

 

وكما عاب على الكفار أن ينافقوا المؤمنين فيظهروا لهم الإيمان وقلوبهم منطوية على الكفر. عاب على المسلمين أن يراءوا بأعمالهم، وقرر أن الرياء مبطل للأعمال، لأن فيه لوناً من ألوان الشرك بالله تعالى، ثم لأنه هو أيضاً لون من ضعف الإرادة في الإنسان، ينبغي.  وقد أكرمه الله بالإسلام. ألا ينحدر إلى هاويته!

 

وهو تاسعاً: يجعل من كل مسلم حارساً على القيم الخلقية في المجتمع، فيلزمه في قوة وحسم بأن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، ويتوعد المجتمع الذي يسكت على المنكر، ويرضى أن يشيع فيه بالعقاب الشديد، يعمُّ الجميع، ولا يقف عند مرتكبي المنكر وحدهم.

 

وإن أبا بكر رضي الله عنه ليقف في المسلمين خطيباً، فيقول لهم: "أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) [المائدة:105].

 

وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم-  يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه. أوشك الله أن يعمهم بعقابه".

 

 

 

 

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات