طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > إشكالية الإبداع في عالمنا الإسلامي

ملتقى الخطباء

(1٬600)
348

إشكالية الإبداع في عالمنا الإسلامي

تاريخ النشر : 1434/01/22
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

وبعيدًا عن الطريقة المعتادة عند كثير من الدعاة والخطباء من ذكر مآثر السلف وأمجاد الماضي وبطولات السابقين، أو الإطناب في ذكر المثالب والعيوب، أو التذرع بقلة الإمكانات وسوء الأحوال وتآمر الخارج، بعيدًا عن ذلك كله، فإن إشكالية الإبداع في حياة أمتنا تحتاج لرعاية كبيرة وبحث مستفيض لإثارة الإحساس والوعي بهذه القضية المفصلية في نهضة أمتنا، فإن ..

 

 

 

 

من أشد الأمراض فتكًا بحاضر العالم الإسلامي ومستقبله؛ مرض الهزيمة النفسية الذي يفتك بعزائم المسلمين وهمم المصلحين ويغتال طموحاتهم ويحطم آمالهم، فإن الشعور بالدونية والإحباط المستمر يولد في النفوس كميات هائلة من اليأس القاتل الذي يجعل المسلمين دائمًا في ذيل الركب الحضاري، والحق أن هذا اليأس والإحباط عادة ما يكون بسبب المحصلات الفكرية والشعورية الراسخة في حياتنا العامة واليومية، والتي تنطق بقوة على حالة التأخر والتخلف الذي عليه الأمة اليوم، فالأمم من حولنا منشغلة بإبداعاتها واختراعاتها اليومية، في الوقت الذي ننشغل نحن فيه في استهلاك من ينتجون ويبدعون ويخترعون بهوس محموم، ما جعلنا في النهاية أمة مستهلكة عالة على من حولها من الأمم، وفي حالة تبعية واحتياج دائم للغير. 

وبعيدًا عن الطريقة المعتادة عند كثير من الدعاة والخطباء من ذكر مآثر السلف وأمجاد الماضي وبطولات السابقين، أو الإطناب في ذكر المثالب والعيوب، أو التذرع بقلة الإمكانات وسوء الأحوال وتآمر الخارج، بعيدًا عن ذلك كله، فإن إشكالية الإبداع في حياة أمتنا تحتاج لرعاية كبيرة وبحث مستفيض لإثارة الإحساس والوعي بهذه القضية المفصلية في نهضة أمتنا، فإن فقد الوعي بأي شيء مهم يحوّله إلى شيء تافه لا قيمة له، ويخرجه من قائمة الأولويات والاهتمامات ليروح في طي النسيان عبر السنين.

وإن مواجهة هذا التصدع المتنامي في الهوية والشخصية الإسلامية الناجم من تفاقم مشاعر اليأس والإحباط لن يكون إلا بالتعاون بقوة لحل إشكالية الإبداع وتنمية ملكاته والاستثمار فيه، فالإبداع هو المحرك الرئيس لسائر الأنشطة المثمرة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، لذلك كانت الخطوة الأولى في بناء منظومة الإبداع المنهجي تبدأ في معالجة أوجه القصور والأوهام المغلوطة عن قضية الإبداع؛ ومن أهمها:

1ـ الإبداع موهبة واكتساب؛ فكثير من الناس ينظر إلى الإبداع على أنه محض موهبة ومنحة من الله -عز وجل-، ويهملون الجانب الكسبي في القضية، فمن آتاه الله -عز وجل- حظًّا وقدرًا من الإبداع فهو المحظوظ، ومن حرمه فهو المحروم، وليس عليه أن يجتهد للوصول إلى الإبداع لأنه ببساطة قد حرم منه، وهذا وهم كبير، فالتاريخ يشهد لكثير من العباقرة ببدايات متواضعة وأوليات لا تنم عن عبقرية مبكرة، ولكنهم كانوا على استعداد للتطور والوصول إلى الإبداع، ومع التعليم والتدريب والصقل والتنمية المتواصلة أصبح في مصاف المبدعين، وتكشف لنا الإحصائيات العديدة عن ارتفاع مستوى ذكاء الطفل العربي والمسلم عن أقرانه في الغرب، ولكنه لا يحافظ على هذا التفوق بسبب منظومة التعليم المهترئة والإهمال الأسري، تكشف عن كذب هذا الوهم.

2ـ أن كثرة النواهي والأوامر داخل محيط الأسرة تقتل أو تضعف موهبة الإبداع عند الطفل، لا تنميه كما يعتقد الكثيرون، فافعل أو لا تفعل، واحذر واترك واسكت واهدأ، وغيرها من أفعال الأمر التي يلقيها الأب والأم على الطفل كلما تحرك أو أقدم على فعل شيء تجعله لا يحسن شيئًا سوى الخنوع والامتثال، وبالتالي لا يستطيع أن يخرج عن السياق العام لأسرته، وهذا ما أثبته الإحصائيات فعلاً والتي دلت على تناقض الإبداع مع سن الطفل، وأن الأسر ذات الطابع الوظيفي المعين عادة ما سيسير أبناؤها على نفس الدرب، فلو كان الآباء موظفين حكوميين كان الأبناء موظفين مثلهم، ولو كانوا أصحاب تجارة أو صناعة معينة كان الأبناء على نفس الدرب، ونادرًا ما يخرج الأبناء عن السياق العام لأسرهم، وذلك بسبب الوأد المبكر لأي محاولة من الأبناء لفعل ما هو جديد، ولا يفهم من هذا الكلام أنه دعوة لعقوق الوالدين وعدم إطاعة أوامرهم، فالخطاب أساسًا موجه للآباء والأمهات وليس للأبناء، وذلك من أجل تخفيف القبضة الحديدية على أبنائهم، وترك مجال لفسحة الإبداع في خيالهم الذي ربما يكون عامرًا بما ينفع الأمة في المستقبل القريب.

3ـ المخالفة ليست كلها شر؛ ذلك لأن المبدع عادة ما يفكر بطريقة مختلفة عن غيره من البشر، فهو يري ما لم يره عامة الناس في الأشياء والظواهر والأحداث، فثمة سمات مشتركة بين المبدعين تجعلهم مختلفين عن غيرهم؛ من أهمها: التفكير غير التقليدي، والمثابرة على التجريب، والإصرار الدؤوب، وقوة الملاحظة، والمقدرة العالية على الربط واستخراج النتائج، والروح الوثابة التي لا تعرف اليأس والإحباط، وهذه السمات غائبة عن معظم الناس، لذلك فالمبدعون عادة ما يكونون غرباء في أوطانهم، وينظر إليهم الآخرون على أنهم مختلفون وربما اتهموهم بالجنون.

4ـ الإبداع لا يتوقف على إنفاق المال بسخاء فحسب، إنما هو منظومة متكاملة تتناغم فيما بينها من أجل إخراج الشخص المبدع، منظومة تربوية وتعليمية واجتماعية وثقافية، تهيئ البيئة المناسبة لنبت المبدعين، فتنشيط الإبداع وتهيئته محاضنه الأساسية من بديهيات الأمم الباحثة عن الرقي والتقدم، وهو يتطلب ثورة في التفكير وثورة في مناهج التعليم وطرق التدريس، وتحويل المدارس بمراحلها كلها لمراكز إنتاجية وإبداعية كما هو الحال في التجربة الصينية، حيث تلزم الحكومات هناك إدارات المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية، تلزم كل مدرسة بتخريج عدد معين من المخترعين والمبدعين، إنتاج سلعة معينة تسهم في الناتج القومي الصيني، ومنها أيضًا زيادة الاهتمام بالبحث العلمي بزيادة المخصصات المقدرة له في ميزانيات الدول، ولعل هذه النقطة تحديدًا تفسر لنا سر التقدم العلمي والتقني الذي عليه الغرب الذي ينفق أكثر من 3% من ناتجه القومي على البحث العلمي، في حين ينفق العرب والمسلمون 2 في الألف وأقل من ذلك على البحث العلمي، ما أدى في نهاية الأمر لأن تسجل براءة 16 ألف اختراع في كوريا الجنوبية وحدها وسكانها 44 مليون نسمة، في حين يسجل العرب 500 براءة فقط وتعدادهم يفوق الثلاثمائة مليون نسمة!!

إشكالية الإبداع في عالمنا العربي والإسلامي تحتاج حاليًا إلى نماذج عملية تفتح آفاقًا جديدة في بيئة عانت طويلاً من الإهمال والإحباط، وترشد الناس إلى الإمكانات الكامنة والمواهب الدفينة، كما تحتاج إلى أن يتجلى الإبداع في هيئات ومؤسسات حاضنة له وراعية لإمكاناته، حيث لا قيمة للأفكار الإبداعية والمعلومات المدهشة، إشكالية الإبداع عندنا تحتاج إلى مزيد من التركيز في التفكير والتدريب وحشد الطاقات، والتركيز على إيجاد النموذج الإبداعي الذي يتأسى به الناس ويدفعوا بأبنائهم نحو الاقتداء به، وهذا النموذج ليس متجسدًا في شخص بعينه، فهو الأسرة النموذجية والحضانة النموذجية والمدرسة النموذجية والجامعة النموذجية، والمصنع النموذجي والمؤسسة الإنتاجية والتجارية النموذجية والمستشفى النموذجي، وهكذا في سائر مناحي الحياة، فالنموذج الإبداعي يرفع سقف الطموحات في المجتمع، ويرقى بمعدلات الجودة، وبالتدريج ومع الوقت يسود النمط النموذجي في الحياة.

إن التفكير والإبداع والتجديد والنهوض كلها أمور شاقة باهظة الكلفة، ومن هنا فإن الناس في حاجة ماسة لأن يتحول الإبداع لجزء من حياتهم وأساليب معيشتهم، وهذا حتمًا سيتطلب إحداث تغييرات ثورية وجوهرية في مختلف مناحي الحياة، تغييرات يشارك فيها جميع المخلصين والمصلحين والحالمين بنهضة هذه الأمة واستعادة ريادتها الإبداعية التي أشرقت شمسها على العالم لقرون.
 

 

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات