طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > الدعاة ومواجهة ثقافات العولمة

ملتقى الخطباء

(2٬196)
341

الدعاة ومواجهة ثقافات العولمة

تاريخ النشر : 1433/09/07
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

للدعاة وأهل العلم والبصيرة: في الأمة العديد من المهام الاجتماعية أبرزها المهمة الرقابية على مستجدات الوضع الاجتماعي، وما يطرأ على هذا المجتمع من اختلالات أخلاقية وسلوكية بسبب ظهور العديد من الثقافات الدخيلة والتي تسربت للأمة عبر منظومة العولمة التي فُرضت على الأمة فرضا مع اختلال موازين القوة ورجحانها لصالح ..

 

 

 

 

للدعاة وأهل العلم والبصيرة: في الأمة العديد من المهام الاجتماعية أبرزها المهمة الرقابية على مستجدات الوضع الاجتماعي، وما يطرأ على هذا المجتمع من اختلالات أخلاقية وسلوكية بسبب ظهور العديد من الثقافات الدخيلة والتي تسربت للأمة عبر منظومة العولمة التي فُرضت على الأمة فرضا مع اختلال موازين القوة ورجحانها لصالح الغرب الذي انتصر وتمكن من فرض منهجه وثقافته، وكما قال ابن خلدون " ويل للمغلوب من الغالب ".

هذه الثقافات الدخيلة المحمولة على ظهور العولمة أفقدت المجتمعات الإسلامية الكثير من ملامحها وخصائصها الأصيلة، وشوهت هويتها، وحادت بخصوصيتها، ونضبت معها مقومات الاستقرار والطمأنينة الاجتماعية، ذلك أن الثقافات الدخيلة والمستوردة أحدثت أنواعا مختلفة من الشك وسوء الظن وفقدان الثقة المتبادلة بين الناس، بسبب غلبة هذه الثقافات على روح التعامل اليومي في المجتمع.

الثقة هي رأس مال الاستقرار الاجتماعي والذي إذا فقد لن تستطيع الأمة أن تستعيده إلا بعد عدة أجيال، وثقافات العولمة تستهدف هذه الثقة بألوان مختلفة من الغزو الفكري والاحتلال النفسي، ومن أبرز هذه الثقافات:

أولا: ثقافة الاستهلاك؛ وهي من أسوأ إفرازات وتداعيات العولمة، هي ثقافة منهكة للأمم، قاتلة للإبداع والإنتاج، هي الثقافة التي تجعل الشعوب لا تحسن إلا فتح صناديق البضاعة المستوردة، ولا تجيد إلا الاستهلاك والبحث عن المستهلكات، تلهث وراء شهواتها ونزواتها، خبيرة في فنون اللذة، هذه الثقافة تم تصديرها عمدا إلى مجتمعاتنا الإسلامية لتفقد قابليتها نحو التقدم والرقي، المجتمع الاستهلاكي ترتفع فيه قيم الإنفاق غير الراشد الذي يدفع نحو أمراض اجتماعية شتى من التبذير والإسراف والتنافس على المال والتكالب عليه بشتى السبل، مما يفتح الباب على مصراعيه نحو الجريمة والخرق الأمني، والكسب غير المشروع، ثقافة الاستهلاك التي تستهدف معظم شعوب الدول المسلمة، تعتبر وسيلة من وسائل إرغام هذه الشعوب حتى تظل على الدوام تستجدي جميع وسائل الترفيه من الدول الكبرى، مقابل استنزاف ثرواتها الوطنية، وضمان عدم يقظتها لتدرك ما فاتها في ركب الحضارة، وكل ذلك يقودها في النهاية إلى الهاوية.

إن تحويل المجتمع الاستهلاكي إلى مجتمع منتج يحتاج إلى إعادة نظر في الكثير من السياسات التربوية والتعليمية والكثير من القناعات الشخصية، للحد من السلوكيات الاستهلاكية التي لا ترتبط أحيانا بالاحتياجات الضرورية بقدر ارتباطها بالتقليد أو المظهر الاجتماعي، فتأصيل سلوك الترشيد، يحتاج إلى خطط عملية تسايرها توعية شاملة، ولابد أن تتضافر جهود كل الجهات المعنية للقيام بهذه المهمة، وفق استراتيجية مدروسة تبدأ مع البدايات الأولى للتعليم والبيت، وتستمر في المدرسة والمسجد ووسائل الإعلام، ويضطلع فيها الدعاة بأكبر الأدوار.

ثانيا: ثقافة الصورة؛ بداية لابد من الاعتراف بأن الجانب الأكبر من التكوين الثقافي للأمم في العصر الحالي، باتت تشكله الصورة، عن طريق الآلة الإعلامية الجبارة التي تسيطر عليها الدول الكبرى، لقد باتت الصورة جزءًا من الواقع اليومي في زماننا، وربما صارت بديلاً له، بل حتى أداة تصنيع لعالم افتراضي ينوب عن العالم الحقيقي لأهداف وغايات لا يمكن أن تكون حميدة في معظمها.

فالصورة تعيد إنتاج العالم فتغدو حدثا محسوسًا مما يقوي من دورها ويفرض وصايتها على المشاهد الذي تبتلعه بهيمنتها ولا تدع له فرصة للتأمل، وهي بالطبع وافد يحمل في جعبته من الخبايا ما يحمل، ولقد ذهب أحد المفكرين الغربيين وهو "جيديبور" إلى القول إن المنتج الأساس للمجتمع الحديث هو مجتمع المشاهدة، وفي هذا الطريق أيضا يذهب البعض إلى القول إن العولمة ماهية إلا صنيعة الصور المتبادلة عبر الوسائط الإلكترونية، وترتب على ذلك تغيرات في وسائط الاتصال التقليدية أتاحت مصادر جديدة لتخيل الذات والآخر، بل إنها لا تتوقف عند حدود مجرد الاتصال، بل تمارس التأثير بأكثر الأدوات نفوذًا ومكرًا، وهي الصورة، ومن ثم تمارس إعادة الصياغة الثقافية للبشر تبعًا لإرادة صانعي الصور ومروجيها، وهذه الصياغة لا تتوقف عند أنماط التفكير المسايرة لإرادة المهيمنين، بل تمتد إلى صياغة تقاليد وافدة في الطعام والشراب واللباس والمسكن وحتى في السلوك العام اليومي.

وهكذا لم تعد الصورة مجرد أطياف من أثير بل أصبحت أداة حفر وتشكيل وصياغة لمتلقيها، أي: إخضاعا لاشعوريا لإرادة خارج الذات التي لا تصنع أو لا تشارك في صنع هذه الأداة، وثقافة الصورة بهذا المنظور تعد وسيلة للقطيعة مع أشكال الماضي كافة، وقلبا للهويات الثقافية الخاصة با لشعوب التي لم تعد تصنع حاضرها وتاريخها، بل يصنعهما لهم الآخرون الأقوى بمعايير عالم اليوم، وصناعة الصورة هي واحدة من معايير القوة لدى القوى المهيمنة الآن، إذا نحن أمام نوع جديد من الثقافات الواردة شديد الخطورة، وتكمن خطورته في أنه يلتهم الثقافات الراسخة للمجتمعات المسلمة، ويحيلها إلى نوع من التراث والتاريخ، ويجعلها أسيرة لما تمليه الصورة، والأخطر من ذلك أن ثقافة الصورة تنشر أخلاق وفكر الغربيين بكل ما يحمله من مساومات وخديعة وإبراز محاسن وإخفاء معايب، وآخر الإحصائيات عن الإنفاق الغربي على الإعلان والدعاية بلغ 600 مليار دولار في العام الماضي، لتمرير كل هذه الثقافات العاصفة بكل ثوابت الأمة.

هذه الثقافات القاتلة للهويات والمرجعيات والثقافات الأصيلة تعتمد في رواجها على ضعف المنتج الأصيل أو فقدان الثقة في حامل هذا المنتج، لذلك من المسؤوليات الأساسية للخطاب الإسلامي اليوم تقديم الداعية الذي يعزز ويدعم الثقة القائمة، ويستعيد ما فُقد منها تحت القصف الإعلامي، هذا الداعية عليه أن يواجه هذه الثقافات الواردة بالالتزام التام بالصدق وبشكل خالي من العوارض المجيزة لنقضه، ومطابقة أفعاله لأقواله، على الداعية أولوية خدمة الحقيقة، والنصح الخالص للمجتمع والأمة، فالناس يحتاجون إلى من يطمئنون إليه ويصدقونه ليس في خطاباته ورسائله، ولكن أيضا في مواقفه، ولو اضطر الداعية لاتخاذ مواقف مغايرة لما يعتقد صحته، أو عجز عن الصدع بالحق، فعليه عندئذ أن يسكت ولا يتكلم، حيث لا ينسب لساكت قول، وهذا من باب أخف الضررين، وذلك في سبيل أن لا يخالف قوله فعله.

الدعاة لابد أن يعلموا أن أهم ركيزة في بناء الثقة الاجتماعية ومواجهة ثقافات العولمة؛ هي المزيد من الاهتمام بالمعنويات والاعتبارات الأخلاقية، وتخفيف الاعتماد على الماديات التي يسيطر عليها ويحدد مسارها واضعو الثقافات المستوردة، فنحن نمتلك المنهج الأسمى والأرقى في التعامل مع الأسرار الغامضة والدقيقة في التعامل مع الحياة والكون، ولابد أن نرتقي للمكانة اللائقة بهذا المنهج.

وكما أن الغرب يعتمد على قوة الإعلام في نشر العولمة فعلى الدعاة أيضا أن يواجهوا تلك الثقافة بإعلام قوي لنشر الثقافة والقيم الإسلامية التي تحصن المجتمع الإسلامي من ثقافة
العولمة وإلا فسوف يكون المجال رحبا وواسعا أمام ثقافة العولمة ولا يقتصر دور الدعاة في المساجد فقط بل لابد من غزو الفضاء وإيصال الثقافة الإسلامية الأصيلة إلى أكبر شريحة في العالم.

 

 

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات