طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > سلسلة معالم الشخصية الربانية (5) التواضع وهضم النفس

ملتقى الخطباء

(3٬509)
335

سلسلة معالم الشخصية الربانية (5) التواضع وهضم النفس

تاريخ النشر : 1433/08/06
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

فما أجمل التواضع، به يزول الكبر، وينشرح الصدر، ويعم الإيثار، وتزول القسوة والأنانية والتشفي وحب الذات، ويطبع تصرفات المؤمن وأعماله وعواطفه بسمات الوداعة والنبل واللين والسماحة وحسن المعاملة، ويبدو أثره في حركاته وسكناته وطريقة جلوسه وقيامه ومشيه وكلامه ورنات صوته وخلجات…

 

 

 

 

فمن أخلاقيات وصفات الشخصية الربانية التواضع أو معرفة قدر النفس وهضم الذات، وهو خلق حميد، وجوهر لطيف يستهوي القلوب، ويستثير الإعجاب والتقدير وهو من أخص خصال المؤمنين المتقين، ومن كريم سجايا العاملين الصادقين، ومن شيم الصالحين المخبتين. 

إن لفظ التواضع يدل على خفض الشيء وحطه، والضعة خلاف الرفعة، يقال: فلان وضع نفسه، أي حطها عن قدرها، وتواضع القوم على الشيء إذا تنازل كل منهم عن بعض مواقفه واتفقوا على رأي جامع بينهم، وتواضع الرجل إذا تذلل وتكلف الانخفاض، وتواضعت الأرض انخفضت عما يليها (1). فالتواضع هو تكلف المرء الانخفاض عن قدره رحمة بغيره وتأليفا لقلوبهم.

وسئل الجنيد عن التواضع فقال: خفض الجناح ولين الجانب. وقال ابن المبارك: التكبر على الأغنياء والتواضع للفقراء من التواضع . وقيل لأبي يزيد متى يكون الرجل متواضعا قال إذا لم ير لنفسه مقاماً ولا حالاً ولا يرى أن في الخلق من هو شر منه (2).

وقد عرفه ابن القيم بأنه: الذي يتولد من بين العلم بالله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوته وجلاله وتعظيمه ومحبته وإجلاله، ومن معرفة النفس وتفاصيلها وعيوب عملها وآفاتها؛ فيتولد من ذلك خلق التواضع، وهو انكسار القلب لله وخفض جناح الذلة والرحمة بعباده؛ فلا يرى له على أحد فضلا ولا يرى له عند أحد حقا، بل يرى الفضل للناس عليه والحقوق لهم قبله؛ وهذا خلق إنما يعطيه الله عز وجل من يحبه ويكرمه ويقربه (3).

فالتواضع خلق مرجو النفع في الدنيا والآخرة، يقوي الثقة بين الناس، ويشعرهم بحقوقهم نحو بعضهم، ويشيع في جموعهم روح الألفة والمودة والتعاون؛ وهو فوق ذلك وصية الله سبحانه لخلقه، وباب جنته، وسبيل طاعته، به تتحقق العبادة الصادقة، كما أن به يتحصن المرء من المعاصي، لأن موردها جميعا خلق التكبر والتعالي، كما هو شأن أول معصية ارتكبت في الملأ الأعلى إذ رفض إبليس – لعنه الله – أمر السجود لآدم تكبراً واستعلاءً قال الله تعالى: (قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) [الأعراف:12]، فكان عاقبة أمره أن طرد شر طرد كما قال سبحانه: (قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ) [الحجر:34]، لذلك لا يجتمع الكبر والاستسلام لله تعالى في قلب أبداً، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثال ذرة من كبر» (4). ولهذا قال الله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) [غافر:60] فأمر بالعبادة وتوعد المستكبرين بالنار.

وما ترك امرؤ التواضع وترفع على من هو دونه إلا ابتلي بالذلة لمن فوقه، وما استطال على الضعفاء إلا تصاغر أمام الأقوياء، ناهيك عما في الكبر من خطيئة وظلم، لأنه منازعة لله تعالى في صفاته، إذ الكبرياء والعظمة له وحده سبحانه، وفي الحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم عن رب العزة يقول تعالى: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار» (5).

فما أجمل التواضع، به يزول الكبر، وينشرح الصدر، ويعم الإيثار، وتزول القسوة والأنانية والتشفي وحب الذات، ويطبع تصرفات المؤمن وأعماله وعواطفه بسمات الوداعة والنبل واللين والسماحة وحسن المعاملة، ويبدو أثره في حركاته وسكناته وطريقة جلوسه وقيامه ومشيه وكلامه ورنات صوته وخلجات جوارحه.

لذلك قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة، التواضع (6).

وقد جبلت النفوس على كره من يستطيل عليها ويستصغرها، كما جبلت على النفرة ممن يتكبر عليها ويتعالى عنها، أو يكثر الحديث عن نفسه حتى ولو كان ما يقوله حقاً وصدقاً، فإن هذا يتنافى مع خلق التواضع وإنكار الذات.

فينبغي لرباني الأمة ومحل القدوة ألا يدعي شيئا يدل على تعاليه، بل حق عليه أن يعرف أن كل ما عنده من علم وفصاحة هو محض فضل الله عليه فليتحدث بفضل الله لا بفضل نفسه، فإذا أدرك الناس منه ذلك؛ فتحوا له قلوبهم، وتحلقت حوله نفوسهم قبل أجسادهم، ووقع وعظه وتوجيهه منهم موقع القبول والرضا، ونال من الحظوة على قدر إحسانه وقصده.

صور من التواضع

• من التواضع الذي قد يغفل عنه الداعية وهو مهم وضروري: طاعة من أمره الشرع بطاعته كالأمير ومن يتولى شؤونه أو تعليمه، وأن لا يستنكف عن هذه الطاعة ولا يحس منها بغضاضة ولا يمنعه منها كبر خفي في نفسه فيرفضها ويستثقلها أو يتهرب منها بتأويلات فاسدة هي في حقيقتها من إيحاءات الشيطان كأن يقول: هذا الأمير أو المعلم غير صالح ولا كفء أو صغير أو أنا أعلم منه وأكفأ أو هذا المعلم لا يصلح للتعليم ونحو ذلك، وليتذكر جيداً تأمير رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد فقد كان شاباً عمره سبع عشرة سنة مولى من الموالي على جيش كان فيه سادات المهاجرين والأنصار وكبارهم كعمر بن الخطاب وعثمان وعلي وغيرهم من كبار الصحابة وعلمائهم.

ذكر ابن إسحاق: عن عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استبطأ الناس في بعث أسامة بن زيد ، وهو في وجعه فخرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر وقد كان الناس قالوا في إمرة أسامة : أمر غلاما حدثا على جلة المهاجرين والأنصار. فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال أيها الناس أنفذوا بعث أسامة ، فلعمري لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله وإنه لخليق للإمارة وإن كان أبوه لخليقاً لها (7) ثم خرج أبو بكر حتى أتاهم فأشخصهم وشيعهم وهو ماش وأسامة راكب وعبد الرحمن بن عوف يقود دابة أبي بكر ، فيقول أسامة: يا خليفة رسول الله! لتركبن أو لأنزلن، فيقسم الخليفة: والله؛ لا تنزل، ووالله؛ لا أركب، وما علي أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة؟!. – وكأن أبا بكر ما غبر قدمه إلا تلك الساعة، وهو منذ أن عرف لا إله إلا الله مغبر قدمه ورأسه وجسمه في سبيل الله عز وجل، فرضي الله عنه وأرضاه، ثم قال: إن رأيت أن تعينني بعمر؛ فافعل! فأذن له فعاد (8).

• ومن التواضع الانقياد للحق: إن روح التواضع هي أن ينقاد العبد لصولة الحق، ويخضع له، ولا يتعالى عليه ولا يرده، بحيث متى بان له الحق خضع له ولم يبتغ سواه بديلاً ، فهو يسير وفق منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ، وقد فسر النبي – صلى الله عليه وسلم- الكبر بضده فقال: «..الكبر بطر الحق وغمط الناس» (9). فبطر الحق: رده وجحده، وغمط الناس: احتقارهم وازدراؤهم، ومتى احتقرهم، وازدرأهم: دفع حقوقهم، وجحدهم واستهان بهم. وإذا كان المتكبر يجحد الحق ويرده ولا يذعن له فإن المسلم المتواضع يفقه جيداً معنى قول الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى وقد سئل عن التواضع فقال: التواضع أن تخضع للحق وتنقاد له ولو سمعته من أجهل الناس قبلته.

بل نقبل الحق ولو من الكافر، فعن قتيلة امرأة من جهينة: أن يهودياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تنددون وإنكم تشركون تقولون ما شاء الله وشئت وتقولون والكعبة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا ورب الكعبة ويقولون ما شاء الله ثم شئت (10).

ولم يجد النبي صلى الله عليه وسلم أي غضاضة من قبول تنبيه اليهودي لأنه حق، وأخذ به، وأمر أصحابه به واعتمده، وهكذا يقبل الحق من أي مكان جاء، ومن أي شخص مهما كان كبيراً أو صغيراً، وعلى هذا جرى الأئمة.

وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: لا يمنعك قضاء قضيته، ثم راجعت فيه نفسك ، فهديت لرشده أن تنقضه ، فإن الحق قديم لا ينقضه شيء ، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل (11). ولذلك أقر موسى عليه السلام بخطئه لما ذكره به فرعون لعنه الله، قال فرعون لموسى: (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ) [الشعراء:18،19] أي عندما قتلت ذلك القبطي، قال موسى عليه السلام: (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) [الشعراء:20] فاعترف أنه فعلها على ضلالة، أي جهل وخطأ ليس كفراناً بنعمة فرعون، وذلك قبل أن يوحى إليه، ولما قال الخضر لموسى عندما تسرع موسى، ولم يفِ بعهده للخضر في الصبر على ما يجري قال الخضر: (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً) [الكهف:72-73]، فجمع بين الإقرار والاعتذار، وهذا من خلق موسى عليه السلام.

وعن محمد بن أبي حاتم قال: قلت لأبي عبد الله- يعني البخاري- كيف كان بدء أمرك ؟ قال: ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب. فقلت: كم كان سنك ؟ فقال: عشر سنين، أو أقل. ثم خرجت من الكتاب بعد العشر، فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره. فقال يوما فيما كان يقرأ للناس: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم، فقلت له: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم.

فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل. فدخل فنظر فيه، – وكان يحدث من حفظه في الدرس- ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي، عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأحكم كتابه، وقال: صدقت. فقيل للبخاري: ابن كم كنت حين رددت عليه ؟ قال ابن إحدى عشرة سنة (12).

وقال عبد الرحمن بن مهدي كنا في جنازة فسألت عبيد الله بن الحسن عن مسألة فغلط فيها فقلت له أصلحك الله أتقول فيه كذا وكذا فاطرق ساعة ثم رفع رأسه فقال إذا ارجع وأنا صاغر لأن أكون ذنبا في الحق أحب إلي من أن أكون رأسا في الباطل (13).

هكذا كانت سنة الأئمة وأهل العلم في الرجوع عن الخطأ عند التنبيه عليه، يعترفون به ، ويعلنون ذلك بل ويكرمون من نبههم على خطأ ، فيجب أن يكون عندنا افتقار إلى الحق، وأن نشعر أننا محتاجون إليه، وأننا لا غنى لنا عنه.

• ومن التواضع والتجافي عن الكبر عدم الانقباض عن الناس فإن هذا من تلبيس إبليس وخداعه كما قال ابن القيم رحمه الله: أنه يأمر الرجل بانقطاعه في مسجد أو رباط أو زاوية أو تربة ويحبسه هناك وينهاه عن الخروج ويقول له: متى خرجت تبذلت للناس وسقطت من أعينهم وذهبت هيبتك من قلوبهم وربما ترى في طريقك منكراً وللعدو في ذلك مقاصد خفية يريدها منه : منها الكبر واحتقار الناس وحفظ الناموس وقيام الرياسة ومخالطة الناس تذهب ذلك وهو يريد أن يزار ولا يزور ويقصده الناس ولا يقصدهم ويفرح بمجيء الأمراء إليه واجتماع الناس عنده وتقبيل يده فيترك من الواجبات والمستحبات والقربات ما يقربه إلى الله ويتعوض عنه بما يقرب الناس إليه (14).

• التواضع مع الأقران:

من صور التواضع أيضاً أن يكون الإنسان متواضعاً مع أقرانه، فكثيراً ما يثور بين الأقران روح المنافسة، والغيرة والحسد، فتجد الإنسان ربما يستعلي على أقرانه، وربما يفرح بالنيل منهم، والحط من قدرهم، وعيبهم ببعض ما فيهم، أو تضخيم بعض العيوب، أو ادعاء عيوب ليست فيهم, والمظهر مظهر النصيحة، والتقويم والحقيقة أن هذا الإنسان يغار.

والعجيب أن الداعية، وطالب العلم يغار من أقرانه، لكن ليس بالقدر الذي يغار من أعدائه! فقد يغار من داعية آخر أنه اجتمع عنده في مجلس درسه أو تعليمه عدد من المستمعين، لكن لا يغار إذا سمع أن مباراة رياضية حضرها آلاف، فيصيبه حزن إذا سمع بكثرة الذين حضروا الموعظة أو الدرس، لكن لا يحزن إذا سمع بكثرة من يحضرون حفلاً غنائياً، أو مباراة رياضية، أو ما أشبه ذلك من المناسبات المنحرفة.

• التواضع مع أهل الدون والفسق

ومن التواضع أن تتواضع مع من دونك، فإذا وجدت أناساً يصغرونك سناً، أو قدراً، فلا ينبغي أن تنظر إليهم على أنهم أقل منك، فقد يكون أسلم منك، فربما وقعت في ذنوب لم يقع فيها، لهذا فقد يكون أقرب إلى الله منك.

وإن رأيت إنساناً فاسقاً، وأنت رجلٌ ظاهرك الصلاح، فلا تستكبر عليه ؛ بل احمد الله على أن نجاك مما هو فيه، ثم تذكر أنه قد يكون في عملك الصالح من العجب أو الرياء ما يحبطه، وقد يكون عند هذا الإنسان من الانكسار، والذل، والندم، والخوف بسبب معصيته ما يكون سبباً في غفران ذنبه.

وقصة عابد بني إسرائيل خير شاهد على هذا، فكان يقول: والله لا يغفر الله لفلان – لأنه رجل أسرف على نفسه في فعل المعاصي- فقال الله تعالى: «من ذا الذي يتألى عليّ ألا أغفر له، فإني قد غفرت له، وأحبطت عملك» (15).

ففي أحيان كثيرة يعامل الدعاة أهل الفسق بأسلوب لا يدعو إلى الاستجابة، لكن لو أنه ثار في نفسه هذا الشعور أنه قد يكون عند هذا الفاسق طاعات ليست عنده، وحسنات ليست له، وقد يكون عنده عيوب ليست عنده، فسوف يعامله برفق وتدرج في الدعوة، وتلطف معه.

• التواضع عند فعل الخير

من التواضع أن تتواضع إذا عملت خيراً من طاعة أو قربة، فلا يدعوك هذا إلى العجب، لأن هذا العمل قد يكون غير مقبول، لسبب من الأسباب، فلا تستكبر به، ولا تمن به على الله جل وعلا.

ولقد كان السلف ـ رضي الله عنهم ـ على الرغم من تواضعهم الجمِّ، إذا ما وجدوا من أنفسهم ما يشتمُّ منه رائحة زهو أو اعتداد بالنفس؛ يسارعون إلى تمثل أفعال المتواضعين، ليكفكفوا نفوسهم ويكبحوا جماحها.

قال عروة بن الزبير رأيت عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما- على عاتقه قربة ماء فقلت: يا أمير المؤمنين، لا ينبغي لك هذا، فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين، دخلت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها. فعل هذا ـ رضي الله عنه ـ وهو في التواضع إمام ومَثَلٌ..

• من التواضع أن تكون منصفاً مع نفسك ومع الآخرين: فعن بكر قال: كان الربيع يقول لخادمه: عليّ نصف العمل وعليك نصف، وعليّ كنس الحش(17).

• وعن رجاء بن حيوة قَالَ : سمرت ليلة عند عمر بن عبد العزيز فاعتل السِّراج , فذهبت أقوم أصلحه ؛ فأمرني عمر بالجلوس ثم قام فأصلحه ثم عاد فجلس , فقال : قمت وأنا عمر بن عبد العزيز , وجلست وأنا عمر بن عبد العزيز , ولؤمٌ بالرجل إن استخدم ضَيْفَه (18).

التواضع مطلوب ولكن في حدوده:

التواضع لا يمنع من العمل والأداء، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس تواضعاً ومع ذلك لم يمنعه أن يجاهد، ويدير الجيوش، ويعلم الناس العلم ويصالح ويحارب ويسالم ويدعو ويخطب ويأمر وينهى، ويقوم بكل الواجبات الشرعية، وكذلك كان أصحابه رضي الله عنهم فابن عباس رضي الله عنه كان متواضعاً شديد التواضع، كثير البكاء من خشية الله تعالى، وكان قد عمي في آخر عمره، قال المعتمر بن سليمان عن شعيب بن درهم قال : كان هذا المكان – وأومأ إلى مجرى الدموع من خديه – مثل الشراك البالي من كثرة البكاء.

وكان يقول:
إن يأخذ الله من عيني نورهما *** ففي لساني وقلبي منهما نور
قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل *** وفي فمي صارم كالسيف مأثور(19).

ومع ذلك كان يقول عند قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) [آل عمران :7] يقول: أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله وكذلك عند قوله تعالى في قصة أهل الكهف: (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) [الكهف:22] يقول رضي الله عنه: أنا من ذلك القليل الذي يعلمهم (20).

فهذا التواضع لم يمنعه من أن يعلم الناس ويبين ما يعرف، بل هذا نبي الله يوسف عليه السلام، وهو المتواضع العارف بحق الله تعالى ومع ما ذكر الله تعالى عنه وشكره لنعم الله يقول كما حكى الله عنه في القرآن: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [يوسف:101].

ومع ذلك كان يقول كما ذكر الله تعالى عنه أيضاً: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)[يوسف:55]. فأعلن أنه يستطيعُ أن يقوم بأمر الوزارة في حكومة العزيز، وما ذلك رغبةً منه في المنصب ولا طمعاً في الدنيا، لكن من أجل أن يخدم دينه وعقيدته ورسالته التي بعث بها.

قال ابن القيم رحمه الله: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية – قدس الله روحه- يقول: العارف لا يرى له على أحد حقا، ولا يشهد له على غيره فضلا؛ ولذلك لا يعاتب، ولا يطالب، ولا يضارب (21).

ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية – قدس الله روحه- من ذلك أمرا لم أشاهده من غيره. وكان يقول كثيرا: ما لي شيء، ولا مني شيء، ولا في شيء. وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت.

أنا المكدي وابن المكدي *** وهكذا كان أبي وجدي

وكان إذا أثني عليه في وجهه يقول: والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت، وما أسلمت بعد إسلاما جيدا.

وبعث إليَّ في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه، وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه.

أنا الفقير إلى رب البريات *** أنا المسكين في مجموع حالاتي
أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي *** والخير إن يأتنا من عنده يأتي
لا أستطيع لنفسي جلب منفعة *** ولا عن النفس لي دفع المضراتي
وليس لي دونه مولى يدبرني *** ولا شفيع إذا حاطت خطيئاتي
إلا بإذن من الرحمن خالقنا *** إلى الشفيع كما قد جاء في الآياتي
ولست أملك شيئا دونه أبدا *** ولا شريك أنا في بعض ذراتي
ولا ظهير له كي يستعين به *** كما يكون لأرباب الولاياتي
والفقر لي وصف ذات لازم أبدا *** كما الغنى أبدا وصف له ذاتي
وهذه الحال حال الخلق أجمعهم *** وكلهم عنده عبد له آتي
فمن بغى مطلبا من غير خالقه *** فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي
والحمد لله ملأ الكون أجمعه *** ما كان منه وما من بعد قد ياتي (22).

وكان – رحمه الله – مع ذلك يقول كلاماً عن نفسه قوياً جزلاً عظيماً، كان يقول: من قام بأمر الإسلام غيري؟! ومن الذي رفع رايته؟ وإنما قال ذلك لما هضم بعض الناس حقه، واتهموه بما هو منه براء، ومن قبل ذكر الله تعالى عن المتقين أنهم كانوا يقولون: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً) [الفرقان:74].

فلا ينبغي أن يكون تواضعك وهضمك لنفسك، ومعرفتك بقدر نفسك، حائلاً دون قيامك بالواجبات، بحيث يصبح مبدأ مستقر يحكم تصرفاتك ، ويحكم مواقفك، فلا تقوم بأي عمل بحجة أنك لا تحسن أدائه، فيكون هذا التواضع المذموم قيد يقعد الإنسان عن الأعمال الصالحة، ولم يكن هذا من هدي سلف الأمة فقد كانوا يزدرون أنفسهم وينسبون الفضل لله لكن لم يقعدهم هذا الشعور عن القيام بأعمال البر والدعوة إلي الله وتعليم الناس.

وكما قيل: وتزعم أنك جرمٌ صغير وفيك انطوى العالم الأكبرُ.

 

كيف يُكتسَب التواضع؟ بل كيف نصيغ به نفوسنا ونصبغها بمادته صبغاً؟

لمدرسة التواضع مقرران متوازيان متلازمان: أحدهما نظري، والآخرعملي.

 

أما النظري:

 

ففي التفكر في التواضع كقيمة رفيعة، وخلق حسن، وسلوك سوي، وفي عاقبته المحمودة، وعاقبة ضده، وهو الكبر.. فالتواضع خير كله، ولذلك لم يورد الشارع استثناء على فضله وندباً إلى ضده إلا في موضع واحد، وهو التبختر والاختيال بين الصفين في سبيل الله، وذلك داخل في قول الله تعالى: (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) [المائدة: 54].

فإذا تأملت التواضع في ذاته، وجدته منسجماً مع الفطرة، تلتذ له النفس، وتستوي على خلقتها؛ فهي في راحة معه من دعاوى المتعالين، وفي عافية من تكلف المتكبرين، وتصنُّع المختالين.. وما للمتواضع لا يجد في تواضعه راحة نفسه وصلاح باله، وقد أبرأه التواضع من مرض الشعور بالنقص، وعوفي به من غوائل الحقد والحسد التي لا تبرح تؤز صاحبها على الدعوى والتصنُّع، وتوهمه أنه بهما سيزاحم الآخرين؟

وإذا تأملت التواضع في ثناء الشارع على أهله، وجدتهم من أهل خاصته، كما قال تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا) [الفرقان: 63]. فسماهم عباد الرحمن، وتلك تسمية أضافهم الله بها إلى أخص أسمائه.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» (23)، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله أوحى إلى أن تواضعوا حتى لا يبغى أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد» (24).

وإذا تأملت التواضع في عاقبة تركه، والابتلاء بضده لم تلق إلا الضعة والضياع.

وأما المقرر العملي:

ففي التمرس على التواضع، وتكلف أفعال أهله، ومجاهدة النفس على ذلك، وانظر إلى خير الناس كيف كان تواضعه، بل كيف كان تواضع صحبه رضي الله عنهم.

لقد كانت سنة الرسول صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية تحريضا دائما مستمراً على التمسك بخلق التواضع.

فكان صلى الله عليه وسلم هين المؤنة، لين الخُلُق، كريم الطبع، جميل المعاشرة، طلق الوجه بساماً، متواضعاً من غير ذلة، جواداً من غير سرف، رقيق القلب رحيماً بكل مسلم، خافض الجناح للمؤمنين، لين الجانب. قال صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بمن يحرم على النار؟ أو بمن تحرم عليه النار على كل قريب هين سهل» (25).

وعن أبي رفاعة تميم بن أسيد رضي الله عنه قال: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله، رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه؟ قال: فأقبل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك خطبته حتى انتهى إلي، فأتى بكرسي حسبت قوائمه حديداً فقعد عليه، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته، فأتم آخرها (26).

وكان صلى الله عليه وسلم لا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة (27). وكان صلى الله عليه وسلم يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم (28). فعن أنس رضي الله عنه، أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انظري أي السكك شئت، أقضي لك حاجتك» فخلا معها في بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها (29). ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه كان يجيب دعوة من دعاه ولو إلى أيسر شيء ولو إلي خبز الشعير قال – صلى الله عليه وسلم-: «لو دعيت إلى كراع لأجبت ولو أهدي إلي كراع لقبلت» (30). وعن أنس رضي الله عنه قال كان صلى الله عليه وسلم يدعى إلي خبز الشعير والإهالة السنخة فيجيب (31). وكان من تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه إذا ركب دابته لا يأنف من أن يردف أحداً معه عليها إن أمكن وإلا تناوب معهم في الركوب عليها.

فركب صلى الله عليه وسلم حماراً عليه إكاف تحته قطيفة فدكية، وأردف وراءه أسامة بن زيد، وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج (32).

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، كان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وكانت عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فقالا نحن نمشي عنك. فقال: «ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما» (33) . فلا يكاد يخلو صلى الله عليه وسلم من شريك له في دابته، يتعاقب معه، أو يردفه عليها، وهذا من كمال تواضعه صلى الله عليه وسلم.

وكان صلى الله عليه وسلم من تواضعه، يخيط ثوبه ويخصف نعله، ويحلب شاته، ويخدم نفسه، فقد سئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله، – تعني خدمة أهله -، فإذا حضرت الصلاة خرج إلي الصلاة (34).

ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم عدم تأنفه في ملبسه، فالمباهاة في الملابس والتزين بها ليست من خصال الشرف فكان صلى الله عليه وسلم يلبس ما وجده ، فيلبس في الغالب: الشملة، والكساء الخشن، والبرد الغليظ. مع قدرته أن يلبس أفخر الثياب وأحسنها وأجودها لو أراد كيف لا وهو القائل صلى الله عليه وسلم: «من ترك اللباس تواضعاً لله، وهو يقدر عليه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق، حتى يخبره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها» (35)، وهو القائل صلى الله عليه وسلم: «البذاذة من الإيمان» (36)، والبذاذة: هي التواضع في اللباس والرضا بالدون من الثياب.

إن كل مظهر من هذه المظاهر دالٌ بمفرده على كماله صلى الله عليه وسلم ثم تواضعه، وأنه مضرب المثل في ذلك، ولما كان كماله لا يدانى فيه، فتواضعه يكون آية نبوته ومعجزة رسالته، وغير مانع محاولة الاقتداء به؛ لأن التواضع من الأخلاق المكتسبة، وبقدر صدق النية والرغبة الصادقة يحصل للعبد ما يرغب فيه من الكمالات المحمدية التي هي موضع الاقتداء به صلى الله عليه وسلم.

أما صحابة النبي صلى الله عليه وسلم فإن من أسمى سماتهم التواضع لبعضهم البعض، فكان أبو بكر رضي الله عنه يخرج إلى السوق يحمل الثياب، فيبيع ويشتري. ومرّ عبد الله بن سلام رضي الله عنه وعلى رأسه حزمة حطب، فقيل له: ما يحملك على هذا وقد أغناك الله ؟! فقال: أردت أن أدفع به الكبر؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». وكان أبو هريرة رضي الله عنه يحمل الحطب وغيره من حوائج نفسه وهو أمير على المدينة ويقول: أفسحوا لأميركم.. أفسحوا لأميركم (37).

وعن طارق بن شهاب قال : خرج عمر بن الخطاب إلى الشام ومعنا أبو عبيدة بن الجراح فأتوا على مخاضة وعمر على ناقة فنزل عنها وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة فقال أبو عبيدة : يا أمير المؤمنين ! أأنت تفعل هذا ؟ ! تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة ؟ ! ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك ! فقال عمر: أوه ْ(38)! لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالاً لأمة محمد صلى الله عليه و سلم! إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله. وفي رواية له : يا أمير المؤمنين ! تلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على حالك هذه ؟ فقال عمر : إنا قوم أعزنا الله بالإسلام فلن نبتغي العز بغيره (39).

وعن يونس بن حلبس قال: كان أبو عبيدة بن الجراح وهو أمير يحمل سطلاً له من خشب حتى يأتي حمام أبان (40).

وركب زيد بن ثابت مرة فدنا ابن عباس ليأخذ بركابه فقال : مه يا ابن عم رسول الله فقال : هكذا أمرنا أن نفعل بكبرائنا فقال : أرني يدك فأخرجها إليه فقبلها فقال : هكذا أمرنا نفعل بأهل بيت رسول الله

وقسم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بين الصحابة رضي الله عنهم حللا فبعث إلى معاذ حلة مثمنة فباعها واشترى بثمنها ستة أعبد وأعتقهم فبلغ ذلك عمر فبعث إليه بعد ذلك حلة دونها فعاتبه معاذ فقال عمر : لأنك بعت الأولى فقال معاذ وما عليك ادفع لي نصيبي وقد حلفت لأضربن بها رأسك فقال عمر رضي الله عنه : رأسي بين يديك وقد يرفق الشاب بالشيخ. وعير أبو ذر بلالا رضي الله عنهما بسواده ثم ندم فألقى بنفسه فحلف : لا رفعت رأسي حتى يطأ بلال خدي بقدمه فلم يرفع رأسه حتى فعل بلال (41).

وكان الإمام أحمد بن حنبل تأخذ الجارية بيده إلى السوق، والطفل يكلمه، وحمل مرة حطباً في السوق، فأتاه الوزير الفتح بن خاقان ، فقال: أنا أحمل عنك يا أبا عبد الله ، فقال: لا نحن قوم مساكين لولا الستر لافتضحنا. فهذا الذي يحمل الحطب، حمل الأمة في فتنة القول بخلق القرآن، ولقد شيعه أكثر من مائة ألف، وخرج جيش الخلافة، يحبس الطرق والمنافذ ومعهم العصي، ومعهم الأسلاك بأيديهم يضبطون حركة الناس، دخل الناس يتوضئون في الضحى ولم ينتهوا من الوضوء إلا في صلاة العصر.

وهذا بكر بن عبد الله المزني أحد الصالحين الزاهدين، رجل سطره التاريخ في زهده وعبادته، كان واقفاً في عرفة، والناس بين باكٍ وخاشع وراكع وساجد وداعٍ لله جل وعلا ،- ولعل هذا الرجل أفضلهم- قال: لولا أني فيهم لقلت: قد غفر لهم. قال الذهبي معلقاً على مقولته: كذلك ينبغي للعبد أن يزري على نفسه ويهضمها (42).

وكان يقول: إذا رأيتَ من هو أكبر منك, فقل: هذا سبقني بالإيمان والعمل الصالح؛ فهو خير مني، وإذا رأيت من هو أصغر منك, فقل: سبقته إلى الذنوب والمعاصي؛ فهو خير مني.

وقال: وإذا رأيت إخوانك يكرمونك ويعظمونك فقل: هذا فضل أخذوا به. ولعل مقصوده -رحمه الله- أن هذا فضل منهم أو هذا فضل من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَنَّ عَليَّ بِه وأخذوا به ولا استحقه، فلا يغرنك الشيطان, فتقول: الآن عرفوا قدري, وعرفوا منزلتي وعلمي وعبادتي واجتهادي! لا والله, فهذا من الغرور!! نسأل الله العفو والعافية.

لكن قل: هذا فضل أخذوا به, قُل: غرهم مني أنهم رأوني أقول: كذا وكذا وما علموا ما أغلق عليه بابي, كما كان عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – يقول: لو أنكم تدرون ما أغلق عليه بابي ما فعلتم كذا.

والله إنا نعلم أنه رضي الله تعالى عنه لا يغلق بابه إلا على خير و تقوى و قراءة قرآن وعلى عبادة, لكن قال ذلك زاجراً لهم لما تجمعوا ليسيروا خلفه, وقال لهم: إنها ذلة للتابع فتنة للمتبوع. وأيضاً من مأثور كلامه رحمه الله يقول: لو أن للذنوب رائحة ما جالسني منكم أحد. يقول: وإن رأيت منهم جفاءً وانقباضاً فقل: هذا بذنب أحدثته (43).

يتبع

الهوامش:
_____________

(1) انظر لسان العرب مادة وضع (8/396 ) دار صادر – بيروت.
(2) شرح نهج البلاغة (11/195- 197 ) دار إحياء الكتب العربي.
(3) الروح ص (495).
(4) صحيح مسلم حديث رقم (277).
(5) رواه أبو داود وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (4311).
(6) الأمالي المطلقة لابن حجر العسقلاني تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي (1/ 96 ).
(7) سيرة ابن هشام (2/650 ) وانظر أصول الدعوة لعبد الكريم زيدان ص (414).
(8) رواه ابن جرير في التاريخ (2/246 ) بإسناده إلى الحسن البصري مرسلاً، والحسن لم يدرك أبا بكر وعمر، وعزاه الهندي في كنز العمال (10/578 ) رقم ( 30268) إلى ابن عساكر .
(9) جزء من حديث رواه مسلم، باب تحريم الكبر وبيانه (1/65) رقم (275).
(10) سنن النسائي بأحكام الألباني وقال: صحيح حديث رقم (3773).
(11) شرح السنة للبغوى تحقيق: شعيب الأرناؤوط – محمد زهير الشاويش (10/114).
(12) سير أعلام النبلاء (12/393).
(13) تهذيب التهذيب (7 /7).
(14) إغاثة اللهفان (1/121).
(15) أخرجه مسلم باب النهي عن تقنيط الإنسان من رحمة الله تعالى رقم (2621).
(16) تهذيب مدارج السالكين (2/681).
(17) الزهد للإمام أحمد ص (461).
(18) حلية الأولياء لأبى نعيم الأصبهاني (5/332).
(19) أسد الغابة لابن الأثير(1/631).
(20) مجموع فتاوى ابن تيمية (5/395 ) وانظر الدر المنثور للسيوطي سورة الكهف آية (22).
(21) مدارج السالكين ابن القيم (1/523).
(22) المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام جمع وترتيب محمد بن عبد الرحمن بن قاسم (1/134) وانظر مدارج السالكين – لابن قيم الجوزية (1/524،525) تحقيق : محمد حامد الفقي.
(23) رواه مسلم حديث رقم (6757).
(24) رواه أبو داود عن عياض بن حمار حديث رقم (4897) وصححه الألباني: انظر سنن أبي داود بتعليق الألباني.
(25) أخرجه الترمذي (2/80) وصححه الألباني بمجموع شواهده انظر السلسلة الصحيحة حديث رقم ( 938).
(26) رواه مسلم حديث رقم (2062).
(27) أخرجه النسائي (1414) من حديث عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي حديث رقم (1341).
(28) أخرجه الحاكم في المستدرك (2/466) وصححه الألباني في الصحيحة (2002).
(29) أخرجه مسلم حديث رقم (2326).
(30) أخرجه البخاري حديث رقم (4883) والكُراع: ما دون الركبة من الساق.
(31) أخرجه الترمذي في الشمائل ص (274) وصححه الألباني في الصحيحة حديث رقم (2129) والإهالة السنخة:الدهن الجامد المتغير الرائحة من طول المكث.
(32) أخرجه البخاري حديث رقم (6254) ومسلم (1798) وإكاف: ما يوضع على ظهر الحمار كالبرذعة وقطيفة فدكية: كساء غليظ من فدك قرب المدينة.
(33) أخرجه أحمد حديث رقم (3891 ) وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن.
(34) أخرجه البخاري حديث رقم (676).
(35) أخرجه أحمد (15204) وحسنه الألباني في الصحيحة حديث رقم (718 ).
(36) أخرجه ابو داود (4161) وصححه الألباني في الصحيحة حديث رقم (341).
(37) إغاثة اللهفان لابن القيم (1/121) تحقيق : محمد حامد الفقي.
(38) أوه: كلمة تقال عند الشكاية أو التّوجع. القاموس ص (16049).
(39) رواه الحاكم في المستدرك (1/61-62) وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وقال الألباني وهو كما قالا.
(40) تقريب التواضع والخمول لابن أبي الدنيا ص (15).
(41) مدارج السالكين (2/330) تحقيق محمد حامد الفقي.
(42) سير أعلام النبلاء (4/534).
(43) من درس للشيخ سفر الحوالي بعنوان بكر المزني وعظمة التواضع.
 

 

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات