طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خادم الحرمين يؤكد الحرص على توطيد العلاقة مع العراق    ||    اليمن.. انطلاق مهمة "القبضة الحديدية" في حضرموت    ||    ليبيا.. تراجع حاد بأعداد المهاجرين في مركز تهريب البشر    ||    ميليشيات الحوثي تداهم المنازل بصنعاء وتختطف 40 فتاة    ||    مشاعر محبوسة    ||    انطواء طفلك.. بيدك أنت!    ||    مخالفات قولية عند نزول المطر    ||    الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة الغلو والتطرف    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > مفاتيح السياسة الشرعية (3/4)

ملتقى الخطباء

(2٬934)
305

مفاتيح السياسة الشرعية (3/4)

تاريخ النشر : 1433/01/10
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

يجوز للأمة أن تبايع الإمام بيعة مطلقة زمنياً، فلا يوقفها إلا مانع شرعي كالكفر البواح، ويجوز للأمة أن تؤقت الولاية فتجعلها محدودة بسنوات معينة كخمس أو ست أو سبع ونحوها، وبالتالي تتيح تداول السلطة بين الأصلح من المرشحين، يقول الفقيه المعاصر ابن عثيمين رحمه الله: (جعل الولاية مقيدة بسنوات، هذا طيب، حتى يُختبر ويُنظر، وكم من إنسان لا نظن أنه أهلاً فيكون أهلاً، وكم من إنسان يكون بالعكس ..

 

 

 

 

 

– الملكية الجبرية والعضوضية:

جاء في هذا النوعين حديث حذيفة المشهور: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج نبوة) [مسند أحمد:18406].

أما الجبرية فاختلف فيها، فقيل من الجبر والإكراه، وقيل من الجبروت والتعاظم، وأما العضوض فقال ابن الأثير ( "ملك عضوض" أي يصيب الرعية فيه عسف وظلم، كأنهم يُعضُّون فيه عضّاً) [النهاية:3/253].

هذا بالنسبة (للملك الجبري والملك العضوض) وهما أوصاف من أوصاف الملكية.

وأما بالنسبة لجنس (الملكية) هل هي مذمومة شرعاً مطلقاً؟ فالذي رأيته هو اختلاف الآثار في ذلك، فجاءت (الملكية) في نصوص كثيرة في سياق الذم، منها قوله تعالى (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا) [النمل:34]. وقوله تعالى (كَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) [الكهف:79].

وفي الصحيح أن ذي عمرو قال لجرير (يا جرير إن بك علي كرامة، وإني مخبرك خبرا: إنكم معشر العرب، لن تزالوا بخير ما كنتم إذا هلك أمير تأمرتم في آخر، فإذا كانت بالسيف كانوا ملوكا، يغضبون غضب الملوك ويرضون رضا الملوك) [البخاري:4359].

ومنها حديث سفينه الشهير في السنن (الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك) وصححه الأئمة، وهو يوحي بذم الملك ومخالفته لسنن الخلافة على منهاج النبوة.
وتعليق الصحابي الجليل سفينة حيث قال له سعيد بن جهمان إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم؟ فقال سفينة (كذب بنو الزرقاء، بل هم ملوك من شر الملوك) [الترمذي:2226].

فهذه الآثار ونحوها تدل على ذم جنس مفهوم (الملكية)، وأما النصوص التي جاء فيها ذكر (الملكية) في سياق المشروعية فالحقيقة أن أكثرها دلالةً قوله تعالى: (يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا) [المائدة:20]. ولو كان الملك مذموماً في جنسه لما كان نعمة يمتن بها على قوم موسى.

وقول الله: (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) [النساء:54] ولو كان الملك مذموماً في جنسه لما كان نعمة يمتن بها على آل ابراهيم.

وقول الله: (وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) [ص:35] ولو كان الملك مذموماً لما سأله نبي الله.

وقول الله: (إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [البقرة:246]. ولو كان الملك مذموماً لما سألوه نبيهم.

وقول الله: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا) [البقرة:247]. ولو كان الملك مذموماً لما استجاب الله طلبهم.

(رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ) [يوسف:101] ولو كان الملك مذموماً لما كان محل شكر، فلا يشكر الله على معصية.

وجاءت أحاديث ذُكِر فيها الملك في سياق المشروعية أشهرها حديث (الملك والرحمة) وقد قال عنه الهيثمي أنه رجال ثقات، وللألباني بحث في السلسلة الصحيحة في تصحيحه، ولذلك كان ابن تيمية يرى أن معاوية ينطبق عليه حديث (الملك والرحمة) كما يقول ابن تيمية: (واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة، فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول الملوك، كان ملكه ملكاً ورحمة، كما جاء في الحديث "يكون الملك نبوة ورحمة، ثم تكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملك ورحمة، ثم ملك وجبرية، ثم ملك عضوض"، وكان في ملكه من الرحمة والحلم ونفع المسلمين ما يعلم أنه كان خيرا من ملك غيره) [الفتاوى:4/478].

حسناً ..كيف الجمع بين النصوص التي جاء فيها مفهوم (الملكية) في سياق الذم، والنصوص التي جاء فيها مفهوم (الملكية) في سياق المشروعية؟ الذي يظهر -والله أعلم- أن هذه المسألة تُرجع للمحكمات، فما كان ملكاً يحترم فيها اختيار الأمة ورضاها، ولا يغتصب أمرها، ويقام فيها بالعدل؛ فهو ملك مشروع، وما كان ملكاً يغتصب فيه رضا الأمة واختيارها ويتسلط عليها بالقهر والسيف والتغلب والاستيلاء، وتنهب حقوقها ويحكم فيها بالظلم والعسف؛ فهو ملك مذموم، والله أعلم.

هذه هي الصيغ السياسية السبعة التي رأيت النصوص الشرعية ذمتها فيما يتعلق بباب الولاية، وهي: الاستبداد، التأمر(التغلب)، غصب الأمر، الهرقلية(التوريث)، الأثرة، الملكية الجبرية، والملك العضوض. وإذا تدبر الباحث هذه الصيغ السياسية السبعة المذمومة شرعاً، وجد الجامع بينها، والخيط الرفيع الذي ينظمها؛ أنها كلها ضد (اختيار ورضا وشورى الأمة)، بما يعني أن النصوص والآثار لم تكتفِ بتأسيس قاعدة الشورى والاختيار والرضا، بل أضافت لذلك ذم كثير من أضداد الشورى والاختيار، إمعاناً في تأكيد المعنى الشرعي لقاعدة الشورى، وبضدها تتبين الأشياء، مع التنبيه طبعاً إلى أن هذه الصيغ السبع بينها تقارب لا يخفى وهو المضمون المشترك فيها الذي سبقت الإشارة إليه.

والنصوص الشرعية فرقت في حكم هذه الصيغ ابتداءً، وحكم التعامل معها إذا وقعت، كما سيأتي بيانه بإذن الله في آخر هذه الورقة.

– واجب الأمة في التقويم السياسي:

تعتبر كثير من النظم السياسية المعاصرة قضية (الرقابة والمحاسبة) حقاً للشعب، لكنها في (السياسة الشرعية) تتبوأ تكييفاً أعظم من ذلك، فما سماه الصحابة (تقويم الولاة) يعتبر في التكييف الفقهي (فرض كفاية) على الأمة، وليس مجرد (حق للشعب)، لأن التقويم السياسي (الذي يسمى في عصرنا الرقابة والمحاسبة) جزء من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسأستعرض في ذلك بعض الشواهد:

خطب ابوبكر رضي الله عنه وقال (خطب أبو بكر ، رضي الله عنه ، فقال : إني وليتكم ولست من أخيركم ، وإنما أنا بشر مثلكم، فإن أصبت فاحمدوا الله، وإن أخطأت فقوموني) [البزار:100].

قال ابن تيمية تعليقاً على المبدأ السياسي في خطبة أبي بكر هذه: (وأما قول أبي بكر " فإن استقمت فأعينوني، وإن زغت فقوموني"، فهذا من كمال عدله وتقواه، وواجب على كل إمام أن يقتدي به في ذلك، وواجب على الرعية أن تُعامل الأئمة بذلك، فإن استقام الإمام أعانوه على طاعة الله تعالى، وإن زاغ وأخطأ بينوا له الصواب ودلوه عليه، وإن تعمد ظلماً منعوه منه بحسب الإمكان) [منهاج السنة:8/272].

فلاحظ في هذا التحليل التيمي لخطبة أبي بكر أن ابن تيمية جعل (التقويم السياسي) واجب، وليس مجرد حق، فقال "واجب على الرعية أن تعامل الأئمة بذلك"، ولاحظ أيضاً في هذا التحليل الفقهي قاعدة أهل السنة وهي (القدرة والإمكان) فربط منع الظلم بالإمكان.

وقال ابن داود، عبد الرحمن بن أبي بكر الحنبلي (ت856هـ) في كتابه المشهور الكنز الأكبر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (والمقصود أنه كان من عادة السلف الإنكار على الأمراء والسلاطين، والصدع بالحق، وقلة المبالاة بسطوتهم، إيثاراً لإقامة حق الله سبحانه) [الكنز الأكبر:201-202].

وهناك نصوص هامة جداً للإمام أحمد في فقه الإنكار على الولاة، نقلها راوية علم الإمام أحمد، الحافظ ابو بكر الخلال (ت311ه) في رسالته الثمينة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ولا يسعني نقلها في هذا الملخص، وأكثر ما شدني في رسالة الخلال هذه -التي جمعت فتاوى أحمد في النهي عن المنكر- هو كراهية أحمد الشديدة لتأليب ولاة الجور على أصحاب المنكرات الخاصة، فقد نهى عن ذلك في وقائع متعددة، وسأحاول عرض هذه النصوص واستخلاص مبدأ أحمد منها في مناسبة أخرى بإذن الله.

وقبل أن نغادر هذه المسألة أظنه لا مناص من التنويه إلى أن مسألة الإنكار على الولاة مربوطة بالمصلحة والمفسدة، وليست المسألة مفتوحة للفوضى هكذا، بل يجب الموازنة بين هذا المعطى وبين بقية النصوص، وقد لخص الفقيه ابن عثيمين ذلك بقوله في مسألة "الإنكار العلني على الولاة" : (إذا رأينا أن الإنكار علناً يزول به المنكر ويحصل به الخير فلننكر علناً، وإذا رأينا أن الإنكار علناً لا يزول به الشر، ولا يحصل به الخير، بل يزداد ضغط الولاة على المنكرين وأهل الخير، فإن الخير أن ننكر سراً، وبهذا تجتمع الأدلة، فتكون الأدلة الدالة على أن الإنكار يكون علناً فيما إذا كنا نتوقع فيه المصلحة، وهي حصول الخير وزوال الشر، والنصوص الدالة على أن الإنكار يكون سراً فيما إذا كان إعلان الإنكار يزداد به الشر ولا يحصل به الخير) [الباب المفتوح:62].

وهذا التفصيل من الشيخ ابن عثيمين وربط الإنكار العلني على الولاة بالمصلحة والمفسدة، ومراعاة الحكمة وبعد النظر، من أحسن ما قرأت في هذا الباب، والله أعلم.

والمراد من ذلك كله تقرير مبدأ (واجب الأمة في التقويم السياسي) وهو الذي يسميه المعاصرون (مبدأ الرقابة والمحاسبة)، وفيه تفاصيل ليس هذا المختصر موضعها.

– حدود الطاعة السياسية:

اختلف أهل العلم في حدود الطاعة السياسية، على ثلاثة أقوال، القول الأول: أن ولاة العدل تجب طاعتهم، وولاة الجور لا تجب طاعتهم، قال العدوي المالكي (قال التتائي: ولا تجب طاعة ولاة الجور إلا لخوف القتال والنزاع فيطاع عند ذلك..، وأما الجائر الذي ليس بعادل فهذا لا تجب طاعته ولو في الجائز كما يستفاد من عبارة التتائي) [حاشية العدوي:1/122].

والقول الثاني: هو أن ولاة العدل والجور كلاهما تجب طاعتهم لكن بينهما فرق في مدى الطاعة لا في أصلها، وهو اختيار ابن تيمية وشرح ذلك في قوله (والإمام العدل تجب طاعته فيما لم يعلم أنه معصية وغير العدل تجب طاعته فيما علم أنه طاعة كالجهاد) [الفتاوى:29:196].

والقول الثالث: أن طاعة الإمام لا يلتفت فيها إلى كونه عادلاً أو جائراً، بل يلتفت فيها إلى المأمور به نفسه، فإذا أمر بمعروف أو ما فيه مصلحة للمسلمين، فتجب طاعته، وإن أمر بمنكر أو ما فيه مفسدة للمسلمين، فلا تجب طاعته، ولا يلتفت إلى عدل الإمام ولا جوره، وهذا القول هو الراجح في نظري، لأنه هو الذي دلت عليه النصوص صراحة حيث أناطت الطاعة بالمعروف، وهي أحاديث كثيرة، ومنها قوله -صلى الله عليه وسلم- (إنما الطاعة في المعروف) [البخاري:7145]

وأما القول الذي نقله العدوي عن قاضي قضاة الديار المصرية محمد بن ابراهيم التتائي المالكي (ت942هـ) فهو قول مرجوح بلا ريب لأنه خلاف النصوص التي ذكرت ولاة الجور صراحة وأمرت بطاعتهم بـ"المعروف"، ومن أحسن من جمع هذه الأحاديث في سياق واحد الإمام مسلم في صحيحه، وقد نقلت شطراً منها آنفاً، ولولا ذلك لتعطلت مصالح المسلمين لشيوع الجور نسأل الله العافية.

– وظيفة الدولة المسلمة:

لا يختلف فقهاء الإسلام أن وظيفة الدولة المسلمة في الأصل هي (إقامة الدين) كما قال تعالى (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) [الأنفال:39].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله) [البخاري:123].

وإقامة الدين تتضمن: هيمنة الشريعة، ونشر العدل، وحفظ حقوق الناس، وحماية كرامة المسلم، وحفظ الحريات الشرعية.

يقول الماوردي في مفتتح كتابه (الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا) [الأحكام السلطانية:15].

ويوضح ابن خلدون خاصية الإلزام في وظيفة الدولة أثناء قيامها بتطبيق الشريعة حيث يقول: (الخلافة: هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي، في مصالحهم الأخروية، والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة) [المقدمة:239].

ويوضح ابن تيمية علاقة الدين بالدنيا في السياسة الشرعية فيقول: (المقصود الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق، الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم) [السياسة الشرعية:21].

وتلاحظ هذا التطابق العجيب بين ابن خلدون وابن تيمية في التأكيد على وسيلية الدنيا وغائية الآخرة في وظيفة الدولة.

ويصل الشاطبي بالأمر إلى نهايته حيث يقول (فالشرف إذاً إنما هو بحسب المبالغة في تحكيم الشريعة) [الاعتصام:855]

فهيمنة الشريعة وتطبيقها (بمعناها الشامل) شديد الحضور في تفكير الفقهاء وهم يتحدثون عن السياسة الشرعية، ونصوص الفقهاء كثيرة في هذا الصدد، ولكني سأخرج الآن عن المدونة التراثية، وسأنقل نصاً لشاهدٍ من الخارج، فيه طرافة في كيفية قراءته لرؤية الفقهاء للدولة المسلمة، وهو المفكر الماركسي المعروف عبدالله العروي، حيث يقول في دراسته عن مفهوم الدولة: (لنفتح كتاب ابن تيمية "السياسة الشرعية"، فأول ما يلفت نظرنا هو أن المؤلف لا يتكلم عن الخلافة، بقدر ما يهتم بشيء واحد، هو تطبيق الشرع، يعني بالدولة الإسلامية "دولة الشرع" ولا شيء سواها، إن الفقيه هو بالتعريف: من يتوق إلى تطبيق الشرع على الواقع) [مفهوم الدولة:101].

هذا المفكر الماركسي لم تخطيء عينه شدة حضور "تطبيق الشريعة" في تفكير فقهاء الإسلام، لكنه لا يعرف طبعاً لماذا؟ لأنه لم يوقر آيات الحكم بما أنزل الله حق توقيرها، والحمد لله على العافية.

حسناً .. ما سبق كان استعراضاً لبعض أحكام الدائرة السياسية المنصوصة، لنلقِ الآن نظرة على بعض أحكام الدائرة السياسية المفوضة، المنوطة بالشروط الجعلية في عقد البيعة، كما سبق بيان، فمن ذلك:

– اشتراط تأقيت الولاية أو إطلاقها:

يجوز للأمة أن تبايع الإمام بيعة مطلقة زمنياً، فلا يوقفها إلا مانع شرعي كالكفر البواح، ويجوز للأمة أن تؤقت الولاية فتجعلها محدودة بسنوات معينة كخمس أو ست أو سبع ونحوها، وبالتالي تتيح تداول السلطة بين الأصلح من المرشحين، يقول الفقيه المعاصر ابن عثيمين رحمه الله: (جعل الولاية مقيدة بسنوات، هذا طيب، حتى يُختبر ويُنظر، وكم من إنسان لا نظن أنه أهلاً فيكون أهلاً، وكم من إنسان يكون بالعكس، نظنه أهلاً ويكون غير أهل، نظن أن هذا الرجل ملتزماً، ونظنه يقوم بالواجب، فإذا به يعجز، يكون ضعيفاً فلا يستطيع أن يقوم بالواجب. وهذا ليس عقد إيجار، هذا ولاية، لكن يقدر بأربع سنوات أو ثلاث أو خمس، حسب ما تقتضيه المصلحة) [ابن عثيمين، شرح السياسة الشرعية، ص25، طبعة ابن حزم، والنص محذوف من طبعة المؤسسة لحساسيته، وأبقوا مسائل لا صلة لها بجوهر الكتاب كالتلقيح الصناعي]

وأكثر الباحثين في السياسة الشرعية يتوهم أن (تأقيت الولاية وتداول السلطة) مسألة محسومة إثباتاً أو نفياً، فبعضهم يتحمس لإثبات التأقيت والتداول، وبعضهم يتحمس لنفي التأقيت والتداول وإثبات الإطلاق الزمني، وكلا الرأيين مرجوح قطعاً، فالصواب أن مسألة (تأقيت الولاية وتداول السلطة) مفوضة للأمة تختار فيها ما يحقق المصلحة الراجحة، لأن الإمامة والولاية (عقد سياسي شرعي) والتأقيت والتداول مسألة سياسية إجرائية مندرجة تحت قاعدة (الشروط الجعلية في الولاية).

– العلاقة بين السلطات:

هذه الإشكالية التي يعبر عنها كثيراً بـ"فصل السلطات" (Separation of Powers) هي غابة الإشكاليات في النظم السياسية المعاصرة، فالعلاقة بين السلطات (التشريعية-القضائية-التنفيذية) فيها صيغ كثيرة ومتنوعة، ففي العلاقة بين السلطتين (التنفيذية) و (التشريعية) قد تكون السلطة التنفيذية مستقلة عن السلطة التشريعية (بعض النظم الرئاسية)، وقد تكون السلطة التنفيذية مسؤولة أمام السلطة التشريعية (أغلب النظم البرلمانية)، وقد تكون السلطة التنفيذية خاضعة للسلطة التشريعية (نظام الجمعية في سويسرا).

وفي العلاقة بين السلطتين (التنفيذية) و (القضائية)، فهناك من يأخذ بآلية انتخاب القضاة (أمريكا) وهناك من يأخذ بآلية التعيين طبقاً لقانون يضمن الاستقلال (انجلترا).

وفي العلاقة بين السلطتين (التشريعية) و(القضائية) فبعض النظم تأخذ بفكرة جهاز سياسي مكلف بمراقبة دستورية التشريعات، وبعضها يكل المهمة إلى (الجهاز القضائي) إما بـ(طريقة رفع الدعوى) ضد التشريع بمخالفته الدستور فتقوم (المحكمة الدستورية) أو (المحكمة العليا) بإلغاء التشريع، ولكن هذا النوع من سلطة القضاء على تشريعات البرلمان يواجه جدلاً واسعاً في المجال السياسي الغربي، إذ أن البرلمان يعتبر نفسه المعبر عن الإرادة الشعبية، فكيف يقوم القضاء بإلغاء تشريعاته؟! وهو ما حدى ببعض المفكرين الغربيين بتسمية هذه الظاهرة (حكومة القضاة)، حيث يرون فيها أنها تخالف مبدأ الفصل بين السلطات! وفي حالات أخرى تكتفي بعض النظم الديمقراطية بفكرة (الرقابة السلبية للقضاة) أي حق القاضي في الامتناع عن التنفيذ فقط، وتسمى (طريقة الدفع) فإذا احتج أحد المترافعين أمام القاضي بأن القانون الذي يحتكم إليه خصمه مخالف للدستور اكتفى القاضي بعدم تطبيق القانون محل الدعوى دون أن يقضي بإلغائه كلياً، فيصبح سارياً في غيره من الحالات مالم يعترض عليه مترافع آخر ويكون القاضي قد اقتنع بدعواه بعدم دستورية التشريع، وهذه الآلية تثير إشكالية فقد القانون عموميته على الناس فيصبح يطبق على البعض دون غيرهم بحسب قناعة القاضي بدستورية القانون!

ولذلك فبعض الدول الديمقراطية أخذت بفكرة سلطة القضاء في مراقبة دستورية القانون (أمريكا) وبعض الدول الديمقراطية منعت القضاة من الرقابة على دستورية القانون أخذا بمبدأ انفصال السلطة التشريعية عن القضائية (فرنسا).

هذه إشارات خاطفة للخلاف الواسع في تفسير وتطبيق مبدأ فصل السلطات، وهناك اتجاه ناقد لهذا المبدأ، يمكن للتوسع حول إشكالية فصل السلطات مراجعة الكتاب التالي:
Kaufman & Goldwin, Separation of powers: does it still work?
وخصوصاً الفصل الخامس منه، ففيه عروض نقدية هامة.

وفي السنوات الأخيرة صدر قانونان هامان في بريطانيا وهما: قانون الإصلاح الدستوري (2005م) وقانون حقوق الإنسان (1998م) وكان لهذين القانونين تأثيرات جوهرية على المفاهيم الدستورية البريطانية وخصوصاً على مفهوم فصل السلطات، حيث عدل هذان القانونان في علاقات السلطات في بريطانيا، وقد صدرت دراسة حديثة رصينة هذا العام (2011م) من مطبوعات كامبردج، تدرس هذه التغيرات في مفهوم فصل السلطات بعد صدور القانونين، وهي خاصة بالتغيرات في العلاقة بين السلطات، انظر:
Masterman, The Separation of Powers in the Contemporary Constitution

حسناً .. إزاء هذا الاختلاف الواسع في العلاقة بين السلطات، فصلاً ودمجاً، أو تعاوناً وتكاملاً، والاختلاف الواسع في تفسير وتطبيق مبدأ فصل السلطات وتركيز السلطات، فما هو التصور السياسي الإسلامي لذلك؟ الراجح قطعاً في هذه المسألة هو أنها موكولة لاختيار الأمة، لأنها مسألة إجرائية، والولاية عقد سياسي شرعي، خاضع للشروط الجعلية التي يشترطها المبايعون.

وبعض الناس يردد (فصل السلطات) وهو يجهل أصلاً الجدل الواسع في تفسير وتطبيق هذا المبدأ، فلا نثبت فصل السلطات بالإطلاق، ولا ننفي بإطلاق، ولا نعيّن صيغة معينة من هذه الصيغ؛ وإنما نكل الأمر للأمة في الدائرة الاجتهادية البشرية، ونستثني فقط ما وردت النصوص باستثنائه، مثل: استقلال القضاء بأيدي القضاة، واستقلال الشريعة فوق الجميع، والمرجع في فهمها أهل الذكر، كما نص على ذلك كتاب الله.

– انتخاب القضاة أم تعيينهم؟:

الوسائل المعاصرة لاختيار القضاة متفاوتة، فمنها اختيار الناخب مباشرة كما في كثير من الولايات في أمريكا (إلا طبعاً قضاة المحكمة العليا فيعينهم الرئيس) وهذه الطريقة لها ميزة وهي استقلال قضاة الولايات عن السلطة التنفيذية، ولكن هذه الطريقة تواجه هذه انتقادين رئيسيين: خضوع القضاة لتأثيرات الأحزاب السياسية، وأن أفراد الشعب لا يميزون أهلية القاضي. والأسلوب الثاني هو أن تقوم هيئة تشريعية خاصة بفحص كفاءة القضاة واختيارهم، والأسلوب الثالث: هو أن تقوم السلطة التنفيذية باختيار القضاة، وتأخذ بهذه الطريقة أكثر النظم السياسية. وقد ناقش شيخ الدستوريين العرب د.سليمان الطماوي الانتقادات الموجهة لكل طريقة في كتاب مبكر (انظر: النظم السياسية والقانون الدستوري، الطماوي، ص274).

حسناً .. ما هو موقف النظام السياسي الإسلامي؟ وأي الوسائل تتبع؟ الموقف هو أن هذه مسألة "إجرائية"، والولاية عقد سياسي شرعي، فهي موكولة ومفوضة لاختيار الأمة (مباشرةً أو عبر ممثليها).

– طرق الانتخاب:

تتفاوت النظم الديمقراطية إلى عدة أساليب، فبعضها ينتخب الرئيس مباشرة (على درجة واحدة أو درجتين) وميزة هذه الطريقة دعم موقع الرئيس في استقلاله عن البرلمان، باعتباره يجسد إرادة الناخبين مباشرة، وتأخذ بهذه الطريقة النظم الرئاسية. والأسلوب الثاني: انتخاب الرئيس عبر أعضاء البرلمان، ويرى نقاد هذه الطريقة أنها تفرز عادةً رؤساء ضعفاء أمام البرلمان. والأسلوب الثالث: هو دمج الطريقتين، بأن يشترك البرلمان مع جمعيات أو هيئات شعبية في انتخاب الرئيس. وقد ناقش هذه الطرق الثلاث شيخ الدستوريين العرب الطماوي في كتابه الآخر (السلطات الثلاث، د.سليمان الطماوي، ص 258).

حسناً .. ما موقف السياسة الشرعية من هذه الطرق؟ الجواب بكل وضوح: هذه مسائل إجرائية، والولاية عقد سياسي شرعي، فهي مفوضة للأمة، تختار منها عبر الشروط الجعلية.

– آليات الانتخاب:

ثمة طرق كثيرة، وصارت اليوم في غاية التعقيد "الرياضي" لحساب الأصوات وإجراء الانتخاب مثل: إشكالية تقطيع الدوائر الانتخابية، وتوازن الناخبين في كل دائرة، والتقطيع الاصطناعي الذي يفتح المجال لإغراق ناخبي توجه سياسي معين بغيرهم، للاستحصال على نتائج مخططة مسبقاً، ويضاعف المشكلة دوماً ان الأحزاب الحاكمة هي التي تشرف على التقطيع الانتخابي.

وكذلك في مجال (شكل الاقتراع) فهناك آلية الانتخاب الأحادي (التصويت على مرشح واحد) وهناك آلية الانتخاب بالقائمة (التصويت على قائمة مرشحين) ، وثمة جدل كلاسيكي معروف بين محاسن وثغرات كل آلية منها.

وكذلك إشكالية (توزيع المقاعد) فهناك ما يسمى (أسلوب المعدل الانتخابي) وهناك ما يسمى (أسلوب المعدل الثابت).

وكذلك بعد توزيع المقاعد مايسمى (الخارج الانتخابي) وكيف توزع (المقاعد المتبقية)؟ وفيها أيضاً أساليب حسابية متفاوتة مثل (طريقة أكبر البقايا) و (طريقة أكبر المعدلات) و (طريقة هوندت) ، إلى درجة أن فيها "نظريات رياضية" لحساب التمثيل العادل، وهوندت نفسه هو عالم بلجيكي.

وثمة دراسات دستورية كثيرة معاصرة تتحدث عن العلاقة بين هذين المعطيين (أشكال الاقتراع) و (التركيبات الحزبية)

حسناً .. ما موقف السياسة الشرعية من هذه الآليات؟ الجواب بكل وضوح: كل هذه الآليات الانتخابية المتفاوتة يرجع في تحديد الأفضل منها إلى الأمة (مباشرة أو عبر ممثليها)، لتحديد الآلية الأنسب لها، لأنها مسائل إجرائية، والولاية عقد سياسي شرعي، وتخضع هذه المسائل للشروط الجعلية.

وهكذا -أيضاً- كل المسائل السياسية "الإجرائية" مفوضة لاختيار الأمة في (الشروط الجعلية) في البيعة، ولا يجوز إلزام الأمة بشيء مالم يخالف نصاً شرعياً، وما مضى هو مجرد أمثلة لتوضيح بعدين أساسيين: أولهما أن أكثر مسائل السياسة الشرعية مفوضة للأمة لأنها مسائل إجرائية لا تخالف الشريعة، وثانيهما: لفت الانتباه إلى عظم وأهمية تكييف الولاية والإمامة بأنها (عقد سياسي شرعي) فهذا يعني احترام اختيارات الأمة وشروطها فيما هو مفوض لها.

المصدر: رؤى فكرية

مفاتيح السياسة الشرعية (1/4)

 

مفاتيح السياسة الشرعية (2/4)

 

مفاتيح السياسة الشرعية (4/4)

 

   

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات