طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > قراءة شرعيَّة في واقع كثير من المجتمعات مع قضيَّة التدين (2/2)

ملتقى الخطباء

(2٬356)
297

قراءة شرعيَّة في واقع كثير من المجتمعات مع قضيَّة التدين (2/2)

تاريخ النشر : 1432/12/19
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

هنالك مِمَّن ينْتَسِبون للتديُّن يتعامَلون معه من باب المصلحة الشخصيَّة، فقد يرى أحدهم أنَّ بعض الناس فتح الله عليهم بواسع رزقه حينما صاروا من أهل العلم، فيهيئ نفسه لطلب العلم والازدياد من النهل من أنواع المعارف، ويكون مقصده نَيْلَ وزارة ما، أو منصب رفيع، وبعد ذلك لربما نسي العلم والتعليم، وكان حظُّه منه مجرد المظهر واللباس الذي يلبسه كثير من أهل العلم ..

 

  

(6)

هنالك مِمَّن ينْتَسِبون للتديُّن يتعامَلون معه من باب المصلحة الشخصيَّة، فقد يرى أحدهم أنَّ بعض الناس فتح الله عليهم بواسع رزقه حينما صاروا من أهل العلم، فيهيئ نفسه لطلب العلم والازدياد من النهل من أنواع المعارف، ويكون مقصده نَيْلَ وزارة ما، أو منصب رفيع، وبعد ذلك لربما نسي العلم والتعليم، وكان حظُّه منه مجرد المظهر واللباس الذي يلبسه كثير من أهل العلم، ويبقى ملاحقًا للكاميرات أينما تتوجه يتوجه معها.

يقول ابن القيِّم في مثل هؤلاء القوم: "كلُّ مَن آثر الدُّنيا من أهل العلم واستحبَّها، فلا بد أن يقول على الله غير الحَقِّ في فتواه وحكمه، في خبره وإلزامه؛ لأنَّ أحكام الربِّ – سبحانه – كثيرًا ما تأتي على خلاف أغراض الناس، ولا سيَّما أهل الرِّئاسة، والذين يتَّبعون الشبهات، فإنَّهم لا تَتِمُّ لهم أغراضهم إلاَّ بمخالفة الحقِّ ودفعه كثيرًا، فإذا كان العالِم والحاكم مُحِبَّيْن للرِّئاسة، مُتَّبِعَيْن للشَّهوات، لم يتم لهم ذلك إلاَّ بدفْع ما يُضادُّه من الحق، ولا سيَّما إذا قامت له شبهة، فتتَّفق الشبهة والشهوة، ويثور الهوى، فيخفى الصواب، وينطمس وجه الحق، وإن كان الحقُّ ظاهرًا لا خفاء به، ولا شبهة فيه أقدمَ على مخالفته، وقال: لي مَخْرجٌ بالتوبة"[1].

(7)

قد يكون بعض الناس جاسوسًا أو عميلًا لأعداء المسلمين، فتراه مصليًا محافظًا على جميع الصلوات ومنها صلاة الفجر، لكنَّه -والعياذ بالله- يتكسَّب بصلاته هذه من الأموال والنقود خدمة لأعداء المسلمين، وإرصادًا لمن أطاع الله ورسوله، ولربما ظنَّ به كثير من الناس الخير واعتبروه حمامة المسجد من كثرة تعبده في الظاهر، وقد يبكي أمامك فتظنه يبكي من خشية الله، وما هو بباك من خشية الله، وإنَّما مُهرج يجيد فنون التمثيل التي لا تنطلي على أهل الدين، ولهذا فحين "سُئل شميط بن عجلان – رحمه الله -: هل يبكي المنافق؟ فقال: يبكي من رأسه، أما من قلبه فلا!"[2].

لَعَمْرُ الله، لقد رأيتهم بأم عيني، وقد كنت سجينًا في سجون اليهود، بمن يُطلق عليهم (العصافير) وهم جواسيس العدو الصهيوني الذين يزرعونهم في السجون، وقد سموهم عصافير كناية عمَّا ينقلونه لليهود من أخبار السجناء، فلقد كنتُ أرى من بعضهم عجبًا: يقومون الليل مع السجناء! وقد يبكون أمامهم، وقد يقوم أحدهم خطيبًا يخطب في السجناء يدعو أمامهم على يهود ويقول لهم: اصبروا، ثمَّ بعد ذلك يجلسون مع بعض السُّجناء ويحاولون استلال معلومات واعترافات لم يعترفوها أمام يهود، ثمَّ إن عثروا على شيء من ذلك أخرجهم اليهود بحجَّة نقلهم لسجن آخر، ويأخذون منهم كامل المعلومات؛ فويل لهم!

وما كان أولئك الجواسيس المجرمون -عياذًا بالله- سوى ذئاب مجرمة، تضحك على الناس بصلواتهم، فلا يُصَلُّونها إلا لكي يقولون عنه: إنه يصلي معهم الفجر جماعة، كما قال تعالى: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 142]، ومن أهدافهم في ذلك: أن ينفوا عن أنفسهم كل شيء قد يُشين لهم ليدفعوا عن أنفسهم التُّهَمة بالجاسوسية والنفاق، وقد يكونون خارج السجن، فيكونون عملاء يقتاتون أموالًا على كل صلاة يصلونها في المسجد، وقد يوقظهم الضابط العسكري اليهودي للمنطقة التي يشرف عليها لكي يصلوا الفجر جماعة مع المصلين، وقد حدث ذلك بعد اعترافاتِ عددٍ مِن العُمَلاء أمام المجاهدين! ثمَّ حينما يقومون ويصلون الفجر في المسجد أو لأي صلاة يترصدون فيها لأهل الدين والصلاح، ويبلغون فيها أعداء الله ورسوله بما يحصل في المسجد من أنشطةٍ وفعاليات!

إنَّه بالفعل تديُّن المصلحة!

(8)

بعض الناس يُعلِّق حروزًا وتمائم سواء أكانتْ من الآيات القرآنية، أو من الطلاسم والحروز الشركية، وقد يضعها على رقبته أو داخل سيارته؛ بحجَّة أن تحفظه من العين وما شاكل ذلك، وبعيدًا عن مناقشة هذا الشيء من ناحية شرعية، فإنني حينما أركب مع كثيرٍ من هؤلاء وأسألهم عن مدى علاقتهم بقراءة القرآن أو محافظتهم على الصلوات، فيقول كثير منهم: إنَّهم لا يقرؤون القرآن إلاَّ في رمضان -هذا إن قرؤوه- وقليل منهم مَن يحافظ على الصلوات الخمس، وكثيرًا ما كنتُ أقول لهم: إنَّكم تسترخصون مثل هذه الأشياء لكي يحفظكم الله بها، ولكنكم لا تفعلون ما شرعه الله تعالى، فاعلموا أنَّ الله تعالى لن يحفظ عبده إلاَّ إن حفظه!

عن أبي العباس عبد الله بن عباس، قال: كنت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ – صلَّى الله عليه وسلَّم – يَوْمًا فَقَالَ: "يَا غُلاَمُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ؛ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّة لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلاَمُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ"[3].

ولربما تركب السيارة في وقت الصباح، فيشغل السائق القرآن أول يومه في الصباح لمدة ثلث ساعة، ثمَّ يطنطن ويترنَّم مع الغناء الفاحش والموسيقى المحرَّمة، ولو جاءه شخص وتكلَّم معه في حرمة الموسيقى وما يُصاحبها من غناء ماجن ولفظ فاحش، لضجَّ وقال: "ساعة لربك، وساعة لقلبك"، فإن قلتَ له: لماذا وضعتَ القرآن وعلَّقته في سيارتك فيقول: لكي يحفظني الله تعالى!

ولا أدري كيف يُريد أن يحفَظَه الله وهو -نادرًا- ما يُصلي، وقليلاً ما كان يقرأ القرآن إن كان يقرؤه، وليلَه ونهارَه يَتَرَنَّم بألحان الغناء، وبالفعل فإنَّ هؤلاء يذكرونني بتدين المصلحة، فهم كما يقال: (مصلحجيَّة) مع ربِّهم، ويخشى عليهم من أن يكونوا ممن يدخل في قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} [الكهف: 57]، فمَن أَحَبَّ الله أحب شريعته، ومَن أحَبَّ شريعته قام بتطبيقها، ومن نسي الله عاقَبَه الله بنسيانه له، بل ينسيهم أنفسهم، كما قال تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]، أو كما قال – عزَّ وجل -: {نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} [الحشر: 19]، ويُحَذِّر تعالى عباده فيقول: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [الحشر: 19].

الإشكاليَّة المنهجيَّة في تديُّن المصلحة:

قد يرى بعضُ الناس أنَّ تدين المصلحة مُفيد للشخص في دنياه، وتعينه في قضاء كثيرٍ من حوائجه، والأدهى من ذلك والأَمَرُّ أن نجد بعضَ الناس يحتجُون بكلمة رائجة ذائعة باتت في أذهان الناس شائعة ألا وهي: "حيثما كانتِ المصلحةُ فثمَّ شرع الله".

إنَّ المُدقق في هذه القضيَّة يجد أنَّها بالفعل (إشكالية منهجية)، وليست (مُسلَّمة منهجيَّة)؛ إذ ما أكثر ما يقوله علماء أصول الفقه أو فقهاء المقاصد الشرعية، وما أقل مَن يفهم عباراتهم ويفهمها على مرادها الصحيح، وليست على المرادات المغلوطة.

ومكْمَنُ الخلل في قضيَّة كهذه: أن يعتقد بعضُ الناس صحَّة إطلاق هذه العبارة بشكل عام، والصواب أنَّ هذه العبارة يجب ألا تؤخذَ هكذا على علاَّتها وإطلاقها، بل تُقبل فيما لم يرد به نص صريح صحيح، فلو كانت الأمورُ كلها بناء على هذه القاعدة: (حيثما وجدت المصلحة فثمَّ شرع الله)، لكان كلُّ مَن ظنَّ مصلحة موهومة غير متحققة، أو مصلحة مخالفة لشريعة الإسلام وكلياته، فإنَّها تكون مصلحة شرعيَّة وهذه أمَّ الكُبَر!

وستكون هذه المصلحةُ بدون تدقيق لها وضبطها بضوابطها الشرعية وقواعدها المرعيَّة وأصولها الفقهيَّة؛ عبارة عن وهْمٍ اسمه: المصلحة، لكنَّها في حقيقة الأمر هو (الهوى)، فحسب وهو الذي يظنه بعض الناس مصلحة أو عقلًا لكنَّه ليس إلاَّ ما تهواه الأنفس وما تشتهيه.

وفي ذلك يقول الإمام الشاطبي: "إنه قد علم بالتجارب والعادات أن المصالح الدينية والدنيوية، لا تحصل مع الاسترسال في اتباع الهوى، والمشي مع الأغراض، لما يلزم من ذلك من التهارج والتقاتل والهلاك، الذي هو مضاد لتلك المصالح"[4].

إنَّ مُشكِلَة (تدين المصلحة) تُشبه تمامًا ما يمكن تسميته بـ: (دعوة المصلحة) حيث يقوم كثير من الناس بالدعوة إلى الله، لكنَّهم في حقيقة الأمر يدعون إلى أنفسهم، وتكثير جماعتهم، ويُلمِعون من شأنهم، وقد يحتقرون أو يقللون من جهود الآخرين.

وهذه طامة كبرى حينما يقع الداعية فيها، فبدلًا من أن يدعو إلى الله يدعو إلى نفسه أو حزبه، فدعوته قائمة على المصلحة الشخصيَّة لا الشرعيَّة، وتدينه يكون في مآله ونهايته [تديناً مصلحياً] ليس قائمًا على أساس (مصلحة التدين)، وقد يكون غرضه من ذلك تكثير الأتباع وتضخيم الأنصار والأشياع، وهي مشكلة موجودة لدى كثير من العاملين في حقل العمل الإسلامي والدعوة الإسلامية.

وقد نبَّه الإمام ابن تيميَّة -رحمه الله تعالى- إلى هذه القضيَّة بشكل دقيق فقال: "فإن الإنسان عليه أولاً أن يكون أمره لله، وقصده طاعة الله فيما أمره به، وهو يحب صلاح المأمور أو إقامة الحجة عليه، فإن فعل ذلك لطلب الرياسة لنفسه ولطائفته، وتنقيص غيره كان ذلك حمية لا يقبله الله، وكذلك إذا فعل ذلك لطلب السمعة والرياء كان عمله حابطًا، ثم إذا رد عليه ذلك أو أوذي أو نُسب إلى أنه مخطيء، وغرضه فاسد، طلبت نفسه الانتصار لنفسه، وأتاه الشيطان فكان مبدأ عمله لله، ثم صار له هوى يطلب به أن ينتصر على ما آذاه، وربما اعتدى على ذلك المؤذي، وهكذا يُصيب أصحاب المقالات المختلفة إذا كان كل منهم يعتقد أن الحق معه، وأنه على السنة، فإن أكثرهم قد صار لهم في ذلك هوى أن ينتصر جاههم أو رياستهم وما نسب إليهم، لا يقصدون أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، بل يغضبون على من خالفهم، وإن كان مجتهدًا معذورًا لا يغضب الله عليه، ويرضون عمَّن كان يوافقهم، وإن كان جاهلاً سيئ القصد، ليس له علم ولا حسن قصد، فيفضي هذا إلى أن يحمدوا من لم يحمده الله ورسوله، ويذموا من لم يذمه الله ورسوله، وتصير موالاتهم ومعاداتهم على أهواء أنفسهم لا على دين الله ورسوله، وهذا حال الكفار الذين لا يطلبون إلا أهواءهم، ويقولون: هذا صديقنا وهذا عدونا… ولا ينظرون إلى موالاة الله ورسوله ومعاداة الله ورسوله، ومن هنا تنشأ الفتن بين الناس"[5].

إنَّ من أخطر الأشياء على إيمان العبد تلاعبه بدينه، واتخاذه كوسيلة لتمرير مصالحه الشخصيَّة، وهو جانب يغفل عنه كثيرٌ من بسطاء الناس، وقد لا يعقلونه أو يعون تصرفات بعض الناس النفعيين الذين يتربَّحون بدينهم، لأجل ذلك قال عبد الله بن وهب: "قال لي مالك بن أنس: يا عبد الله! لا تحملن الناس على ظهرك، وما كنت لاعبًا به من شيء فلا تلعبن بدينك!"[6].

إنَّها كلمة عظيمة، فالعالِم لا يسنٌّ للناس ما يكون سببًا في إضلالهم، فيتحمَّل أوزارهم وذنوبهم، فالمؤمن الفقيه هو مَن يعرف قدر دينه، ويأخذه بقوة ولا يلتون فيه كالحرباء، أو أن يأخذه بضعف، بل يستمسك به كما قال تعالى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12]، وقوله عز وجل: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} [الأعراف: 145]، ولا يكون المؤمن بربه متحايلًا على حدوده ومحارمه، أو أن يتكلَّف ويحمل على ظهره أحمالًا من أوزار القوم، فتلقى على ظهره؛ لأنَّه أباح لهم ما حرَّم عليهم أو أنَّه حرَّم عليهم ما هو مباح لهم.

ولفتة أخرى مُقاربة لهذه المشكلة، فكم رأينا وسمعنا عن قصص كثيرة مِمَّن يسترزقون بدينهم أو بدنيا غيرهم من أهل السوء وحكام السوء وعلماء السوء، والمصيبة أنَّهم قد يُظهرون للناس شيئًا خلاف ما يُبطنونه ويعتقدونه.

ولقد ذمَّ جمٌّ هائل من علماء الإسلام أمثال هؤلاء الحمقى الذين يسترزقون بدينهم، حتى إنَّ "الحاكم روى في تاريخه عن ربيعة الرأي أنَّه قال للإمام مالك: يا مالك من السفلة؟ قال: قلت من أكل بدينه، فقال لي: ومن أسفل السفلة؟ قلت: من أصلح دنيا غيره بفساد دينه"[7].

إنَّ من أخطر ما يتعامل به المتعاملون مع هذا الدين، أنَّهم يعتبرونه مصدر استرزاق ومهنة وليس رسالة في الحياة ومهمَّة، فبئسًا لقوم اشتروا بآيات الله ثمنا قليلًا، {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102].

فليحذر العبد من التلاعُب بدينه، والاستهانة بحرمات الإسلام، فإنَّ هذا دين وهو شرعة رب العالمين، ولا يصحُّ للعبد أن يتعاملَ مع دينه وفق مجريات أهوائه، فإنَّه سيكون رقيق الدين والتدين، ولن يلتزم الحدود التي حدَّها الله لعباده، ولهذا تحدث الإمامُ ابن حزم – رحمه الله – عن مثل هؤلاء فقال: "ولا أرق دينًا ممن يوثق رواية إذا وافقت هواه، ويوهنها إذا خالفت هواه؛ فما يتمسك فاعل هذا من الدين إلا بالتلاعب"[8] نسأل الله السلامة والعافية!

يستخدمون الدين ولا يخدمونه!

قبَّح الله أناسًا ليس لهم في العلم الشرعي كبيرُ إمعان، ولا إعمال بصر، ولا إطراق فكر، بل إنَّهم رأوا أنَّ تدينهم قد يدر عليهم أرباحًا طائلة وأموالًا غزيرة، فأتقنوا التجارة بدينهم – والعياذ بالله، فباتوا ممن يمكن أن نقول عنهم بأنَّهم (يستخدمون الدين ولا يخدمون الدين)، فالدين بالنسبة لهم عبارة: عن عبَّارة تؤدي لهم مقصدهم، ويفعلون منها ما يشاؤون، وقد يُمثِّلون على الناس في بدء أمرهم.

وأكثر من يفعل ذلك الطغاة حيث إنَّهم قبل انتخاباتهم أو في بداية فوزهم بالانتخابات داخل الدول الإسلاميَّة يردِّدون كلامًا عاطفيًا، يدغدغون به مشاعر الجماهير الإسلامية، فقد يقولون: سنطبق الشريعة كما فعل ذلك بروزي مشرف حينما فاز بالانتخابات الباكستانية، وأتذكر حينها قامت إحدى المجلات الإسلاميَّة الخليجيَّة ناقلة عن هذا المأفون قولته تلك، وبعد أن استقر حكمه كان من أشد الناس عداء للشريعة وللإسلاميين، ولا ننسى كذلك ما حاوله الطاغية الشقي ابن علي بعد توليه الرئاسة، فلقد صار يبث أذان الحرم من مكة في التلفزة التونسية، كل ذلك للضحك على ذقون الشعب التونسي، لكنَّ من كان يعرف دواخله ودغيلته وحقده على الإسلام كان يحذر منه، ويقول: ما هو إلا نبتة فرنسية سيكون مماثلاً لشيخه الذي علمنه الفساد والعلمنة بورقيبة، وقد يكون أدهى منه وأمر، ودارت رحى الأيام وكان الأمر كما كان!

إنَّ الوعي الشعبي للجماهير المسلمة يجب أن يزدادَ، ويكتسب خبرة، وتجربة عظيمة من أولئك الذين يبيعون دينهم بدنيا غيرهم، ومِمَّن يعلمون أنَّ سوق النفاق والكذب رائجة في هذه الأيام – ولا حول ولا قوة إلا بالله – وعلى الشعوب المسلمة أن يكون لها من الوعي باستبانة سبيل المجرمين ممن يستخذون الناس بكلامهم الطيب، ولكنَّهم أول ما يُخالفونه بأفعالهم، ويصدق فيهم قوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ } [آل عمران: 167].

يُعْطِيكَ مِنْ طَرْفِ اللِّسَانِ حَلاَوَة *** وَيَرُوغُ مِنْكَ كَمَا يَرُوغُ الثَّعْلَبُ

وإنَّ من الجوانب التي لا يمكن أن تُنْسَى في هذا الصدد، أن يقول بعض الناس: إنَّ من خدعنا لله وقام بأعمال صالحة أمام الناس مع أنَّه عرفت عنه الكثير من الأعمال الطالحة، فليس لنا أن نتهمه بشيء في دينه، وقد يحتجُّ بعضهم بما ورد عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر – رضي الله عنه – حيث قرأ قوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، فقد نقل عنه بعض المؤرخين أنَّه كان إذا أعْجَبَهُ شيء من ماله يقربه إلى الله – عز وجل، وكأن عبيده قد عرفوا ذلك منه فربما لزم أحدهم المسجد فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال أعتقه فيقال له: إنهم يخدعونك، فيقول: "من خدعنا لله انخدعنا له"!

وهذا يختلف تماماً عمَّا يقوم به الطغاة والمجرمون الذين يعيشون في الأرض فسادًا، وقد يقوم أحدهم بالصلاة أمام الناس، أو بفعل شيء صالح، فينخدع به كثير من الطيبين والسذج وقد يدافعون عنه، أو أن يبني مسجدًا ويُعلن عن ذلك في الجرائد وقد ينسبه لنفسه، وما علم أولئك الطيبون أنَّه قد بناه من أموال الدولة وخزانة المال!

إنَّ موقف عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- موقف شخصي، ولعلَّه كان له نظر وفراسة في بعض عبيده، ولعلَّه أراد من بعضهم التزوُّد من البر والتقوى في ذلك، ومع هذا وذاك فلم يكن فعله إلاَّ موقفًا خاصًا به رضي الله عنه.

لقد كان عبد الله بن أبي بن سلول إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على المنبر قام فقال: أيها الناس هذا رسول الله بين أظهركم أكرمكم الله تعالى به وأعزكم، فانصروه وعزروه واسمعوا له وأطيعوا، ثم يجلس … وبعد أن خذل المسلمين في غزوة أحد ورجع بثلاثمائة من المقاتلين أراد أن يفعل ذلك، لكن وعي المسلمين واستبانتهم لسبيل النفاق وأهله جعلهم يعرضون أقواله على أفعاله فحينما همَّ عبد الله أن يفعل قبل خطبة رسول الله ما كان يفعله قبل غزوة أحد أخذ المسلمون بثوبه من نواحيه وقالوا له:"اجلس عدو الله، والله لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت"[9].

إنَّ الفساد الذي ضرب بأطنابه في الأرض يحتاج لرجال يكونون على وعي تام به، وحذر من أن يستخِفَّهم أولئك الطغاة العتاة، وهم لا يجيدون سوى فنون التمثيل على الصالحين بتدينهم حينًا، وببعض الأعمال التي يظهر منها الصلاح حينًا، وليس لهم من وراء ذلك إلاَّ العمل الطالح، ومع ذلك فإنَّ الأمر بحاجة لصبر ويقين وعدم اندفاع أو تعجُّل، كما قال تعالى في آخر سورة الروم: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (59) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (60) } [الروم: 59، 60].

إنَّ المؤمن كما هو معلوم كُيِّسٌ فَطِنٌ، ولا يلدغ من جحر واحد مرتين، وإنَّ فهمه للواقع وفقهه للحياة وتقلبات الناس فيها، يستدعي منه الحذر والانتباه؛ ألاَّ يستحوذ على تصوراته تمثيليات يقوم بها الطغاة والمنافقون الذين يستخدمون الدين لمصالحهم ومآربهم الشخصيَّة ليس لهم هدف من ذلك ليكون عملهم لله، بل لخداع الجماهير، أو لصرف المؤمنين عن ألاعيبهم التي يحبكونها بمهنيَّة واحترافيَّة، وغريب أن يأتي بعض البسطاء من أهل الإيمان فينخدعوا بأفعال أهل الطغيان ومعسول كلامهم، وصدق سفيان الثوري القائل: "من العجب أن يُظن بأهل الشر الخير"[10]، مع أنَّ المؤمن يجب ألاَّ يُخدع ولا يُحسن الظن بأهل الشر.

إنَّ رائد الداعية البصير والمفكر القدير قصَّة بناء المنافقين لمسجد الضرار التي نبَّه فيها الله -تبارك وتعالى- رسول الهدى محمد -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 107]، ثمَّ قال تعالى: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108].

فالمؤمن لا يُخدع بمعسول الكلام، ولا بجميل الفعال، من شخص عُرف عنه الطغيان والفجور، إلاَّ أن يُعلن ذلك الشخص توبته، ويتبرأ ممَّا كان يفعله في وقت سابق، ويعقب ذلك العمل الفاسد صلاحًا وإصلاحًا في واقع الحياة.

إنَّ استبانة سبيل المجرمين ودراسة طرقهم وأساليبهم الملتوية، ديدن المؤمنين، وسنَّة المتقين، وهو من الوعي والفقه الذي يزيد صاحبه معرفة بآيات الله تعالى، فلقد قال – عزَّ من قائل -: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ } [الأنعام: 55]، قال النسفي – رحمه الله -: "ولتستوضح سبيلهم فتعامل كُلاًّ منهم بما يجب أن يعامل به"[11].

قال ابن القيم: "فمن لم يعرفْ سبيل المجرمين، ولم تستبنْ له، أوْشَك أن يظن فى بعض سبيلهم أنها من سبيل المؤمنين، كما وقع فى هذه الأمة من أمور كثيرة فى باب الاعتقاد والعلم والعمل"[20].

اللهم إنَّا نسألك وعياً تبدد به ظلام جهلنا، وفكراً صحيحاً يلهمُنا السير في سبل الهدى، وأزل الران عن قلوبنا؛ لكي نهتدي في دروبنا، واكفنا شر منافق عليم اللسان يريد الاستخفاف بنا وافضحه على رؤوس الأشهاد، واجعلنا ممن يعملون بالإسلام وينتصرون للإسلام، وارزقنا يقيناً لا ينفد، واكفنا شر كل ناقم على الشريعة ومعتد، واجعل ديننا لنا يقينا، وهادياً لنا وسراجاً مبيناً، واهد كل مفتون عن دينه بماله، واجعله بصيراً بمصلحة دينه، واملأ قلبه من آياتك وسنَّة نبيك؛ لتطهر به فساد مصلحة دنيويَّة فأحاطت به خطيئته مجامع قلبه، فكان بينه وبين فهم دينك حجاب.

اللهم صلِّ على المبعوث رحمة للعالمين، والحمد لله رب العالمين.

————————-

[1] الفوائد، ص: 145

[2] حلية الأولياء، لأبي نعيم (3 / 129).

[3] أخرجه الترمذي، وأحمد، وصححه الترمذي، وقال ابن رجب: حسن جيد، وقال ابن حجر: حسن، وصححه أحمد شاكر والألباني – رحمهم الله جميعًا.

[4] المُوَافَقَات: (2/170).

[5] منهاج السنة النبوية (5/254 – 257) باختصار وتصرف.

[6] الحجة في بيان المحجة (1 / 207)، وروى اللالكائي نحوها في شرح السنة (1 / 144) .

[7] الآداب الشرعية (1/329).

[8] المُحَلَّى، (4/ 180) في كتاب الزكاة.

[9] انظر القصَّة فلقد أوردها الإمام ابن كثير في تفسيره لسورة المنافقين عند قوله تعالى: (إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللّهِ لَوّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدّونَ وَهُم مّسْتَكْبِرُونَ).

[10] حلية الأولياء (7 /52)

[11] تفسير النسفي [1/325].

[20] الفوائد (1 / 109).

المصدر: المسلم

 

قراءة شرعيَّة في واقع كثير من المجتمعات مع قضيَّة التدين (1/2)

 

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات