طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > الخيط الناظم في كتاب الله (2/2)

ملتقى الخطباء

(2٬923)
295

الخيط الناظم في كتاب الله (2/2)

تاريخ النشر : 1432/11/26
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

ويحدثنا مطلع سورة الأنفال عن إرهاصات معركة بدر، ثم تفاعلاتها وتطوراتها بين الاستيلاء على قافلة قريش أو المواجهة العسكرية، حتى يصل السياق إلى النصر العظيم الذي حققه المسلمون في قتالهم لجيش الكفار وسحقهم.. أتدري أين العجب في ذلك كله، أن القرآن بعد شرح هذه الأحداث المتلاحقة يعقب تعقيباً مدهشاً في تربية التعلق بالله ونسبة الفضل له سبحانه، بالله عليك تأمل هذا التعقيب القرآني على ..

 

 

 

 

 

ويحدثنا مطلع سورة الأنفال عن إرهاصات معركة بدر، ثم تفاعلاتها وتطوراتها بين الاستيلاء على قافلة قريش أو المواجهة العسكرية، حتى يصل السياق إلى النصر العظيم الذي حققه المسلمون في قتالهم لجيش الكفار وسحقهم.. أتدري أين العجب في ذلك كله، أن القرآن بعد شرح هذه الأحداث المتلاحقة يعقب تعقيباً مدهشاً في تربية التعلق بالله ونسبة الفضل له سبحانه، بالله عليك تأمل هذا التعقيب القرآني على غزوة بدر: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) [الأنفال، 17]

يالله العجب .. فالصحابة المجاهدون هم الذين قاتلوا، والنبي -صلى الله عليه وسلم- هو الذي رمى التراب وقال "شاهت الوجوه"، ومع ذلك يقول القرآن: لا، لستم أنتم الذين قتلتموهم، ولا أنت يارسول الله الذي رميت، ولكنه الله سبحانه هو الذي قتلهم، وهو الذي رمى، والمعنى أن الله هو الذي أظفركم بهم، لكن من شدة نسبة الفضل إلى الله نسب إليه الفعل ذاته! فانظر كيف تُشرَع القلوب إلى السماء وتتخلص من حبال التثاقل إلى الأرض..

وإذا تأمل متدبر القرآن هذه الآية (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) لوجد فيها إثباتاً ونفياً، فأثبت لرسول الله رمياً، ونفى عنه رمياً آخر، فالمثبت هو الحذف والإلقاء، والمنفي هو الإيصال والتبليغ، كما حرره ابو العباس ابن تيمية، وذكر -رحمه الله- في موضع آخر في الآية ثلاثة أوجه وناقشها، وهي في الفتاوى(15/39) لمن أراد التوسع.

ويشبه هذا المعنى المذكور في سورة الأنفال آية أخرى في سورة التوبة يقول الله فيها: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ) [التوبة، 14]

فانظر كيف نسب السبب لأيدي الصحابة، ونسب الأثر لله سبحانه وتعالى! فصحيح أنكم أنتم الذين تقاتلونهم لكن الله هو الذي يعذبهم بذلك!

لا يتوقف مشهد تعليق القلوب بالله في المجتمع المسلم، بل إن القرآن يوجه قارئه إلى تربية التعلق بالله في نفوس (الأسرى) .. إنهم الأسرى الذين هم مجموعة من الكفار المحاربين الذين تعذر عليهم إتمام مهمتهم الخبيثة! ومع ذلك يحثنا كتاب الله على تفقيههم في معاني (أعمال القلوب) يقول الله في سورة الأنفال: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [الأنفال، 70]

يجب أن يدرك الأسرى أن الموضوع كله متعلقٌ بما في القلوب!

ولما ذكر الله قصة الثلاثة الذين خلِّفوا وهم كعب بن مالك وصاحبيه، وهي مرويةٌ بطولها في صحيح البخاري، شرحت الآيات حالة استغلاق الهم والغم الذي أصاب هؤلاء الثلاثة، ثم وصلت الآية إلى جوهرها وهو "الحالة الإيمانية" التي يحبها الله سبحانه، وثمّنها منهم، وجعلتها الآية ختام المشهد، يقول الله سبحانه: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [التوبة، 118]

أرأيت؟! ما أبدع عرض الآية لهذا المقام الإيماني في سياق تفاعلات الهم والغم، فبعد أن ضاق عليهم الخارج (الأرض بما رحبت) وضاق الداخل (وضاقت عليهم أنفسهم) تصل الآية إلى ذروة الإيمان (وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ) ..

ليس العجب فقط أنهم تعلقوا بالله.. بل العجب إشارة الآية إلى المبدأ والمنتهى، أعني إشارتها إلى أنه لا نجاة من الله إلا إلى الله! فالله هاهنا هو المخوف، والله نفسه هو الملاذ! هذه هي القلوب التي يحبها الله..

ومما يدلك على أن الله يريد من العبد أن يبقى قلبه متضرعاً مستغيثاً في حال الأزمة، وبعد تجاوزها.. وأنه ليس من الأدب أن تدعوا الله أثناء الأزمة ثم تغفل عن التعلق بالله بعد تحسن الأحوال، يصف الله هذا المشهد بقوله في سورة يونس: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [يونس، 12]

تأمل كيف وصفت الآية الضجر الذي يصيب الإنسان أثناء المصيبة فيدعوا الله في كل أحواله قائما وقاعداً ومستلقياً، ثم إذا كشف الله مصيبته غفل ونسي تلك اللحظات التي كان يناجي فيها ربه.. عزبت عن باله ذكرى تلك الابتهالات إلى الله حال الكرب..

وهذا المشهد الأليم الذي ذكرته سورة يونس شرحته آيات أخرى لتؤكد أهمية الموضوع، يقول تعالى في سورة الزمر: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ) [الزمر، 8]

ويقول الله في سورة فصلت: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) [فصلت، 51].

والله إنني أشعر بالخجل وأنا أعلق على هذه الآيات.. ما أكثر ما يلح المرء على ربه إذا عرضت له حاجة، فإذا تحققت حاجته وحصّل غرضه طارت به الفرحة فأنسته التبتل بين يدي ربه شكراً وحمداً وثناءً..

أليس هذا هو المرور كأن لم يدع الله إلى ضر مسه؟! أليس هذا هو نسيان ما كان يدعوا إليه من قبل؟! أليس هذا هو الإعراض والنأي بعد ذلك "الدعاء العريض" ؟! يارب عفوك وسترك..

والمراد أنه إذا تأمل متدبر القرآن كيف كرر الله في تصويرات متعددة ذم من يدعوا الله في حال الضر، ويغفل في حال العافية؛ علم أن الله يريد أن يكون القلب معلقاً بالله في كل حال..

سأسألك يا أخي الغالي قارئ هذه السطور سؤالاً تبوح به هذه الكلمات المكتوبة، ولكن اجعل جوابه في صدرك، اجعلها مناجاة الأحبة بيني وبينك.. سؤالي هو: بالله عليك ألم يمر بك لحظة ركبت فيها (الطائرة) مسافراً إلى سياحة أو تجارة أو غيرها، وكانت الأمور على ما يرام، ثم وأنت في جوف السماء ارتعدت الطائرة لظروف جوية، أو رأيت طاقم الطائرة يلهثون كأنما يخفون أمراً خطراً، فكيف كانت مشاعرك في تلك الحالة؟ ألم تدعُ الله وجِلاً بالسلامة، ألم يركض أمام عينيك سريعاً شريط الخطايا والمعاصي؟ ألم يستحوذ عليك إحساس بأنك إن سلمت ستتوب بعد أن رأيت الموت؟

مرّت بك هذه اللحظة؟ إذن اقرأ كيف يصور الله ذات المشهد لكن على وسيلة مواصلات أخرى مشابهة، وتأمل كيف يعاتبنا على ذلك، يقول الله في سورة يونس: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [يونس، 22-23].

يا لبلاغة القرآن .. والله لا زال هذا المشهد يتكرر منذ أنزل الله هذه الآيات إلى يوم الناس هذا!

وهذا المشهد المذكور في سورة يونس شرحته آية أخرى مشابهة في سورة الإسراء، وكشفت آية الإسراء جهل العقل البشري، وكيف يغفل عن أخطار أخرى حتى لو سلم في رحلته التي نجا فيها، يقول الله مرةً أخرى عن وسائل النقل: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا * أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا * أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا) [الإسراء، 67-69]

تأمل كيف تشير الآية إلى جهل الإنسان حيث يظن أنه إذا وصل البر أمِن ولذلك يغفل! والقرآن ينبهه أنه حتى لو نزل على الأرض فقد يكون تحت خطر عقوبة أشد كالخسف بالأرض كما حصل لقارون، أو الرمي بالحصباء كما حصل لقرية سدوم..

ثم ينبه القرآن تنبيهاً أعجب وهو أنه يامن نجوت هذه المرة من الخطر ووصلت البر، قد تعود مرةً أخرى إلى وسيلة النقل ذاتها فتهلك هلاكاً أشد حين تقصم الريح مراكبك..

وتشير آية أخرى إلى تفاوت الناس بعد زوال لحظة الخطر على وسيلة النقل: (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ) [لقمان، 32]

هذه الصورة التي يكررها القرآن عن السفر بالسفن واليخوت انقلها بحذافيرها إلى وسيلة نقل مشابهة كالطائرة أو القطارات أو السيارات وتأمل كيف يكون الإنسان فيها قلقاً، وخصوصاً إذا مر بظروف طبيعية، كرياح تثير الاضطراب، ثم إذا نزل على الأرض نسي استكانته وتضرعه وعزيمته على الاستقامة.. تذكر هذه الصورة التي نمر بها وأعد قراءة آية يونس وآية الإسراء السابقتين تنكشف لك من معاني الإيمان والتعلق بالله مالم يخطر ببالك..

والمقصود أن ينظر متدبر القرآن كيف يريد الله قلوباً تستديم التعلق به في حال الخطر والسلامة.. إنه الخيط الناظم والحقيقة الكبرى في القرآن، وهو استمرار حركة القلب بالإيمان بالله والتعلق به سبحانه..

ربما لو جلست مجلساً وسألت من فيه ما هو تعريف "الصحبة الصالحة"؟ لربما طافت بك التعريفات في صفات دنيوية، وخصوصاً بعد غلبة المنظور الغربي لمفهوم (تطوير الذات) فصارت تسري في مفاصل هذه الكتب المعايير المادية في النظرة للحياة والنجاح.. لكن متدبر القرآن يجد في سورة الكهف تعريفاً مدهشاً للصحبة الصالحة، يقول الله -تبارك وتعالى- لنبيه: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) [الكهف، 28]

سألتك بالذي خلقك هل تجد اليوم في خطاباتنا الفكرية والنهضوية من يعرّف الشخصية المتميزة بهذا التعريف؟! انظر كيف تحدد سورة الكهف "خاصية" الشخص المتميز .. إنه الذي "يدعوا ربه بالغداة والعشي" .. واخجلاه من زمانٍ صرنا نستحي فيه من حقائق القرآن!

ولما كلف الله موسى -صلى الله عليه وسلم- بالرسالة، طلب موسى من الله أن يجعل له وزيراً يعينه على مهمة الرسالة وهو أخوه هارون، لكن ما هو المقصود الأبعد من هذا التعاون والتعاضد بين الأخوين؟ شاهد كيف يشرح موسى وظيفة الاستعانة بأخيه هارون في سورة طه: (واجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا) [طه، 29-34]

أظنك لاحظت هذا الحضور العجيب لـ(ذكر الله) في بنية الرسالة، موسى يقول لربه اجعل معي هارون كي نسبحك ونذكرك كثيرا! من أجل التسبيح والذكر!

هل انتهى الأمر عند هذا الحد؟ لا، بل إن الله تعالى يرسل موسى وهارون إلى فرعون ويوصيهما مرةً أخرى بلهج اللسان بذكر الله، فيقول الله في نفس السورة، سورة طه، بعد الموضع السابق بآيات معدودة: (ذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي) [طه، 42]

موسى يريد توزير أخيه ليتعاونا على تسبيح الله وذكره، وربهما يرسلهما ويقول لا تنيا أي لا تفترا ولا تضعفا ولا تكسلا عن ذكري .. لاحظ المهمة الجسيمة التي سيتحملانها وهي مواجهة أعتى نظام مستبد في التاريخ بما يستفز كبرياءه، ومع ذلك يقول الله لهما "ولا تنيا في ذكري"..

لو قدّم اليوم بعض الدعاة نصيحة للثوار على الحكومات العربية الفاسدة بأن يكثروا من (ذكر الله) لعدّ كثير من المستغربين ذلك دروشة وسذاجة! برغم أن موسى يجعل ذكر الله مظلةّ لمهمته الكبرى، والله جل جلاله يؤكد عليهما بأن لا يفترا عن الذكر.. فما أكثر الشواهد المعاصرة على غُربة مفاهيم القرآن، وبعد كثير من شباب المسلمين عنها إلا من وفق الله..

ثم يتحدث القرآن في سورة الحج عن طريقة تلقي المؤمن لآيات الوحي، وأنه ليس المطلوب فقط تنفيذ أحكام القرآن، بل لابد أن يقوم في القلب معنى آخر يظهر به "ذل العبودية" لله سبحانه وتعالى، وهو طأطأة القلب ورقته فور تلقيه القرآن، يقول الله: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) [الحج، 54]

وقد ذكر بعض أهل التفسير أن معنى الإخبات هاهنا "أي ترق للقرآن قلوبهم".

ثم ينتقل بنا المسار إلى سورة (المؤمنون)، وفيها مشهد بديع لعمارة النفوس بالله، ذلك أن كثيراً من الناس يتصور أن المؤمن يجب أن يخاف من الله حال (المعصية)، أما حال (الطاعة) فتذهل كثيرٌ من العقول عن مقام الوجل من الله، لكن ميزان القرآن يختلف، يختلف جذرياً، إنه يريد شُعب الإيمان مستوفزة متلهفة في كافة الأحوال، مشدودةً إلى خالقها، تأمل كيف يصوِّر القرآن المؤمن وهو في لحظة العمل الصالح: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) [المؤمنون،60]

يمد يده بالصدقة وقلبه يرتجف من الله! بالله هل رأيت إقبالاً على الله وذهولاً عما سواه أشد من ذلك؟! فاذا كان هذا هو المطلوب القرآني حال (الطاعة) فكيف يكون حال (الخطيئة)؟!

وفي سورة النور لما ذكر الله الأنشطة التجارية لم يتحدث عن أهميتها، أو فنونها، بل التحذير من أن تشغل القلب عن الانكباب على الله (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) [النور، 37] فإذا كان هذا حالهم أثناء التجارة المنهكة فكيف يكون أثناء الفراغ؟!

ومن المعاني القرآنية التي نبهت إلى تعلق القلب بالله وانصرافه عما سواه مفهوم (إقامة الوجه للدين) (وإسلام الوجه لله) .. وهي تعابير لها دلالاتها القلبية العميقة.. تأمل هذه الطائفة من الآيات: يقول الله (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) [يونس، 105]، وقال الله (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) [الروم، 30] ، ويقول سبحانه (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ) [الروم، 43] ، ويقول أيضاً (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) [لقمان، 22]

وقد قرأت لعددٍ من أهل العلم عن أكثر أمرٍ ردده القرآن بعد التوحيد ما هو؟ ورأيتهم ذكروا أموراً لكني اختبرتها فوجدتها غير دقيقة، وأما الذي رأيته شخصياً فلا أعرف مطلوباً عملياً ردده القرآن بعد التوحيد مثل موضوع (ذكر الله) سواءً كلام القرآن عن (جنس الذكر) كحديث القرآن عن الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، والذكر قائماً وقاعداً ومضجعاً، وذكر الله آناء الليل والنهار، وتحريم أمورٍ لأنها تصد عن ذكر الله، والتحذير من قسوة القلوب من ذكر الله، وخشوع القلب لذكر الله، ونحو هذه المعاني التي تتحدث عن جنس الذكر، أو كلام القرآن عن (آحاد الذكر) مثل التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير ونحوها، كتسبيح الكائنات، واستفتاح السور بالحمد، ونحوها. هذا هو أكثر مطلوب عملي رأيته في كتاب الله، أما المطلوب الخبري بعد التوحيد فربما كان (المعاد) والله أعلم.

هذه الظاهرة في القرآن -أعني ظاهرة كثرة الحديث عن ذكر الله- لا أظنه سيخالف فيها من تأملها بإذن الله، ويستطيع متدبر للقرآن ملاحظتها بسهولة، وإنما الشأن في تفسير هذا الموضوع، أو على الأقل محاولة إدراك العلاقة بين (ذكر الله) و (القلب البشري).. فما العلاقة بين الذكر والقلب ياترى؟ هناك آيتان عظيمتان في كتاب الله أشارتا إلى سر هذه العلاقة، يقول الله في سورة الأنفال: (إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) [الأنفال، 2]

ويقول الله في سورة الحج: (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ* الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) [الحج، 34-35]

لا أظنه فاتك هذا السر الذي نبهت إليه الآيتان، انظر كيف يربط القرآن بين الذكر وحركة القلب "إذا ذكر الله وجلت قلوبهم" .. بالله عليك ألا تدهشك هذه العلاقة؟

على أية حال .. تلاحظ أننا ابتدأنا هذه الخواطر بمشاهد من السبع الطوال أول المصحف.. ثم انتقلنا إلى مشاهد أخرى من أواسط المصحف.. دعنا نغادر الآن إلى مشاهد مماثلة من خواتيم القرآن وقصار السور..

من النماذج الملفتة في أواخر القرآن سورة تحدث الله فيها عن مشاعر المؤمن بعد أن يلقي عنه عناء الجهاد فيتحقق النصر .. لقد كان القرآن طوال حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلق القلوب بالله لتنتصر، فماذا بعد النصر؟ يقول الله: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [النصر، 1-3].

ومن أساليب القرآن العجيبية في وصل النفوس بخالقها أن القرآن لا يكتفي بذكر التعلق بالله، بل ينوع أسماءه سبحانه في الموضع الواحد لتتعدد موارد التعلق! انظر كيف يتقلب الفؤاد في مدارج العبودية وهو يسمع (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ* مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ) [الناس، 1-3]

يأمرنا الله أن نلجأ ونستعيذ به بموجب ربوبية الله للناس (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ، فإذا تشبع القلب بذلك، انفتح عليه مشهد مُلك الله العظيم للناس ( مَلِكِ النَّاسِ)، فيزداد تمسك القلب واستعاذته بمقتضى ملكية الله، ثم يكشف للقلب مورداً آخر وهو ألوهية الله للناس (إِلَهِ النَّاسِ)، فلا تزال حبال الاستعاذة تشد قلب متدبر القرآن إلى السماء، بمقتضيات وموارد وموجبات تتكشف له من معاني الأسماء الإلهية العظيمة..

وهكذا يريد القرآن -من مفتتحه إلى مختتمه- أن تكون قلوب العباد..

وهذه مجرد نماذج ومنتخبات التقطتها من أجزاء القرآن، وتركت أضعاف أضعافها لئلا يطول الحديث وينتشر الموضوع، ويستطيع متدبر القرآن أن يلاحظ هذه القضية وهي (عمارة النفوس بالله) في كل آية من كتاب الله، فما من آية من آيات القرآن إلا وفي جوفها معارج تسري بالقلوب إلى مقلب القلوب..

وقد انعكست هذه الهدايات القرآنية على تعاليم سيد ولد آدم -صلى الله عليه وسلم- فنبهت أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- على انكباب القلوب على الله جل وعلا، وأظن من أكثرها لفتاً للانتباه الحديث الشهير الذي رواه البخاري ومسلم عن السبعة اللذين يفوزون بظل الله يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم (ورجل قلبه معلق في المساجد، إذا خرج منه حتى يعود إليه) [البخاري660 ، مسلم1031].

شاهد كيف يربي النبي -صلى الله عليه وسلم- في نفوس أصحابه التعلق بالمسجد، وقارنه ببعض المنتسبين للدعوة الذي صاروا يعلقون الناس بما هو خارج المسجد!

قارن الخطاب النبوي بمنتسبين للدعوة صاروا من الزاهدين في سكينة المساجد، المولعين بصخب الدنيا..

وهذا المعنى الذي تواردت عليه معاني القرآن -كما رأينا نماذجه سابقاً- هو خاصة التوحيد الذي دارت عليه عبارات متألهي السلف وربانييهم، وما أحسن قول أبي العباس ابن تيمية رحمه الله: (والمقصود هنا أن الخليلين -محمد وإبراهيم- هما أكمل خاصة الخاصة توحيداً..، وكمال توحيدهما بتحقيق إفراد الألوهية، وهو أن لا يبقى في القلب شيء لغير الله أصلاً) [ابن تيمية، منهاج السنة، 5/355].

يا الله .. ما أجمل هذا المعنى .. اللهم لا تجعل في قلبي وقلوب إخواني شيء لغيرك أصلاً..

لقد جبلت النفوس البشرية على التعلق بالدنيا، والغفلة عن الآخرة، لذلك جاءت آيات القرآن فجعلت الأصل في الخطاب الدعوي ربط الناس بالآخرة، والتبع هو التأكيد على أهمية إعداد القوة، هذه نزعة ظاهرة في القرآن والسنة ووصايا السلف.. ولكن للأسف جاءتنا خطابات دعوية مادية أرهقتها مواجهة التغريب فانكسرت وتشربت ثقافة الخصم ذاته، وصارت منهمكة في تذكير الناس بالدنيا، وجعلت التبع هو الآخرة.. خطابات لم تعد تستحي أن تقول مشكلة المسلمين في نقص دنياهم لا نقص دينهم! ولكن لا يزال -ولله الحمد- من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا..

إن الدعاة إلى الله الذي يحاولون دوماً توظيف الأحداث للتذكير بالله هؤلاء أعلم الناس بحقائق كتاب الله، وإن أولئك المفتونين الذين يسخرون من ربط الأحداث بالله، ويسمون ذلك (المبالغة في تديين الحياة العامة) تشويهاً لهذا الدور النبيل؛ هؤلاء هم أجهل الناس بدين الله الذي وضحه في كتابه ببيان هو في غاية البيان..

وإذا تشبع قلب متدبر القرآن بهذه الحقيقة الكبرى الناظمة للآلئ القرآن أثمرت له في نفسه عجائب الإيمان.. وأصبح لا يساكن قلبه غير الله جل جلاله.. وبرأ قلبه من الحول والقوة إلا بالله سبحانه.. وصار ينزل حاجاته بالله.. واصبح يشعر برياح القوة والإمداد الإلهي كما نقل الإمام ابن تيمية (ولهذا قال بعض السلف "من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله") [الفتاوى، 10/33].

فلا يلتفت القلب للأسباب في طلب الرزق، أو البحث عن مسكن، أو البحث عن وظيفة، أو طلب العلم ،أو طلب الإيمان، أو طلب الصحة والعافية، أو طلب الإفراج من اعتقال، أو طلب نجاح ثورة.. بل يصعد القلب إلى الله، ويجتهد في عمل القلب، ويقتصد في الأسباب بالقدر الشرعي..

لم أعد أشك أن أقوى الثورات هي ثورة توكل مناضلوها على الله.. وأضعف الثورات هي ثورة تعلقت قلوب مناضليها بالبيت الأبيض.. حتى لو كانت الحسابات المادية تعطي خلاف ذلك، فأهل الإيمان لهم معايير صادقة زكاها القرآن.. والله يقول في ثلاث مواضع من كتابه في الأعراف والقصص وهود: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).

وهل يشك من قارن بين مطالب القرآن، والكتب الفكرية المعاصرة التي تتحدث عن النهضة والتقدم؛ أننا لا زلنا بعيدين عن النهضة والحضارة بحجم بعد هذه الكتب الفكرية النهضوية عن أهداف وغايات ومطالب القرآن..

بالله عليك هل رأيت كتاباً فكرياً نهضوياً ينطلق في نظريته للنهضة من (آيات التمكين والاستخلاف)؟

على أية حال .. لقد بيّن الله لنا مراده في القرآن غاية البيان، وأوضح لنا مطالبه الكبرى في كتابه بصنوف البينات، والعُمْر يركض على شفير القبر، فما أقرب الساعة التي سيسألنا الله جميعاً عن تحقيق مراده، وسيكون السؤال حينها على (أساس القرآن) يقول الله: (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ) [المؤمنون، 66] ويقول سبحانه: (أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ) [المؤمنون، 105] ويقول أيضاً: (أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ) [الجاثية، 31]

فتأمل كيف ستنظم الحياة المستقبلية على أساس القرآن.. ولينظر كلٌ منا ما هو أساس حياته؟!

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.

المصدر: رؤى فكرية

الخيط الناظم في كتاب الله (1/2)

 

 

 

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات