طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > رسالة إلى فرسان المنابر

ملتقى الخطباء

(2٬895)
292

رسالة إلى فرسان المنابر

تاريخ النشر : 1432/10/07
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

فارس المنبر: تطرب القلوبُ بقولك الجميل المُدعَّم بالآيات البيِّنات، والأحاديث النبوية المختارات، والكلمات المأثورات عن الصَّالحين والصَّالحات، فليكنْ مطعمُك حلالاً، وتسلَّح بأفضل الخِلال، واحرص على براعة الاستهلال، واجتهد في فصاحة اللسان، وأتقن سلامة المخارج، وراعِ مهارةَ الإلقاء من تنويعٍ للأسلوب، وضربِ المثل، وجودةِ الاقتباس، ودقةِ الاستشهاد، وحُسن العرض ..

 

 

 

 

 

 

أهمية المنبر:

المنبرُ هو ضابطُ الإيقاع للحياةِ اليومية والأسبوعية في الأمَّة العربية والإسلامية، يهدي الحائرين ويرشدُ الضَّالين وينيرُ درب السالكين إلى ربِّ العالمين، يفرح لفرحِهم ويحزن لحزنهم، فرحهم فيما يرضي اللهَ ورسولَه، حزنهم فيما يغضب اللهَ ورسولَه؛ لذلك كانت أهمية المنبر وقيمة فارسِه، إنَّ تألُّقَ المنابر في تحرُّرِها وتصدُّرِها وتجدُّدِها، تحررٌ يوافق الشَّرعَ، وتصدرٌ يوازي الواقع، وتجددٌ يواكب الأحداث، منه ينطلق التوجيه، وعليه ينجلي الدِّين، وتنتصر العقيدةُ، وبه يُحرس الشَّرفُ، وتُصان الحقوق، ويشعُّ النور، وعن طريقه يبزغ فجرُ الأمل، ويشرق صوتُ العمل، فتعلو الهمة، وتقوى العزيمة، وتتغذى الإرادة، والمنابر تتنوع سياسيًّا واجتماعيًّا ودينيًّا، ونركِّز هنا على منبر الجمعة.

نعم فرسان المنابر المخلِصون مشاعِلُ النور في أمَّةٍ طال عليها اللَّيْلُ، وطلائع الأمَل في أمَّةٍ تناثر فيها القنوط، وبوادر اليَقظة في أمَّة عمَّ فيها السُّبات، ومصابيحُ الحق في أمَّة غاب عنها النور، وينابيعُ الرَّحْمة في عالَمٍ أجدبتْ فيه الدُّنيا مِن رُسُل المودَّة واليقين، فلا يجوز لخطيبٍ أن يبخلَ بوقتِه أو جهده أو مالِه لربه ولدينه، بسبب دنيا يُصيبها، أو امرأةٍ يَنكِحُها، شيِّدْ مستقبلاً لنفسك بالعمل للإسلام تسعد هنا وهناك، شَيِّدْ مستقبلاً لولدِك يفخر به عند ملاقاة ربِّه، أو ورِّثه الطَّريق يكن لك دعوةً صالحة بعدَ فِراقك لهذه الدُّنيا الفانية، إذا كان الأمر كذلك فالمنبر يحنُّ إليك إذا تركتَه، والجمهور يشتاق إليك إذا غبتَ عنه.

فارس المنبر القدير له زئير، ومنطقُه كالحرير، ولسانه كالسَّيْف الطَّرير، كأنَّ كلامه زلال، ونبعَه سلسال، تأتيه الحكمةُ في ارتجال، ويغلب بحجته في الحال، أسدٌ إذا صال أو جال، يأسر القلوب أسرًا، يطوع النفوس تطويعًا، ويسري بالأرواح إسراءً، يستعمر النفوس، ويحتلُّ القلوب، فيكتب على صفحاتها رسائلَ الحياة، ويرسم على لوحاتها طريق النجاة، فيها الآيةُ الآمرة، والموعظةُ الزاجرة، والقصة النادرة، والحجة الباهرة، تعيش معه في دنيا من الصور والألوان، وفي عالم من المشاهد والألحان، كأنَّك في إيوان، أو بستان، أو ديوان؛ من كلمة للدكتور عائض القرني.

إنَّ من أعظم المتع التي عاشها الصحابةُ عندما كانوا يسمعون من أحكمِ الحاكمين – سبحانه وتعالى – ثم يلتفُّون حول أفصح الفصحاء – صلى الله عليه وسلم – الذي كان إذا تكلَّم مَلَكَ المشاعرَ، وإذا نظر أسر الضَّمائر، وإذا أشار استمال السَّرائر، فلا يريدون خلْفَه كلامَ خطيبٍ، ولا يحتاجون بعده شعرَ شاعرٍ، كأنه الفجر أشرق، والماء ترقرق، والنور في الأرواح ترفق، ثم درج خطباءُ الأمة على منوالِه، وخطوا بأقوالهم على أقواله، كان – صلى الله عليه وسلم – إذا خطب كأنه منذرُ جيشٍ، فأحسن الخطباء من جعل القرآن معينَه، وملأ بنور الحديثِ عينَه، وجعل البيانَ طريقَه، ثُمَّ أكثرَ من التدريب، وأخذ من كل فنٍّ بنصيب، فترى له من البراعة، ومن الجرأة والشجاعة، ما يخلبُ ألبابَ الجماعة، جمالاً في بيان، وحسناً في إتقان، مع عذوبةِ لسان، وثبات جنان، وصَدَقَ من قال:

عَلَى قَدْرِ أَهْلِ الْعَزْمِ تَأْتِي الْعَزَائِمُ *** وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الْكِرَامِ الْمَكَارِمُ

وَتَكْبُرُ فِي عَيْنِ الصَّغِيرِ صِغَارُهَا *** وَتَصْغُرُ فِي عَيْنِ الْعَظِيمِ الْعَظَائِمُ

عظم المهمة:

أيها الفارسُ المسلم: اعلم أنَّك صاحب رسالةٍ عظيمة، ومهمةٌ جسيمة، وعليك أن تؤديَها بكل صدقٍ وإخلاص ابتغاءَ وجه الله تعالى، والتقرب إليه سبحانه بإصلاح النية وإخلاصِها، حتى ولو كانت تلك وظيفتك التي تقتاتُ منها؛ لأنَّ الأعمال بالنيات ولكل امرئٍ ما نوى.

فارس المنبر .. يا مَنْ تحملتَ مسؤولية المنبر: كن قدوةً حسنةً قولاً وعملاً، وسلوكًا وهيئة وفي كلِّ شأنك، واعلم أنك مأجورٌ – إن شاء الله تعالى – على ذلك كله متى احتسبتَه عند الله تعالى وابتغيت به وجهَه، وتأكَّد أنَّ النَّاس ينظرون إلى سلوك الخطيب، ينبغي أن تتطابقَ أفعالك مع أقوالِك؛ لأنَّ التزام الخطيب بأحكام الإسلام بوجه عام، وتطبيقه لما يدعو إليه في خطبته، يجعلُ كلامَه مقبولاً عند المستمعين، أمَّا مخالفة العملُ للقول، فإنه يجعل المستمعين لا يثقون بك، ولا يحترمون كلامَك، وصدق الله القائل: ? أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ? [البقرة : 44].

فارس المنبر: يجب أنْ تسعى لإصلاح الفردِ وبناء المجتمع، ولا تنسَ أنَّ مهمتك تتمثل في الدَّعوة إلى الله تعالى بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة، التي تفرض عليك تعليمَ النَّاس ما يجهلون، وتذكيرَهم ما ينسون، وتنبيهَهُم إلى ما يغفلون، تخاطبهم بما يوافقُ حالَهم؛ إذ إنَّ لكل مقامٍ مقال، ولكل مُناسبةٍ مجال، يلائم الحال ويصحح المآل، فلا يُخاطَبون بما لا يفهمون، ولا يُطرح عليهم ما لا يستوعبون، وإلا كان فتنةً لهم، لما رُوي عن عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه – أنَّ النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((ما أنت بمُحدثٍ قومًا حديثًا لا تبلُغُهُ عقولُهم، إلا كان لبعضهم فتنةً))؛ رواه مسلم، فاختر الموضوعَ بعنايةٍ فائقةٍ، وتلمَّس حاجاتِ المستمعين الذين جاؤوالاستماعِ خطبتك، فأنت تدعو بالحسنى فعليك بحُسْنِ القَوْل، وليس هناك أحدٌ أحسن قولاً ممن حَمَلَ رايةَ الدَّعوة إلى الله تعالى، وإلى اتِّباع منهجه القويم، والالتزام بأحكام وتعاليم الدِّين الحنيف؛ قال تعالى: ? وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ? [فصلت : 33]، واختيارُ موضوع الخطبة من واقعِ حياة النَّاس أفضل، ومناقشةُ المشكلات الاجتماعية ومحاولةُ وضع الحلول المناسبة لها واجبٌ يفرضه عليك تحملُك لهذه المسؤولية.

فارس المنبر: أنت الأذان النَّاطق بالحقِّ، وأنت الصوت المنذر في الخلق، لا تنسَ أنَّ الخطابة فنٌ لا يُجيده إلا مَن امتلك أدواتِه ومهاراته، وأنَّ على من اختارها أن يكون ذا موهبةٍ واستعدادٍ في هذا الشأن، وأنْ يكثرَ من التدرُّب عليها، وأن يكون واسعَ الاطلاع على العلوم المختلفة، والفنون والآداب، فسعةُ الاطلاع خيرُ معين للخطيب لأداء خطبته بقوةٍ وتأثيرٍ وفاعلية، كما أنَّ على الخطيب الاتصاف باللين والرفق والتلطف مع النَّاس؛ لأنَّ ذلك أدعى إلى استمالتِهم وإقناعهم، وأنْ يكون في المقابل حاضرَ البديهة، جيدَ الإعداد لموضوعات خُطبه، واثقًا من نفسِه، وأن يُحسن توظيفَها تبعًا لاختلاف الظُّروف والْمُناسبات.

فارس المنبر: يا من تأمرُ بالمعروف وتنهى عن المنكر، اجتهد أنْ يأتيَ حديثُك في كلِّ خطبةٍ مناسبًا لظروف الزمان والمكان، فمعايشةُ الواقع أجدى وأنفع وأكثر قبولاً عند المستمعين، ولْيكنْ موضوعُ الخطبة عن القضايا الكلية دون التعمُّقِ في الجزئيات التي قد لا تؤدِّي إلى كثير نفعٍ وفائدةٍ للمستمعين.

فارس المنبر: إيَّاك والخوض في ما لا علمَ لك به من القضايا الشَّرعية أو الاجتماعية، أو غيرِها من القضايا الدِّينية أو الدنيوية، ولْيكن قولك وطرحك مبنيًّا على الحقائق والأدلة والبراهين حتى لا يزلَّ بك اللسان، أو تهوي بك القدمُ في ما لا يُحمد عقباه من القولِ بغير علمٍ أو التجنِّي في الخطاب أو نحو ذلك، واحرص على تبيينالأمور، والبُعد عمَّا أشكل منها أو غمُض أو ترتَّب عليه مفسدة عملاً بقوله تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ? [الحجرات: 6].

فارس المنبر: تطرب القلوبُ بقولك الجميل المُدعَّم بالآيات البيِّنات، والأحاديث النبوية المختارات، والكلمات المأثورات عن الصَّالحين والصَّالحات، فليكنْ مطعمُك حلالاً، وتسلَّح بأفضل الخِلال، واحرص على براعة الاستهلال، واجتهد في فصاحة اللسان، وأتقن سلامة المخارج، وراعِ مهارةَ الإلقاء من تنويعٍ للأسلوب، وضربِ المثل، وجودةِ الاقتباس، ودقةِ الاستشهاد، وحُسن العرض؛ فإنَّ ذلك مما يُساعد على نجاح فارس المنبر في أداءِ رسالته الدَّعوية والتربوية على الوجهِ الصحيح الذي يؤثِّر في المستمعين، ويأسر أفئدتَهم، ويجذبهم إلى ما يقوله ويطرحه من موضوعات.

فارس المنبر: يا من ينظرُ إليك النَّاس قدوةً ومثلاً، احذر من بعض الصِّفات التي لا تليق بالخطيب المسلم؛ كالكبر والغرور، والإعجاب بالنفس، وتصيد أخطاء الآخرين، ونحو ذلك من الصِّفات التي قد تحبطُ الأجرَ، وتضيع الثَّواب وتفقد الثقة – والعياذ بالله – وإياك من التقعُّر في الكلام، أو التكلُّف في الخطاب، أو أنْ يراك النَّاس في مواقع الشُّبه والرِّيبة، فإنَّ ذلك مما يُفقد الخطيبَ مصداقيته واحترامه عند الجمهور.

فارس المنبر: لكي تكون فارسًا وتظل كذلك حقِّقْ هذه الصفات في نفسك حتى تتحقق -بإذن الله- في غيرِك، اخترتها لك من كتاب (فلنبدأ بأنفسنا) للدكتور مجدي الهلالي:

• التجرد، ويشمل: تجريد القَصْد – تجريد التوحيد – تجريد المتابعة.

• تعظيم شعائر الله.

• التوكل على الله والرِّضا بقضائه.

• غنى النَّفس والقناعة.

• العِفَّة.

• التواضُع.

• الذِّلة على المؤمنين، والرحمة بهم.

• العزَّة على الكافرين، والشدة عليهم.

• حسن الخلق.

• كظم الغيظ.

• الأُخوَّة في الله.

• يعفو عمن ظلمه، ويُعطي من حرمه، ويصل من قَطَعه.

• الصبر.

• الحلم والأناة.

• الجهر بالحقِّ والارتباط به.

• الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر.

• محاسبةُ النَّفس وسوء الظَّن بها.

• استواء المدح والذم عنده.

• حفظ الحرُمات وعدم السخرية أو الاحتقار.

• الصِّدق.

• الجدية والهمة العالية.

• الجود والكرم.

• الورع.

• الاعتدال والتوازن.

• التضحية والجهاد في سبيل الله.

• الثبات علي الحق.

• الشجاعة.

• الحرص على ألاَّ يعرف.

• يسارع في الخيرات.

• المداومة على الاستغفار والتوبة.

وإليك أخي الخطيب بعض الكتب المقترحة لتساعدَك بعد توفيق اللهِ – عزَّ وجل – في هذا المجال:

• الظِّلال لسيد قطب

• تفسير ابن كثير.

• (خلق المسلم، فقه السيرة، خطب)؛ الشيخ محمد الغزالي رحمه الله.

• السيرة، للصَّلابي.

• فقه السيرة، للشيخ سيد سابق.

• خطب الاستاذ محمد راتب النابلسي.

• خطب الشيخ أحمد المحلاوي.

• مدرسة الدُّعاة للأستاذ عبدالله ناصح علوان.

• الفريضة المفترى عليها، الأستاذ جمعة أمين.

• موسوعة الأخلاق والزهد والرَّقائق، للأستاذ ياسر عبدالرحمن.

• تذكرة الدعاة، للبهي الخولي.

اللهم سَدِّدْ خُطانا إليك، وشرِّفنا بالعمل لدِينك، ووفِّقنا للجهادِ في سبيلك، وغيِّر حالَنا لمرضاتك، امنحْنا التقوى، واهدْنا السبيل، وارزقنا الإلهامَ والرَّشاد، اللهمَّ ارزُقْنا الإخلاص في القَوْل والعمل، ولا تجعلِ الدنيا أكبر همِّنا، ولا مبلغ عِلْمنا، وصلِّ اللهمَّ على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحْبه وسلِّم، والحمدُ لله ربِّ العالمين.

المصدر: الألوكة