طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > رسالة إلى خطباء المساجد

ملتقى الخطباء

(6٬859)
274

رسالة إلى خطباء المساجد

تاريخ النشر : 1431/11/08
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

هذه ليست عبارات من نسج الخيال، وليست تأليف بعض الأشخاص … إنها غيض من فيض من العبارات والجمل المشابهة التي تتردد على ألسنة كثير من الخطباء ظناً منهم أنها أبلغ في الزجر والتخويف، وأقرب إلى التأثير في السامعين وكَفِّهم عن المعاصي … ولا داعي للاستطراد في ذكر أمثلة أخرى فهذه العينة كافية، وأنتم أعلم منا بما يدور ويتردد على ألسنة بعض الخطباء ..

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين حمداً يكافئ نعمه وعظيم آلائه، والصلاة والسلام على خاتم رسله وأشرف أنبيائه، ومن سار على هديه واستسن بسنته وكان من حملة لوائه …. الأخوة الكرام سادتنا وعلماءنا … أصحاب الفضيلة خطباء المساجد …

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد:

لا يخفى على أحد عِظَمِ دوركم في المجتمع المسلم، إذ يعدُّ هذا الدور من أخطر الأدوار التي تُسْهِمُ بشكل كبير في تشكيل وعي ووجدان الشخصية المسلمة، ومهما بلغ تأثير وسائل الإعلام من القوة والأهمية يبقى المسجد وخطبة الجمعة على وجه التحديد من أهم الوسائل التربوية التي تشارك بقوة وفاعلية في إعداد وصياغة شخصية الإنسان المسلم … فمهما حدث لابد وأن يؤوب المسلم إلى بيت الله … ولابد أن يدخل المسجد لأداء صلاة الجمعة، ومن هنا تتأتَّى أهمية خطبة الجمعة وتتجسد فاعليتُها الكبيرة في المجتمع المسلم.

السادة أصحاب الفضيلة …

لا ينكر أحد قيمة الجهد الذي تبذلونه لخدمة دينكم ومجتمعاتكم، ولا ينكر أحد ما تقدمونه من نفع لإخوانكم المسلمين، وما تُسْدُونَه من نصحٍ سديدٍ وتوجيهات نافعة بإذن الله، لكن يلاحظ في الآونة الأخيرة اتجاه بعض الأخوة الكرام من خطباء المساجد إلى أسلوب غير دقيق، وغير مناسب في الدعوة … ومن المؤكد أنه غير مفيد ولا يحقق الغاية ولا المقصد الشرعي الذي لأجله شُرِعَت خطبة الجمعة … وحتى لا يكون كلامنا مرسلا سنسرد بعض الجمل والعبارات التي نسمعُها من هؤلاء الخطباء، ثم نزنها بميزان الشرع لنعرف هل هي مناسبة أم لا … ؟!!

تتردد هذه العبارات على ألسنة بعض الخطباء:

* إننا نعيش في مجتمع فاسد كثر شره وعمَّ فيه الفسادُ والبعدُ عن الله …

* لقد فسدت الذمم وخربت الضمائر وانتشرت المنكرات …

* لقد عم الربا، وانتشرت الفواحش …

* هذا المجتمع الظالم الآكل للربا فسدت أخلاقه وعمَّت فيه الفتن …

* أيها الناس لقد ابتعدنا عن الله، وكثُرت المعاصي وعمَّ الفساد …

* إن هذا المجتمع الظالم أهله، الذي استمرأ أكل الربا، وانتشر فيه الزنا مجتمع يستحق أن يعيش عيشة ضنكا لأنه أعرض عن الله …

* هذا المجتمع شاعت فيه الرشوة، وانتشرت الموبقات، وعمت البلوى …

* استفيقوا أيها الناس قبل أن تنزل عليكم صاعقة من السماء …

* ما لكم ترضون بالفساد وأكل الحرام وقول الزور …

السادة أصحاب الفضيلة …

هذه ليست عبارات من نسج الخيال، وليست تأليف بعض الأشخاص … إنها غيض من فيض من العبارات والجمل المشابهة التي تتردد على ألسنة كثير من الخطباء ظناً منهم أنها أبلغ في الزجر والتخويف، وأقرب إلى التأثير في السامعين وكَفِّهم عن المعاصي … ولا داعي للاستطراد في ذكر أمثلة أخرى فهذه العينة كافية، وأنتم أعلم منا بما يدور ويتردد على ألسنة بعض الخطباء …

والذي يهمُّنا هنا هو أن نؤكد على الحقائق التالية:

1- هذا الأسلوب في الخطابة بعيد عن الهدي القرآني الهادئ الحاني العقلاني في توجيه النصح، فالأسلوب القرآني أسلوب رحيم هادئ حكيم عاقل يمس شغاف القلب، ويؤثر في النفوس والعقول والأرواح،قال عز وجل: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" [البقرة : 153] وقال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ " [البقرة : 254] وقال سبحانه : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ" [البقرة : 264] وقال عز اسمه : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " [البقرة : 278] وقال عز وجل : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ " [آل عمران : 130 – 132] فكل التوجيهات السابقة صُدِّرت بقوله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " ولم يُنْفَ عنهم الإيمان، ولم يتهموا بأنهم مجتمع فاسق ماجن … !!!

2- هذا الأسلوب في الخطابة بعيد كذلك عن نهج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في الوعظ والتوجيه والإرشاد فالرسول الكريم صلوات ربي وسلامه عليه كان رفيقا رحيما بالناس، ولم يستخدم الكلام المباشر الموجَّه مباشرة لفرد أو لجماعة في معرض الإشارة إلى خطأ ما أو علاج مشكلة ما، بل كان – صلى الله عليه وسلم – يستخدم أسلوب النصح الرفيق الهادئ والتوجيه غير المباشر، فكان يقول : ما بال أقوام … كذا …؟ ومثال ذلك ما جاء في الحديث : " ما بال أقوام قالوا : كذا وكذا، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني " ( رواه مسلم ) وفي حديث آخر: " ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم ؟!" فاشتد قوله في ذلك حتى قال: " لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك، أو لتُخطفن أبصارهم " ( رواه البخاري ).

3- هذا الأسلوب الهجومي في الخطابة شديد الضرر ؛ لأنه يوجه الاتهام المباشر لكل أبناء المجتمع ويصف المجتمع كله بالفسق والعصيان، وذلك يُحْدِثُ بالقطع أثرا عكسيا، وكما هو معروف في علم النفس هناك ما يسمى ب- (مفهوم الذات )، وهو ما يَرْسَخُ في أعماق الفرد أو الجماعة عن أنفسهم … فما ظننا بأناس يسمعون خطباء مساجدهم يكررون ليل نهار أنهم مجتمع فاسد فاسق انتشرت فيه الموبقات والرذائل ؟!! لابد أنهم سيُكَوِّنُون صورة سلبية غاية في السوء عن أنفسهم وعن مجتمعهم، وسيرسخ في أعماقهم ( في اللاوعي أو اللاشعور ) مفهوم سلبي يحقِّرُ من ذاتهم، ويُفْقِدُهم الثقة في أنفسهم وفي مجتمعهم.

4- هذا الأسلوب في الخطابة قائم على الإثارة والتهييج وعلو الصوت لدرجة مزعجة … !! وفي كثير من الأحيان ينشأ عن علو صوت الخطيب المبالغ فيه، وانفعاله الزائد … أقوال ينشأ عن ذلك تشويش على المستمعين فلا يفهمون الفكرة التي يريد أن يوصلها الخطيب … ويخرجون وقد سمعوا كثيرا من الاتهامات والمثبطات التي تثقل ضمائرهم، وتلوث نفوسهم … !!! وبكل أسف بدل أن يشحذ الخطيب هممهم ويثير رغبتهم في فعل الخير، والالتزام بمنهج الله تعالى … يُدْخِل في نفوسهم الوهن والحزن الداخلي العميق والشعور بالإثم والتقصير … وربما الشعور باليأس والقنوط، وفقدان أي أمل في الإصلاح … وهذه دون مبالغة هي الطامة الكبرى .. !!! لأن الخطيب بهذا المسلك غير الحصيف يؤدي عكس الدور المطلوب منه !!!

5- هذا الأسلوب في الخطابة يضر ولا ينفع، ويهدم ولا يبني … ؛ لأنه يعمِّق في نفوس الناس الشعور بالبعد عن الله وعدم الالتزام بشرعه عز وجل على نطاق واسع، وهذا ولا شك يجرِّئ الناس على ارتكاب المعصية، لأن روح القطيع عندما يسيطر عليها فكرة شيوع الخطأ الجماعي يحرك أفراد المجتمع حينئذ باعثٌ داخليٌّ يسَهِّلُ عليهم ارتكابَ الخطأ باعتباره أمرا عاما يمارسه الجميع …!!

السادة أصحاب الفضيلة …

كان شيخنا الراحل الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله – يقول : " إن الإلحاح على الفشل يولِّد المزيد من الفشل ويكرسه في المجتمع، بينما الإلحاح على النجاح وتأكيد صوره وترسيخها في المجتمع يولِّد المزيد من النجاح … " وهذا كان دأبه -رحمه الله- فما انفك يدافع عن الإسلام، ويذود عن حياضه ويُظْهِر عظمته وفضائله، ويعزز الانتماء إليه في نفوس الناس، ويدعو إلى التمسك به، والتخلُّق بأخلاقه …

والآن ما رأيكم يا أصحاب الفضيلة في الآتي:

1) الدعوة إلى عودة خطبائنا الأجلاء إلى هدي وطريقة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الخطابة الهادئة الرزينة الرصينة الشائقة الرائقة، التي تهتم بالإقناع العقلي والتأثير الفكري، وليس الانفعال اللحظي، وإثارة العواطف بصورة مؤقتة ولمدة قصيرة قد لا تتجاوز مدة الخطبة ذاتها فقط -إن كان لها تأثير أصلا …!!!-، والاهتمام بتوصية الخطباء كافة بضرورة الرفق والاتزان أثناء الخطبة؛ فالخطبة القوية المؤثرة ليست بعلو صوت قائلها ولا بشدة صخبه وضجيجه … بل بما تحمله من معانٍ راقية، ومضامين قوية، وأفكار جذابة.

2) تدريب الخطباء على بعض الأساليب النفسية المتَّبَعة في وسائل الإعلام للتأثير في الجمهور، ويمكن أن تأتي الدعوة إلى ذلك من الخطباء أنفسهم لوزارة الأوقاف، بحيث تنظِّم لهم دوراتٍ تدريبية في هذا المجال، إضافة إلى تقديم المعلومات الجديدة التي يحتاجون إليها في كافة المجالات الضرورية لكل مهتم بالرأي العام والتأثير فيه، وتوجيهه الوجهة النافعة المطلوبة… ورغم أهمية وحيوية الإعداد الشرعي للخطباء وما يتلقونه في الجامعة من معارف وعلوم، إلا أنه من الضروري جدا الاهتمام بالدورات التدريبية المستمرة، وتزويد الدعاة والخطباء بالكتب الحديثة في كل ما يعينهم على النهوض برسالتهم الخالدة.

3) توجيه الدعاة الأجلاء والخطباء الأفاضل إلى الحديث باستفاضة وبأسلوب هادئ وجذاب ومقنع (غير ما هو سائد من صياح وضوضاء وانفعال … !!! ) في المواضيع الآتية:

أولا: بناء منظومة القيم والأخلاق ( كالصدق، والأمانة، والصبر، والحلم، والعفو، والتسامح، والرفق، والرحمة، والبذل والعطاء، والتواضع، واحترام الآخر والإحساس به، والاهتمام بمشاعره، والحياء، والإيثار ، والزهد … إلخ ) علماً بأن الأخلاق في الإسلام ليست مجرد مثاليات نظرية، بل هي فضائل سلوكية واسعة الدلالة، حيث لا تقتصر على آداب التعامل مع الآخرين بلباقة فحسب، بل هي مفهوم أشمل وأعم من ذلك … ومن أهم واجبات الدعاة والخطباء التأكيد على تعزيز الأخلاق والقيم في المجتمع؛ لأنها من أهم عوامل نجاح الفرد والجماعة … وينبغي التأكيد على أن الأخلاق الحسنة هي صفات مكتسبة يتعلمها الإنسان من بيئته ومحيطه، ولكن حتى يكتسبها لا بد له أن يتدرب عليها، ويأخذ نفسه بها شيئا فشيئا، وقد يتطلب ذلك في بعض الأحيان جهدا ومشقة حسب الظروف المحيطة والاستعداد النفسي لكل إنسان، لكن كما قال -صلى الله عليه وسلم- : " إنما العلم بالتعلم والحلم بالتَّحَلُّمِ ومن يتحرَّ الخيرَّ يعطَه ومن يتوقَّ الشرَّ يوقَه " وكما قال -صلى الله عليه وسلم-: " من يستعْفِفْ يعفُّه الله،ومن يستغن يغْنِه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا من وأوسع من الصبر" (رواه البخاري ومسلم).

ثانيا: الدعوة إلى نماذج القدوة العملية الحسنة -وما أحوجنا إليها في التربية والتوجيه- وتجلية وتوضيح هذه النماذج الحقيقية السابقة والمعاصرة أمام الشباب والمجتمع كله بأسلوب شائق رائق يبين لنا نُبَذًا من سيرهم العطرة، وكيف كانوا قدوة في الخُلُقِ والعلم والمعاملة الحسنة، ونصرة الحق والوقوف في وجه الباطل بكل بسالة وشجاعة وإيمان وثقة فيما عند الله تعالى، وكيف تحملوا الشدائد في سبيل الدعوة إلى الإسلام وما فيه من قيم وفضائل … لأن السائد الآن في وسائل الإعلام هو ثقافة حب التملك والاقتناء والبحث عن الثراء السريع الواسع بأي شكل، وبأي وسيلة، ومن أي طريق … وأن كل شيء قابل للبيع والشراء حتى الذمم والضمائر … وهذه الثقافة ثقافة فتَّاكة، وهي كفيلة بالقضاء على أية أمة أو جماعة … وكفيلة بتدمير أي مجتمع يتبناها … والدعاة والخطباء والمعلمون والمربون هم الحصن الأخير لصد هذه الهجمة، وإفشال هذه الثقافة ليس بالصياح والضوضاء والانفعال واتهام المجتمع كله بالانحراف، وزلزلة منظومة القيم والأخلاق لديه والادعاء بأن الذمم قد خربت والفساد والانحلال قد عم وانتشر ( إلى آخر هذه النغمة التي يحلو للبعض ترديدها ظنا منهم أن ذلك يحذر من الفساد، وهو في الحقيقة ينشره …!!!) بل بتعرية هذه الثقافة وبيان أضرارها ومخاطرها ونقدها بأسلوب عقلاني، والتحذير منها، والتأكيد على قيم وفضائل وثوابت المجتمع المسلم الذي لا يبيع الناس فيه ضمائرهم، وهنا تكمن أهمية تقديم النماذج العملية المضيئة المشرقة التي تدعو إلى الخير، والتمسك بالقيم والمبادئ، وتبُثُّ الأمل والطمأنينة في نفوس الجميع، ولن يعدم الخطباء أمثلة في العصر الحديث والقديم للتأكيد على خيرية هذه الأمة، وتقديم القدوة العملية والمثل الصالح للشباب، ومن هؤلاء العظماء والقدوة الصالحة حديثا: ( الشيخ الغزالي / الشيخ الشعراوي / الدكتور عبد الحليم محمود / الشيخ جاد الحق / الشيخ ابن باز / الشيخ ابن عثيمين / الشيخ بكر أبو زيد / الشيخ ابن جبرين / الشيخ القرضاوي / الدكتور أحمد أمين / الرافعي / المنفلوطي / الشيخ علي الطنطاوي / الدكتور مصطفى السباعي / سيد قطب / حسن البنا … وغيرهم الكثير الكثير ) ولا داعي للتشنج والتعامل بعصبية مع بعض هذه الأسماء، أو النظر إليها من منظور سياسي أو غير ذلك، فكلٌّ يؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم – صلى الله عليه وسلم – وما يهمنا هو ما عند هؤلاء من خير وفوائد وعظة وعبرة تفيد الشباب في هذا العصر ( بدلا من لاعبي كرة القدم والممثلين، الذين تقدمهم وسائل الإعلام المختلفة كأبطال ونجوم يُقْتَدَى بها … ) وإن لم تَرُقْ بعضُ هذه الأسماء لبعض الخطباء ففي غيرها غُنْيَةٌ والمجال رحب، والعظماء كُثُرٌ في أمتنا ولله الحمد … ) ومن هؤلاء العظماء والقدوة الصالحة قديما ( سفيان الثوري / والحسن البصري / وسعيد بن جبير / وعبد الله بن المبارك / وسعيد بن المسيب / وإبراهيم النخعي / وأحمد بن حنبل / والشافعي / وأبو حنيفة / ومالك / والليث بن سعد / والبخاري / ومسلم / والنسائي / والترمذي / وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب / وابن القيم / وابن الجوزي / وشيخ الإسلام ابن تيمية … وغيرهم الكثير الكثير) هذا فضلا عن سير سيد الخلق – صلى الله عليه وسلم – وإخوانه من الأنبياء والمرسلين – عليهم جميعا الصلاة والسلام – وسير الصحابة الأجلاء – رضوان الله عليهم جميعا – .

ثالثا: تعزيز الانتماء للإسلام، ودعم وترسيخ حبه في النفوس، لاسيما ونحن نشاهد الحملة الظالمة والحرب الضروس التي يشنها عليه أعداؤه في الخارج والداخل، وذلك ببيان جمال الإسلام ورقيِّه، وشرح الجانب الحضاري فيه الذي يمثِّل ذروة الرقي الإنساني قولا وعملا … نظرية وتطبيقا …، وتوضيح أن الإسلام ليس حدودا فقط، وليس عنفا ولا إرهابا كما يدعي البعض … ومن هذا الجانب على سبيل المثال لا الحصر بيان جانب الرفق بالحيوان وحمايته والأحاديث الواردة في ذلك كثيرة، ومن ذلك قوله – صلى الله عليه وسلم – : " عُذِّبَت امرأةٌ في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض " ( رواه البخاري) وقوله – صلى الله عليه وسلم – : " غُفِرَ لامرأة مومسة مرت بكلب على رأس ركي يلهث كاد يقتله العطش فنزعت خفها فأوثقته بخمارها فنزعت له من الماء فغفر لها بذلك " قيل : يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجرا ؟! قال – صلى الله عليه وسلم – : " في كل ذات كبد رطبة أجر " ( متفق عليه ) بل أكثر من ذلك بيان عظمة الإسلام ورقته وسمو ما يدعو إليه من أخلاق نبيلة وأحاسيس مرهفة، ومن ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي – صلى الله عليه و سلم – أنه قال : " بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك فأخَّره فشكر الله له فغفر الله له " (رواه البخاري ومسلم ) فهذا الرجل شكر الله له وغفر له لما داخَل نفسَه من شفقة ورأفة ورحمة بخلق الله تعالى ؛ فخاف عليهم أن يؤذيهم غصن فيه شوك فأبعده عن الطريق … !!

رابعا: الدعوة إلى التفاؤل والأمل، فاليأسُ وفقدان الأمل هو أشدُّ الأعداء خطورة على الإنسان، وهو يصدُّ نفس الإنسان ويحبسُها في سجن مظلم، وليتنا نتعلم ألا نجرِّد أحدا من الأمل، فقد يكون هو كل ما يملك… وفي الحديث الشريف : " يسروا ولا تعسروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا "( متفق عليه )، وما أجمل أن يبث الدعاة والخطباء في نفوس المسلمين الأمل والبشرى والثقة في موعود الله تعالى.

خامسا: تبصير الناس بحقائق الحياة الثابتة الراسخة، غير تلك المفاهيم المغلوطة التي يروِّج لها الإعلام المعاصر الذي هو وليد الحضارة المادية السائدة، فكثير من الناس سعداء ولكن لا يدرون!! نعم كثير من الناس سعداء بما أنعم الله عليهم من نعم كثيرة كنعمة البصر والسمع، ونعمة الصحة بصفة عامة، وفي الحديث قال – صلى الله عليه وسلم – : " من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه ؛ فكأنما حِيزَت له الدنيا بحذافيرها " ( قال الشيخ الألباني حديث حسن على شرط البخاري ) إذن كثير من الناس سعداء في الحقيقة لكن الإعلام يزرع فيهم عدم الرضا وقلة القناعة، ويبث فيهم ثقافة الضجر والملل ويحيطهم من كل جانب بمشاعر الشقاء والتعاسة، ويسرق منهم لحظة البهجة الصادقة، والبسمة الصافية، ويضن عليهم بمجرد الإحساس بالراحة والاطمئنان …، وفي الحديث الشريف قال النبي صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لا يقضى الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له " ( رواه مسلم ) والدعاة والخطباء مطالبون أن يعلموا الناس الحق، ويطمئنوهم على مستقبلهم، ويدعونهم للعمل والأخذ بالأسباب، ويخبروهم بأن هناك مشاكل جمَّة ومصاعب كثيرة تكتَنِف طريقهم … نعم فهذه سنة الحياة، وهذا ناموس كوني منذ خلق الله البشرية … لكن المطلوب من الناس ليس اليأس والقنوط، أو التكالب على الدنيا، أو التحلل من القيم والمبادئ، أو الشك في الدين وأخلاقياته ومُثُلِه ومبادئه …، كلا .. كلا … بل المطلوب هو الصبر والتحمل، والتحلي بالفضائل كلها، واتباع أساليب التفكير العلمي للتغلب على المشاكل وعلاجها…

وبعد .. السادة أصحاب الفضيلة …

لا أدعي أنني أحطت بكل شيء … في هذه العجالة، ولا أدعي كذلك أنني أعرف ما لا يعرفه غيري، وإنما هي مجرد رؤية ووجهة نظر أحببت أن أنقلها إليكم، لأنكم بعلمكم وفضلكم أقدر مني على تفعيل هذه الأفكار وإنضاجها ؛ لينتفع بها الجميع … والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل … " إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ " [هود/88] والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

————-

كاتب إسلامي مصري hmaq_71@hotmail.com