طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > تغريب التعليم.. خط الهجوم الأول ضد الإسلام (2/2)

ملتقى الخطباء

(3٬317)
270

تغريب التعليم.. خط الهجوم الأول ضد الإسلام (2/2)

تاريخ النشر : 1431/10/11
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

 

تغريب المعلم.. خطوة لتغريب التعليم:

كانت مدرسة المعلمين العليا التي يتخرج فيها المعلمون بمدارس دنلوب، تكمل الضلع الناقص في منظومة التغريب التي انتهجها الاحتلال في مصر؛ لتكون أسوة بعد ذلك لبقية العالم الإسلامي، كيف لا وهي بلد الأزهر الشريف؟! وقبلة المتعلمين والدارسين من جميع أنحاء العالم؟! من أجل ذلك كانت هذه المدرسة هي معمل التفريخ الذي أنجب المعلمين الذين يغذون المخطط بأكمله.

كان طلاب المدرسة يختارون بادئ ذي بدء من بين خريجي المدارس الثانوية الذين حقنوا بالسم الخبيث على جرعتين متواليتين طويلتين، إحداهما في أثناء التعليم الابتدائي، والثانية في أثناء التعليم الثانوي أي خلال تسع سنوات متواليات.

والثانية: وكانوا يختارون على أسس معينة وضعها وينفذها مدير المدرسة ومعلموها وكلهم من الإنجليز! ولنا أن تتوقع نوع "العينة" المطلوبة! ونوع "المؤهلات" المطلوبة! وبطبيعة الحال لن تكون الاستقامة على الإسلام، ولا التقوى والصلاح من بين تلك المؤهلات! وأياً كانت نوعية الداخل ووقت دخوله، فالخارج "مضمون"! والنتيجة مضمونة.

كان الأساتذة الإنجليز لا يدخلون على طلابهم في الحقيقة بوصفهم أساتذة فحسب، بل بوصفهم قوة الاحتلال القاهرة التي جاءت لتقهر نفوس هؤلاء الطلاب وتشعرهم بالضآلة والدونية إزار "الرجل الأبيض" العظيم الذي وضعته العناية الإلهية على رأس هذه البلاد، وهذا هو المعنى الظاهر الذي كان يتعمد أولئك "الأساتذة" إظهاره. أما المعنى الخفي -وهو القهر الصليبي للمسلمين- فهذا لم يكونوا يصرحون به، ولكنه ينبث واضحاً في كل مناسبة وفي كل توجيه.

كانت الرسالة الكبرى التي كلف المدرسون الإنجليز ببثها في نفوس الطلبة -معلمي المستقبل- أن ما بكم من تخلف سببه الإسلام! الدين كله يسبب التخلف، ولكن الإسلام بصفة خاصة يعمل على التخلف أكثر من أي دين!! ستظلون متأخرين ما بقيتم متمسكين بالإسلام! لن تتقدموا إلا إذا تخلصتم من عقلية القرون الوسطى التي كانت تعتبر الدين أساس الحياة!

لقد عمق هؤلاء المدرسون الإنجليز في عقول الطلبة فكرة أن أوروبا كانت في العصور الوسطى المظلمة خاضعة لسلطان الدين، فكانت جاهلة متأخرة جامدة، وحين نبذت الدين تقدمت وتحضرت وتعلمت وأوتيت كل وسائل القوة والتمكن، كان الدين حاجزاً عن العلم لأنه مجموعة من الخرافات، وحاجزاً عن العمل والنشاط والإنتاج لأنه ينظر إلى الآخرة، ويهمل الدنيا، لذلك كان لابد من تحطيمه للقضاء على الخرافة.

لقد كانت هذه المحاولات هي أقسى محاولات العلمنة والغزو الفكري في المجتمع المصري آنذاك، فما كان الطلاب يومئذ يملكون الرد على تحدي المعلم الأبيض، وما كانوا يملكون في هزيمتهم الداخلية المبهورة بما عند الغرب، ورهبتهم من الاحتلال العسكري الجاثم على أرضهم، ما كانوا ي يملكون المعرفة التي يردون بها على التحدي، فهم بعدُ لا يزالون تلاميذ قليلي الخبرة، قليلي العلم مخترقين داخلياً وخارجياً، يقفون إزاء هذا العملاق الذي عملقته صورته المبهرة ولسانه الحاد وفكره المتيقظ.

فإذا انتهت سنوات الدراسة الأربع في مثل هذا الجو وهذا التوجيه، فقد ضمن الخواجات أن "فراخهم" التي أنتجوها في "معمل التفريخ"، والتي ستخرج لتتولى تربية جيل جديد من النشء، ستقوم بالدور المطلوب تلقائيًا بغير حاجة إلى توجيه جديد، فقد انطبعت نفوسها بما يراد طبعها به، وصارت "تتقيأ" تلقائياً ما سكب في كيانها من السم، لتطعمه فراخاً جديدة صغيرة السن، لا تدرك شيئاً مما حولها، بل تلتقط كل ما يوضع أمامها بلا تمييز ولا قدرة على التمييز!

وإن كان الأمر قد استصعب على الجيل الأول في مثل هذه المدارس، فقد كان أيسر بكثير على المعلمين الإنجليز في مدرسة المعلمين فيما بعد، حيث يصعد لهم الشاب بعد أن تشرب هذه الجرعات المسمومة في مراحله الأولى الابتدائية والإعدادية فيأتي إليهم وقد استعد للتلقي والقيام بدوره في المنظومة المحكمة… وهكذا دواليك، حلقة محكمة الغلق، وتخطيط خبيث، لا يستهدف جيلاً واحداً بالإفساد فحسب، بل يرنو إلى الأجيال المتعاقبة؛ ليضمن سريان السم في جسدها، لكيلا يخرج جيل يفكر في العودة إلى الإسلام.

ولا تزال حتى وقتنا الحالي تعاني الكليات التي تُعنى بإعداد المعلمين في مصر من المناهج الغربية في التربية، والتي يتلقنها المعلم دون النظر إلى طبيعة المجتمع الذي تطبق فيه مثل هذه المناهج، مع إهمال تراثنا التربوي القرآني والنبوي الغزير في التربية والتعليم، في الوقت الذي يُستبعد فيه الطلاب والمعلمون ذوو التوجهات الإسلامية من التدريس، حيث يحالون إلى الأعمال الإدارية بالإدارات التعليمية، على الرغم من حصول الكثيرين منهم على تقديرات عالية عند التخرج، ولكنهم يقصون عن التعامل المباشر بالتلاميذ بحجة تجفيف منابع "التطرف"داخل المجتمع.

التجربة التونسية النكدة:

وفي إطار استعراضنا لعملية تغريب التعليم في المجتمعات الإسلامية، تجدر الإشارة إلى نموذج من نماذج التغريب في الوطن العربي والإسلامي، في تونس؛ حيث كانت تعد بادئ الأمر منبرًا من منابر العلم، ليس في تونس وحدها، بل في العالم الإسلامي كله، والتجربة التونسية لا تختلف كثيرا عن التجربة المصرية في إطارها العام، فبدل الأزهر كان جامع الزيتونة وبدل من الاحتلال الانجليزي كان الفرنسي وبقية القصة تتكرر.

يعد جامع الزيتونة أول جامعة إسلامية في العالم، حتى قبل الجامع الأزهر؛ وقد شكّل دوره الحضاري والعلمي الريادة في العالم العربي والإسلامي؛ إذ اتخذ مفهوم الجامعة الإسلامية منذ تأسيسه وتثبيت مكانته كمركز للتدريس، وفي رحابه تأسست أول مدرسة فكرية بإفريقية أشاعت روحًا علميّة صارمة ومنهجًا حديثًا في تتبع المسائل نقدًا وتمحيصًا.

ومن أبرز رموز هذه المدرسة علي بن زياد مؤسسها وأسد بن الفرات والإمام سحنون صاحب المدوّنة التي رتبت المذهب المالكي وقننته. واشتهر من الجامعة الزيتونية الفقيه المفسّر والمحدّث: محمد بن عرفة التونسي صاحب المصنّفات العديدة، وابن خلدون المؤرخ ومبتكر علم الاجتماع. وقد تخرّج من الزيتونة طوال مسيرتها آلاف العلماء والمصلحين الذين عملوا على إصلاح أمّة الإسلام والنهوض بها؛ من هؤلاء: محمد الطاهر بن عاشور صاحب تفسير التحرير والتنوير، ومحمد الخضر حسين شيخ جامع الأزهر وغيرهم كثير من النخب التونسية والمغاربية والعربية.

وقد تجاوز إشعاع جامعة الزيتونة حدود تونس؛ ليصل إلى سائر الأقطار الإسلامية، ولعلّ المفكر العربي الكبير شكيب أرسلان يوجز دور الزيتونة عندما اعتبره إلى جانب الأزهر والأموي والقرويين: أكبر حصن للغة العربية والشريعة الإسلامية في القرون الأخيرة.

وبمرور الزمن أخذ التدريس في جامع الزيتونة يتخذ شكلاً نظاميًا حتى غدا في القرن الثامن للهجرة -عصر ابن خلدون- بمثابة المؤسسة الجامعية التي لها قوانينها ونواميسها وعاداتها وتقاليدها ومناهجها وإجازاتها، وتشدّ إليها الرحال من مختلف أنحاء المغرب العربي طلبًا للعلم أو للاستزادة منه.

ولقد كان لهذا الجامع دور مشرف يقطر عزة وكرامة في مواجهة المحتل الفرنسي الذي وطئت أقدامه البلاد في العام 1881م؛ حيث تصدى لعمليات التغريب والتنصير المستمرة التي ما فتئ المحتل يوجهها إلى أبناء الشعب التونسي بزعم تخليص تونس وأهلها من الهيمنة العربيّة الإسلاميّة وردّها إلى حظيرتها الأصليّة -حسب زعمهم- وهي الحضارة المسيحيّة النصرانيّة الرومانيّة.

كما كان للزيتونة بعلمائها الشرف في مواجهة حركة التجنيس التي سعت بواسطتها حكومة الاحتلال في تذويب الهويّة العربيّة الإسلاميّة للتونسيين؛ فانبرى علماء الزيتونة لصدّ هذه الحركة الخبيثة وأصدروا الفتاوى الشرعيّة بتحريم التجنيس.

وظل الأمر كذلك حتى إقرار النظام الجمهوري بالبلاد في العام 1957، وتولي الرئيس الحبيب بورقيبة مقاليد السلطة، فأوصدت الحكومة السابقة أبواب العلم فيه، فجعلته جامعة -بدعوى تطويره- فجاء الرئيس بورقيبة لتحجيمه أوّلا، ثمّ تحطيمه بعد ذلك، وهذا ما تمّ فعلاً، فكان لعمليّة التحجيم والتحطيم تلك أثرها البالغ في طمس معالم الدّين وعلوم الشريعة، وأضحت الكليّة الزيتونيّة في الستينيات وأوائل السبعينيات معقلاً للحزب الحاكم، ومطيّة لمن يريد الترقي العاجل في سلم الوظيفة بإحراز الشهادة الزيتونيّة التي لم تعد لها أي قيمة علميّة.

وفي عهد الرئيس زين العابدين بن علي قضى بأمره الرئاسي عدد 96 المؤرخ في ديسمبر 1987 بتقسيم الكلية الزيتونيّة للشريعة وأصول الدين إلى ثلاثة معاهد (معهد أصول الدين -ومعهد الشريعة- ومعهد الحضارة)، فعملت الحكومة على تفتيت الزيتونة إلى هذه المعاهد بقصد بعثرتها! وطمس كيانها حتى ما يبقى لها أثر، بحيث يُغيّب اسم الزيتونة تدريجيّا فيفقد قيمته ووجوده ويندثر تمهيدًا لتذويبه وإماتته إماتة بطيئة حتى لا يثير ذلك استياء النّاس.

أمّا هذه المعاهد الثلاثة فما هي إلاّ معامل لتخريج طوابير العاطلين من حملة الشهادات الجامعيّة الشرعيّة بالخصوص؛ حيث تضيّق عليهم الوزارة حقّ الانتداب للتدريس. وهو مسلك خبيث متعمّد من وزارة التعليم؛ لتزهيد الطلاب في الالتحاق بهذه الجامعة حتى يهجرها الطلاّب وتمسي بعد سنتين أو ثلاث خاوية على عروشها؛ وهو ما حدث بالفعل؛ فقد التحق بالجامعة الزيتونيّة عام 1988 من الطلاب 1200 طالب، ولم تستوعب الوزارة من المجازين المتخرجين من هذه الجامعة في العام نفسه للتدريس في الثانويّات إلاّ عددًا لا يتجاوز 150 طالبًا! وفي عام 1989 لم توجه الوزارة من الطلاب الجدد إليها غير 500 طالب! علما أنّ التوجيه الجامعي في تونس تحكّمي إجباري تفرضه الوزارة على الطلاب باسم التوجيه الإلكتروني!!

وفي سنة 1991 لم يدخل الجامعة الزيتونيّة إلاّ 220 طالبًا موزعين على المعاهد الثلاثة، كما عطّلت فيها الوزارة رسائل الماجستير والدكتوراه؛ الأمر الذي حمل الطّلاب والأساتذة الأكفّاء على مغادرة الجامعة للالتحاق بالجامعات الغربيّة والشرقيّة!! وهكذا يُجفف الينبوع الذي يمدّ هذه الجامعة ويغذيها بأفواج من الطلاب كلّ عام.

وإثر ذلك قرّرت الحكومة الاستغناء عن خرّيجي الشريعة، وأوكلت مهّمّة تدريس المقرّرات التربويّة والدينيّة في الثانويّات إلى خريجي كليات الآداب والعلوم الإنسانيّة بدلاً من خريجي جامع الزيتونة، وذلك في إطار عملية تجفيف المنابع التي تنتهجها الدولة. ثم انتهى الأمر إلى إلغاء تدريس العلوم الدينية الشرعية بجامع الزيتونة لتنطفئ بذلك منارة من أكبر منارات العلوم الشرعية في العالم.

وعلى صعيد التعليم المدني وصلت محاربة المحجبات في تونس في ظل حكم النظام الحالي معدلات غير مسبوقة، حيث تجبر الفتيات المحجبات على خلع حجابهن في المدارس والمؤسسات التربوية أو يمنعن من الدخول، بالإضافة تعرض بنات السجناء الإسلاميين إلى المضايقة بسبب ارتدائهن الحجاب، وقد عمد بعض مدراء المعاهد الثانوية وموظفيها إلى نزع الحجاب عنوة من فوق رؤوس التلميذات المحجبات تحت إشراف الوالي ورؤساء خلايا الحزب الحاكم. وقد صدرت تعليمات إلى مدراء المدارس والمعاهد والكليات بمنع دخول المؤسسات التربوية على كل فتاة ترتدي ما تسميه السلطات "اللباس الطائفي -والمقصود به الحجاب- واللباس الخليع".

وقد منع أحد المعاهد الثانوية بالعاصمة التونسية للمرة الثالثة على التوالي طالبة من أداء امتحانات نهاية العام عقابًا على حجابها، وقد حاول أحد المسؤولين بالمعهد فض المشكلة، فطلب من والدها أن تستبدل الحجاب بأي غطاء للرأس، لكن المدير أصرّ على موقفه رافضًا السماح بغطاء الرأس.

وقد بدأت الحملة الرسمية على الحجاب في تونس عام 1981 مستندة إلى القانون رقم 108 الصادر في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، الذي اعتبر الحجاب "زيًّا طائفيًّا"، وليس فريضة دينية؛ ومن ثمَّ يحظر ارتداؤه بالجامعات ومعاهد التعليم الثانوية، وهو ما يعارضه بشدة قطاع كبير من الشارع التونسي. ولا تزال هذه الحرب مستمرة على الرغم من أن المحكمة الإدارية العليا قضت في ديسمبر 2006 بعدم دستورية القانون أو أي قانون مماثل، مؤكدةً أن القوانين التي تمنع ارتداء الحجاب بتونس غير شرعية وغير قانونية لمخالفتها الدستور.

التجربة السعودية .. خط مغاير:

في الوقت الذي ناصبت الدولة المصرية بقيادة محمد علي باشا العداء للإمام محمد بن عبد الوهاب الذي احتضنته الدولة السعودية، وحاربت من ورائه المملكة في العام 1818م في بداية نشأتها، عندما حاصرت القوات المصرية بقيادة إبراهيم باشا بن محمد علي الدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى ودمرتها، إلا أن الدولة السعودية تأسست من جديد في أوائل القرن العشرين تحت قيادة "عبد العزيز بن سعود" مؤسس المملكة العربية السعودية.

وفي ذلك الوقت بدأت نهضة المنهج السلفي في المناهج التعليمية الذي دعا إليه الإمام محمد بن عبد الوهاب واحتضنته المملكة العربية السعودية، فكان له أبلغ الأثر في محاربة البدع ونشر التوحيد الصافي من منابعه الأصلية (الكتاب والسنة)، ونبذ الشرك وعبادة القبور التي كانت منتشرة آنذاك في الدول الإسلامية، ثم انتقلت هذه الأفكار إلى البلدان العربية والإسلامية وتأثر بها علماء مصر والشام والعراق وما وراءها من البلدان. وهي تجربة تستحق الإشادة والتقدير.

كانت الحياة العلمية قبل الإمام محمد بن عبد الوهاب ضعيفة إلى حد كبير بسبب غياب الوحدة السياسية والنشاط الدعوي التعليمي، وكان التعليم مقصورًا على المدن الكبرى مع انفصال العلماء والقضاة عن حياة الناس العامة؛ ما سبب انتشار البدع والخرافات.

وكانت بداية تأسيس الدولة السعودية الحديثة فتحًا دينيًا بما يحمله من إلزام تعليمي لأساسيات الدين، وقد استمر هذا التلاحم بين السلطتين الدينية والسياسية وآتى ثماره العلمية لولا حصول بعض النكسات السياسية للدولة السعودية الأولى التي انتهت بسقوط الدرعية، ثم سقوط الدولة السعودية نهاية القرن الثالث عشر الهجري. ثم مع استعادة الملك عبد العزيز للرياض مع بداية القرن الرابع عشر الهجري كانت بداية انطلاقة علمية أقوى من سابقاتها خصوصًا بعد فتح الحجاز الذي شهد إنشاء مديرية المعارف لتوسيع دائرة التعليم النظامي الحديث، بعد أن أدت حلقات المساجد والكتاتيب دورها في التعليم إلى منتصف القرن الرابع عشر الهجري تقريبًا.

ويمكننا تلمس روح الاهتمام والتطوير في العلوم الدينية من خلال المظاهر والفعاليات التالية:

– تغيير نمط التعليم في المسجد الحرام؛ حيث صدر أمر ملكي في 15 ربيع الآخر عام 1345هـ بتشكيل لجنة للإشراف على الدروس في الحرم المكي من انتقاء الكتب النافعة وتعيين الأساتذة ونحو ذلك.

– إنشاء دار التوحيد بالطائف عام 1364هـ بتوجيه من الملك عبد العزيز، وكان الهدف من إنشائها تخريج قضاة للمحاكم الشرعية، وتكفلت الدولة بإعاشة الطلاب وإسكانهم وكل ما يلزمهم.

– افتتاح كلية الشريعة عام 1396هـ في مكة المكرمة، وكان الهدف منها تخريج معلمين للمدارس الثانوية وقضاة للمحاكم الشرعية، وفي عام 1373هـ افتتحت كلية مماثلة في الرياض، وكانت هاتان الكليتان نواة التعليم العالي في المملكة.

– افتتاح عدد من المعاهد العلمية على إثر المعهد العلمي السعودي الذي افتتح في مكة من قبل، وافتتح أول معهد علمي في الرياض عام 1370هـ، وكان الهدف من هذه المعاهد التوسع في العلوم الدينية لتكون بديلاً عن الكتاتيب.

– إنشاء الرئاسة العامة لتعليم البنات، وتم في ذلك العام 1380هـ والحرص على إشراف العلماء على تعليم البنات لكي لا تقع نفس المفاسد التي وقعت في عدد من البلدان الإسلامية من خروج المرأة من بيتها، ومن ثم فقد تم اختيار الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مشرفًا على تعليم البنات، ويهدف إنشاء الرئاسة إلى تعليم البنات في المراحل الثلاث (ابتدائي- متوسط- ثانوي) في جميع أنحاء المملكة، وهذا مما يحسب للمملكة؛ حيث كان العلماء الموثوقون المشهود لهم بالعلم والتقوى والفضل على رأس هذه المؤسسات التعليمية وهذا ما ميز التعليم في المملكة عن غيره.

– إنشاء الجامعة الإسلامية عام 1381هـ في المدينة المنورة، وبدأت بكلية الشريعة في العام نفسه، ثم توسعت فيما بعد لتشمل التخصصات الدينية والعربية.

– جامعة الإمام محمد بن سعود؛ حيث افتتحت كلية الشريعة عام 1373هـ في الرياض ثم كلية اللغة العربية عام 1374هـ ثم المعهد العالي للقضاء عام 1385هـ، فكانت هذه الجهات التعليمية نواة جامعة الإمام التي افتتحت في عهد الملك فيصل عام 1394هـ بهذا الاسم.

– إنشاء جامعة أم القرى بمكة عام 1401هـ، وتم افتتاح عدد من الكليات بها ومنها الشريعة والدعوة واللغة العربية والعلوم التطبيقية والعلوم الاجتماعية والعلوم الزراعية.

ومما يحسب لمسيرة التعليم الديني في السعودية توكيل العلماء الأفاضل المشهود لهم بالتقوى والفضل والمسيرة الدعوية المشرفة على مدار تاريخهم وحياتهم في وضع المناهج التعليمية في المدارس الدينية وارتياد المناصب المهمة في وزارة المعارف والإشراف على المؤسسات التربوية والتعليمية؛ الأمر الذي كان له أثر واسع في انتظام المسيرة التعليمية على المنهج الصحيح مع المحافظة عليه من محاولات التغريب التي كانت تحاول اجتياح المملكة، بل كان التعليم في المملكة هو حائط الصد المنيع ضد دعاوي التغريب، وتخرج من مدارس وجامعات المملكة: العلماء المتخصصون في جميع المجالات العلمية، والمتحصنون في نفس الوقت بتعاليم دينهم، كما تخرج من الكليات والمعاهد الشرعية في هذه الجامعات المئات من المسلمين في جميع أنحاء العالم الإسلامي والذين أصبحوا منارات لنشر العلوم الإسلامية والعقيدة السلفية في أوطانهم.

وإزاء ذلك فقد استعرت الحملات الغربية التي حاولت حرف هذا المنهج عن طريقه؛ لإحداث تغييرات على مسيرة التعليم بما يتوافق مع القيم الغربية في محاولة لتجفيف منابع الصحوة الإسلامية التي اجتاحت العالم الإسلامي والغربي بصفة عامة، تلك الصحوة التي تستشعر الدول الغربية خطرها على مستقبل الاستعمار وعملية التغريب في العالم الإسلامي.

وبالنظر إلى محاولات التغريب يمكننا أن نقف الآن على بعض النتائج التي حصدتها الحكومات من محاولات التغريب المستمرة؛ حيث نجح المجتمع السعودي في المحافظة على هويته الإسلامية والوقوف في وجه محاولات التغريب وصموده بدرجة أكبر من تلك التي في مصر وتونس، حيث وصل البَلَدَان الأخيران إلى مرحلة متقدمة من النزول بمستوى التعليم الديني في الوقت الذي لا تزال تحتفظ فيه الكليات الشرعية في المملكة بمستواها الذي يُقصد من جميع بلدان العالم الإسلامي.

الأمر الذي انعكس على صورة المجتمع وروح التستر والاحتشام وانتشار الحجاب الشرعي قياسًا بنظيره في تونس ومصر التي تفشت فيها مظاهر التفلت والانحلال والعري؛ بسبب المحاربة الرسمية للحجاب والستر في المدارس والمؤسسات التعليمية وما سواها؛ ويكفي في ذلك الإشارة إلى حوادث التحرش الجنسي التي انتشرت في الأيام الأخيرة في مصر.

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــ
المراجع:

1- جريدة المؤيد.
2- معركة الحجاب والسفور. الدكتور محمد إسماعيل المقدم.
3- الموسوعة الحرة ويكيبيديا.
4- الحرب على جامع الزّيتونة في الحقبة العلمانية. الشيخ محمد الهادي الزمزمي.
5- التعليم في عهد ملوك المملكة العربية السعودية.
6- خريطة الحركات الإسلامية في مصر. الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان.
7- واقعنا المعاصر. محمد قطب.
8- دور رفاعة الطهطاوي في تخريب الهوية الإسلامية. هاني السباعي.
9- القس دانلوب وتغريب التعليم في مصر. سيد العفاني.
 

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات