طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > تأصيل الوعي > الكنى والألقاب وأثرها في انهيار مهارة بناء الخطبة

ملتقى الخطباء

(8)
1625

الكنى والألقاب وأثرها في انهيار مهارة بناء الخطبة

تاريخ النشر : 1442/01/25
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

أهمية شرح هذا الموضوع من الناحية التاريخية ترجع إلى حقيقة علمية راسخة، وهي أن التشخيص الدقيق لأي معضلة؛ إنما يبدأ من استقراء مراحل نشوئها، وتحديد الأسباب التي أدت إليها، وهذا ما سنتناوله في هذه…

إن الخطابة من أعرق الفنون التي استعملها البشر في مخاطباتهم وتواصلهم اليومي، ومن أهم ما استعملوه في الحروب والمفاوضات، وهي من أجل ما عُرف به العرب قبل الإسلام؛ إذ كانوا فرسان البيان وسادته بلا منازع، فلما جاء الإسلام وقرؤوا القرآن زادت براعتهم فيه هيبة وجمالا؛ واستمر الحال على هذا المنوال قرونا، حتى دخل الضعف على البيان، ومس جميع فنونه مسّا بليغا، وكانت الخطابة أبرز ضحايا هذا الوهن، ودخل عليها اللحن، حتى شاع واستقر، ولم يعد يُنكر، حتى أن ابن حيان يصف عصره فيقول -فيما معناه-: وقل أن تجد خطيبا لا يلحن في خطبته.

 

ولأن الضعف الذي مسّ الخطبة لا يقف عند مستوى واحد؛ فإننا نعرض في هذه المقالة الكيفية التي انهارت عبرها مهارة بناء الخطبة عبر تاريخ المسلمين، خاصة أن هذا الجانب لم ينل حقه من الكتابة والإبانة، حيث أن الكثير ممن تصدوا للكتابة في موضوع الخطابة، لم يولوه اهتمامهم الخاص؛ إذ تحاشوا التركيز على الجانب التاريخي؛ الذي يشرح أسباب ضعف الخطابة في العالم الإسلامي.

 

وإن أهمية شرح هذا الموضوع من الناحية التاريخية ترجع إلى حقيقة علمية راسخة، وهي أن التشخيص الدقيق لأي معضلة؛ إنما يبدأ من استقراء مراحل نشوئها، وتحديد الأسباب التي أدت إليها، وهذا ما سنتناوله في هذه المقالة، وسيكون المنطلق من اللحظات الأولى التي بدأ فيها الضعف يجد طريقه إلى الحقل المعرفي والعلمي، ومنه حقل البيان والخطابة، وصولا إلى عصرنا هذا، الذي لا يزال يعرف ضعفا شديدا في مستوى البيان، وفي مجال الخطابة تحديدا.

 

إن النّاظر في أحوال الحقل العلمي والدعوي في العالم الإسلامي، يجد أنه قد ابتلي بأمراض حضارية ومعرفية عديدة؛ كانت سببا في اندراس بعض أهم المعاني التي جاء الإسلام لترسيخها في دنيا البشر، وكان ذلك الاندراس سببا في التأثير على الوظيفة التي وضحها الوحي للمؤمنين، وجعلها أمانة في أعناقهم، وهي في المقام الأول والأخير تعبيد الناس لرب العالمين، وتخليصهم من غوايات الشيطان، وتجنيبهم التسفّل في سفالة عالم الشهوات، وحمايتهم من نزوات أرباب الضلال والسفاهة.

 

ومن هذه العلل الحضارية آفة السطحية، التي انتشرت في حياة المسلمين، وتمكنت من كافة المستويات والميادين والمجالات، حتى إذا استقرت في حياتهم، صارت معيارا في توسيد وتولية الأمور، فضلّوا وضاعوا، وأضلّوا وأضاعوا.

 

وقد بينت السنة النبوية الشريفة أن توسيد الأمور على غير مراد الله -تعالى-؛ سبب لانهيار المجتمعات والحضارات، بعد أن تؤول الأمور إلى غير أهلها في العلم والعمل، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة”. قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: “إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة”(رواه البخاري في الصحيح).

 

ومما أعان هذه الفتنة على الانتشار؛ فُشوّ فتنة الألقاب العلمية؛ حتى صار الناس يتلقفونها تلقفا، ويخربون بها بيت العلم ويهتكون حياضه، وهو ما سنفصل فيه القول لاحقا.

 

فتنة الألقاب وأثرها على الخطابة

لقد نالت الألقاب العلمية في تاريخ الأمة الإسلامية عناية خاصّة في الوضع، واحتراما شديدا في المنح والإطلاق، واستمر احترام المسلمين للمعايير التي كانت تؤسس عليها الألقاب وتمنح ما شاء الله -تعالى- من لزمن، فكان اللقب العلمي في القرون الأولى صعب المنال، حتى كانت نجوم السماء أقرب إلى البعض من أن يتمنى أن يصيب منه شيئا.

 

ومع كل هذه الصرامة والانضباط الذي اتصفت به التقاليد العلمية في الوسط الإسلامي، إلا أن المسلمين قد أقلّوا من استعمالها، فظلوا ينادون علماءهم بلقب “الشيخ أو الإمام”، ولم يكن لقب الفقيه يمنح لأي عالم، بل كان خاصا بمن بلغ رتبة الاجتهاد، فقد كانت الألقاب عند الفقهاء والمحدثين -خاصة- مبنية على معايير علمية دقيقة وواضحة، وتزكيات متواترة ممن عرفوا بين الأمة بالعدل في القول، والصدق في الشهادة، ولم يعرف عن المسلمين سابقا توزيعها بناءً على الهوى والتشهي، ولتتضح الصورة أكثر نضرب مثالا بهذه القصة التي ذكرها الونشريسي في موسوعته “المعيار” في الجزء السادس منها، حيث يقول: “حكى الحارث بن أسد القفصي، وكان ثقة خيارا مستحبا، يختم القرآن في كل ليلة من رمضان، وكان ممن أخذ عن مالك قال: لما أردنا وداع مالك دخلت عليه أنا وابن القاسم وابن وهب فقال له ابن وهب: أوصني، فقال له: اتق الله وانظر عمن تنقل، وقال لابن القاسم: اتق الله وعليك بتلاوة القران قال الحارث -رحمه الله-: لم يرني أهلا للعلم. وقد كان إثر ذلك يستفتي ويقول: لم يرني مالك أهلا للعلم”.

 

إنّ هذه القصة تظهر مدى صرامة المسلمين في التعامل مع العلم وكل ما له صله به، كما تبين هذه القصة العظيمة أهمية اللقب، وتحييد العاطفة في منحه.

 

وهذا غير مستبعد ولا مستغرب في أمة كانت تحترم منظومة الكنى احتراما شديدا وعجيا، فقد جرى عرف العرب -قديما وبعد الإسلام- على انتقاص من يكني نفسه بنفسه فكيف بمن يختار لنفسه لقبا؛ لأن العرف عندهم قد جرى على أن يكني الناس الرجلَ؛ حيث كانت التكنية للتكريم والمفاخرة والتكثير، فكانت التكنية من الناس لبعضهم موافقة لهذا المراد.

 

ويعلق الحافظ ابن حجر -رحمه لله-على مسألة من مسائل “الكنى” عند شرحه الحديث الوارد عند البخاري في “باب الكنية للصبي وقبل أن يولد للرجل” عَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ – قَالَ: أَحْسِبُهُ- فَطِيمًا، وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ نُغَرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ، فَرُبَّمَا حَضَرَ الصَّلاَةَ وَهُوَ فِي بَيْتِنَا، فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِي تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ وَيُنْضَحُ، ثُمَّ يَقُومُ وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّي بِنَا”.

 

يقول الحافظ: “.. وَقَالَ الْعلمَاء: كَانُوا يكنون الصَّبِي تفاؤلاً بِأَنَّهُ سيعيش حَتَّى يُولد لَهُ، وللأمن من التلقيب؛ لِأَن الْغَالِب أَن من يذكر شخصا فيعظمه أَن لَا يذكرهُ باسمه الْخَاص بِهِ، فَإِذا كَانَت لَهُ كنية أَمن من تلقيبه، وَقَالُوا: الكنية للْعَرَب كاللقب للعجم ومن ثم كره للشخص أن يكني نفسه إلا إن قصد التعريف”.

 

ومن ذلك -أيضا- ما علق به الإمام النووي -رحمه الله- في كتابه (الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار -صلى الله عليه وسلم-) في باب “جواز الكنى واستحباب مخاطبة أهل الفضل بها”. حيث علق بقوله: “..والأدب أن لا يذكر الرجل كنيته في كتابه ولا في غيره، إلا أن لا يعرف إلا بكنيته، أو كانت الكنية أشهر من اسمه..”(انظر الأذكار: ص242).

 

قال الشاعر:

أكنيه حين أناديه لأكرمه *** ولا ألقبه والسوأة اللقب

 

(والبيت لبعض الفَزاريين، وهو في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي، انظر ص 1146، وقد وجدت خلطا كثيرا في نسبة هذا البيت، حتى أن بعضهم نسبه إلى جنود أتراك فروا من معركة قادها الخليفة العثماني محمد الثالث ثم نفاهم إلى أرض تابعة للخلافة، وهذا يدل على ما نحن بصدد الكتابة فيه، من انتشار السطحية في الحقل العلمي).

 

وإذا كان هذا حال العرب مع منظومة الكنى في الجاهلية، فإنّ حالهم معها صار أشد استقامة بعد مجيء الإسلام، وازدادت بهاءً ورونقا بعدما أولاها الفقهاء وشراح الأحاديث عناية خاصة، وفصلوا في مسائلها أيما تفصيل.

 

واستمر المسلمون في احترام نظام الكنى، والبعد عن الألقاب؛ لما فيها من تكلف مذموم تأباه الفطر النقية، ولما فيه -أيضا-تصنع تنفر منه النّفوس السوية، ولم يكن هذا الاحترام خاصة بفئة دون فئة، بل شمل حتى الطبقة السياسية، فكانوا يرون أن مخاطبة الخلفاء والملوك والحكام بكناهم نهاية التكريم وغايته، يقول أبو العباس القلقشندي، في كتابه “صبح الأعشى في كتابة الإنشا” -موسوعة من 14 أربعة عشر مجلدا- بعد أن ذكر كلام الإمام النووي: “.. قـال‏:‏ والأدب أن يخاطـب أهـل الفضـل ومـن قاربهـم بالكنيـة وكذلـك إن كتـب إليـه رسالـةً أو روى عنه روايةً‏.‏ فيقال‏:‏ حدثنا الشيخ أو الإمام أبو فلانٍ فلان بن فلان وما أشبهه‏” ثم علق على كلام الإمام النووي قائلا: “واعلـم أن الأوليـن أكثـر مـا كانـوا يعظمون بعضهم بعضاً في المخاطبات ونحوها بالكنى ويرون ذلك فـي غايـة الرفعة ونهاية التعظيم حتى في الخلفاء والملوك‏:‏ فيقال‏:‏ أبو فلان فلانٌ”.

 

كيف دخلت فتنة الألقاب المجال العلمي الإسلامي؟

بعد توسع رقعة العالم الإسلامي، وبعد اختلاط العرب المسلمين بالعجم، تأثرت منظومة “الكنى” -التي هي من خصائص العرب بين الأمم- بمنظومة الألقاب عند العجم، التي هي من أخص خصائصهم، فشاعت الألقاب العلمية بين المسلمين كافة، وصارت توزع وتباع، كما توزع الهبات والعطايا، وكان هذا من الدَّخن الذي أصاب الحقل العلمي والمعرفي عند المسلمين، حتى لم تترك فتنة الألقاب محلا إلا ودخلته، فصار الناس يلقبون العلماء والفقهاء، والساسة والحكام والوزراء والولاة وقادة الجيوش بألقاب لم تعهد عند المسلمين؛ كقولهم سيف الدولة، وعضد الدولة، والمعز لدين الله، والمعتصم بالله، وشمس الدين، وضياء الدين.

 

يقول ابن القيم الجوزية -رحمه الله-: “..فإن صُدِّر بأب وأمّ فهو الكنيةُ، كأبي فلان وأم فلان، وإن لم يصدر بذلك فهو الاسم، كزيدٍ وعمرو وهذا هو الذي كانت تعرفه العرب وعليه مدارُ مخاطباتهم. وأمّا فلان الدين، وعزُّ الدين، وعزُّ الدّولة، وبهاء الدّولة، فإنّهم لم يكونوا يعرفون ذلك وإنّما أتَى هذا من قبل العَجَمِ”(انظر كتابة تحفة المولود بأحكام المولود، تحقيق بكر بن عبد الله أبو زيد، الفصل السادس في الفرق بين الاسم والكنية واللقب ص198).

 

إذن يقدم ابن القيم الجوزية -رحمه الله – تفسيرا قيّما لأحد أسباب ضياع هيبة العلم، وذهاب التقاليد العلمية التي ثبتت عليها الأمة الإسلامية قرونا من الزمن، وتسببت في النهاية في ضمور الإنتاج المعرفي للمسلمين، حيث يرجع تخلي المسلمين عن انضباطهم في موضوع المعايير إلى اختلاطهم بالعجم -اختلاطا لم يحافظوا فيه على خصوصياتهم العلمية والثقافية- الذين عرفوا بتعظيمهم للألقاب أيما تعظيم؛ فافتتن المسلمون بفتنة الألقاب، حتى غطّت على المعايير العلمية التي اشتهروا بها، ومن هنا وجد الكثير من الانتهازيين، والمتطفلين، والدخلاء بابا للولوج إلى الحقل المعرفي والعلمي الإسلامي، خاصة أن هذا الافتتان الذي مس باب التقاليد العلمية، قد صاحبه بداية انهيار الاستعلاء الإيماني لدى المسلمين، الذين استسلموا لنزوات ضعاف النفوس، من الطالبين للشهرة والمكانة والرياسة والوجاهة بين الناس.

 

قد يرى البعض من الدارسين للتاريخ، ومن الذين افتتنوا بتقسيمات المستشرقين للتاريخ الإسلامي وفق معيار غربي بحت -كوضعهم مصطلح (عصر الانحطاط)-، أن الاعتماد على ما قاله ابن القيم فيه مبالغة كبرى، بينما الحقيقة أن ما ذكره هنا مجرد مؤشر من المؤشرات؛ فإزاحة ثقافة ما تقاليد ثقافة ثانية يرجع إلى سببين: إما أن الثقافة الأولى تملك ما لا تملكه الثانية فتأسرها وتؤثر فيها، وإما أن الثانية لا تحتاج إلى الأولى، وقد تفوقها، ولكنها انهزمت أمامها لأسباب نفسية بالدرجة الأولى، ولا شك أن الفرضية الثانية هي التي تصدق على المسلمين، فمع توجههم نحو ترجمة ما في تراث الإغريق وغيرهم، أخذوا ما ينفعهم، لكن الذي حدث مع الوقت هو انبهارهم بما عند الآخر، فصارت العملية لا تتوقف عند المثاقفة التي لا تتعارض ولا تتناقض مع الإسلام، بل توجهت إلى القبول بتفكيك ما عند المسلمين من تقاليد علمية راسخة، وإحلال تقاليد علمية لم يعرفها المسلمون من قبل، ما أثر في الحقل العلمي تأثيرا شديدا.

 

ومن خلال البحث والقراءة، وصل هذه الورقات إلى نتيجة يتناقلها المسلمون -الغالبية الساحقة- دون تمحيص ووعي، وهي قولهم: إن المسلمين الأوائل استفادوا من التراث الذي عند الأمم الأخرى؛ كتراث الإغريق والهنود والفرس، وغيرهم دون أي تأثر يذكر، وهنا يجب القول أن سبب افتخار المسلمين بهذا المنجز في المقام الأول يرجع إلى أن عملية الاحتكاك والنقل كانت باللغة العربية، ما يدل على قوة الناقل، -وزاد التفاخر بهذا الاحتكاك في عصرنا بسبب شعور المسلمين بعقدة النقص أمام منجزات الحضارة الغربية، خاصة مع تولي كبار الحداثيين زمام الانتقاص من الإسلام واتهامه بالتخلف والرجعية- لكن الدراسات الإسلامية تتجاهل الحديث عن حقيقة ما حدث بعد عملية النقل من تغيرات مست الحقل العلمي الإسلامي، وهذا يستحق من المسلمين الوقوف عنده، بحثا ودراسة.

 

بين البخاري وابن المقفع ..صراع حضاري قد بدأ

تنبه فطاحلة علماء المسلمين إلى هذا الأمر منذ بداياته الأولى، ونذكر منهم الإمام البخاري (ت256هـ) -رحمه الله- الذي يعد من بين الأوائل الذين تصدوا للضعف الذي بدأ يتسرب إلى التصورات الإسلامية، وهذا جانب هام جدا قلّ أن يتناوله المتحدثون في سيرة الإمام البخاري -رحمه الله- مع أنه باب يبيّن بجلاء عبقريته ونبوغه، وصلابته الإيمانية، وبصيرته المعرفية، وفراسته الحضارية، فقد لاحظ أن مؤلفات ابن المقفع قد نالت مكانة هامة ومؤثرة في حياة المسلمين، وأن ذلك قد حدث على حساب ما عندهم من تصورات إسلامية. وحتى نفهم صنيع البخاري هنا فلا مفر من ذكر بعضٍ من سيرة ابن المقفع، فهو “..أبو محمد عبد الله روزبه بن داذويه (ت142هـ)، مفكّر فارسي وُلِد مجوسياً، ونشأ على مذهب المانوية، وكان له نشاط في نشر تعاليمها وترجمتها إلى العربية، ومنها كتاب في سيرة مزدك أحد دعاة الثنوية -الثنوية عقيدة وليست نظرة فلسفية- ومن زعمائها المجددين لمبادئها، ثم اعتنق الإسلام، وعاصر كُلاً من الخلافة الأموية والعباسية. درس الفارسية وتعلّم العربية في كتب الأدباء واشترك في سوق المربد، نقل من البهلوية إلى العربية كليلة ودمنة، وله في الكتب المنقولة الأدب الصغير والأدب الكبير، فيه كلام عن السلطان وعلاقته بالرعية وعلاقة الرعية به، والأدب الصغير حول تهذيب النفس وترويضها على الأعمال الصالحة، ومن أعماله أيضاً مقدمة كليلة ودمنة”. هذا هو ابن المقفع وهذه هي خلفياته وسيرته، وهذا كاف لفهم قدرته على التأثير في المجال العلمي والأدبي.

 

عندما شاعت كتب ابن المقفع، بدأ المسلمون يتعاملون مع عالم القيم وعالم الأشياء وعالم الأشخاص من خلال الثقافة التي حوتها مؤلفاته التي تأثرت بنشأته الثقافية والاجتماعية، لأنه يستحيل -عادة- أن تتحرر معرفة الإنسان من السياق الاجتماعي والثقافي الذي نشأت فيه، وبعيدا عن التفصيل في حقيقة إسلام ابن المقفع، أحسن إسلامه أم لم يحسن، أكان زنديقا ملحدا، أم كان شعوبيا ناقما على العرب؟ فقد اختلفت آراء الكتاب في هذا، فقد عده بعض المؤرخين شعوبيا وزنديقا؛ كأبي الفرج الأصفهاني، والمسعودي، والجهشياري، أما الباحث محمد نبيه حجاب فيرى في كتابه “مظاهر الشعوبية في الأدب العربي حتى نهاية القرن الثالث الهجري” أنه مجوسي الدين، ثنوي العقيدة، وأنه لم يتخلص من الطقوس المجوسية، وأنه كان علوي السياسة”.

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات