طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > تأصيل الوعي > الخطيب والوصايا العشر-الجزء الرابع

ملتقى الخطباء

(334)
1461

الخطيب والوصايا العشر-الجزء الرابع

تاريخ النشر : 1440/02/07
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

ولا شك أن التخلص من الطباع السيئة من الأمور الصعب تحققها بسهولة؛ ولهذا وجب مراعاة هذا الأمر عند الاجتهاد في وضع ما يصلح الفرد والمجتمع والبشرية..

الخطباء وفقه الزمان:

إن من الإشارات الهامة التي يجب أن ترسخ في ذهن العاملين للإسلام، -وخاصة فئة الخطباء، الذين يلتقون بكل شرائح المجتمع أسبوعيا، وبما لهم من حضور ومكانة في الوعي الجمعي للأمة الإسلامية- أن الإسلام راعى عنصر الزمان في مخاطبة الإنسان، وقد انتبه عباقرة الأمة من الفقهاء والعلماء إلى هذا الأمر، فأبدعوا في إيجاد الحلول التي تثبت الناس على الخير والحق، ومن هنا يجب التذكير بمسألتين هامتين، هما:

الأولى: البحث عن الصلاح العام

أن غاية المصلحين في الأمة الإسلامية المحافظة على ما يمكن تسميته بالصلاح العام، والمتتبع لتاريخ الفقهاء والمصلحين عبر تاريخ الأمة الإسلامية يتبين له هذا الأمر جليا، فقد كان أشد ما يخيف المصلحين من العلماء، -الذين يقدرون حقيقة الإرث الذي ورثوه عن الأنبياء، والرسالة التي اتمنوا عليها- هو شيوع الفساد في الأمة؛ لأن ذلك ينزع من المسلمين الخيرية التي امتازوا بها، ويجعلهم محل طمع الأعداء، ومنا هنا يجب على كل ممن وُلّي أمرا من أمور المسلمين أن يحرص كل الحرص على أن يكون جانب الخير والصلاح أقوى انتشارا، وأكثر حضورا من الشر والفساد، وتحقيق هذه المعادلة منوط بالذين يفقهون حقيقة الإسلام، ومقاصد التشريع، ومن ذلك فقه حقيقة الخطبة، التي شرعت أسبوعيا لتثبيت المسلمين على دينهم، وتثبيت القيم والمبادئ الإسلامية، بمعنى آخر، خطبة الجمعة تهدف إلى الحفاظ على الصلاح العام للمجتمع، ولو سعى كل خطيب وفقيه إلى أن يكون الصلاح العام هو المهيمن على المحل الذي يخطب فيه ويعلّم فيه لتغير حال الأمة في مدة يسيرة.

 

إذن خطبة لجمعة ليست فقط لأجل شحن المسلمين؛ لما ينتظرهم من تحديات وابتلاءات ومصاعب ومغريات وفتن ومحن في قادم الأيام، بل هي أيضا علاج للظواهر الاجتماعية التي رصدها الخطيب ومن يحيط به من العقلاء وأهل الخير والصدق خلال أسبوع انصرم وراح.

 

الثانية: خطبة الجمعة بين البعد الزمني والضعف الإنساني

إن مراعاة عنصر الزمان في تأثيره على الإنسان والمجتمع ينبع من حقيقة عميقة، قلّما نبّه إليها من تصدى للحديث عن فقه الزمان والمكان، وهي أن الإسلام يراعي الضعف البشريظ؛ راعى ضعف النفس البشرية في التشريع والتطبيق، وهذا ما سبق الإشارة إليه في الحديث عن نزول آيات تحريم الخمر.

 

وهنا وقفة مع جملة “مراعاة الضعف البشري”، حتى نحسم حقيقتها من حيث المفهوم، وأحسن ما يستعان به هنا لوضع حد لهذه المسألة هو كتاب الله الكريم، ومن خلال استقراء نصوص القرآن الكريم نجد أن القرآن وصف الإنسان بأربعة أوصاف تحدد حقيقة هذا المخلوق المكلف بحمل الأمانة، وهي:

خطبة الجمعة هل تراعي هذه الحقائق؟

1/ الإنسان وكثرة الجدل: من علامات الضعف البشري اعتداد الإنسان برأيه، واغتراره بعقله، وعدم استحضاره مسألة قصور عقله عن إدراك الحقيقة دوما وأبدا بمفرده، ودون نور الوحي؛ الذي جاء ليبصر الإنسان بحقيقة الحياة وحقيقة الكون والإنسان، وقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة، قال تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا)[الكهف:54]، ويدعم الكلام السابق ما ذهب إليه الإمام ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره لهذه الآية؛ حيث يقول: “ولقد بينا للناس في هذا القرآن ووضحنا لهم الأمور وفصلناها، كيلا يضلوا عن الحق، ويخرجوا عن طريق الهدى، ومع هذا البيان وهذا الفرقان فإن الإنسان كثير المجادلة والمخاصمة والمعارضة للحق بالباطل، إلا من هدى اللّه وبصره لطريق النجاة؛ قال الإمام أحمد، عن علي بن أبي طالب أنَّ رسول اللّه -صلى اللّه عليه وسلم- طرقه وفاطمة بنت رسول اللّه -صلى اللّه عليه وسلم- ليلة، فقال: “ألا تصليان”، فقلت: يا رسول اللّه إنما أنفسنا بيد اللّه، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك، ولم يرجع إلي شيئاً ثم سمعته وهو مولٍّ يضرب فخذه ويقول: “وكان الإنسان أكثر شيء جدلا”(أخرجه البخاري ومسلم والإمام أحمد).

 

إذن المسلم والخطيب خاصة وهو يعالج مواضيع متنوعة في خطبه، يريد من خلالها إصلاح حيه ومجتمعه؛ عليه أن يراعي هذا الأمر مراعاة مناسبة، وأن لا ينتظر من الناس قبول الحق في أول يوم وأول خطبة يطرح فيها موضوعا ما، بل عليه أن يستمر بحكمة وعدل ورفق في أداء رسالة التبليغ، ونصح وإصلاح نفسه والنّاس، وقد كان الأنبياء يسيرون في دعوتهم الناس إلى الخير على هذا المنهج الرباني، الذي يراعي حقيقة النفس البشرية وضعفها، وميلها للجدل، وعدم التسليم بسهولة، حتى لقّب القرآن الكريم بعض الرسل بأولي العزم؛ لما لاقوه من عنت وجدل وخصومة من أقوامهم؛ فينبغي لمن تصدى لدعوة الناس إلى الخير أن يعي جيدا أن مسألة الجدل التي وصف بها الإنسان لا يجب أن تدفعه نحو التطرف في تصوراته نحو مجتمعه، ولا إلى اتخاذ مواقف لا يرضاه الإسلام، أو اليأس من الناس أو احتقارهم، بل عليه أن يعلم أنه يؤدي رسالة صعبة وتكليفا تنوء بحمله الجبال، وليس وظيفة للاسترزاق والحصول على بعض أغراض الدنيا من راتب وسكن بالنية الأولى لا بالنية الثانية التبعية.

 

2/ الإنسان والعجلة: من أبرز ما يجعل الإنسان ضعيفا: اتصافه بالعجلة، فهو لا يصبر على طول الطريق، ولا يتحمل مسألة التدرج في تحصيل ما تهفو إليه نفسه، ويرجو أن يحقق ما يريده في ساعة من نهار، لو رأى ابتلاء قد أصابه في ماله أو ولده، سارع إلى التضجر والشتم والسب واللعن، ودعا على نفسه أو ماله، أو ولده، وقد يكون الخير فيما أصابه، ولكن العجلة تمنعه من رؤية الخير، وتحجبه عن تذكر موعود رسول الله –صلى الله عليه سلم- حين يقول: “أمر المؤمن كله خير”، وقد تناول القرآن الكريم هذه الصفة، في قوله تعالى: (وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا)[الإسراء: 11]؛ يقول ابن كثير –رحمه الله- في تفسيره لهذه الآية: “.. وقد ذكر سلمان الفارسي وابن عباس- رضي الله عنهما- هاهنا قصة آدم -عليه السلام- حين همّ بالنهوض قائما قبل أن تصل الروح إلى رجليه، وذلك أنه جاءته النفخة من قبل رأسه، فلما وصلت إلى دماغه عطس، فقال: الحمد لله. فقال الله: يرحمك ربك يا آدم، فلما وصلت إلى عينيه فتحهما، فلما سرت إلى أعضائه وجسده جعل ينظر إليه ويعجبه، فهم بالنهوض قبل أن تصل إلى رجليه فلم يستطع وقال: يا رب عجل قبل الليل”. وفي هذا دليل على أن العجلة طبع في الإنسانـ تجب مراعاته في الخطاب والتغيير والإصلاح والدعوة.

 

3/ الإنسان والضعف: يقول الله تعالى في محكم التنزيل: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا)[النساء: 28]، وهذه الآية نص محكم في أن الإنسان خُلق ضعيفا، وهذا يعني وجوب مراعاة ذلك في مخاطبته، وعند النظر في أحواله ومآلات محاولة تغييره نحو الخير، وأبرز ما ينبغي مراعاته قوة الهوى عنده، وشدة غضبه، وفرط رغباته ويؤيد هذا الكلام تفسير القرطبي –رحمه الله- لهذه الآية: “قوله تعالى: (وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا) نصب على الحال؛ والمعنى أن هواه يستميله وشهوته وغضبه يستخفانه، وهذا أشد الضعف فاحتاج إلى التخفيف”، وقد اختلف المفسرون في الضعف المشار إليه في الآية، فذهب بعض المفسرين إلى ضعف الإنسان أمام النساء، ولكن الآية تحدثت عن الضعف بشكل عام، ضعف الرجال وضعف النساء على حد سواء، وهو ما يؤيده ما نقله ابن الجوزي –رحمه الله- في تفسيره “زاد المسير في علم التفسير” عن الزجاج وابن كيسان: “إنه ضعف العزم عن قهر الهوى”.

 

كما صوّب ابن القيم –رحمه الله- في كتابه “طريق الهجرتين” القول بعموم الضعف البشري، وتناوله الرجل والمرأة، بعد أن عرض جميع الأقوال، قائلا: “والصواب أَن ضعفه يعم هذا كله، وضعفه أَعظم من هذا وأَكثر: فَإنه ضعيف البنية، ضعيف القوة، ضعيف الإرادة، ضعيف العلم، ضعيف الصبر، والآفات إليه مع هذا الضعف أَسرع من السيل في الحدور “.

 

وأيد الشيخ السعدي -رحمه الله- في تفسيره “تيسير الكريم الرحمن” قول ابن القيم –رحمه الله-، بل أعاد أهم عباراته، وهو إعجاب واضح منه بعمق معرفة ابن القيم بخبايا النفس، فيقول عند تفسيره للآية التي راعت ضعف بني آدم، “قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) وذلك لرحمته التامة وإحسانه الشامل، وعلمه وحكمته بضعف الإنسان من جميع الوجوه، ضعف البنية، وضعف الإرادة، وضعف العزيمة، وضعف الإيمان، وضعف الصبر، فناسب ذلك أن يخفف الله عنه ما يضعف عنه وما لا يطيقه إيمانه وصبره وقوته”.

إذن يجب على الخطيب مراعاة مسألة الضعف البشري عند تصديه في خطبه لمختلف القضايا والمسائل.

 

4/ الإنسان الكنود: من الطباع التي ذكرها القرآن الكريم في معرض ذكر بعض صفات النفس البشرية صفة الكنود، وهي التنكر للخير الكثير لأجل سوء أصابه، وهي صفة لصيقة بالبشر، تتكرر منهم كثيرا، وتظهر عند الجزع أو الفزع، ونشير هنا إلى أن حقيقة هامة، وهي: إذا كان الإنسان كنودا مع الله -تعالى-، وهو خالقه ورازقه، فهو كنود مع أخيه الإنسان من باب أولى، والكنود، يقول الحسن البصري –رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: “(إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) هو الكفور الذي يعد المصائب، وينسى نعم ربه”، ويؤيد هذا القول الفضيل بن عياض -رحمه الله-: “الكنود” الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال الكثيرة من الإحسان، و”الشكور” الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإحسان الخصال الكثيرة من الإساءة”.

 

وصفة الكنود تتجاوز إمكانية تصنيفها كصفة إلى تصنيفها كطبع، يقول الشيخ محمد سيد الطنطاوي –رحمه الله- في تفسير الوسيط: “أي إنّ في طبع الإنسان- إلا من عصمه الله- تعالى- الكنود لربه والكفران لنعمته، والنسيان لمننه وإحسانه، والغفلة عن المواظبة على شكره-تعالى-، والتضرع إليه- سبحانه- عند الشدائد والضراء، والتشاغل عن ذلك عند العافية والرخاء. فالمراد بالإنسان هنا:  جنسه، إذ أن هذه الصفة غالبة على طبع الإنسان بنسب متفاوتة، ولا يسلم منها إلا من عصمه الله- تعالى-“، ولا شك أن التخلص من الطباع السيئة من الأمور الصعب تحققها بسهولة؛ ولهذا وجب مراعاة هذا الأمر عند الاجتهاد في وضع ما يصلح الفرد والمجتمع والبشرية.

 

5/ الإنسان والهلع: من علامات ضعف الإنسان صفة الهلع، وهي ارتباك الإنسان في المواقف التي قد لا تصل قدراته الإدراكية إلى حسم ما ينفعه وما لا ينفعه، وهي أيضا تعني أن الإنسان قد يحجم عن فعل الخير لما فيه من مشقة وكلفة لا يرى من ورائها طائلا ونافعا عاجلا، وهي تعني كذلك اقتحام الإنسان ميدانا قد يضره أو يكون سببا في الإضرار بغيره، لكنه لا يتورع عن فعل الضرر اعتقادا منه أن النافع القاصر والحالي الذي يستفيد منه حالا كافٍ لاعتباره قابلا للفعل، وكل هذا يأتي من الضعف البشري، يقول الله -تعالى-: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعا)[المعارج:19-20-21]. يقول الشيخ الطاهر بن عاشور -رحمه الله- في تفسير هذه الآيات كلاما بديعا، يحق الاستشهاد به هنا؛ لقوته وجماله: “والمعنى: أن من مقتضى تركيب الإدراك البشري أن يحدث فيه الهلع.

 

بيان ذلك أن تركيب المدارك البشرية ركز بحكمة دقيقة تجعلها قادرة على الفعل والكف، وساعية إلى الملائم ومعرضة عن المنافر. وجعلت فيها قوى متضادة الآثار يتصرف العقل والإدراك في استخدامها كما يجب في حدود المقدرة البدنية التي أعطيها النوع والتي أعطيها أفراد النوع، كل ذلك ليصلح الإنسان لإعمار هذا العالم الأرضي الذي جعله الله خليفة فيه ليصلحه إصلاحا يشمله ويشمل من معه في هذا العالم إعدادا لصلاحيته لإعمار عالم الخلود، ثم جعل له إدراكا يميز الفرق بين آثار الموجودات وآثار أفعالها بين النافع منها والضار والذي لا نفع فيه ولا ضر، وخلق فيه إلهاما يحب النافع ويكره الضار، غير أن اختلاط الوصفين في بعض الأفعال وبعض الذوات قد يريه الحال النافع منها ولا يريه الحال الضار، فيبتغي ما يظنه نافعا غير شاعر بما في مطاويه من أضرار في العاجل والآجل، أو شاعرا بذلك ولكن شغفه بحصول النفع العاجل يرجح عنده تناوله الآن لعدم صبره على تركه مقدرا معاذير أو حيلا يقتحم بها ما فيه من ضر آجل.

 

وإن اختلاط القوى الباطنية مع حركات التفكير قد تستر عنه ضر الضار ونفع النافع فلا يهتدي إلى ما ينبغي سلوكه أو تجنبه، وقد لا تستر عنه ذلك ولكنها تحدث فيه إيثارا لاتباع الضار‌‌‌‌‌ لملائمة فيه ولو في وقت أو عند عارض، إعراضا عن اتباع النافع لكلفة في فعله أو منافرة لوجدانه، وذلك من اشتمال تركيب قواه الباعثة والصارفة وآلاتها التي بها تعمل وتدفع على شيء من التعاكس في أعمالها، فحدثت من هذا التركيب البديع صلاحية للوفاء بالتدبير الصالح المنوط بعهدة الإنسان، وصلاحية لإفساد ذلك أو بعثرته.

 

غير أن الله جعل للإنسان عقلا وحكمة إن هو أحسن استعمالها نخلت صفاته، وثقفت من قناته، ولم يخله من دعاة إلى الخير يصفون له كيف يريض جامح نفسه، وكيف يوفق بين إدراكه وحسه، وهؤلاء هم الرسل والأنبياء والحكماء .

 

فإذا أخبر عن الإنسان بشدة تلبسه ببعض النقائص وجعل ذلك في قالب أنه جبل عليه فالمقصود من ذلك : إلقاء تبعة ذلك عليه ؛ لأنه فرط في إراضة نفسه على ما فيها من جبلة الخير، وأرخى لها العنان إلى غاية الشر، وفرط في نصائح الشرائع والحكماء.” انتهى كلامه –رحمه الله-.

 

6/ الإنسان وسرعة النسيان: النسيان نعمة من نعم الله على عباده، فلولا هذه النعمة لما نسي الإنسان مصابه في أحبته، ولولاها لمات من شدة الحزن على كل ضرر لحق به أو بماله، ولولا النسيان لما نسي النّاس أخطاء بعضهم، ولعمت الكراهية والحقد النفوس، وبالمقابل فإن النسيان من دلالات ضعف النفس البشرية، فهو ينسى الوعيد الشديد على الفعال الذميمة؛ فيقتحمها غير مبال بما تجره عليه من حسرات وخسائر، وهو ينسى الحياة الآخرة حتى يظن أنه خالد في الأولى، ومادام هذا حاله؛ فإن الرفق به، والحلم عليه، والتلطف في تذكيره واجب وضرورة تمليه الضرورة الإنسانية التي راعتها الشريعة الإسلامية السمحة، وقد ورد في السنة عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قوله: “.. إِنَّ الْمُؤْمِنَ خُلِقَ مُفْتَنًا تَوَّابًا نَسِيًّا إِذَا ذُكِّرَ ذَكَرَ”(أخرجه الطبراني في “المعجم الكبير” (11/304)، وصححه الألباني -رحمه الله- في “السلسلة الصحيحة”، ورقمه 2276).

 

وبعد هذا نقول: إن مراعاة الضعف في النفس البشرية تؤيده الفطرة السليمة، والعقول الراجحة، والنفوس السوية، التي خاطبتها الشريعة العظيمة، ومادام الحديث هنا عن مجال الخطابة والخطباء، فإن أهم ما يقال هنا في ربط هذا الموضوع برسالتهم هو أن عليهم مراعاة صعوبة تحمل الناس الحق مرة واحدة، وصعوبة تخلصهم من الإدراكات الخاطئة، والمعتقدات الفاسدة مرة واحدة، وقد راعى النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة الراشدون -رضي الله عنهم-والتابعون ومن بعدهم ذلك، فوجب الاقتداء بهم، والأمثلة على مراعاتهم الضعف البشري كثيرة، سنتحدث عنها وعن كيفية تحقيق ذلك في عصرنا في الجزء الأخير من هذا المقال- بإذن الله –تعالى-.

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات