طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خادم الحرمين يؤكد الحرص على توطيد العلاقة مع العراق    ||    اليمن.. انطلاق مهمة "القبضة الحديدية" في حضرموت    ||    ليبيا.. تراجع حاد بأعداد المهاجرين في مركز تهريب البشر    ||    ميليشيات الحوثي تداهم المنازل بصنعاء وتختطف 40 فتاة    ||    مشاعر محبوسة    ||    انطواء طفلك.. بيدك أنت!    ||    مخالفات قولية عند نزول المطر    ||    الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة الغلو والتطرف    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > تأصيل الوعي > مجمل تاريخ الخطابة : حالها قبل الجاهلية – أول من دون قواعدها

ملتقى الخطباء

(1٬429)
250

مجمل تاريخ الخطابة : حالها قبل الجاهلية – أول من دون قواعدها

تاريخ النشر : 1437/05/02
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

لما كان مبدأ كل انقلاب عظيم في أية أمة إما دعوة دينية أو سياسية، وكانت تلك الدعوة تستدعي ألسنة قوالة من أهلها لتأييدها ونشرها، وألسنة من خصومها لإدحاضها والصد عنها، وذلك لا يكون إلا بمخاطبة الجماعات، وذوي النجدات في المحافل والمنتديات، والحج والمواسم، والأسواق ومواطن الزحف، ومقدم الوفود، ونحو ذلك، كان ظهور الإسلام وبعثة الرسول بالأمر الجلل، والشأن الخطير، والدعوة العظمى التي لم يعهد لها مثيل في العالم، من أهم الحوادث، وأعظم البواعث التي أطلقت الألسنة من عقالها، وأثارت الخطابة من مكمنها، وأغرت العقول بإحكامها، والتفنن فيها، واختلاب الألباب بسحر بيانها فوق ما كانت عليه في جاهليتها..

 

 

 

 

قد عرفت أن الخطابة قديمة العهد، وأن الاستعداد لها مخلوق مع الإنسان الذي لا غنى له عن الإبانة لغيره عمَّا في ضميره، وعنْ إقْناعِه بصدق مقاله وسداد رأيه، وتعرف للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فيها الحظ الأوفى، والمقام الأعلى في سبيل الدعوة إلى طاعة الله وتوحيده، وإرشاد الناس إلى الصراط السوي؛ كما أخبر الله تعالى عنهم في كتابه الحكيم، وقد بقي من آثارها على طول الأمد خطب التوراة التي قام بها الأنبياء عليهم السلام إلى بني إسرائيل ليحملوهم بها على الاستقامة، ويردوهم عن الشرور والغواية؛ كذلك عثر في كتابة الآشوريين المسمارية، وآثار قدماء المصريين الهيروغليفية على خطب تأدبية جاءت غالبًا على ألسنة آلهتهم وملوكهم.

 

ولقد تحسنت الخطابة في عهد قدماء اليونان والرومان، ففي اليونان ظهرت في دولهم الأولى، ومنازعاتِهم السياسيَّة وحروبهم، وهي من أهم البواعث على تحريك لسان الخطابة، وفي إلياذة هوميروس خطب كثيرة أوردها على ألسنة الآلهة والأبطال في القرن العاشر قبل الميلاد، ثم لبست ثوبًا أحسن مما قبله في أواخر القرن الخامس في عهد برقليس زعيم أثينا، وأحد خطبائها المحبوبين لدى الشعب اليوناني، وبعده بقليل ظهر خطباء منهم إيسوقراطيس في القول التثبيتي، وديمستينيس وكان قبل أن يعرفه أهل أثينا رجلاً خاملاً ضعيف البنية خافت الصوت، ليست لحركته لباقة، ولا في لسانه طلاقة؛ فلما اعتزم الخطابة أخذ يقوي رئتيه وحنجرته بالصياح فوق رؤوس الجبال وعلى شواطئ البحار برفع صوته فوق صخب الأمواج، وتغلب على عاهة النطق بممارسة الكلام وفي فيه حصى، وتعلم أصول اللباقة ورشاقة الحركة (الحذق، ولطف الحركة) بالوقوف أمام المرآة، وهو يخطب حتى صار كبير الخطباء في كل فنون الخطابة.

 

وأول من دون قواعدها ثلاثة من فلاسفة اليونان في أواخر القرن الخامس، وأوائل الرابع قبل الميلاد: بروديكوس، وبرتاغوراس معاصره، ثم غروجياس سنة 380 ق م، وفي أواخر القرن الرابع سنة 322 ق م ظهر أرسطو زعيم فلاسفة اليونان، فلم يغادر صغيرة ولا كبيرة من أصول هذا الفن إلا دونه، ونشره في كتابه "الخطابة"، ومن هذا الحين صارت الخطابة فنًّا مدونًا.

 

ولم تظهر الخطابة في الرومان إلا بعد اليونان بأمد بعيد لاشتغالهم بالحرب، ومن أشهر خطبائهم كاتون المعروف بالنقاد في القرن الثاني قبل الميلاد في خطبه على قرطاجنة، ثم يوليوس قيصر القائد الروماني الشهير، ثم شيشرون إمام الخطابة اللاتينية، وكان عفيفًا نزيهًا في حياته الخطابية، وكلاهما ظهر في القرن الأول قبل المسيح، وبعد وفاته عليه السلام كان كبار الخطباء من الحواريين، ثم بقيت بعدهم في رجال الدين من القسيسين والأساقفة وكبار الساسة.

 

الخطابة في الجاهلية:

مدة عصر الجاهلية قرن ونصف وينتهي بظهور الإسلام، ولقد اشتهرت الخطابة الأدبية في ذلك العصر لما كان عليه العرب من النعرة[1] والحمية، وشن الغارات في المدافعة عن النفس والمال والعرض والمفاخرة بالشعر والخطب في الحسب والنسب، وقوة العصبية وشرف الخصال من الشجاعة والكرم، والنجدة وحماية الجار، وإباءة الضيم، وللقول في ذلك أثر لا يقل عن الصول، فكانت الخطابة فيهم فطرية ولهم ضرورية مع ما فيهم من زلاقة اللسان، وقوة البيان قضت بها طبيعتها المعيشية، ودعت إليها حالتها الاجتماعية، فتفتقت بها ألسنة أبنائها صيانة لعزها، وحفاظا لمجدها، وتخليدًا لمآثرها، وتأييدًا لمفاخرها، ولا عجب في أن يكون في العرب قبل الإسلام تلك الخطابة الممتازة، فإن الخطابة أثر انفعالات تنشأ عن حوادث تمس الجماعات، ونوازل تعرض للأمم والشعوب، ولم تخل الأمة العربية في جاهليتها من حوادث على هذا النحو، فتثور بينهم لذلك محاورات شديدة، وجدال عنيف، وكانت الحرب بينهم لا تكاد تضع أوزارها، وكانت لهم مع هذا مجامع يعرضون فيها مصنوعات قرائحهم؛ ليباهوا بما فيها من بلاغة وحكمة، وإذا كان في القوم قوة بلاغة، وفي نفوسهم طموح إلى السيادة، وفي ألسنتهم قوة على الجدل وشدة في المحاورة، وفي أيمانهم سيوف تتجافى عن أغمادها، وفي بلادهم أسواق بضاعتها من بديع أفكارهم، فلا عجب أيضًا أن يلدوا خطباء نجباء يقرعون الأسماع بذكر مفاخرهم، ويثيرون العواطف إلى الدفاع عن كرامتهم وأنفسهم، وأموالهم وأعراضهم.

 

ولعنايتهم قديمًا بالشعر دون الخطابة لصعوبة حفظ النثر لم يصل إلينا أحوال خطبائهم الأوائل عند التأدية، ولا شيء من خطبهم، ولم تعن الرواة بنقل أخبار الخطباء وخطبهم إلا بعد أن وصلت الخطابة إلى منزلة أسمى من الشعر؛ لابتذاله بتعاطي العامة والسفهاء له، واتخاذهم له وسيلة للعيش والطعن على الحرم والخوض في الأعراض، فعلا بذلك شأن الخطابة، واشتهر بها الأشراف، وكان لكل قبيلة خطيب كما كان لكل قبيلة شاعر يحفظ عليهم مآثرهم، ويفخم من شأنهم، ويهول على عدوهم؛ بل كان كل واحد منهم في نفسه خطيبًا.

 

وأكثر استعمالها عندهم في مواضع التحريض على القتال، والتحكيم في الخصومات، وتحمل الديات، وإصلاح ذات البين، والمنافرات، والوصايا، والوفادة على الملوك والأمراء، وحيث كان القصد منها امتلاك القلوب واستمالة النفوس كما هو الشأن في الشعر؛ كان الاعتماد فيها على الأقوال الخطابية المحركة للعواطف المؤثرة في النفوس، ممثلة في صور العبارات الرائعة، والأساليب المتينة والألفاظ العذبة لتستولي على النفوس، وتأخذ بمجامع القلوب، وكثرت فيها الفواصل والأسجاع لحسن، وقعها إلى ما فيها من استرواح الخطيب وسهولة تدارك المعاني.

 

وخطب العرب ضربان:

طوال وافية، وقصار كافية، ولكل مقام يليق به قيل لأبي عمرو بن العلاء: هل كانت العرب تطيل؟ فقال: نعم؛ ليسمع منهم، فقيل له: وهل كانت توجز؟ قال: نعم؛ ليحفظ عنهم، وقد مدحوا الإطالة في مكانها كما مدحوا الإيجاز في مكانه، فكانوا يستحسنون الإطالة في خطب الصلح، يروى أن قيس بن خارجة بن سنان قيل له في شأن الصلح بين عبس وذبيان: ما عندك في هذه؟ فقال: قرى كل نازل، ورضا كل ساخط، وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب آمر فيها بالتواصل، وأنهى عن التقاطع، قالوا: فخطب يومًا إلى الليل فما أعاد في خطبته معنى، وكانوا إلى القصار أميل لانطباعهم على الإيجاز؛ ولأنها إلى الحفظ أسرع، وفي البقاع أشيع، وكانت لهم عناية بسرد كثير من الحكم والنصائح والأمثال، وخصوصًا في القصار منها.

 

أما صفة الخطيب عند التأدية:

فكان من عادتهم في غير خطب التزويج أن يخطب قائمًا على منبر أو رباوة[2]، أو ظهر راحلة لإبعاد مدى صوته، والتأثير بشخصه، وإظهار ملامح وجهه، وحركات جوارحه، أما خطبة الزواج فإنهم كانوا يلقونها من جلوس، إذ ليس من شأنها أن تحتوي معاني تدعو الحاجة إلى أن يسمعها جميع الحاضرين، والتأثر بشخصه، وكان من عادة الخطيب أن يقوم معتصبًا عمامة، معتمدًا على مخصرة[3]، أو عصا أو قناة أو قوس؛ وربما أشار بإحداها أو بيده تأييدًا للكثير من مقاصده، وكانوا يستحسنون من الخطيب أن يكون رابط الجأش قليل اللحظ، جهير الصوت متخير اللفظ، قوي الحجة، نظيف الثياب، كريم الأصل صادق اللهجة، أسرع الناس عملاً بما يقول، ولا يخفى أن من هذه الأحوال ما ليس جوهريًّا، ولا يفيد في مقصود الخطابة شيئًا يذكر؛ ولكن لم يصل إلينا من أحوال الخطباء في الجاهلية سواها.

 

ومن أشهر خطبائهم كعب بن لؤي، وذو الإصبع العدواني، وقيس بن خارجة بن سنان، وخويلد بن عمرو الغطفاني، وعمرو بن كلثوم التغلبي، وقس بن ساعدة الأيادي، وأكثم بن صيفي، وقد أجمع علماء الأدب على متانة قس وأكثم، وأنهما أرعى للحق، وأبر بالمكارم، خصوصًا وأن في خطبهما كلامًا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأحوال الآخرة، وإن كانا في باب الأدب أدخل منهما في باب الدين، إلا أن الخطيب الديني يلزم أن يكون أديبًا قبل كل شيء.

 

الخطابة في الإسلام:

لما كان مبدأ كل انقلاب عظيم في أية أمة إما دعوة دينية أو سياسية، وكانت تلك الدعوة تستدعي ألسنة قوالة من أهلها لتأييدها ونشرها، وألسنة من خصومها لإدحاضها والصد عنها، وذلك لا يكون إلا بمخاطبة الجماعات، وذوي النجدات في المحافل والمنتديات، والحج والمواسم، والأسواق ومواطن الزحف، ومقدم الوفود، ونحو ذلك، كان ظهور الإسلام وبعثة الرسول بالأمر الجلل، والشأن الخطير، والدعوة العظمى التي لم يعهد لها مثيل في العالم، من أهم الحوادث، وأعظم البواعث التي أطلقت الألسنة من عقالها، وأثارت الخطابة من مكمنها، وأغرت العقول بإحكامها، والتفنن فيها، واختلاب الألباب بسحر بيانها فوق ما كانت عليه في جاهليتها.

 

وابتدأ طور الخطابة الإسلامية بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبًا غير شاعر، وأول موقف وقفه للخطابة كان يوم نزل: ? فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ? [الحجر: 94]، فدعا قومه وهو على الصفا، ثم قال: ((أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟)) قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبًا، قال: ((فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد))، فكان ما كان، ولما نزل ? وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ? [الشعراء: 214]، جمعهم – عليه الصلاة والسلام – ثم قال: ((إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعًا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعًا ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانًا، وبالسوء سوءًا، وإنها لجنة أبدًا أو نار أبدًا))، فكان العمل الأكبر لصاحب هذه الدعوة العظمى – صلوات الله وسلامه عليه – بادي أمره غير تبليغ القرآن واردًا من طريق الخطابة، ثم ورثها من بعده صلى الله عليه وسلم خلفاؤه الراشدون، وهم أركان البلاغة، وسادات الفصاحة فمن بعدهم من ملوك بني أمية وعمالهم إلا قليلاً ممن أترفوا فعجزوا عنها، وكانوا يستخلفون فيها.

 

ولأمر ما جعلها الشارع شعار كل إمام في حفل ديني أو سياسي؛ كالجمعة والعيدين وموسم الحج الأكبر، وعند أخذ العدة للجهاد، وفي كل أمر جامع لنشر فضيلة، أو نهي عن رذيلة، أو إعلان نصر، أو تأكيد وصية عامة أو خاصة، إلى غير ذلك من الأمور ذوات البال، ولذلك كان سعاة النبي صلى الله عليه وسلم ورسله إلى الملوك وأمراء جيوشه وسراياه، ثم خلفاؤه من بعده وعمالهم كلهم خطباء، مصاقع ولسنًا مقاول، أعانهم على ذلك أنهم يخطبون عربًا مثلهم، للبلاغة عندهم هزة في النفس، وروعة في القلب، وأن الشرع الشريف صرفهم عن الشعر الذي لا ينهض بأعباء الخطابة ولا سيما الدينية لشرحها الحقائق، وقرعها الأسماع بالحجج العقلية والنقليَّة، وترغيبها في الثواب وترهيبها من العقاب، وإطلاقها من قيود الوزن والقافية؛ ولأنها تؤدى بعبارات تناسب الخاصة والعامة.

 

وكان لهم من القرآن الكريم والسنة المحمدية والاقتباس منهما دائمًا مدد لا ينفد، ومعين لا ينضب، وعندما قامت الفتنة الشعواء بمقتل عثمان رضي الله عنه وهو أول حادث تصدع له بناء الجامعة الإسلامية، انقسم لأجله المسلمون إلى فرقتين عظيمتين: عراقية وعلى رأسها إمام الخطباء وأمير البلغاء علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه، وشامية وعلى رأسها سيدنا معاوية رضي الله عنه، وكان لكلٍّ دعوة يؤيدها، ووجهة يناضل عنها، ظهر في تينك الطائفتين خطباء لا يحصى عددهم، ولا يشق غبارهم، وبعد انقضاء الشجار بين هاتين الطائفتين انقسمت كل طائفة منهما إلى أقسام متعددة، لكل قسم خطباء كثيرون يؤيدون مذاهبهم، ويدافعون عن نزعاتهم الدينية والسياسية بما أوتوا من بلاغة في البيان، وفصاحة في اللسان.

 

والفضل في ارتقاء الخطابة وتهذيبها يعود إلى الكتاب الحكيم، والحديث الشريف، فقد أخذت اللغة العربية عند ظهور الإسلام صيغة دينية من القيام بالدعوة والنصح والإرشاد، وتبيين العقائد الصحيحة، وقواعد الإسلام وأصوله المحكمة، وأحكامه العادلة، وحكمه البالغة، وآدابه العالية، وإنك لترى في كلام الصدر الأول من الإسلام الحث على اتباع الدين القويم، والتمسك به، وإعلاء كلمة الحق والعمل للآخرة، والأخذ من الدنيا بنصيب لا يشغل عنها، والتحذير من الاسترسال في اللذات والشهوات من النظر إلى خير الأقاليم، التي فتحها المجاهدون، والتطلع إليها خوف الافتتان بها، والوقوع في الزلل، فترى خطب هذا العصر المنير ورسائله ترجع إلى الكتاب والسنة، حاثة على الفضيلة، منفرة من النقيصة، وكلها جاء فيه اللفظ تابعًا للمعنى، صادرة عن شعور حي، ووجدان صادق.

 

ولذا نفذت إلى سويداء القلوب، وأصابت مواقع الوجدان، وإذا كان القول صادرًا عن قلب حي سليم، فإنه يؤثر في القلوب ويحركها نحو الغاية المقصودة، بخلاف ما إذا كان صادرًا عن اللسان فإنه لا أثر له ولا خير فيه، قال عامر بن عبدالقيس: إذا خرجت الكلمة من القلب دخلت القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان، وقد قضت هذه الخطب بما فيها من الحكم البالغة والمواعظ المؤثرة، والنصائح الخالصة الغالية على دولة الأوهام والرذائل – شأن الباطل أمام قوة الحق – وفسحت للحقائق والفضائل، فصادفت أهلاً، وحلت مكانًا سهلاً فتحلت بها النفوس، وتغذت بها العقول، وقويت العزائم، وعلت الهمم، فساد المسلمون يومئذ جميع الأمم، وخضعت لهم رقاب الجبابرة، وذلت لهم مقاليد الفراعنة.

 

وبالجملة فقد كانت الخطابة في الصدر الأول من الإسلام في أسمى طبقات الفصاحة والبلاغة آخذة أسلوبًا حيًّا متينًا مؤثرًا مع إحكام في الصنعة، وحسن افتتاح، وجودة اختتام كما ترى ذلك في خطب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين – رضوان الله تعالى عليهم أجمعين – كمعاوية، وزياد بن أبيه، وعبدالملك، والحجاج، وقطري بن الفجاءة، وأبي حمزة الشاري، وستأتي خطبهم إن شاء الله تعالى.

 

وإن الفضل في ارتقاء الخطابة في بلاغتها وتأثيرها في عهد الصحابة والتابعين يرجع إلى الكتاب المبين والدين القويم من وجوه:

منها: أن القرآن الكريم – وإن نزل بلغة القوم التي بها يتخاطبون، وبفصاحتها يتفاخرون – بتراكيبه العالية، وأساليبه المتينة التي أعجزت بلغاءهم وخطباءهم، وأخذت بمجامع قلوبهم، قد أكسبتهم ملكة من البلاغة في انتقاء المعاني، وتخير الأساليب السامية، غيرت ملكتهم الأولى، وأطلقت ألسنتهم من عقال الوحشية والتقعر، الذي كان ديدن كثير من خطبائهم فصاروا يقتفون أثره، وينسجون على منواله، ويزينون كلامهم في رسائلهم وخطبهم بذكر آي منه، حتى إنهم كانوا يعيبون الخطيب المصقع إذا خلا كلامه عن آي القرآن الحكيم؛ فقد روى الجاحظ عن الهيثم بن عدي عن عمران بن حطان أنه قال: خطبت خطبة عند زياد أو ابن زياد، فأعجب بها زياد وشهدها عمي وأبي، ثم إني مررت ببعض المجالس فسمعت رجلاً يقول لبعضهم: هذا الفتى أخطب العرب لو كان في خطبته شيء من القرآن، روي عن الهيثم أيضًا أن العرب كانوا يستحسنون أن يكون في الخطب يوم الحفل وفي الكلام يوم الجمع آي من القرآن فإنه مما يورث الكلام البهاء والوقار، وحسن الموقع.

 

ومنها: أن ما جاء في القرآن الحكيم من الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد على الأسلوب البالغ حد الإعجاز، وما كان له من التأثير في القلوب، والأخذ بشكائم النفوس أعانهم على التفنن في أساليب الوعظ الخطابي عند حلول الأزمات، أو الحاجة إلى تأليف قلوب الجماعات، حتى لقد كان الخطيب البليغ منهم يدفع بالخطبة الواحدة من الملمات، ما لا يدفع بالبيض المرهفات، ويملك من قلوب الرجال ما لا يملك بالبدر والأموال؛ كما صنع أبو بكر رضي الله عنه في خطبته يوم السقيفة التي امتلك بها قلوب المهاجرين والأنصار، وصرف عن الأمة تلك الفتن الكبار، وكما صنع الحجاج في أول خطبة له في أهل العراق يوم قلبوا للدولة المروانية ظهر المجن، واثاقلوا عن الخروج لقتال الخوارج، فإنهم ما طرق مسامعهم داعي الأمير إلى المسجد حتى أخذوا يفدون إليه أفواجًا يلتقطون من أرضه الحصى، يريدون رجمه بها وهو على المنبر استصغارًا لشأنه، واحتقارًا لمولاه، ولم يلبثوا أن طرقت أسماعهم زواجره واخترقت أسوار قلوبهم صوادع كلمه، حتى تناثرت من أيدهم الحصى وخشعت منهم النفوس، وطأطأ الرقاب رهبة منه وإجلالاً له، كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى.

 

ومنها: أن الإسلام بما هذب من أخلاقهم، وألان من جفاء طباعهم، وعدل من شيمهم، أدخل من الرقة على عواطفهم ما رق به كلامهم وكثر للمعاني المؤثرة في النفوس اختيارهم في خطبهم ومخاطباتهم.

 

ومنها: أن الدين الحنيف بما مهد لهم من سبل الفتح، ومخالطة الأمم، وبما منحهم من سعة السلطان والسيادة على شعوب، وفر لهم الأسباب الداعية إلى التوسع في الخطابة، بما تدعو إليه حاجة التوسع في الملك والعمران، وتقتضيه عادات الأمم المحكومة وأخلاقها، قال ابن خلدون: إن كلام الإسلاميين من العرب أعلى طبقة في البلاغة من كلام الجاهلية في منثورهم ومنظومهم، فإنا نجد شعر حسان بن ثابت، وعمر بن أبي ربيعة، والحطيئة، وجرير، والفرزدق، ونصيب، وغيلان ذي الرمة، والأحوص، وبشار، وأمثالهم ثم كلام السلف من العرب في الدولة الأموية، وصدر الدولة العباسية في ترسلهم وخطبهم، ومحاوراتهم للملوك أرفع طبقة في البلاغة من شعر النابغة، وعنترة، وعمرو بن كلثوم، وزهير، وعلقمة بن عبدة، وطرفة بن العبد، ومن كلام الجاهلية في منثورهم ومحاوراتهم، والطبع السليم والذوق الصحيح شاهدان بذلك للناقد البصير بالبلاغة، والسبب في ذلك أن هؤلاء الذين أدركوا الإسلام سمعوا الطبقة العالية من الكلام في الحديث الشريف والقرآن الكريم، الذي أعجز البشر عن الإتيان بمثله؛ لكونها ولجت في قلوبهم، ونشأت على أساليبها نفوسهم، ونهضت طباعهم، وارتقت ملكاتهم في البلاغة على ملكات من قبلهم من أهل الجاهلية، ممن لم يسمع هذه الطبقة، ولا نشأ عليها فكان كلامهم في نظمهم ونثرهم أحسن ديباجة، وأصفى رونقًا من أولئك، وأرصف مبنى، وأعدل تثقيفًا بما استفادوه من الكلام العالي الطبقة. ا هـ.

 

هكذا كان شأن الخطابة في صدر الإسلام، ومبلغ تبريز القوم فيها، وتسلطهم على النفوس الجافية بقوة سلطانها، وقوي برهانها، فلقد كان الخلفاء والأمراء من أنبغ الناس فيها وأكثرهم حرصًا عليها، وكانوا يقربون الخطباء، ويجزلون لهم العطاء، ويستعينون بهم في استنهاض الهمم، وإطفاء نار الفتن، وتلك كانت منزلة الخطابة إلى أول دولة بني أمية، ثم بدأ يعروها الوهن، ويحفها الفساد من أواسط الدولة المروانية، حيث كان استحكم الفساد باللغة العربية بمعاشرتهم للأعاجم، ودب في نفوس الخلفاء داء العظمة والكبرياء، فأقلوا من الظهور للعامة، وترفعوا عن الوقوف موقف المخاطب للناس.

 

وقد كان الخلفاء في صدر الإسلام يخطبون الناس عند طروء كل حادث جلل، بلا تقييد بوقت ولا تكلف لقول، فكانوا يجمعون المسلمين إلى المسجد تارة لإعلان خبر، وتارة لاستشارتهم ووقتًا لتحذيرهم، وآخر لوعظهم وتذكيرهم، وأنى لمن اتخذوها بعد كسروية أن يقفوا للناس هذا الموقف، وهم يرون أن الرأي سلطان لا يتعداهم، وأن الناس بالنسبة إليهم همل لا ينبغي لعصا القوة والجبروت أن تتخطاهم.

 

ما أعظم مكانة الخطيب في النفوس، وأنفذ كلامه في القلوب، وأشد إثارته للعواطف، إذا كان ذلك الخطيب أمير القوم الذي تتجه نحوه أنظارهم، وتحدق به أبصارهم، وتلتف حوله قلوبهم، وتترامى إليه آمالهم، يستلينهم بالقول إذا قسوا، ويستخضعهم به إذا عصوا، ويمتلك نفوسهم بالرغبة تارة، وبالرهبة أخرى، وينفخ فيهم وقت الحاجة روح الحماس، فيقذف بهم الجبال فيدكونها بين يديه، ويلين لهم بالقول؛ فإذا استوهبهم الأموال بل الأرواح وهبوها له، تالله إنها لمكانة سامية انحط عنها الأمراء على غير علم وسلطان نافذ القوة في الأرواح، لا يدانيه نفوذ قوتهم الجبروتية في الأجسام، وأنى يضارع الروح الجسم.

 

ولقد كان أول وهن دخل على سلطان الخطابة في الإسلام في عهد الوليد بن عبدالملك حين بدأ يخطب على المنبر جالسًا، وقد كان الخلفاء قبله يقفون لها، ومن ثم دب دبيب الاستهانة بهذا الموقف العظيم الشأن، الجليل الشرف؛ حتى مجه الخلفاء والأمراء، وانحط عنه القادة؛ إما عجزًا عن الوفاء بحقه، فلم تثبت أقدامهم فيه، وإما استهانة به، وترفعًا عنه، غير أن ذلك لم يكن لينسيهم حلاوة العربية الأولى، ولم يثن من عزمهم عن التنافس في مغزاها، والحرص بقدر الإمكان على معناها، إذ هي لغة العلم والدين والسلطان والقرآن الكريم، فنبغ في الرعية خطباء ملكوا ببلاغتهم قلوب الأمة، وخرجوا على الدولة، وقاموا بالدعوة للعباسيين، ونبغاء عصر بني أمية مع قلتهم فاقوا العد، وتجاوزا الحد، ومن أشهرهم زياد بن أبيه، والحجاج، وقطري بن الفجاءة، وأبو حمزة الشاري، وشبيب بن شيبة.

 

ولما كان قيام الدولة العباسية في المشرق، والإدريسية بالمغرب، والأموية الثانية بالأندلس من الأمور التي ينشأ عنها كثير من الانقلابات السياسية، والمذهبية، والاجتماعية، وكان ذلك يستدعي تأليف العصابات، ودعوة الناس إلى التشيع لزعماء الأحزاب، والإنكار على ما انتهكته الدولة الأموية من حرمات الدين، وكان التفاهم بالعربية الفصحى، والانخداع بالبلاغ والشعر لا يزال متوافرًا في صدر هذا العصر، كانت الداعية إلى الخطابة متوافرة لتوافر أسبابها، ووجود أهلها، وكان من دعاة الدولة العباسية وقوادها وخلفائها، وولاتها ورؤساء وفودها خطباء مصاقع، وبلغاء فطاحل، لا يقلون عمن اشتهر من نظرائهم في الدولة الأموية.

 

ولكن لما فترت هذه الدواعي باستقرار الدول، وكثر اختلاط العرب بالعجم، وتولى كثير من الموالي قيادة الجيوش وعمالة الولايات والمواسم، ضعف شأن الخطابة لضعف قدرتهم عليها وقلة المجيبين لها؛ لتناقص العناصر العربية في الجند وأهل النجدة، فلم يمض قرن ونصف من قيام هذه الدولة حتى بطل شأن الخطابة السياسية والمذهبية، إلا قليلاً في المغرب أيام الحفل، وقدوم الوفود، وبقيت قاصرة على خطب الجمع، والأعياد، والمواسم، والزواج، ونحو ذلك، وقل فيها الارتجال، أو عدم جملة،وحل محلها في الأمور السياسية عمل المنشورات، وفي الأمور الدينية مجالس الوعظ، والتزهيد، والتدريس في المساجد والمدارس، نعم؛ بقيت الخطابة ببعض أنواعها في البادية زمانًا طويلاً بعد اضمحلالها في الأمصار؛ لتباطؤ فساد اللغة في جزيرة العرب؛ لقلة اختلاطهم بالعجم حتى كانت فتن الزنج في أواخر القرن الثالث، والقرامطة في أواخره إلى نهاية القرن الرابع، فامتزج كثير من الأعاجم بعرب الجزيرة، وضاعت النعرة العربية فيهم، ودب الفساد إلى لغتهم، وعادوا إلى جهالة لم تعهد فيهم حتى في عصر الجاهلية.

 

واشتهر بالخطابة في هذا العصر جملة من الخطباء جلهم من بني هاشم، وبعض زعماء بني أمية بالأندلس، وآل الأغلب في إفريقيا، ومن أشهرهم داود بن علي بن عبدالله بن العباس رضي الله عنهم في القرن الثاني؛ والمهدي، وهارون، والمأمون، وكان آخر الخطباء المجيدين من خلفاء المسلمين رضي الله عنه.

 

وكانت موضوعاتها في الغالب الوعظ والنصح، والذود عن الحقوق، ورد جماح الأطماع وتأليف الأحزاب، وتوحيد الكلمة، ولم يخرج الخطباء في عهد الإسلام عن مألوفهم فيها قبل الإسلام من الاعتماد على العصا ونحوها، والخطبة من قيام إلى غير ذلك، وكان صلى الله عليه وسلم يخطب قائمًا على المنبر معتمدًا على عصا، روى الإمام أحمد وغيره من حديث سعد بن عائذ، وسعد القرظي مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس، وإذا خطب في الجمعة خطب على عصا؛ وهكذا كانت الخلفاء بعده، ومما تقدم تعلم أن الخطابة في عهد الإسلام قد امتازت عنها في عهد الجاهلية بأمور:

1 – أخذها وجهة دينية في مثل خطب الجمع، والأعياد، والحج، والوعظ، والإرشاد.

 

2 – اتباعها خطة سياسية في مثل تكوين الأحزاب، وتأليف الجماعات، وتوحيد الكلمة، والتحريض على الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى، وتأسيس الملك بحالة تغاير ما كانت عليه العرب في الجاهلية في ذلك.

 

3 – صفاء ألفاظها، وسهولة عباراتها، ومتانة أساليبها، وتجنبها سجع الكهان، وقلة القصد فيها إلى سرد الحكم القصيرة الدقيقة لمناسبة وغير مناسبة خلافًا لما كانت عليه في الجاهلية.

 

4 – قوة تأثيرها ووصولها إلى سويداء القلوب، وامتلاكها الوجدان والشعور، بما يرقق القلوب القاسية، ويسيل الأعين الجامدة.

 

5 – محاكاتها أسلوب القرآن الحكيم في الإقناع، واستمدادها من آياته حتى اشترط بعض الأئمة اشتمال الخطبة على شيء منه.

 

6 – بداءتها بحمد الله – عز وجل – والثناء عليه تعالى، والصلاة والسلام على النبي وآله وصحبه.

 

الخطابة في النهضة الأخيرة من سنة 1202 إلى الوقت الحاضر:

لقد كانت دائرة الخطابة ضيقة في فاتحة هذه النهضة، فكان أهل مصر وسوريا والحجاز لا يستعملونها إلا في الأغراض الدينية، ثم تنوعت أغراضها لما اتسعت دائرة الأفكار في عهد إسماعيل باشا، وعلى إثر مجيء السيد جمال الدين الأفغاني إلى مصر، فقد التف حوله كثير من رجال الأزهر، وأدباء مصر وسوريا، وأدخلهم في جمعيته، واتخذ لهم أندية كانوا يتناوبون فيها الخطابة في الأمور الدينية والأخلاقية، ثم انتقلت منها إلى الشؤون السياسية، وفشت الخطابة على عهد توفيق باشا بين شبان مصر، وولدت رجال الثورة العرابية، ومن أشهر خطبائهم السيد عبدالله النديم، وكان رحِمه الله لا يُدانِيهِ أحد في البديهة، وشدة العارضة، وقوة التأثير في السامعين، وكان يجيد الخطابة بالعربية الفصحى والعامية، والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده وغيرهما، ولما أقيمت الجمعيات العمومية والنوادي الأدبية، وتعدَّدت الأحزاب السياسية بمصر أخذت الخطابة مكانة سامية في الحياة السياسية والأدبية، وأصبحت في عصرنا هذا على حال زاهية لا تقل كثيرًا عمَّا كانت عليه في أطوارها الأولى أيَّام الدول العربيَّة، وبالتَّأمُّل في أطوار الخطابة يعلم أنها قد ارتقت في ثلاثة أحوال: في أواخر عصر الجاهلية، وفي صدر الإسلام، وفي أيَّام النهضة الأخيرة.

 

ومن الحالة الأولى: نَعْلَمُ أنَّ من دواعي رُقِيِّها بعد فصاحة اللغة، حياة الأمة في بيئةٍ حُرَّة مُستَقِلَّة، وشعورها بأنَّها ذاتُ سؤدد، وفخار وكثرة خوضِها غِمارَ الحَرْبِ لِلذَّوْدِ عن حِياضِها، والذَّبِّ عن كرامتها.

 

ومنَ الحالة الثانية: نعلم أنَّ مِنْ دَواعِي رُقِيِّ الخطابة اعتناقَ الأُمَّة دينًا تحملها الغيرة والعاطفة على التفانِي في المحافظة عليه، والجهاد في سبيله، ونَشْرِ تعاليمِه، وبثِّ نَصائِحِه بِما تَمْلِكُ من قُوَّة.

 

ومن الحالة الثالثة: أنَّ مِنْ عَوامِلِ رُقِيِّها شعورَ الأُمَّة بِالحاجة إلى أن تَحيا حياةً شريفة، وأن تسلك الحالة الاجتماعيَّة السياسية سبيلاً أهْدَى من سبيلِها، وطريقًا أقوم من طريقها.

 

[1] بوزن الشعرة صوت في الخيشوم.

[2] الرباوة: الرابية: وهي ما ارتفع من الأرض.

[3] المخصرة: ما يتوكأ عليها كالعصا ونحوها.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات