طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خادم الحرمين يؤكد الحرص على توطيد العلاقة مع العراق    ||    اليمن.. انطلاق مهمة "القبضة الحديدية" في حضرموت    ||    ليبيا.. تراجع حاد بأعداد المهاجرين في مركز تهريب البشر    ||    ميليشيات الحوثي تداهم المنازل بصنعاء وتختطف 40 فتاة    ||    مشاعر محبوسة    ||    انطواء طفلك.. بيدك أنت!    ||    مخالفات قولية عند نزول المطر    ||    الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة الغلو والتطرف    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > تأصيل الوعي > سلسلة أفقاه لا يستغنى عنها الداعية (5) فقه الاجتماع

ملتقى الخطباء

(2٬652)
239

سلسلة أفقاه لا يستغنى عنها الداعية (5) فقه الاجتماع

تاريخ النشر : 1434/11/22
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

وقد أدى غياب فقه الاجتماع إلى عدم التفرقة بين أنواعه وأحواله وضوابطه، وعدم التفريق بين فقه الاجتماع في حال الدعوة والبناء، وفقه الاجتماع حال النوازل والدفاع عن بيضة الإسلام، وبالتالي افتقدت كل محاولات رأب الصدع في مسيرة العمل الإسلامي، وتشكيل جبهة إسلامية موحدة تواجه أعداء الأمة الكثر ـ افتقدت…

 

 

 

 

لاشك أن مسألة توحيد فصائل العمل الإسلامي من أكثر الأمور التي يحلم بها الدعاة والمخلصون والعاملون لدين الله – عز وجل  -، فلقد آلمهم وآلم كل حر سؤال الناس : لماذا يتفرق ويختلف الدعاة والعاملون فيما بينهم ؟ وكلهم يبغي خدمة دين الله – عز وجل  – ؟ فالاختلاف بينهم قد أدى لكثير من التهارج والتدابر والتقاطع، وإهدار  كثير من الطاقات والأوقات في مشاحنات وخلافات صغيرة لم يكن لها لتظهر وتتفجر لو راعى القائمون على شئون العمل الدعوي والخيري الضوابط والأصول العلمية لفقه الاجتماع الذي هو واحد من أكثر الأفقاه أهمية في أيامنا هذه، فغياب فقه الاجتماع عن مسيرة العمل الدعوي أدى إلى الاضطراب والخلل في ترتيب الأولويات، فبغيابه قد تم تعظيم الجزئيات وموارد الاجتهاد، واشتد التثريب والإنكار على المخالف فيها، وفي المقابل تم تجاهل الكليات وتهميش القضايا الأساسية،  فغض الطرف عنها.

 

وقد أدى غياب فقه الاجتماع إلى عدم التفرقة بين أنواعه وأحواله وضوابطه، وعدم التفريق بين فقه الاجتماع في حال الدعوة والبناء، وفقه الاجتماع حال النوازل والدفاع عن بيضة الإسلام، وبالتالي افتقدت كل محاولات رأب الصدع في مسيرة العمل الإسلامي، وتشكيل جبهة إسلامية موحدة تواجه أعداء الأمة الكثر ـ افتقدت إلى النجاح والسداد، وذهبت كل جهود المصلحين وتقريب وجهات النظر بين فصائل الدعوة الإسلامية أدراج الرياح، ولم يبق من هذه المحاولات إلا أسى الفشل وزيادة التوتر والاحتقان.

 

والأصل في هذه الأمة هو الاتحاد والاجتماع والوحدة؛ وحدة الجماعة ووحدة الراية ووحدة القيادة، وكل خروج عن هذا الأصل هو خلل طارئ يجب أن يرد إلى هذا الأصل، ولا يكون الرضا به إلا على وجه الاضطرار، مع ضرورة السعي لاستعادة الأصل، وبذل المجهود من أجل تكميل مصالح الاجتماع وتقليل مفاسد الافتراق حتى تأتي لحظة العودة إلى الأصل، وهذا هو دور " فقه الاجتماع "

 

فقه الاجتماع: هو الفقه الذي يهدف إلى بلورة الأصول الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، لتكون إطارا عاما يجتمع فيه وعليه جميع العاملين لدين الله – عز وجل  – بشتى فصائلهم وتخصصاتهم، لتكون هي وحدها دون غيرها نقطة الاجتماع وعنوان المفاصلة ومعقد الولاء والبراء في صلة الفصائل بعضها ببعض.

 

أهم مرتكزات فقه الاجتماع:

 

أولا : مراعاة طبيعة المرحـــلة

 

فلابد من التفريق بين فقه الاجتماع في مرحلة البناء والدعوة ووضع اللبنات والأسس، وفقه الاجتماع في مرحلة النوازل والدفع العام، فقاعدة الاجتماع في مرحلة الدفع العام ومواجهة النوازل العامة أكثر اتساعا وأوسع دائرة من الاجتماع في مرحلة البناء والتخصص التي تكون غالبا في مرحلة وجود الكيانات القائمة وداخل إطار إسلامي واضح المعالم، فثمة فارق كبير بين عمل دعوي يقوم على تجييش الأمة كلها لمواجهة معركة فاصلة مع حركة الاستعداء العالمي ومظاهر الغزو الفكري والثقافي والاجتماعي الذي يعصف بالأمة، وكلها مقدمات لما يكون بعد ذلك من غزو عسكري فعلي، وهو ما حدث بالفعل في عدة بقاع من العالم الإسلامي اليوم، فارق بين هذا العمل الدعوي وبين العمل العلمي الإحيائي الذي يستهدف تجديد الاهتمام بالعلم، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، ويجعل جل عمله واهتمامه بهذا الإحياء العلمي، فهذا النوع من العمل في حقيقته أقل اتساعا وشمولية من النوع الأول، فمعقد الولاء والبراء في مرحلة الدفع العام هو الالتزام العام بالإسلام، والاستعداد للاشتراك في مواجهة العدوان العام على الأمة الإسلامية، أما الاجتماع في مرحلة البناء فيكون أكثر انتقائية، حيث تجتمع الفصائل على خياراتها العلمية ورؤيتها الخاصة في الإصلاح، وهذا لا يكون كما قلنا إلا في دولة الإسلام القائمة الممكنة.

 

ثانيا : الموازنة بين فريضة الإتباع وضرورة الاجتماع  

 

وهذه النقطة مرتبطة بسابقتها، حيث يصاحب عملية توسيع قاعدة الاجتماع في مرحلة الدفع العام نوع من التراخي في ضوابط الولاء والبراء، يؤدي عادة إلى اختلاط الأوراق في التفريق بين السنة والبدعة، والفرقة الناجية والفرق الضالة، وما يتجاوز فيه من مسائل مختلف في ثبوت بدعيتها، وبين بدع أصلية أو إضافية لم يختلف فيها الثقات من علماء الزمان، لذلك فالموازنة بين فريضة الإتباع وضرورة الاجتماع تضبط وتبلور مواضع الإجماع وتميز بدقة بينها وبين موارد الاجتهاد، حتى لا يؤدي الاختلاط إلى تراخي في قطعي مجمع عليه، أو اختلاف وتنازع في ظني اجتهادي تباينت فيه الأفهام والأنظار، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –  في الفتاوى ج 12 ص 237: " فالواجب على المسلم أن يلزم سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وسنة خلفائه الراشدين، والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وما تنازعت فيه الأمة وتفرقت فيه، إن أمكنه أن يفصل النزاع بالعلم والعدل، وإلا استمسك بالجمل الثابتة بالنص والإجماع، وأعرض عن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، فإن مواضع التفرق والاختلاف عامتها تصدر عن إتباع الظن وما تهوى الأنفس " وقال – رحمه الله –  في موضع آخر " والواجب أمر العامة بالجمل الثابتة بالنص والإجماع، ومنعهم من الخوض في التفصيل الذي يوقع بينهم الفرقة والاختلاف، فإن الفرقة والاختلاف من أعظم ما نهى عنه الله ورسوله "  

 

ثالثا : الحذر من التعصب في الجزئيات

 

فالخلاف في الجزئيات والفرعيات واقع لا محالة، ولا سبيل لاجتنابه أبدا، بل إن بعض أهل العلم قال إن قدرا من هذا الخلاف مقصودا من الشارع الحكيم، قال الشاطبي – – رحمه الله –  -: " فإن الله – تعالى – حكم بحكمته أن تكون فروع هذه الملة قابلة للأنظار ومجالا للظنون، وقد ثبت عند النظار أن النظريات لا يمكن الاتفاق عليها عادة، فالظنيات عريقة في إمكان الاختلاف، ولكن في الفروع دون الأصول، وفي الجزئيات دون الكليات، فلذلك لا يضر الاختلاف "، وقال الزركشي – رحمه الله –  : " اعلم أن الله لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة، بل جعلها ظنية قصدا للتوسيع على المكلفين، لئلا ينحصروا في مذهب واحد لقيام الدليل القاطع "، ولقد طلب ثلاثة حلفاء من يني العباس من الإمام مالك أن يحملوا الأمة كلها على كتابه " الموطأ " ولكنه رفض بشدة من كمال فضله وإنصافه وعلمه، لذلك لم تتجه إرادة سلف الأمة نحو حسم الخلاف في الأمور الفرعية، ولكنهم اهتموا بإحياء أدب الاختلاف وفقه التعامل مع المخالفين في هذه الجزئيات والفرعيات، ومن ثم لا يصح الاختلاف والتدابر والتشاحن بسبب مسائل جزئية وفرعية اختلفت فيه أقوال العلماء، وإلا هلكت الأمة ولم ينعقد لها راية، قال ابن تيميه – رحمه الله –  " أما الاختلاف في الأحكام فأكثر من أن ينضبط، ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة ".

 

مع العلم أن الخطأ المغفور في الاجتهاد  في الفرعيات والجزئيات يشمل الأمور العلمية والعملية على حد السواء، فيجب أن يفرق بين من يغلط بتأويل أو اجتهاد في شيء من الأمور العلمية الخبرية مثل صفات الله – تعالى -، وبين من يتحزب على مبدأ التأويل والتعطيل للصفات كلها أو معظمها، فلقد أُثر عن بعض السلف إنكار الرؤية تأويلا لقوله عز وجل ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار )، وعن بعضهم إنكار أن الله – عز وجل  – يعجب مثل شريح القاضي لاعتقاده أن العجب إنما يكون عن جهل، والله – سبحانه – منزه عن ذلك، وإنكارهم أن الله يريد المعاصي، لاعتقادهم أن الإرادة تتضمن الرضا والمحبة، والله – عز وجل  – لا يرضى بالكفر، كما احتجت عائشة بقوله ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ) لانتفاء الرؤية بحق النبي – صلى الله عليه وسلم – ليلة المعراج، ومجاهد – رحمه الله –  فسّر قوله ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) أي تنتظر ثواب ربها، وغير ذلك كثير وقع من علماء السلف، لذلك قال ابن تيمية : " قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون قد وصلته ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر خطأه كائنا من كان، سواء في المسائل النظرية أو العملية، وهذا الذي عليه أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – وجماهير أئمة الإسلام " الفتاوى ج 23 ص 354.

 

رابعا : نسبية الخلاف المتعلق بتحقيق المناط

 

إن الأصل في الخلاف المتعلق بتحقيق المناط، وإدراج الجزئي المعين في نطاق القاعدة الكلية التي تشمله، أنه من جنس الخلاف في الفرعيات التي لا يشنع فيها على المخالف، ولا يقدح به في دينه وعدالته، لارتباطه بالدراية بالواقع أكثر من ارتباطه بالعلم بالشريعة، وإنما يتكلم فيه بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه، ومن رجح القول اجتهادا إن كان من أهل الاجتهاد، أو تقليدا لمن يثق في دينه وعلمه إن كان من العوام، فلا تثريب عليه، وهذا الضابط تظهر أهميته عند التطبيق العملي، ذلك لأنه يحسم كثيرا من الفتن والنزاعات التي فتت الحركة الإسلامية، فعدم التفريق بعض الدعاة والعاملين بين الحكم الشرعي في ذاته، وبين تحقيقه في مناط معين، فتحريم الخمر مثلا قطعي الثبوت، والعلة في تحريمها هو الإسكار قطعي كذلك، ولكن تحقيق المناط في جزئي بعينه قد يكون ظنيا وتتفاوت فيه الآراء، مثل البنج المخدر للمرضى. وأصل اعتبار الإكراه والجهل عند إجراء الأحكام قطعي، ولكن تحقيقه في مناط معين قد يكون ظنيا، لتفاوت درجات الإكراه وأنواع الجهل، وطبيعة الظروف التي أحاطت بالمكره والجاهل، واعتبارها أو عدم اعتبارها.

 

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات