طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > تأصيل الوعي > الدعاة بين الأصالة والمعاصرة

ملتقى الخطباء

(3٬304)
210

الدعاة بين الأصالة والمعاصرة

تاريخ النشر : 1433/11/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

قضية المعاصرة تعتبر من أهم القضايا الثقافية وأعمقها تأثيرًا على مستوى الفرد والجماعات، فليس من العسير على الإنسان أن يعيش مزدوج الفكر والثقافة والسلوك، كأنه يعيش في عصرين مختلفين، فكثير من الدعاة يعيشون في القرن الواحد والعشرين على المستوى الاستهلاكي والمادي، في حين أن عقولهم وطرائق تفكيرهم ومفاهيمهم ورؤاهم ..

 

 

 

 

الثقافة بمعناها الواسع هي مجموعة العقائد والأفكار والمفاهيم والنظم والرؤى والعادات والتقاليد والأعراف السائدة في مجتمع من المجتمعات أو بيئة من البيئات في ظرف زماني ومكاني معين، وهي بهذا المعنى الواسع أشمل من أن تكون علمًا أو معرفة، وأقرب لأن تكون أسلوبًا للحياة، وهذا يعني أنّ المعرفة هي إحدى مكونات الثقافة ورافدًا من روافدها الكثيرة. 

والثقافة بهذا المعنى أشبه بالكائن الحي الذي يؤثر ويتأثر في نطاقه ومحيطه، ويتغير بضغوط الصوارف والعوارض، ومن ثم لا تسلم الثقافة من أزمات وآفات ونوازل تعرض لها، تكون بمثابة القضايا المهمة التي تشغل بال المثقفين والمفكرين والدعاة والمخلصين؛ إذ إن هذه القضايا تتحول مع الوقت لأزمات خانقة للفكر والسلوك، وتؤثر في اتخاذ القرارات، ومن ثم كان لابد من وضع الأطر اللازمة من أجل بناء ثقافة راسخة منجزة، تنهض بالأمة وتنقلها من خانة التبعية إلى خانة القيادة، ومن الكلالة والملالة للنهوض والفاعلية، ومن أبرز القضايا التي تواجه أنظمتنا الفكرية وخريطتنا الثقافية: قضية الجمع بين الأصالة والمعاصرة.

قضية المعاصرة تعتبر من أهم القضايا الثقافية وأعمقها تأثيرًا على مستوى الفرد والجماعات، فليس من العسير على الإنسان أن يعيش مزدوج الفكر والثقافة والسلوك، كأنه يعيش في عصرين مختلفين، فكثير من الدعاة يعيشون في القرن الواحد والعشرين على المستوى الاستهلاكي والمادي، في حين أن عقولهم وطرائق تفكيرهم ومفاهيمهم ورؤاهم تتخلف بعشرات السنين وربما بقرون، وبجولة سريعة على الإنتاج الثقافي والعلمي والتقني لبلادنا مقارنة بما وصل إليه الآخرون نجد أنفسنا ربما نعيش في أجواء ما قبل القرن العشرين، فمن الصعب على كثير من الدعاة اليوم الوصول إلى حالة التوازن الفكري والثقافي اللازمة للجمع بين الأصالة والمعاصرة، وذلك بسبب افتقارهم للسمات الأساسية للداعية الذي يرغب في العيش باتساق نفسي وثقافي، ويجمع بين الأصالة التي توفر له الاستقرار النفسي والرسوخ العلمي، وبين المعاصرة التي توفر له الفهم والرؤية الثاقبة والقدرة على مواكبة الحدث والبصيرة بحيل ومكائد المعاندين.

ومن أهم هذه السمات التي يجب توافرها في الداعية حتى يجمع بين الأصالة والمعاصرة:

أولاً: التمسك بالأصول والمبادئ الكلية: فالمعاصرة تدفع الناس للوقوع في أتون العولمة، حيث يتحرك الناس بلا وعي في عالم مائع لا أصول فيه، هلامي لا يعرف أرضية أو قواعد ثابتة أو مبادئ كلية، ما سهّل عملية الاستيلاء على عقولهم وأفكارهم وتوجهاتهم وطموحاتهم، فيسيرون وفق ما يريده المتحكم في إيقاع العولمة، وقد يعتقد البعض أن الأصول والمبادئ التي يضعها البشر والممثلة في دساتير الدول وقوانينها تقوم بنفس دور الأصول والمبادئ المستقاة من الوحي المعصوم، وهذا خطأ بيِّن، فأصول البشر -مهما بلغ رقيها وعدالتها- تبقى قاصرة بقصور واضعيها، والأصول حتى تؤدي وظائفها في ضبط الأداء الاجتماعي وتأسيس المعايير الأخلاقية فلابد أن تكون ثابتة صلبة لا تلين مع الأهواء والمتغيرات، وإلا فإنها لا تكون أصولاً يتحاكم إليها الناس عند الاختلاف، بل إن الحديث عن مواكبة روح العصر ومتغيرات الزمان لن تكون ذات قيمة إلا في ظل وجود هذه الأصول.

فالداعية إذا لم يكن ينطلق في دعوته من أرضية صلبة من الأصول والثوابت الكلية والمبادئ العامة للشريعة فإنه سوف يزل كثيرًا ويضل كثيرًا، وتأكله المتغيرات والمستجدات والحوادث، ويتوه في زحمة النوازل، وهذا ما رأيناه من كثير من الدعاة الذين فتنوا بالمنتج الثقافي الغربي وانبهروا به لدرجة أوقعتهم في صراع نفسي كبير انتهى لصالح التغريب، فجاءت الفتاوى والآراء الشاذة والغريبة التي لم يعرفها سلف الأمة ولا خلفها، بل نشأت مدرسة جديدة في الدعوة والعلم تطلق على نفسها المدرسة العقلانية أو العصرانيين، وهي المدرسة التي أرسى قواعدها الشيخ محمد عبده تلميذ جمال الدين الأفغاني، والأساس الفكري لهذه المدرسة هو تقديم العقل على النقل؛ ما أفقدهم الأصول والثوابت التي نتكلم عنها، وحولهم إلى مقلدين لا يحسنون إلا السير وراء الغرب والاستنساخ من منتجه الثقافي فحسب.

ثانيًا: القدرة على التكيف: التكيف ليس مصطلحًا سلبيًا كما يعتقد كثير من الدعاة، ولا يعني التنازل والتساهل واللين السلبي، فالتكيف هو الاستعداد لتفهم الظروف والمستجدات والمعطيات الجديدة وإصدار ردود أفعال تتناسب معها، والتطبيقات الواقعية لهذا التكيف تقتضي مزيدًا من المشاق والتحمّل، والمزيد من بذل المجهود والمثابرة ليوائم الداعية متطلبات العصر ومستجداته، فقد تقضي الظروف والمستجدات على الداعية أن يتعلم فنًّا جديدًا أو يغير تخصصه ومجاله العلمي أو يكتسب مهارات جديدة، أو حتى يغير بعض العادات والسلوكيات والقناعات، فمثلاً كان بعض الدعاة سابقًا يرفض تمامًا الظهور على شاشات الفضائيات ويحترز من ذلك أيما احتراز، حتى بدأت الفضائيات في غزو كل البيوت، فكان على الدعاة مواكبة هذا الأمر وتغيير قناعاتهم الرافضة للظهور في الفضائيات، ومن ثم كانت القنوات الفضائية الدينية، وأيضًا كان معظم الدعاة معرضًا عن تعلم اللغات الأجنبية ويرى ضرها أكبر من نفعها، ثم كان ظهور المراكز الإسلامية في الدول الأجنبية وظهرت الحاجة لدعاة يجيدون التحدث بهذه اللغات، فظهرت الجامعات والمعاهد التي تخرج الدعاة المؤهلين لدعوة الأعاجم وهكذا.

ثالثًا: دوام التعلم: لاشك أن النمو المعرفي الهائل اليوم قد جعل حصيلتنا المعلوماتية في حاجة دائمة للتجديد، فالكم المعلوماتي كان يتضاعف مرة كل خمسين سنة في القرن التاسع عشر، أما اليوم فهذا الكم يتضاعف مرة كل ثلاثة أشهر، ولو لم يجدد الداعية معلوماته باستمرار فإن ما تحت يديه من معلومات وثقافات سيفقد قيمته بسرعة بسبب الإضافات الجديدة، وأيضًا بسبب تراجع ملاءمته للأوضاع المتغيرة، لذلك كان من المهم للغاية أن نبني كل أنظمتنا وبرامجنا على أساس أنها ناقصة وأنها تحتاج إلى التحديث باستمرار، لذلك فإن من أكبر المعوقات التي تقابل الداعية في دعوته أن يسأل عن أمور فلا يعرفها ولا يدري ما هي، وبالتالي لا يحسن تكييفها الشرعي، ومن ثم يخطئ أيما خطأ في الإجابة على الفتوى، وهذا الخطأ إنما ينشأ في الأساس بسبب الإعراض عن القراءة والمطالعة والتعلم باستمرار، وسلف الأمة كان الواحد منهم يظل يطلب العلم حتى ساعات عمره الأخيرة، ولا يبالي بسكرات الموت نهمًا في العلم ورغبة في معرفة هذه المعلومة الجديدة حتى يلقى الله -عز وجل- وهو يعلمها خيرًا من أن يلقاه وهو لا يعلمها، كما ورد ذلك عن الإمام سفيان الثوري -رحمه الله-.

رابعًا: القدرة على الاتصال الفعّال: الحياة في عصر تتسارع فيه الأحداث والوقائع، وتتجدد فيه النوازل والمهمات، تتطلب من الداعية أن يكون صاحب مقدرة عالية على التواصل مع من حوله، قادرًا على التعبير عما يدعو إليه، فلا يكفي أن يكون الداعية صاحب منهج قويم ورسالة سامية الأهداف والغايات حتى يضاف إلى ذلك القدرة على الاتصال مع شتى شرائح المجتمع، وتوسيع دائرة الاهتمام بالآخرين بالتودد إليهم ومعاملتهم بلطف وعناية، وللأسف هنالك كثير من الدعاة لا يبالون بهذه المسألة، ويعتبر التجهم والعبوس نوعًا من الجدية والالتزام وحفظ الجناب وصيانة المقام، ووسائل الاتصال وأساليبه وطرقه حدث فيها تطور كبير في العقدين الآخرين، ومن ثم كان على الداعية مواكبة هذا التطور المذهل في وسائل الاتصال وقنواته، وفن الاتصال أصبح علمًا مستقلاً يدرس في الجامعات المتخصصة، والحقيقة أن معظم مشاكل الدعوة والداعية هذه الأيام ناجمة من فقدان القدرة على التواصل مع الآخرين، ومن ثمّ فقد توجب على الدعاة الاهتمام أيما اهتمام بتلك القضية والقضاء على أهم أسباب سوء الفهم المتبادل بين الدعاة والجماهير.

خامسًا: الفعالية: الفعالية هي القدرة على استخدام الأدوات الجديدة بكفاءة ومهارة، أو بعبارة أخرى القدرة على استنفار أفضل ما في النفس من ملكات ومهارات ومواهب، أو فن حشد الذات، فالوعي بالذات ومعرفة طاقاتها وقدراتها الحقيقية يشكل قاعدة انطلاق الفاعلية في حياة الدعاة، فكم من داعية مليء بالمواهب والمهارات وهو لا يحسن استغلالها ولا توظيفها، فالإنتاج الدعوي من الممكن أن يتضاعف عدة مرات من خلال الفعالية الجادة والمثابرة وتنظيم الوقت وتأجيل الرغبات وتطوير أساليب العمل، وذلك كله في إطار من العزيمة الصادقة والإرادة الصلبة.
 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات