طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||
ملتقى الخطباء > مهارات الخطيب > بناء الخطبة > مقدمة الخطبة وخاتمتها (2/2)

ملتقى الخطباء

(25٬407)
96

مقدمة الخطبة وخاتمتها (2/2)

تاريخ النشر : 1436/01/23
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

للخطباء عبارات في الدعاء والوصية في ختام الخطب، يتفننون بها بأسلوب أدبي رائع، فيعرف الناس أنهم قد شارفوا على الانتهاء من حديثهم، وقد كان الخليفة الراشد أبو بكر إذا تكلَّم به عُرِف أنه قد فرغ من خطبته: “اللهم اجعل خير زماني آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم ألقاك”، أمَّا عمر بن الخطاب فكان أكثر خواتيم خطبه: “اللهم لا تدعني..

 

 

 

 

 

وختامه مسك:

 

للخطباء عبارات في الدعاء والوصية في ختام الخطب، يتفننون بها بأسلوب أدبي رائع، فيعرف الناس أنهم قد شارفوا على الانتهاء من حديثهم، وقد كان الخليفة الراشد أبو بكر إذا تكلَّم به عُرِف أنه قد فرغ من خطبته: "اللهم اجعل خير زماني آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم ألقاك"، أمَّا عمر بن الخطاب فكان أكثر خواتيم خطبه: "اللهم لا تدعني في غمرة، ولا تأخذني على غِرَّة، ولا تجعلني من الغافلين"، وكما كان الخليفة عبد الملك بن مروان يقول في آخر خطبته: "اللهم إن ذنوبي قد عظمت، وجلَّت أن تحصى، وهي صغيرةٌ في جنب عفوك، فاعفُ عني"[18].

 
نموذج من خطبة منبرية رائعة[19]: موضوعها (كفى بالموت واعظًا):

 

الخطبة الأولى المتضمِّنة براعة الاستهلال وشيء من مقدمتها:

 

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله، كتب على خلقه الموت والفناء، وتفرَّد – سبحانه – بالحياة والبقاء، الكلُّ يفنى ويموت، وسبحانه يحيي ويميت، وهو الحي الذي لا يموت؛ (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الحديد: 2- 3]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلقنا وكتب علينا الموتَ وجعله سبيلاً للقائه؛ (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [الجمعة: 8]، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، قال له ربه: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) [الزمر: 30- 31]، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه وآل بيته الكرام، ومَنْ سار على نهجه واهتدى بهديه إلى يوم الدين.

 
وبعدُ:

 

أيُّها الأحبة في الله، بينما أنا أقلِّب أوراقي وكتبي لأتخيَّر موضوعًا لخطبة هذه الجمعة، وقعت عيني على عبارة اهتزَّ لها قلبي، وتألَّمت لها نفسي وهي: (كفى بالموت واعظًا) فجعلتُها موضوعًا لخطبة اليوم؛ وذلك لأنَّنا نوقن بالموت ولا نعتبر، ونعيشه كلَّ يوم ولا نتَّعظ، فما زال بيننا مَنْ لم يجهِّز نفسه للقاء الله، ويعيش في الدنيا كأنَّه لا يموت، فنسمع من يسُبُّ الدين، بل ربما يتجرَّأ على شرع الله مُدَّعيًا ومفتريًا عدم صلاحيته لسير الحياة، ولسان حاله يقول: نحن أعلم بما يصلحنا، ولسنا في حاجة إلى شرع الله، والله – تعالى – يقول: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الشورى: 21]، ومِن بيننا مَن يترك الصلاة، ويمنع الزكاة، ويتساهل في الصيام، ولا يحدِّث نفسه بحجِّ بيت الله الحرام، ومنَّا مَن يعقُّ والدَيه، ويسيءُ الجوار، ويقطع الأرحام، ويأكل الرِّبَا، بل يستحلُّه بعدما حرَّمه الله، ويأخذ الرِّشوة، ويتعاطى المخدِّرات، ويشرب الخمر، ويجاهر بالدُّخان، ويراوغ من عمله، ويعطِّل مصالح العباد.

 
ونجد من بيننا مَن يغترُّ بنعمة الله عليه، فيطغى بها ويجعلها سبيلاً لمعصية المُنْعِم المتفضِّل، ومن بيننا مَن لا يصبر على الفقر فيبيح لنفسه أكل الحرام؛ من سرقة، أو منع الورثة من حقوقهم؛ من أجل ذلك أُذَكِر اليوم بالموت.

 

لأن الموتَ حقٌّ واقعٌ، وكلُّ الناس ملاقوه، وبكأس المنيّة شاربوه، ولا مفر ولا مهرب من وقوعه، وعليه فلنُوليه اهتمامنا، ولنجعله محلَّ فكرنا، ونكون دائمًا له على استعداد، فالموت آتٍ لا ريب فيه، ويقينٌ لا شك فيه؛ (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) [ق: 19]… تتمَّة الموضوع.
 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه، ومَن سار على نهجه إلى يوم الدين.

 
وبعدُ:

أيُّها الأحبَّة في الله، كان عمر بن عبدالعزيز – رحمه الله – يجمع العلماء فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة، فيبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة، وقال أبو نعيم: كان الثوري إذا ذكر الموت لا ينتفع به أيامًا، فإن سُئِل عن شيءٍ قال: لا أدري، لا أدري.

 
وقال الدقاق: مَن أكثر من ذكر الموت أُكرِم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومَن نسي الموت عُوقِب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضا بالكفاف، والتكاسُل في العبادة،  قال التيمي: شيئان قطعا عنِّي لذَّة الدنيا: ذكر الموت، وذكر الموقف بين يدي الله – تعالى.

 
فتفكَّر يا مغرور في الموت وسكرته، وصعوبة كأسه ومرارته، فيا للموت من وعدٍ ما أصدَقَه! ومن حاكمٍ ما أعدَلَه! كفى بالموت مقرِّحًا للقلوب، ومبكيًا للعيون، ومفرِّقًا للجماعات، وهادمًا للذات، وقاطعًا للأمنيات، فهل تفكَّرت يا ابن آدم في يوم مصرعك، وانتقالك من موضعك؟! وإذا نقلت من سعة إلى ضيق، وخانك الصاحب والرَّفيق، وهجرك الأخ والصديق، وأُخِذْت من فراشك وغطائك إلى قبرك، وغطوك من بعد لين لحافك بتراب أو رمال، فيا جامعًا للمال، ويا مجتهدًا في البنيان، ليس لك والله من مالك إلا الأكفان، بل هي والله للخراب والدمار، وجسمك مطعم للدود، ثم إلى التراب والمآب، فأين الذي جمعته من المال؟! فهل أنقذك من الأهوال؟! تركته إلى مَن لا يحمدك، وقدمتَ بأوزارك على مَن لا يعذِرك.

 
فيا أخي الحبيب، أين استعدادك للموت وسكرته؟ أين استعدادك للقبر وضمَّته؟ أين استعدادُك لمنكر ونكير؟ أين استعدادك للقاء العلي القدير؟ أين أنت من قول الله – تعالى -: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُور) [آل عمران: 185]؟

 
وأين أنت من تحذير الله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَ يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُور) [لقمان: 33]، قال سعيد بن جبير: الغرة بالله أن يتمادى الرجل بالمعصية، ويتمنى على الله المغفرة.
 

اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر… بقية الدعاء. 

 
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خاتم النبيين، وإمام المتقين، وقائد الزاهدين، وسيد الفصحاء، ورأس البلغاء، وخطيبهم إذا وفدوا، والشفيع المشفع إذا وقفوا، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

——

[1]   أو البدء بخطبة الحاجة التي أكَّد عليها الشيخ الألباني – رحمه الله – في كتابه القيم "خطبة الحاجة التي كان رسول الله يعلمها لأصحابه"، طبع المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة سنة 1400، وذكر الشيخ أن السلف كانوا يقدِّمونها بين يدي كتبهم، وفي شؤونهم كلِّها، والبعض يرى أنه ليس بلازم البدء بها في كل خطبة؛ بدليل أنَّ خطبة الوداع لم ينقل أنه بدأها بخطبة الحاجة، انظر: "خطبة الجمعة ودورها في تربية الأمة"؛ د: عبد الغني مزهر، ص41، وقد أورد بعضَ الأدلَّة عن ابن القيم – رحمه الله – في إسناد قوله. 

[2]   انظر: "خصائص الخطبة والخطيب"؛ تأليف: نذير محمد مكتبي، ص56، طبع دار البشائر الإسلامية، ط2، سنة 1422- 2001. 

[3]   مقال بعنوان "تأملات حول سورة طه"؛ للأخ: محمد العبادي، تجده على موقع أهل الحديث. 

[4]   وذلك مثل الألفاظ التي يستعملها الصوفية في خطبهم ومواعظهم، والتي يصعب على العوامِّ فهمها، وبعض الخطباء غلب عليهم استعمال المصطلحات الفكرية، وكأنك تستمع لمحاضرة جامعية، أما الضعف اللغوي فحدِّث ولا حرج. 

[5]   انظر: "خطبة الجمعة ودورها في تربية الأمة"؛ د: عبد الغني مزهر ص41، ومن طريف ما يُذكَر أن رجلاً كان يذهب لصلاة الجمعة، فيرى أحد المصلين واقفًا عند الباب، وتكرَّر الأمر مرارًا فسأله عن السبب فقال: أنا منذ عشرين سنة أصلي في هذا المسجد، والخطيب يلتزم نفس الخطب حتى حفظتها، فلا أجد داعيًا لحضوري الخطبة، وإنما أصلِّي صلاة الجمعة فحسب! 

[6]   مقدمة رسالة "الرد على الزنادقة"؛ لإمام أهل السنة أحمد بن حنبل – نوَّر الله ضريحه – حقها أن تكتب بماء الذهب، والرسالة ثبتت نسبتها للإمام بما لا يدع شكًّا أو ريبًا في نفس أحد، انظر في الكلام عن ثبوت الكتاب: مقدمة "الرد على الزنادقة والجهمية"؛ تحقيق: دغش العجمي ص85. 

[7]   رسالة بعنوان "ضوابط في إلقاء الكلمات السريعة أو القصيرة المعروفة بـ( الخاطر)" تجدها على موقع منابر الدعوة.
[8]   "أصول الدعوة"؛ د: عبد الكريم زيدان، ص343. 
[9]   بحثٌ رائع تجده على موقع الألوكة بعنوان "صوت الخطيب"؛ للشيخ إبراهيم الحقيل، تكلَّم حول أهمية الصوت، وما ينبغي للخطيب من مراعاة أمورٍ تتعلَّق بصوته عند الإلقاء، والهدي النبوي في ذلك، فراجعه إن شئت. 
[10]   "فن الخطابة وإعداد الخطيب"؛ للشيخ العلامة: على محفوظ – رحمه الله – ص52، طبع دار الاعتصام. 
[11]   المصدر السابق: ص137، الفصل السادس، نماذج من محاضرات وخطب علمية، دينية اجتماعية، خلقية. 
[12]   المصدر السابق: ص161، الفصل السابع، نماذج من الخطب المنبرية بروح العصر. 
[13]   "خصائص الخطبة والخطيب"؛ تأليف: نذير محمد مكتبي، ص56، ط دار البشائر، سنة 1422- 2001. 
[14]   "فن الخطابة"؛ للعلامة: على محفوظ، عضو هيئة كبار العلماء، ص58. 
[15]   المصدر السابق: ص 58. 
[16]   انظر: "خطبة الجمعة ودورها في تربية الأمة"؛ د: عبدالغني مزهر، ص38، ويراجع في موضوع أخطاء الخطباء القوليَّة والفعليَّة كتاب "القول المبين في أخطاء المصلين"؛ للشيخ: مشهور سلمان. 
[17]   "فن الخطابة"؛ للشيخ: على محفوظ، ص59، وللخطباء عادة معروفة هي جعل الخطبة الثانية عبارة عن كلمات مكرَّرة خالية من التَّذكير، وهي عادة غير محمودة، ونحن في عصر المتغيِّرات، وباب الإرشاد واسع، وميدانه فسيح، وأمام الخطيب مئات الاختيارات لتحضير مادة الموضوع وخاتمته، والله المستعان. 
[18]   كتاب: "الخطب والمواعظ"؛ بقلم: محمد عبد الغني حسن، ص44، طبع دار المعارف بمصر، الطبعة الثانية. 
[19]   خطبة للشيخ صبري عسكر، خطيب بوزارة الأوقاف المصرية، تاريخ الخطبة الجمعة 3/8/1428هـ، الموافق 17/8/2007م، تجدها في موقع النور الإسلامي.

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات