طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    فضل أيام عشر ذي الحجة    ||    وسائل إعلام عبرية: إيران تبني مصنعًا للصواريخ بسوريا    ||    إيران تدشن أول جامعة لها في العراق    ||    الاحتلال الصهيوني يقتحم منزل الشيخ "رائد صلاح" ويعتقله    ||    المجلس الروهينغي الأوروبي يحذر من إبادة جماعية للمسلمين بميانمار    ||    السبسي يثير أزمة دينية في تونس .. إفتاء تونس تؤيد وعلماء الزيتونة ينتفضون والأزهر يعترض    ||    السعودية : المفتي يحذر من المغالاة في أسعار حملات الحج    ||    مسؤول إيراني: حدودنا اليوم "عقائدية" ولا نعترف بالحدود الدولية    ||    ليبيا:مذكرة توقيف دولية بحق قائد في قوات "حفتر"    ||    أخبار منوعة:    ||    ألحان خشخشة الأكياس    ||    توليد اليقين للأزمات...!    ||    الطائفة المنصورة: وتأملات ما قبل المراجعات    ||    حقائق عن مجتمع وجنود الكيان الصهيوني    ||    هل ننتظر المهدي    ||    صناعة القدوات بين ماضي البناء وحاضر الهدم    ||    فرعون الواعظ أم مؤمن آلِه الواعظ!    ||    علمني زكريا    ||    منهجنا .. بين الأمنيات والعمل (1)    ||    الكسوف والخسوف تخويف لا تسويف    ||    التغيير، الحل الوحيد لإيران والمنطقة    ||
ملتقى الخطباء > مهارات الخطيب > بلاغة الخطيب > سلسلة أساليب خطابية مميزة (3): أسلوب التكرار

ملتقى الخطباء

(537)
1330

سلسلة أساليب خطابية مميزة (3): أسلوب التكرار

منذ أشهر
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

فالناس مختلفون في أقدارهم، متفاوتون في إدراكهم وفهمهم، منهم بطيء الفهم، وفيهم الفطن اللماح، والدعوة الإسلامية دعوة عامة إنسانية خالدة، فلا بد أن يتّبع الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا الأسلوب، وينهج هذا النهج حرصاً على أداء الأمانة وتبليغها للناس جميعاً، فيخاطب الفطن، ويخاطب الغبي وينبهه وهو ما يمكن أن نفهمه من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-: “كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا تكلّم أعادها ثلاثاً لتعقل عنه”.

 

من الأساليب الخطابية المميزة والهامة والتي لا يستطيع أن يستغني عنها خطيب أو داعية؛ أسلوب التكرار. فهو الأسلوب البلاغي الأكثر شيوعاً واستخداماً في نصوص الشريعة الغراء. فالنفس البشرية بطبيعتها تحتاج إلى إعادة النصح وتكرر الموعظة وتجديد الذكرى، لذلك أرسل الله -عز وجل- الرسل والأنبياء تترى لتذكير الناس وإيقاظهم من الغفلة.

 

التكرار أحد علامات الجمال البارزة، وهو مصدر دال على المبالغة من (الكر)، ويراد به التكثير في الأفعال. والتكرار بالمعنى العام (الإعادة)، ظاهرة كونية تنظم الكون والخلق قبل أن تكون ظاهرة في الخطابة والدعوة، فالتكرار متمثل بشكل ثنائي في تناوب الليل والنهار بشروق الشمس وغروبها، وفي تكرار منازل القمر، وبشكل رباعي في تعاقب فصول السنة الأربعة. فالتكرار إذن في كل مكان وعلى جميع المستويات.

 

أولاً: تعريف التكرار لغة واصطلاحاً:

التكرار لغة من الرجوع، الكر الرجوع، يقال: كره وكر بنفسه، والكر مصدر، وكر عنه: رجع، ورجل كرار وكذلك الفرس، وكرر الشيء وكركره: أعاده مرة بعد أخرى، والكرة: المرة، والجمع كرّات، ويقال: كررت عليه الحديث وكركرته: إذا رددته عليه، وكركرته عن كذا: إذا رددته، والكر: الرجوع على الشيء، ومنه التكرار، وقال أبو البقاء: والتكرار مصدر ثلاثي يفيد المبالغة، كالترداد مصدر رد، أو مصدر مزيد أصله التكرير قلبت الياء ألفاً عند الكوفية، ويجوز كسر التاء فإنه اسم من التكرار.

 

 

والتكرار في الاصطلاح: تكرار كلمة أو جملة أكثر من مرة لمعاني متعددة كالتوكيد، والتهويل، والتعظيم، وغيرها. هو أسلوب تعبيري يصور انفعال النفس بمثير ما، واللفظ المكرر منه هو المفتاح الذي ينشر الضوء على الصورة؛ لاتصاله الوثيق بالوجدان، فالمتكلم إنّما يكرر ما يثير اهتماماً عنده، وهو يحب في الوقت نفسه أن ينقله إلى نفوس مخاطبيه أو من هم في حكم المخاطبين ممن يصل القول إليهم على بعد الزمان والديار.

 

يعرف السجلماسي “التكرار” بعد أن يعطي معناه بأنه: “إعادة اللفظ الواحد بالعدد أو النوع، أو المعنى الواحد بالعدد أو النوع، في القول مرتين فصاعدا، وهي اسم لمحمول يشابه به شيء شيئا” في جوهره “.

قال السيوطي: “التكرار هو التجديد للفظ الأول، ويفيد ضرباً من التأكيد “.

 

يعد التكرار من الظواهر الأسلوبية التي تستخدم لفهم النص، وهو مصطلح عربي كان له حضوره عند البلاغين العرب القدامى. والتكرار لا يقوم فقط على مجرد تكرار اللفظة في السياق، وإنما ما تتركه هذه اللفظة من أثر انفعالي في نفس المتلقي وبذلك يعكس جانبا من الموقف النفسي والانفعالي، فالتكرار يحمل في ثناياه دلالات نفسية وانفعالية مختلفة تفرضها طبيعة السياق، لذلك فهو يمثل إحدى الأدوات الجمالية التي تساعد على فهم مشهد، صورة أو موقف ما.

 

ويرى ابن الأثير أن التكرار قسمان: أحدهما يوجد في اللفظ والمعنى، والآخر في المعنى دون اللفظ، فالذي يوجد في اللفظ والمعنى كقولك لمن تستدعيه: أسرع أسرع. وأما الذي يوجد في المعنى دون اللفظ فكقولك: اطعني ولا تعصني فإن الأمر بالطاعة هو النهي عن المعصية. فمثل هذه الملاحظة ترصد دقة الكشف عن حركة الملحظ البلاغي في السياق، فهي إشارة إلى أن التكرار يتشكل في مستويين: الأول، مستوى لفظي والثاني معنوي.

 

وقد اعترض بعض من لا يفقه لغة العرب فذهب يطعن بالتكرار الوارد في القرآن، وظن هؤلاء أن هذا ليس من أساليب الفصاحة، وهذا من جهلهم، فالتكرار الوارد في القرآن ليس من التكرار المذموم الذي لا قيمة له – كما سيأتي تفصيله – والذي يرد في كلام من لا يحسن اللغة أو لا يحسن التعبير.

 

قال ابن قتيبة في دفاعه عن التكرار القرآن: “فأمّا التّكرار، الأنباء والقصص، فإن الله -تبارك وتعالى- أنزل القرآن نجوماً في ثلاث وعشرين سنة بفرض بعد فرض: تيسيراً منه على العباد، وتدريجاً لهم إلى كمال دينه، ووعظ بعد وعظ: تنبيهاً لهم من سنة غفلة وشحذاً لقلوبهم بمتجدِّد الموعظة”.

 

قال الخطابي: “وأمّا ما عابوه من التكرار، فإن تكرار الكلام على ضربين أحدهما مذموم، هو ما كان مستغنى عنه، غير مستفاد به زيادة معنى لم يستعيدوه بالكلام الأول؛ لأنّه حينئذ يكون فضلا من القول، وليس في القرآن شيء من هذا”.

 

قال السيوطي: التكرير وهو أبلغ من التأكيد، وهو من محاسن الفصاحة خلافاً لبعض من غلط.

 

ثانياً: التكرار في القرآن:

وقد قسَّم العلماء التكرار الوارد في القرآن إلى نوعين:

أحدهما: تكرار اللفظ والمعنى:

وهو ما تكرر فيه اللفظ دون اختلاف في المعنى، وقد جاء على وجهين: موصول، ومفصول.

أما الموصول: فقد جاء على وجوه متعددة: إما تكرار كلمات في سياق الآية، مثل قوله تعالى: (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ) [المؤمنون:36]، وإما في آخر الآية وأول التي بعدها، مثل قوله تعالى: (وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا. قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً) [الإنسان:15، 16]، وإما في أواخرها، مثل قوله تعالى: (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً) [الفجر:21]، وإما تكرر الآية بعد الآية مباشرة، مثل قوله تعالى: (فإن مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً*إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) [الشرح:5، 6].

 

وأما المفصول: فيأتي على صورتين:

الأولى: تكرار في السورة نفسها، وإما تكرار في القرآن كله. مثال التكرار في السورة نفسها: تكرر قوله تعالى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) في سورة ” الشعراء ” 8 مرات، وتكرر قوله تعالى: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ) في سورة ” المرسلات ” 10 مرات، وتكرر قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) في سورة ” الرحمن ” 31 مرة.

 

الثانية: التكرار في القرآن كله: تكرر قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) 6 مرات: في ” يونس ” (48) و “الأنبياء” (38) و ” النمل ” (71) و “سبأ” (29) و ” يس ” (48) و ” الملك ” (25)، وتكرر قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) مرتين ” التوبة ” (73) و ” التحريم ” (9).

 

الثاني: التكرار في المعنى دون اللفظ:

وذلك مثل قصص الأنبياء مع أقوامهم، وذِكر الجنة ونعيمها، والنار وجحيمها.

 

وقد انفرد القرآن الكريم بتكرار الجملة دون الوقوع في الخلل والتباين بل نلمس الفصاحة المطلقة، فقد أعطى للأسلوب قوّة على مستوى الحرف واللفظ والجملة بوضعه في المكان المناسب من السياق مع قوة التماسك والتناسق، وقد ظهرت أهميته في توجيه القراءة القرآنية بقصد تحديد الغرض حسب السياق ومن أغراض التكرار:

1 -التأكيد: فالتكرير أبلغ من التأكيد لأنّه وقع في تكرار التأسيس؛ وهو أبلغ من التأكيد، فإن التأكيد يقرر إرادة معنى الأول وعدم التجوز. فهذا الغرض يظهر بقوّة في مواساة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بذكر معاناة الرسل الذين سبقوه من جحود أقوامهم، إلى جانب التقرير التعظيم والمدح والذم.

 

2-مراعاة جمال الفواصل: فتكرار بعض العبارات بين الفقرات من السور يشكل لوحة بديعة تثير النفس لاستظهار المعاني، وما فيها من تشويق وتحسر وترهيب تكرار حركة واحدة في رويّ الفواصل وإن اختلفت الحروف في أواخر الكلمات، كالذي نرى في سورة الكهف، ومنها تماثل حرف الروي في فواصل سورة بأسرها على نسق واحد، وهو ما نراه في إحدى عشرة سورة أو التزام حرف الروي في أبعاض السورة أو التزام أكثر من حرف بكل الروي”.

 

3 -حسن الختام: ويسمى القفل. قال الزمخشري: “وقد جعل الله خاتمة سورة المؤمنين: (أفلح المؤمنون) وأورد في خاتمتها (إنّه لا يفلح الكافرون) فشتان بين الفاتحة والخاتمة”.

 

4 -التقسيم: وهو اللازمة يكون في أواخر المقاطع: سورة الشعراء تصبح آخره كرة “وتوكل على العزيز الرحيم”. فالتكرار في هذا الوضع في غير القرآن يضفي الألفاظ الرتابة. أمّا في النص القرآني فيعطي للتعبير قوة وللمقطع جمالاً.

 

5-البعد النفسي: في التكرار استمالة المتلقي، وإيقاظ شعوره من الغفوة وتنبيهه إلى نعم الله: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) [الرحمن:13] حتى يتجاوب معها. فالإنسان من طبيعته جحود النعم فمثل هذا التكرار يجعل النفس تتعامل مع آلاء الله. كذلك عند ذكر أخبار الأمم السابقة ففائدة تكرار قصصهم الاتّعاظ. وما يميّز التكرار في القرآن الكريم أنّه خال من الملل يجعل المتلقي ينجذب إليه بفطرته متلذذا بما تنفرد به أصواته وتراكيبه.

 

6-بيان عجز العرب عن الإتيان بمثل أسلوب القرآن. أي الإتيان بمعنى واحد بصور مختلفة.

 

7-إبطال توهم المجاز.

 

ثالثاً: التكرار في الخطاب النبوي:

استخدام الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأسلوب التكرار يعد تقنية خطابية متميزة ينفذ بها إلى عقل المتلقي وقلبه، فالتكرار من أساليب التوكيد التي استخدمها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لتبليغ الرسالة وتعليم الدين، وهو يجسد حرصه على نفع الناس وأداء أمانة البلاغ.

 

والتكرار في الخطاب النبوي يأتي على عدة صور، من أبرزها:

1– التكرار باللفظ:

ونعني به إعادة اللفظ نفسه أو العبارة نفسها لدواعٍ مختلفة، وهو أمر طبيعي كما أشار علماء البلاغة، فهناك بواعث كثيرة للتكرار، كما أن طبيعة مهمة النبي -صلى الله عليه وسلّم- تدعوه لاتباع هذا الأسلوب ليدرك السامع المراد، وقد وردت عنه -صلى الله عليه وسلم- عبارات أو ألفاظ استخدمها في ظروف مختلفة ولدواع متعددة، والتكرار اللفظي عنده أنواع، فقد يكون المكرر حرفاً واحداً في كلمة واحدة، وقد يكون كلمة، أو عبارة أو صيغة أو أداة.

ومن هذا القبيل تكراره للفظ الله في قوله: “الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه”.

 

2-تكرار العبارة:

ومن هذه العبارات، قوله -صلى الله عليه وسلم-: “فذلكم الرباط، فذلكم الرباط”، في حديثه الذي رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط ” فكرر العبارة ثلاث مرات في موقف واحد لبيان أهمية الرباط في الدين. وقد استعمل اسم الإشارة مسنداً إليه مع اللام والكاف ليدلّ به على التفخيم، وأضاف الميم فأفادت اختصاص الإشارة به إليهم زيادة في تنبيه المخاطبين، ثم أتى بالمسند معرفاً، فأفاد تعريف المسند والمسند إليه معنى القصر فقصر الرباط على ما ذكره في الحديث، فكأنّه يقول: لا رباط إلا ذلكم المشار إليه لكمال المعنى ولئلا يتوهم المسلم أن الرباط لا يعني إلا الجهاد بالسلاح، فجاء هذا التكرار ليوسع هذا المعنى وليفتح باباً آخر أمام السامعين له من الأجر ما للجهاد في أرض المعركة، وهو ما سبق ذكره في الحديث، وأكّد ذلك تأكيداً لا يدع مجالاً للشك، وكأنه يريد أن يشير إلى أن الطريق الموصلة إلى النصر وإلى الاستعداد للبذل والتضحية ما هو إلا تعويد النفس على ما ذكره في الحديث، لأن من لا يحافظ على ما ذكر لا يمكن أن يكون مستعداً لبذل النفس في سبيل الله.

 

ومن أمثلتها أيضا، تكراره لعبارة اللهم فاشهد، وهو ما أطلق عليه تكرار التبرئة من القصور والتهاون والتقصير لتقرير نزاهة الساحة من اللّوم، وللتعريض بانتقال التبعة إلى أهلها وتحملهم حقوقها مع الإشعار بعظم جانبها، أخذاً من ذلك التوكيد، وذلك في قوله يوم حجة الوداع: “ألا كلّ ربا من ربا الجاهلية موضوع، لكم أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، ألا وإن كل دم من دماء الجاهلية موضوع، اللهم قد بلغت، قالوا نعم ثلاث مرات، قال اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد”. كما أقر الصحابة على أنفسهم بأنهم بلغوا ونصحوا فلا عذر لمقصر، ولا حجة لمتهاون أو متغافل.

 

ومن أمثلتها أيضاً، رغم أنفه: وقد كررت هذه العبارة للتأكيد على بر الوالدين ورعايتهما، ففي قوله -صلى الله عليه وسلم-: “رغم أنفه رغم أنفه، رغم أنفه، قلنا من يا رسول الله؟ قال:” من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخلاه الجنة”.

 

ومن أمثلتها أيضاً، ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور: وهي عبارة استعملها النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: “ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، ثم كان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور” فما زال يكررها حتى قلنا يا ليته سكت “. سؤال سبق بأداة العرض ألا؛ لتنبيه السامعين وإثارة رغبتهم في معرفة أمر جديد يجنّبهم الوقوع في أمور عظيمة يصفها النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنها من أكبر الكبائر، وقد بدأ بهذا السؤال كيلا يشعر الصحابة -رضوان الله عليهم- بأن الأمر سيفرض عليهم فرضاً، ثم ينتقل إلى هذه العبارة القصيرة التي دعت النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى تغيير جلسته تغييراً مفاجئاً، رافقها انفعال وتأثر بدا على وجهه الكريم -صلى الله عليه وسلم-؛ ليكون هذا التغير المادي دليلاً على خطورة ما سيأتي، فأخذ هذا التكرار قلوب الصحابة وانخلعت نفوسهم شفقة على حبيبهم -صلى الله عليه وسلم- أولاً، وعلى أنفسهم ثانياً، فلم ينتبهوا إلى عدها، بل ارتبطت قلوبهم بحبيبهم ورنت أنفسهم إلى راحته، حتى تمنّوا لو أنه سكت إشفاقاً عليه ورحمة له، وخوفاً على أنفسهم من غضبه.

 

رابعاً: أهداف التكرار:

1-تأكيد الأمر والإشارة إلى أهميته وخطورته:

وأي شيء أكثر خطورة وأهمية من أداء أمانة كلِّف بها النبي -صلى الله عليه وسلم- وقضى في تبليغها ثلاثاً وعشرين سنة من عمره الشريف، وهي كلّ لا يمكن فصم أجزائها ولا تناسي بعض مبادئها، وهو ما جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يقف يوم حجة الوداع مذكراً واعظاً، ومؤكداً أهمية ما يقول أمام الناس جميعاً، ليعلّمهم ضرورة التمسك بما دعا إليه، وليشهدهم جميعاً أنّه قد بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وأصبحت الدعوة أمانة في أعناقهم إلى يوم القيامة، فكان يردد عقب كلّ توجيه من توجيهاته الشريفة: “اللّهم هل بلّغت، اللّهم فاشْهد”. وهو الأمر عينه الذي دعاه إلى تكرار حديث النية لبيان أهميتها، وفي حديث الأعمال بالنيات يدخل فيه ثلث الدين أو نصفه كما قال شارحوه.

 

2-التحذير من الوقوع في فعل المكرر المحذّر منه:

عرف النبي -صلى الله عليه وسلم- بالرحمة بأمته وشدة شفقته على أصحابه، حتى وصفه العزيز الجبار في مواطن كثيرة بهذا، ومن هذا القبيل قوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) [الكهف:6]، وقال (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) [فاطر:8]. ومع هذه الصفة نرى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان دائم التحذير لأمته من أن تقع في عمل يودي بهم في جهنم، أو أي عمل يغضب الله -تعالى-، ومن هذا ما رأيناه في تحذيره للأمة من أن تتبع سبيل ذاك الرجل الذي مأكله حرام ومطعمه حرام وغذي بالحرام، ثم يمد يده إلى السماء يقول يا رب يا رب، وفيه ما لا يخفى من التشنيع والتفظيع لهذا العمل والتحذير منه، كما فيه دعوة واضحة إلى عدم الوقوع في المحظور.

 

3-تنبيه الغافل وإفهام الغبي:

فالناس مختلفون في أقدارهم، متفاوتون في إدراكهم وفهمهم، منهم بطيء الفهم، وفيهم الفطن اللماح، والدعوة الإسلامية دعوة عامة إنسانية خالدة، فلا بد أن يتّبع الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا الأسلوب، وينهج هذا النهج حرصاً على أداء الأمانة وتبليغها للناس جميعاً، فيخاطب الفطن، ويخاطب الغبي وينبهه وهو ما يمكن أن نفهمه من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-: “كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا تكلّم أعادها ثلاثاً لتعقل عنه”.

 

4-الإلحاح في الدعاء:

وهو كثير في حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومنه قوله: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، وقوله: “اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، فقد ضاقت الدنيا على صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وشكوا ضيق حالهم وقلّة حيلتهم، فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لهم وألح في السؤال رغبة منه -صلى الله عليه وسلم- أن يفرج الله كربتهم ويصلح حالهم، وكرر قوله: “اللهم عليك بقريش ثلاثاً”، إشارة إلى شدة ما لاقاه من قريش وتماديهم في باطلهم، وعدم نفع النصح لهم، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: “اللهم اشف سعداً، اللهم اشف سعداً، اللهم اشف سعداً”. فيعبر التكرار في هذا الحديث عن حب شديد لهذا الصحابي الذي كان له دوره البارز في إسلام قومه، وفي نصرة النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين في المدينة، وكلّ دعاء من الأدعية السابقة يشير إلى إلحاح النبي -صلى الله عليه وسلم- في دعائه إما طالباً الرحمة والسقيا لأصحابه، أو الدعاء على من ناصبه العداء وآذاه وصرفه عن أداء الأمانة وتبليغ الرسالة.

 

5 -بيان شرف المكرر وفضيلته:

ومن هذا القبيل تنويه النبي -صلى الله عليه وسلم- بأهمية الهجرة في سبيل الله،

وشرف هذا المقصد، قال: “فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله” فوحد بين فعل الشرط وجزائه في اللفظ ليدلّ على أنّه لا شيء يعبر عنه سوى التعبير عن فضيلته بنفسه لبيان شرف هذا المقصد وشرف قاصده، بينما يعمد إلى استعمال الضمير في حديثه عن الهجرة لغير الله -تعالى-، فيقول: “ومن كانت

هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه”؛ ليفيد التحقير حتى كأنّه لا يصلح أن يعبر عنه بشيء سوى نفسه، فهجرته إلى ما هاجر إليه”، حطّاً لشأنها وتحذيراً منها، وتنبيهاً على ضرورة عدم الوقوع فيها.

 

6 -الإغراء وزيادة الترغيب في الشيء:

كتكراره للمغفرة والتوبة، وحب الله ورسوله، وتأكيده حق الجار، وغيرها من الأمور التي ذكرناها قبل قليل، ومنه الترغيب في الطاعة وبر الوالدين والجهاد في سبيل الله، والإغراء والترغيب وسيلة مهمة من وسائل الدعوة، وقد كثر استعمال النبي -صلى الله عليه وسلم- لها، كما استعمل التحذير، وهما أسلوبان غالباً ما يكونان متجاورين، فكما حذّر النبي -صلى الله عليه وسلم- من بعض الأعمال ودعا إلى تركها والابتعاد عنها، استعمل أسلوب الإغراء فحثّ على فعل أعمال صالحة من الخير والبر أحب أن يتحلّى بها الصحابة ومن جاء بعدهم من المسلمين وأن يتعاملوا بها، فكررها للدلالة على أهميتها ولإغراء السامعين بها، ومن هذا القبيل قوله -صلى الله عليه وسلم-: “غفر الله لرجل كان قبلكم، سهلاً إذا باع، سهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا اقتضى”، فلخص بهذه الألفاظ القليلة أخلاق هذا الرجل وأغرى الصحابة بالسير على هديه والتخلق بأخلاقه، فهو سهل إذا باع، سهل إذا اشترى لا يماري ولا يجادل، وهو سهل إذا طالب بحقه فلا قسوة ولا جفاء في طبعه، وهذه الأمور هي التي تكشف حقيقة طبيعة أخلاق الرجال، فإذا كان المرء فيها سهلاً كان في غيرها أسهل؛ لأن من كانت هذه أخلاقه، كانت السهولة مستقرة عنده متمكّنة في طبعه.

 

7 -التهويل والتخويف:

وهو ما نلمحه في قول الرسول: “رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه، قلنا من يا رسول الله؟ قال من أدرك أبويه على قيد الحياة فلم يدخلاه الجنة”. ففي تكراره لهذا الدعاء ما يشعر بخيبة من يقع عليه وذلّه، كما يوحي بغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبغضه لمن فعل ذلك، ورغبته الشديدة في إبعاد الصحابة رضوان الله عليهم عنه، كما نلمح هذه المعاني في الحديث الآخر الذي نفى فيه صفة الإيمان عن ذاك الذي لا يأمن جاره بوائقه فقال: “والله لا يؤمن، والله لا يؤمن والله لا يؤمن، قلنا من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه”.

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات