طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > مهارات الخطيب > إلقاء الخطبة > أسلوب الالتفات وأثره في الأداء الخطابي

ملتقى الخطباء

(675)
1456

أسلوب الالتفات وأثره في الأداء الخطابي

تاريخ النشر : 1440/01/17
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

يرى كثير من علماء البلاغة أن أهم غرض للالتفات: رفع السآمة من الاستمرار على ضمير متكلم أو ضمير مخاطب، فينتقلون من الخطاب إلى الغيبة، ومن المتكلم إلى الخطاب أو الغيبة، فيحسن الانتقال من بعضها إلى بعض؛ لأن الكلام المتوالي على ضمير واحد لا يستطاب. ولعل هذا الغرض هو من أهم الأغراض؛ لأن…

من أكثر الأمور التي تقلق الخطيب وتعكر مزاجه أثناء إلقاء الخطبة: شعور الحاضرين بالملل من خطبته، وقراءته ذلك في وجوه السامعين، بغفوة بعضهم، وانشغال بعضهم بالنظر إلى جدران المسجد أو الحاضرين، أو تكرار النظر في الساعة استعجالاً منهم لانتهاء الخطبة، وثالثة الأثافي أن يطالب بعض الحاضرين (جهلاً منه بأحكام الجمعة) بمطالبة الخطيب صراحة بالانتهاء من خطبته.

 

مثل هذا الشعور يدفع بكثير من الخطباء للقلق والتوتر حتى ولو كان إعداده للخطبة جيداً وإلقاء، والتهيب من طرح أفكاره، وربما أصبح لدى الخطيب فوبيا أو عقدة من مواجهة الجماهير ومخاطبتهم.

 

واللغة العربية زاخرة بالأساليب البلاغية القادرة على تجاوز أمثال هذه العقبات، والارتقاء بمستوى الأداء الخطابي ليصل بكل سهولة ويسر لأسماع الحاضرين وعقولهم، ليتحقق الامتاع اللفظي والعقلي في آن واحد للسامعين، وهو ما يجب على الخطباء معرفتها والتمكن من تفعيلها خطابياً، لتحقيق مرادات الخطباء وأغراضهم، ومن أهم هذه الأساليب البلاغية: أسلوب الالتفات.

 

فالكلام في لغة العرب إما أن يصدر على جهة التكلم، أو جهة الخطاب، أو جهة الغيبة؛ كما يصدر عنها إما على جهة الإفراد، أو جهة التثنية، أو جهة الجمع.

 

وقد يصدر عنها، إما بصيغة المضارع، أو بصيغة الماضي، أو بصيغة الأمر.

 

ومن عادة العرب: أن لا تسير على أسلوب واحد في كلامها، بل تنتقل من أسلوب لآخر، لدفع السآمة عن المستمع، أو لغير هذا من المقاصد التي تتحراها في كلامها.

 

وهذا الأسلوب في الانتقال في الكلام فن بديع من فنون نظم الكلام البليغ عند العرب، وهو المسمى في علم الأدب والبلاغة “الالتفات”.

 

أولاً: الالتفات لغة واصطلاحاً:

الالتفات لغة: من الفعل (لفت) وهو بمعنى اللّيّ وصرف الشيء عن جهته، يقول صاحب لسان العرب: لفت وجهه عن القوم: صرفه، وتلفت إلى الشيء والتفت إليه: صرف وجهه إليه، واللفت ليّ الشيء عن جهته.

 

وجاء في الكتاب العزيز: (وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ)[هود: 81] أُمروا بترك الالتفات بوجوههم لئلا يروا عظيم ما نزل بالكافرين من العذاب، وجاء كذلك قوله تعالى:) أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا( [يونس: 78] أي لتصرفنا عما وجدنا عليه آباءنا من المعتقدات والأفعال.

 

وجاء في الحديث النبوي لفظ الالتفات بمعنى اللي والصرف، صرف الوجه يمنة ويسرة في الصلاة إلى جهة خارجها؛ فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: “سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الالتفات في الصلاة، فقال: “هو اختلاسٌ يختلسهُ الشيطان من صلاة العبد”.

 

الالتفات اصطلاحاً: هو الانتقال بالأسلوب من صيغة التكلم أو الخطاب أو الغيبة إلى صيغة أخرى من هذه الصيغ، بشرط أن يكون الضمير في المنتقل إليه عائداً في نفس الأمر إلى الملتفت عنه، بمعنى أن يعود الضمير الثاني على نفس الشيء الذي عاد إليه الضمير الأول، أي أنه هو التحويل في التعبير الكلاميّ من اتجاه إلى آخر من جهات أو طرق الكلام الثلاث: “التكلّم (الخطاب) الغيبة” مع أنّ الظاهر في متابعة الكلام يقتضي الاستمرار على ملازمة التعبير وفق الطريقة المختارة أوّلاً دون التحوّل عنها.

 

وأضاف بعض علماء البلاغة إلى ما اشتمل عليه هذا التعريف التعبير ابتداء بواحدة من هذه الطرق إذا كان على خلاف مقتضى الظاهر، كأنْ يتحدّث المتكلِّم عن نفسه بأسلوب الخطاب الذي يخاطب به غيره، أو يتحدَّث مع من يخاطبه بأسلوب التكلّم عن الغائب، أو يتحدّث عن نفسه بأسلوب الحديث عن الغائب، أو يتحدّث عن الغائب بأسلوب الخطاب، وهكذا..

 

مثل قول البوصيري في بردته يخاطبُ نفسه:

أَمِنْ تَذَكُّرِ جِيرَانٍ بِذِي سَلَمِ *** مَزَجْتَ دَمْعاً جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ

 

ومنه حديث الله -عزّ وجلَّ- عن نفسه بأسلوب الحديث عن الغائب في القرآن المجيد، مثل قول الله -عزّ وجلَّ -: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)[البقرة: 30]، ومنه خطاب الله لرسوله بقوله: (عَبَسَ وتولى * أَن جَاءَهُ الأعمى)[عبس: 1 – 2] وكان مقتضى الظاهر أن يقول: “وإذْ قُلتُ لِلْمِلاَئِكَة…”، وأن يقول لرسولِهِ: “عَبَسْتَ وتولَّيْتَ أن جَاءَكَ الأعمى”.

 

ويلقب أسلوب “الالتفات” بشجاعة العربيّة على معنى أنَّ البلغاء كانت لديهم شجاعة أدبية بيانيّة استطاعوا بها أن يفاجئوا المتلقّي بالتنقل بين طرق الكلام الثلاثة “التكلُّم (الخطاب) الغيبة” مشيرين بذلك إلى أغراض بلاغية يريدون التنبيه عليها بذلك.

 

والالتفات من الأساليب البلاغية ذات اللطائف النفيسة، وقد تكرّر في القرآن المجيد استخدامه جداً، وله فيه أمثلة كثيرة.

 

وهو فن بديع من فنون القول يشبهه تحريك آلات التصوير السينمائي بنقلها من مشهد إلى مشهد آخر في المختلفات والمتباعدات التي يُراد عرض صور منها، ومفاجأة المشاهد بلقطات منها متباعدات، ولكنها تدخل في الإطار الكلي الذي يراد عرض طائفة من مشاهده تدلُّ على ما يقصد الإِعلام به.ويهدي الذوق الأدبي السليم إلى استخدام الالتفات استخداماً بارعاً يحقق به البليغ فوائد في نفس المتلقي أو فكره، مع ما يحقق به من الاقتصاد والإِيجاز في العبارة.

 

ثانياً: أقسام الالتفاف:

ينقسم الالتفات إلى أقسام هي:

 

1- الالتفات من التكلم إلى الخطاب؛ كقوله تعالى: (وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)[يس: 22]، والأصل: وإليه أرجع، فالتفت من التكلم إلى الخطاب.

وكقوله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ)[الفتح: 1 – 2]، فانتقل من المتكلم (فَتَحْنَا)، إلى المخاطب (لِيَغْفِرَ)، ولم يقل: (لنغفر لك).

 

 

2- الالتفات من التكلم إلى الغيبة؛ كقوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)[الكوثر: 1 – 2]، حيث لم يقل: فصل لنا. وقوله سبحانه: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا… فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ( [الأعراف: 158]، فانتقل من المتكلم: (إِنِّي رَسُولُ اللّهِ) إلى الغائب (وَرَسُولِهِ)، ولم يقل: “فآمنوا بالله وبي”.

 

3- الالتفات من الخطاب إلى التكلم؛ كقوله تعالى: (قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ)[يونس: 21]، على أنه سبحانه نزل نفسه منزلة المخاطب، فالضمير في (قُلِ) للمخاطب، وفي (رُسُلَنَا) للمتكلم.

 

4- الالتفات من الخطاب إلى الغيبة؛ كقوله تعالى: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَاب)[الزخرف: 70 – 71]، فانتقل من الخطاب إلى الغيبة، ولم يقل: يطاف عليكم.

وكقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم)[يونس: 22]، انتقل من المخاطب (كُنتُمْ) إلى الغائب (بِهِم)، ولم يقل: (بكم)، وهذه الآية الكريمة هي المثال القرآني الأبرز والأشهر في باب (الالتفات).

 

5- الالتفات من الغيبة إلى التكلم؛ كقوله تعالى: (وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً)[فصلت: 12]، فانتقل من الغيبة إلى التكلم، ولم يقل: وزين.

 

6- الالتفات من الغيبة إلى الخطاب؛ كقوله تعالى: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء)[الإنسان: 21 – 22]، ولم يقل: كان لهم

 

وهناك تقسيم آخر للالتفات ولكن ليس من باب الضمائر، ولكن من باب العدد من حيث الافراد والتثنية والجمع، وهي كالآتي:

1- الانتقال من خطاب الواحد إلى خطاب الاثنين؛ كقوله تعالى: (قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ)[يونس: 78] انتقل من خطاب الواحد: (أَجِئْتَنَا) إلى خطاب الاثنين (لَكُمَا).

2- الانتقال من خطاب الواحد إلى خطاب الجمع؛ كقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)[الطلاق: 1] انتقل من خطاب الواحد: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) إلى خطاب الجمع (طَلَّقْتُمُ)، (فَطَلِّقُوهُنَّ).

3- الانتقال من خطاب الاثنين إلى خطاب الواحد؛ كقوله سبحانه: (فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى)[طه: 117] انتقل من خطاب الاثنين (يُخْرِجَنَّكُمَا) إلى خطاب الواحد (فَتَشْقَى).

 

4- الانتقال من خطاب الاثنين إلى خطاب الجمع؛ كقوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ)[يونس: 87] انتقل من خطاب الاثنين (تبوآ) إلى خطاب الجمع: (وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ).

 

5- الانتقال من خطاب الجمع إلى خطاب الواحد؛ كقوله تعالى: (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى)[البقرة: 38] انتقل من خطاب الجمع (قُلْنَا) إلى خطاب الواحد (مِّنِّي).

 

6- الانتقال من خطاب الجمع إلى خطاب التثنية؛ كقوله سبحانه: )يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا)[الرحمن: 33 ]، ثم قال: (فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)[الرحمن: 34] انتقل من خطاب الجمع (اسْتَطَعْتُمْ) إلى خطاب التثنية (تُكَذِّبَانِ)، ولم يقل: (تكذبون).

 

وثمة أقسام أُخر لأسلوب (الالتفات) متعلقة بعنصر الزمن، كالالتفات من الفعل الماضي إلى الأمر، ومن المضارع إلى الأمر، ومن الماضي إلى المضارع. ولا يسعف المقام بتفصيل القول فيها.

 

ثالثاً: أهمية الالتفات:

كثير من علماء البلاغة يرون أن الغرض الرئيسي للالتفات وهو: رفع السآمة من الاستمرار على ضمير متكلم أو ضمير مخاطب، فينتقلون من الخطاب إلى الغيبة، ومن المتكلم إلى الخطاب أو الغيبة، فيحسن الانتقال من بعضها إلى بعض؛ لأن الكلام المتوالي على ضمير واحد لا يستطاب.

 

ولعل هذا الغرض هو من أهم الأغراض؛ لأن النفوس تستريح ويتجدد نشاطها إذا انتقل السياق من حال إلى حال وتغير لون الكلام، لكن من الخطأ حصر الالتفات في هذا الغرض فقط؛ لأن المتتبع للالتفات وخصوصاً في القرآن الكريم يجد له أغراضاً أخرى كثيرة ومتعددة، مما يجعل الالتفات موضوعاً بالغ الأهمية في علم البلاغة.

 

قد ذكر الزركشي في “برهانه”: أن للالتفات فوائد عامة وخاصة؛ فمن العامة: التفنن والانتقال من أسلوب إلى آخر، لما في ذلك من تنشيط السامع، واستجلاب صفائه، واتساع مجاري الكلام”، ونقل عن البيانيين قولهم: “إن الكلام إذا جاء على أسلوب واحد وطال، حَسُنَ تغيير الطريقة”.

هذه فائدة أسلوب (الالتفات) على وجه العموم، أما فائدته على وجه الخصوص؛ فتتجلى في أمور:

 

1- التهديد والتخويف: جاء الالتفات في مواطن كثيرة في كتاب الله لغرض التهديد والتخويف، ومن الأمثلة على ذلك: قوله تعالى: (وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)[التوبة: 3]، ومحل الالتفات هو في قوله تعالى: (فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ)، ولو لم يلتفت لقال: (فإن يتوبوا)، والغرض من هذا الالتفات من الغيبة إلى الخطاب هو التهديد والتخويف. ومنه قوله تعالى: (لِيَكْفُرُواْ بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)[النحل: 55]، والالتفات في قوله: (فَتَمَتَّعُواْ) من الغيبة إلى الخطاب، ولم يقل: فيتمتعوا، لأجل التهديد والوعيد.

 

2- التنبيه: بمعنى التنبيه على ما حق الكلام أن يكون وارداً عليه؛ كقوله تعالى: (وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)[يس: 22]، أصل الكلام: “وما لكم لا تعبدون الذي فطركم”، ولكنه أبرز الكلام في معرض النصح لنفسه، وهو يريد نصحهم؛ ليتلطف بهم، ويريهم أنه لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه، ثم لما انقضى غرضه من ذلك، قال: (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)) ليدل على ما كان من أصل الكلام ومقتضياً له.

 

3- التوبيخ والتقريع: وقد يجيء الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في القرآن الكريم وفي طياته التوبيخ والتقريع لبعض من يستحق ذلك، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: قوله تبارك وتعالى: (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُون)[النحل: 56]، فالتفت في قوله تعالى: (لَتُسْأَلُنَّ) من الغيبة إلى الخطاب لكي يواجههم بالتوبيخ والتقريع. ومنه قوله تعالى: (وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُون)[الأعراف: 169]، ومحل الالتفات هو في قوله تعالى: (أَفَلاَ تَعْقِلُون)، فانتقل من الغيبة إلى الخطاب ليكون أوقع في توجيه التوبيخ إليهم مواجهة، ومن الشواهد على ذلك قوله تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً)[مريم: 88 – 89]، فعدل عن الغيبة في (قالوا) إلى الخطاب في (جِئْتُمْ)؛ لأن من يزعم اتخاذ الرحمن ولداً لا شك أنه مفتون في دينه، ويستنكر منه هذا القول الآثم، وينبغي أن يوبخ عليه، وتوبيخ الحاضر أشد نكاية دائماً من توبيخ الغائب، وهذا سر الالتفات في هذه الآية الكريمة.

 

4- العتاب: ومن المعاني التي يحملها الالتفات، العتاب، ومنه قوله تعالى: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ * إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)[التحريم: 3 – 4]، فانتقل السياق من الغيبة في الآية الأولى إلى الخطاب في بداية الآية الثانية فقال: (إن تتوبا)، وفي هذا الالتفات بالخطاب معنى العتاب. ومن ذلك قوله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى)[عبس: 1 – 3]، وفي الانتقال من الغيبة إلى الخطاب في قوله: (وَمَا يُدْرِيكَ) معنى العتاب.

 

5- التخويف والتذكير: ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ)[المؤمنون: 14 – 15]، فانتقال السياق من الغيبة إلى الخطاب في قوله: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ)؛ لأن التخويف والتذكير بالموت إنما يناسبه الخطاب .

 

6- التشريف: ويأتي الالتفات في الخطاب للتشريف والرفع من شأن المخاطب؛ كقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[النور: 62]، فتوجه السياق من الغيبة إلى مخاطبة النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ) تشريفاً له بهذا الخطاب. ومنه قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[التوبة: 111]، فقد تحول السياق من الغيبة إلى خطاب المؤمنين في قوله: (فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ)؛ لأنَّ في خطابهم بذلك تشريفاً لهم.

 

7- الاتمام: ومنها أن يكون الغرض به تتميم معنى مقصود للمتكلم، فيأتي به محافظة على تتميم ما قصد إليه من المعنى المطلوب له؛ كقوله سبحانه: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)[الدخان: 4 – 6]، أصل الكلام: “إنا مرسلين، رحمة منا”، ولكنه وضع الظاهر: (مِّن رَّبِّكَ)، موضع المضمر (منا)؛ للإنذار بأن الربوبية تقتضي الرحمة للمربوبين.

 

8- التشديد في الطلب: من المعاني للالتفات من الغيبة إلى الخطاب التشديد في طلب أمر من الأمور، ومن الأمثلة على ذلك: قوله تبارك وتعالى: (لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً)[الأحزاب: 55] ومحل الالتفات من الغيبة إلى الخطاب هو في قوله تعالى: (وَاتَّقِينَ اللَّهَ)، ولم يقل: ويتقين الله، وكأنه قيل واتقين الله فيما أمرتن به من الاحتجاب وما أنزل فيه الوحى من الاستتار واحتطن فيه، وفي السياق فضل تشديد في طلب التقوى منهن.

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات