طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||
ملتقى الخطباء > فقــه الجمعة > أحكام الخطيب > خواطر بين يدي الخطيب (1/ 3)

ملتقى الخطباء

(2٬863)
985

خواطر بين يدي الخطيب (1/ 3)

تاريخ النشر : 1436/05/19
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

يحرص بعض الخطباء-عن حسن نية-أن يقرأ في صلاة الجمعة آيات تتناسب مع موضوع خطبة الجمعة، وهذا خلاف السنة، وإن كان عن حسن نية فإن الأكمل اتباع سنته-صلى الله عليه وسلم-وقد ثبت عنه-صلى الله عليه وسلم-عند مسلم أنّه كان يقرأ في صلاة الجمعة: سورة الجمعة في الركعة الأولى، وسورة المنافقين في الركعة الثانية، أو يقرأ في الأولى سبِّح وفي الثانية الغاشية. فتبين من هذا أن ما يفعله بعض الخطباء خلاف السُنة. وكذلك الاقتصار على…

 

 

 

 

إليك أيها الخطيب الموفق والداعية المسدد بعضا من التوجيهات والخواطر والتي ستكون عونا لك في مهمتك ودليلا إلى مبتغاك:

 

1-يقع بعض الخطباء-وفقهم الله لكل خير-في عادة مذمومة حيث جمعت مذمتين ألا وهي عادة السجع المتكلف في الخطب؛ حيث يجمع مذمتين: إحداهما ترادف الكلمات بحيث تصبح الخطبة حشواً يغني عنه كلمة أو كلمات، والأخرى كون السجع مذموماً في بعض الأحوال. ومما يدل على ذم السجع، ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-"… وفيه وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم، فقال حمل بن النابغة الهذلي: يا رسول الله كيف يغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل هذا يطل !؟ فقال رسول-صلى الله عليه وسلم-: إنما هذا من إخوان الكهان … "متفق عليه.

 

وقد أخذ العلماء من هذا الحديث أن السجع مكروه لسببين:

 

 الأول: إذا عورض به حكم الشرع كما في الحديث.

 

 الثاني: إذا تكلفه المخاطِب في مخاطبته، وأما إذا لم يتكلفه فإنه لا يكره، وعلى هذا يحمل ما ثبت عنه-صلى الله عليه وسلم-في غير ما حديث من الأحاديث التي ورد فيها السجع، وثبت عن عائشة-رضي الله عنها-أنها قالت لكاتب: " إيّاك والسجع فإنّ النّبي-صلى الله عليه وسلم-وأصحابه كانوا لا يسجعون) [رواه أحمد بإسناد صحيح]، وثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس-رضي الله عنه-وفيه: " انظر السجع من الدعاء فاجتنبه فإني عهدت النبي-صلى الله عليه وسلم-وأصحابه لا يفعلون ذلك)،  قلت (القائل الشيخ سعود الشريم): وهذا كله محمول على التكلف في السجع [وميض الحرم: 1].

 

 2-يحرص بعض الخطباء-عن حسن نية-أن يقرأ في صلاة الجمعة آيات تتناسب مع موضوع خطبة الجمعة، وهذا خلاف السنة، وإن كان عن حسن نية فإن الأكمل اتباع سنته-صلى الله عليه وسلم-وقد ثبت عنه-صلى الله عليه وسلم-عند مسلم أنّه كان يقرأ في صلاة الجمعة: سورة الجمعة في الركعة الأولى، وسورة المنافقين في الركعة الثانية، أو يقرأ في الأولى سبِّح وفي الثانية الغاشية. فتبين من هذا أن ما يفعله بعض الخطباء خلاف السُنة. وكذلك الاقتصار على بعض السورة أو يقرأ إحداهما في الركعتين. وهذا خلاف السنة. قال ابن القيم –رحمه الله-:" وجُهال الأئمة يداومون على ذلك" أهـ يقصد بذلك من يقرأ بعض السورة أو يقرأ إحداهما في الركعتين [وميض الحرم: 1].

 

قال الشيخ بكر أبو زيد في كتابه: " تصحيح الدعاء "ما نصه: (في صلاة الجمعة وفيها)

 

 * العدول عن قراءة السور المشروعة في صلاة الجمعة إلى قراءة سورة أو آيات تتناسب مع موضوع الخطبة.

 

 ** قصد قراءة واحدة من السور المشروعة في الركعتين لصلاة الجمعة. [تصحيح الدعاء: 457]

 

 3-يغفل بعض الخطباء-وفقهم الله-عن التنبيه للداخلين إلى المسجد بعد خروج الإمام، الذين يجلسون ولا يصلون ركعتين. والأَوْلىَ للإمام أن ينبه على ذلك إذا رأى أحداً دخل فجلس دون أن يركع ركعتين، ودليل ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله-رضي الله عنه-قال: جاء رجل والنبي-صلى الله عليه وسلم-على المنبر يوم الجمعة يخطب فقال له: أركعت ركعتين؟ قال: لا. فقال: اركع. خلافاً لمالك وأبي حنيفة وغيرهما ممن قالوا: لا يصليهما، واحتجوا بالأمر بالإنصات للإمام ولكن هذا القول خلاف الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي-صلى الله عليه وسلم-كقوله: " إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما "[رواه مسلم]

 

 4-اعتاد بعض الخطباء على أن يستخدم السواك إذا صعد المنبر وجلس للأذان؛ وهذا-فيما أعلمه-ليس من السنة، فإن ظن الخطيب أن الاستياك من السنة؛ فهو بدعة. وأما إذا كان لا يرى أن السواك لا يُحد بوقت، وقد يستحب عند تغير رائحة الفم، فيقال: إن كان كذلك فليحرص الخطيب على ألا يكون عند الصعود على المنبر؛ لئلا يظُن الناس أنه سنة في ذلك الوقت والله أعلم [وميض الحرم: 1].

 

 5- وهذه مسألة مهمة يغفل عنها جمهور الخطباء-إلا من رحم الله-ألا وهي مسألة قصر الخطبة وطول الصلاة، فالناس فيها بين الإفراط والتفريط-إلا من رحم الله-فبعضهم يطيل إطالة مملة، وآخرون يقصرونها قصراً مخلاً، وسبب ذلك هو عدم فهم الحديث الصحيح. قال أبو وائل: خطبنا عمار فأوجز وأبلغ فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان! لقد أبلغت وأوجزت فلو كنت تنفست (أي أطلت قليلاً) فقال: إني سمعت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يقول: " إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه –أي علامة-فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة وإن من البيان سحرا " [رواه مسلم].

 

قال النووي: -رحمه الله -: المراد بالحديث أن الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة لا تطويلاً يشق على المأمومين. انتهى كلام النووي –رحمه الله.

 

وقد ثبت عند مسلم من حديث جابر بن سمرة قال: كنت مع رسول الله-صلى الله عليه وسلم-فكانت صلاته قصداً، وخطبته قصداً. قال النووي: أي بين الطول الظاهر، والتخفيف الماحق. أهـ… إلخ. قلت (القائل هو الشيخ سعود الشريم): "فالعجب كل العجب من بعض الخطباء الموصوفين بالعلم! كيف يطيلون الخطبة حتى يتجاوز بعضهم ثلاثة أرباع الساعة أو أقل قليلاً! ولربما قال الناس: ليته سكت. ومن هنا يظهر الفقه الذي ذكره النبي-صلى الله عليه وسلم-في الحديث" [من وميض الحرم بتصرف].

 

6-قراءة سورة (ق) وهل تقرأ في كل جمعة أم لا؟:

 

 ثبت عند مسلم في صحيحه من حديث أم هشام بنت حارثة-رضي الله عنها قالت: " ما أخذت (ق والقران المجيد) إلا عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس ". ولقد اتفق أهل العلم على مشروعية قراءة سورة (ق) على المنبر في خطبة الجمعة. بل ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك حيث قالوا بمشروعيتها في كل جمعة وممن ذهب إلى ذلك النووي والصنعاني وغيرهما. قال النووي عن حديث أم هشام: وفيه استحباب قراءة(ق) أو بعضها في كل خطبة.

 

 قلت [القائل الشيخ سعود الشريم]: ووجه الدلالة على أن المراد عموم الجمع أن لفظة (جمعة) نكرة في سياق الإثبات وهي لا تفيد العموم ولكنها أفادت العموم في الحديث بدخول لفظة (كل) عليها ولكني أقول: أن هذا الحديث هو من العام المخصوص بدليل أنه ثبت عنه-صلى الله عليه وسلم-أنه خطب خطباً كثيرة ليس فيها ذكر سورة (ق) فقد روى أحمد وابن ماجه بإسناد حسن أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-قرأ يوم الجمعة: تبارك، وهو قائم … " الحديث.

 

 وروى أبو داود في سننه عن أبي سعيد-رضي الله عنه-قال: قرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو على المنبر ((ص)) فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه قال العراقي: وإسناده صحيح أهـ. نقل ذلك الشوكاني في نيل الأوطار. قال الشوكاني بعد ذكر أحاديث كثيرة لا تخلو من مقال في قراءة سورة من القرآن ما نصه: والظاهر من أحاديث الباب أن النبي-صلى الله عليه وسلم-كان لا يلازم قراءة سورة أو آية مخصوصة في الخطبة بل كان يقرأ مرة هذه السورة ومرة هذه ومرة هذه الآية. [وميض الحرم، وانظر الأجوبة النافعة للألباني].

 

7-إقبال الخطيب بوجهه على المأمومين وعدم التفاته يميناً ولا شمالاً:

 

 اعتاد بعض الخطباء على الالتفات يميناً وشمالاً أثناء الخطبة أو عند الصلاة على النبي-صلى الله عليه وسلم-وقد قال القاسمي في كتابه إصلاح المساجد: "ولا أصل لذلك بل السنة استقبال الناس بوجهه من أول الخطبة إلى آخرها". ونقل النووي في المجموع عن صاحب الحاوي وغيره" أن هذا الالتفات باطل لا أصل له واتفق العلماء على كراهة هذا الالتفات وهو معدود من البدع المنكرة أ هـ. وكان أبو حنيفة يرى أنه يلتفت يميناً وشمالاً في بعض الخطبة كما في الأذان لكن قال النووي: "هذا غريب لا أصل له. هـ. وقد ذكر ابن قدامة وغيره أن من سنن الخطبة: أن يقصد الخطيب تلقاء وجهه لأن النبي-صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك؛ ولأنه أبلغ في سماع الناس، وأعدل بينهم، فإنه لو التفت إلى أحد جانبيه، لأعرض عن الجانب الآخر ا هـ والله أعلم.[وميض الحرم2]

 

 وذكر الشيخ الألباني رحمه الله من البدع: الالتفات يميناً و شمالاً عند قوله آمركم وأنهاكم وعند الصلاة على النبي-صلى الله عليه وسلم -(الباعث 56 وحاشية ابن عابدين1/759 وإصلاح المساجد 48 المنار 18/558 ) [الأجوبة النافعة للألباني].     

 

8-أمران يحتاجان إلى تنبيه: هناك أمران يلفتان انتباهي-كثيراً-عند سماع خطب يوم الجمعة في أماكن متفرقة: –

 

 الأمر الأول منهما: ما يفعلاه بعض الخطباء حين استشهادهم في خطبهم ببعض الآيات حيث يقومون بترتيلها ولو كانت آيتين فأقل، بل إن بعضهم لا يكاد يمر بآية إلا ويرتلها ومحط السؤال هنا هو أنني لم أجد-حسب بحثي القاصر-ما يدل على هذا من سنة النبي-صلى الله عليه وسلم-بل إنني وجدت أحاديث كثيرة يستشهد فيها النبي-صلى الله عليه وسلم-بآية من القرآن ولم يأت فيها ما يدل أنه كان يرتلها، ومعلوم أن الترتيل إنما يكون عند التلاوة ويدل على ذلك قوله تعالى:(… وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) [المزمل:4].

 

 وأما الأمر الثاني: فهو ما يلتزمه بعض الخطباء في خطبهم من التغاير اللافت عند الاستشهاد بالآيات كذلك حيث إن بعض الخطباء لا يزيد على قوله: قال الله تعالى …الآية، أو نحو ذلك ولكنه إذا جاء يختم الخطبة بآية قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يقرأ الآية ولا شك أن هذا لا وجه له لأمور:

 

 أ حدها: -أنه ليس قراءة والله يقول:( فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [النحل:98]

 

 وثانيها: -أن النبي-صلى الله عليه وسلم-لم يكن يفعل ذلك-حسب الاستقراء-في استشهاده بالآيات.

 

 وثالثها: -أن مثل هؤلاء الخطباء يلتزم الاستعاذة في الآية الأخيرة دون ما يسبقها من الآيات ولا شك أن هذا مثار الإشكال والنقص. [وميض الحرم3]

 

9-الصلاة على النبي-صلى الله عليه وسلم-على المنبر أو الأمر بها:

 

 اشترط بعض أهل العلم الصلاة على النبي-صلى الله عليه وسلم-في الخطبة وعدُّوها من أركان الخطبة وقالوا يتعين لفظ الصلاة.

 

 قال ابن قدامة: ويحتمل ألا يجب الصلاة على النبي-صلى الله عليه وسلم-لأن النبي-صلى الله عليه وسلم-لم يذكر في خطبته ذلك.

 

 وسئل الشيخ عبد الرحمن بن سعدي-رحمه الله-عن حكم اشتراط الأركان الأربعة في كل من الخطبتين [ويقصد بالأركان الأربعة: 1-الحمد والثناء على الله .2-الصلاة على رسول الله-صلى الله عليه وسلم. 3-الوصية بتقوى الله. 4-قراءة آية من القرآن].

 

 فأجاب: اشتراط الفقهاء الأركان الأربعة في كل من الخطبتين فيه نظر، وإذا أتى في كل خطبة بما يحصل به المقصود من الخطبة الواعظة الملينة للقلوب؛ فقد أتى بالخطبة ولكن لا شك أن حمد الله والصلاة على رسول الله-صلى الله عليه وسلم-وقراءة شيء من القرآن من مكملات الخطبة وهي زينة لها.

 

فائدة:

 

 جرت عادة كثير من الخطباء أن يختموا الخطبة بالصلاة على النبي-صلى الله عليه وسلم-أو الأمر بذلك؛ وهذا لا دليل عليه في هذا الموضع، والأولى ألا يقتصر على موضع واحد-إن كان-فتارة يصلي عليه في أولها، وأخرى في وسطها، ولا يلتزم موضعاً واحداً؛ يوهم أن ذلك من السنة.

 

 وهل يأمر المصلين بذلك؟

 

 الجواب: لا دليل على الأمر بها ولا مانع من ذلك-أحياناً-للتذكير بفضلها لاسيما في يوم الجمعة؛ لأن الخطبة للموعظة والتذكير و الإرشاد، وأما الديمومة فلا دليل عليها ولكن عمل الناس من قديم الزمن على ذلك، ولا أعلم مستنداً لهذا غير أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أشار إلى مثل هذا فلم ينكره حيث قال: وذلك أن الله تعالى أمر في كتابه بالصلاة والسلام عليه مخصوصاً بذلك فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ً)[الأحزاب:56]

 

فهنا أخبر وأمر وأما في حق عموم المؤمنين فأخبر ولم يأمر فقال تعالى: (هو الذي يصلي عليكم وملائكته) ولهذا إذا ذكر الخطباء ذلك قالوا إن الله يأمر كم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكته وأيّه بالمؤمنين من بريته أي قال: يأيُّها الذين آمنوا) اهـ. [وميض من الحرم]

 

10-الدعاء حال الخطبة:

 

 هذه المسألة تشتمل على أمرين:

 

 الأول منهما: الدعاء في الخطبة مطلقاً وحكمه.

 

 والأمر الثاني: إن كان مشروعاً فهل مختص بعموم المسلمين أو يجوز أن يشرك فيه السلطان وولي الأمر؟

 

 * أما الدعاء في الخطبة من حيث الأصل:

فقد قال في المغني: ويستحب أن يدعو للمؤمنين والمؤمنات ولنفسه والحاضرين

 

 قال في الإنصاف: بلا نزاع. وأشار بعض أهل العلم أنه باتفاق الأربعة لأن الدعاء لهم مسنون في غير الخطبة، ففيها أولى وقال الرملي في كتابه (نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للنووي): ويسن الدعاء للمؤمنين بأخرى لا دنيوي لاتباع السلف والخلف ولأن الدعاء يليق بالخواتيم.

 

 قال شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين في شرحه على الزاد: "وينبغي أيضاً في الخطبة أن يدعو للمسلمين الرعية والرعاة … إلخ " ثم قال: لكن قد يقول قائل: كون هذه الساعة مما يرجى فيها الإجابة وكون الدعاء للمسلمين فيه مصلحة عظيمة موجودة في عهد النبي- صلى الله عليه وسلم-وما وجد سببه في عهد النبي-صلى الله عليه وسلم-ولم يفعله النبي-صلى الله عليه وسلم-فلا بد من دليل خاص يدل على أن النبي-صلى الله عليه وسلم-كان يدعو للمسلمين فإن لم يوجد دليل خاص، فإننا لا نأخذ به ولا نقول إنه من سنن الخطبة، وغاية ما نقول: إنه من الجائز لكن قد روي أن النبي-صلى الله عليه وسلم-كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات في كل خطبة، فإن صح هذا الحديث فهو أصل في الموضوع وحينئذٍ لنا أن نقول إن الدعاء سنة، أما إذا لم يصح فنقول :إن الدعاء جائز و حينئذٍ لا يتخذ سنة راتبة يُواظب عليه؛ لأنه إذا اتخذ سنة راتبة يُواظب عليه فهم الناس أنه سنة وكل شيء يوجب أن يفهم الناس منه خلاف حقيقة الواقع فإنه ينبغي تجنبه ) اهـ

 

 قلت [القائل الشيخ سعود الشريم]: الحديث الذي ذكره شيخنا أخرجه البزار عن سمرة بن جندب-رضي الله عنه-وضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد وقال الحافظ بن حجر في بلوغ المرام: رواه البزار بإسناد فيه لين. اهـ

 

 * أما الدعاء للسلطان أو ولاة أمور المسلمين فهذا لا يخلو من حيث القسمة من حالين:

 

 الحال الأولى: أن يدعوَ له مطلقاً دون تقييد بخطبة أو غيرها

 

 الحال الثانية: فهي أن يدعوَ له حال الخطبة.

 

 * أما الحال الأولى: فإن من اعتقاد أهل السنة والجماعة: طاعة ولاة الأمر بالمعروف وأن ذلك فريضة ما لم يأمروا بمعصية، والدعاء لهم بالصلاح والتوفيق للخير والسداد.

 

 ويقول الطحاوي-رحمه الله-في متنه في الاعتقاد عن الأئمة والولاة: ونرى طاعتهم من طاعة الله-عز وجل-فريضة ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة … إلخ اهـ

 

 قال بعض أهل العلم: وأما الدعاء مطلقاً لولي أمر المسلمين منهم فهو من سنن الهدى ومن ذلك ما ثبت عن الفضيل بن عياض-رحمه الله-أنه قال:" لو أن لنا دعوة مستجابة ما صيرناها إلا للإمام". ونسب بعض أهل العلم ذلك للإمام أحمد-أيضاً-كشيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-وغيره. وفي كتاب السنة للخلال بسنده عن الإمام أحمد: "وإني لأدعو له – الإمام – بالتسديد والتوفيق في الليل والنهار والتأييد وأرى ذلك واجباً عليّ" أهـ.

 

وقد ذكر أبو عبد الله-رحمه الله-الخليفة المتوكل-رحمه الله-فقال: "إني لأدعو له بالصلاح والعافية "أهـ.

 

 وقد ثبت عنه أنه دعا للمتوكل وقال: -أيده الله-ثم قال: "وإني أسأل الله أن يديم توفيق أمير المؤمنين-أعزه الله بتأييده-ثم قال:" فأسال الله أن يستجيب في أمير المؤمنين صالح الدعاء وأن يتم ذلك لأمير المؤمنين-أدام الله عزَّه-وأن يزيد في نيته ويعينه على ما هو عليه". اهـ. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-في رسالته -الجواب الباهر في زوار المقابر -التي وجهها إلى السلطان فكان مما قال فيها:" وإني لما علمت مقصود ولي الأمر السلطان – أيده الله وسدده فيما رسم به … ثم قال أيضاً:" فأنا أعلم أن الحق ظاهر مثل الشمس يعرفه أقل غلمان السلطان الذي ما رئي في هذه الأزمان سلطان مثله –زاده الله علماً وتسديداً وتأييداً…". أهـ

 

 قلت [القائل هو الشيخ سعود الشريم]: ومن تتبع كلام أهل السنة والجماعة علم أن الدعاء مطلقاً لولاة الأمر بالصلاح والهداية أمر مبذول ومطروق؛ لأن الدعوة بالصلاح للسلطان متعدية المصلحة بحيث إنه إذا صلح صلح بصلاحه العباد والبلاد، ومما يستأنس به فيما يتعلق بالدعاء لولاة الأمر ما جاء عن النبي-صلى الله عليه وسلم-أنه قال: "خير أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم…" الحديث. [رواه مسلم].

 

 والمقصود بالصلاة هنا (الدعاء) على أحد التفاسير. هذا حاصل ما يخص الدعاء للسلطان مطلقاً دون تقييد.

 

أما الحالة الثانية: وهي الدعاء للسلطان أثناء الخطبة فللعلماء في ذلك أقوال أسرد منها ما وقفت عليه على قولين: القول الأول: وهم الذين منعوا من الدعاء للسلطان أثناء الخطبة وقالوا: إن هذا محدث لا أصل له، مع عدم ممانعتهم للدعاء له في غير الخطبة، وممن قال بذلك عطاء، كما روى الشافعي في الأم بسنده عن ابن جريج قال: قلت لعطاء ما الذي أرى الناس يدعون به في الخطبة يومئذٍ أبلغك عن النبي-صلى الله عليه وسلم-أم عمن بعد النبي-صلى الله عليه وسلم؟ قال:" لا إنما أحدث إنما كانت الخطبة تذكيراً" اهـ.

 

  قال النووي عن رواية الشافعي هذه إسنادها صحيح إلا عبد المجيد فوثَّقه أحمد بن حنبل ويحي بن معين وضعّفه أبو حاتم الرازي والدار قطني. أهـ.

 

 قال الشافعي في الأم: فإن دعا لأحد بعينه أو على أحد كرهته ولم تكن عليه عيادة وقال البيهقي في السنن الكبرى: (باب ما يكره من الدعاء لأحد بعينه أو على أحد بعينه في الخطبة) ثم أورد أثر عطاء ثم أسند عن ابن عون قال: نبئت أن عمر بن عبد العزيز-رضي الله عنه-كتب ألا يُسمى أحد في الدعاء 0واستدل القاضي أبو يعلى على أنه لا يستحب بأثر عطاء السابق.

 

 وقد ذكر الشاطبي في كتابه الاعتصام عن العز بن عبد السلام: أن الدعاء للخلفاء في الخطبة بدعة غير محبوبة … لم يكن عليه من تقدم … إلخ أهـ. قال الشيرازي صاحب المهذب: "وأما الدعاء للسلطان فلا يستحب – يعني في الجمعة –لما روي أنه سئل عطاء عن ذلك فقال: إنه محدث وإنما كانت الخطبة تذكيراً. أهـ "

 

 قال صاحب (الدر المختار) الحنفي:" ويندب ذكر الخلفاء الراشدين والعمّين – يعني حمزة والعباس – لا الدعاء للسلطان وجوّزه القهستاني ويكره تحريماً وصفه بما ليس فيه" أهـ وقال في (البحر الرائق) للحنفية: إنه لا يستحب واستدل بقول عطاء …) أهـ قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وقد استثني من الإنصات في الخطبة ما إذا انتهى الخطيب إلى كلام لم يشرع في الخطبة مثل: الدعاء للسلطان مثلاً!

 

بل جزم صاحب التهذيب بأن الدعاء للسلطان مكروه أهـ واستثنى الحافظ ابن حجر ما إذا خشي على نفسه فيباح له وأما إذا لم يخف الضرر فلا.

 

والقول الثاني: ذهب أصحابه إلى أن السلطان يُدعى له أثناء الخطبة وإليك بعض عبارات بعضهم في هذا: قال ابن قدامة-رحمه الله-: وإن دعا لسلطان المسلمين بالصلاح فحسن. واستدل بدعاء أبي موسى الأشعري لأبي بكر وعمر أثناء الخطبة. قلت [القائل الشيخ سعود الشريم]: ولم أقف على سند هذه الرواية حسب البحث.

 

 قال ابن قدامة: ولأن سلطان المسلمين إذا صلح كان فيه صلاح لهم ففي الدعاء له دعاء لهم وذلك مستحب غير مكروه. وجوّز الدعاء له في الخطبة القهستاني من الحنفية وتبعه ابن عابدين في حاشيته فقال هذا الكلام بتمامه: ثم يدعو لسلطان الزمان بالعدل والإحسان متجنباً في مدحه عما قالوا إنه كفر وخسران كما في الترغيب وغيره وقال أيضاً بل لا مانع من استحبابه فيها كما يدعو لعموم المسلمين، فإن في صلاحه صلاح العالم. وما في البحر من أنه محدث لا ينافيه، فإن سلطان هذا الزمان أحوج إلى الدعاء له ولأمرائه بالصلاح والنصر على الأعداء.

 

 وقال أيضاً: فإن الدعاء لسلطان على المنابر قد صار الآن من شعار السلطنة فمن تركه يخشى عليه، ولذا قال بعض العلماء: لو قيل: إن الدعاء له واجب لما في تركه من الفتنة-غالباً-لم يبعد كما قيل به في قيام بعضهم لبعض. والظاهر أن منع المتقدمين مبني على ما كان في زمانه من المجازفة في وصفه مثل السلطان العادل الأكرم شاه نشاه الأعظم مالك رقاب الأمم.

 

ففي كتاب الردة من التتار خانيه سئل الصفار هل يجوز ذلك؟ فقال: لا لأن بعض ألفاظه كفر وبعضها كذب وقال أبو منصور وأما شاه نشاه فهو من خصائص الله-تعالى-بدون وصف الأعظم لا يجوز وصف العباد به، وأما مالك رقاب الأمم فهو كذب اهـ

 

 وقال ابن عابدين أيضاً: قالت في البزازية؛ فلذا كان أئمة خوارزم يتباعدون عن المحراب يوم العيد والجمعة اهـ

 

 وقال أيضاً: وأمَّا ما اعتيد في زماننا من الدعاء للسلاطين العثمانية-أيدهم الله تعالى-كسلطان البرين والبحرين وخادم الحرمين الشريفين فلا مانع منه والله تعالى أعلم. اهـ.

 

 وقال شمس الدين الرملي من الشافعية: بل يسن ولا بأس كما في الروضة والمجموع بدعاء لسلطان بعينه إذا لم يكن في وصفه مجازفة.

 

 وقال النووي في (المجموع): وأما الدعاء للسلطان – يعني في الجمعة – فاتفق أصحابنا على أنه لا يجب ولا يستحب وظاهر كلام المصنف وغيره أنه بدعة إما مكروه، وإما خلاف الأولى، هذا إذا دعاء له بعينه فأما الدعاء للأئمة المسلمين، وولاة أمورهم بالصلاح والإعانة على الحق، والقيام بالعدل، ونحو ذلك، ولجيوش الإسلام فمستحب بالاتفاق والمختار أنه لا بأس بالدعاء لسلطان بعينه؛ إذا لم يكن مجازفة في وصفه ونحوها، والله أعلم أهـ.

 

 وقال النووي أيضاً: "يكره المجازفة في أوصاف السلاطين وكذبهم في كثيرٍ من ذلك كقولهم: السلطان العالم العادل ونحوه" اهـ.

 

 وقال الشيخ عبد الله أبا بطين: الدعاء حَسَنٌ يدعى بأن الله يصلحه، ويسدده، ويصلح به وينصره على الكفار وأهل الفساد بخلاف ما في بعض الخطب من الثناء والمدح بالكذب وولي الأمر إنما يدعى له لا ليمدح، لاسيما بما ليس فيه. أهـ.

 

 وفي فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ما نصه: الأفضل إذا دعا الخطيب أن يعم بدعوته حكّام المسلمين ورعيتهم، وإذا خص إمام بلاده بالهداية والتوفيق فذلك حسن لما في ذلك من المصلحة العامة للمسلمين إذا أجاب الله الدعاء. أهـ.

 

وللحديث بقية بإذن الله تعالى

 

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات