طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خادم الحرمين يؤكد الحرص على توطيد العلاقة مع العراق    ||    اليمن.. انطلاق مهمة "القبضة الحديدية" في حضرموت    ||    ليبيا.. تراجع حاد بأعداد المهاجرين في مركز تهريب البشر    ||    ميليشيات الحوثي تداهم المنازل بصنعاء وتختطف 40 فتاة    ||    مشاعر محبوسة    ||    انطواء طفلك.. بيدك أنت!    ||    مخالفات قولية عند نزول المطر    ||    الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة الغلو والتطرف    ||
ملتقى الخطباء > فقــه الجمعة > أحكام الخطيب > مع الخطيب على المنبر (أحكام وسنن وآداب)

ملتقى الخطباء

(4٬868)
980

مع الخطيب على المنبر (أحكام وسنن وآداب)

تاريخ النشر : 1434/05/08
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

فظهر أن ليس هناك ما يُحمل على الجزم بأن قدر ممرِّ الشَّاة هو ثلاثة أذرع، ولكن يُستأنس له بما تقدَّم، وبتصوُّر واقع الحال، فإذا عرفنا أنه لم يكن في مسجد النبي – صلى الله عليه وسلم – محرابٌ، وأنه كان يقف للصلاة بجانب المنبر – أمكن تصوُّر أنه لا يمكن أن يُتمَّ ركوعه وسجوده كما ورد عن النبي – صلى الله عليه وسلم – في عدة أحاديث إلا في مسافة ثلاثة أذرع فأكثر،

 

 

 

يسعدني أن أسهم بهذا البحث المتواضع، في هذا الملتقى العالمي الثاني لخطباء الجمعة، جعله الله ملتقى مباركًا ميمونًا، عامَّ النفع والفائدة للمسلمين جميعًا.
وقد تناولتُ فيه – في إطار المحور السادس: فقه الخطبة والخطيب – بعض الأحكام الفقهية الخاصة بخطبة الجمعة، مركِّزًا على جوانب معينة، رأيتُ أنها من لوازم الخطبة، ومع ذلك يقلّ الاهتمام بها من حيث أصلها ومنشؤها وحكمها وما إلى ذلك.

وآثرتُ ذكر بعض الأحاديث والآثار التي تعتبر أصولاً لما استقرَّ عليه العمل بالنسبة إلى خطبة الجمعة في مختلف بلاد الإسلام، مع عرض آراء علماء المذاهب الأربعة، بحسب ما سمح به الوقت، لأن استيعاب الموضوع يتطلب متَّسعًا من الوقت، وفراغًا من الشغل، والحال أننا وسط السنة الدراسية. وقد كنتُ شاركتُ في الملتقى الأول المنعقد بفاس ببحث موسَّع عن الخطابة ورجالاتها عبر التاريخ الإسلامي.

مكان المنبر في المسجد:
في "شرح القسطلاني على البخاري"[2]، عند قول البخاري: "باب الخطبة على المنبر": "يستحبُّ فعلها عليه، فإن لم يكن منبرٌ فعلى مرتفع، لأنه أبلغ في الإعلام. وأن يكون المنبر على يمين المحراب، والمراد به: مصلَّى الإمام؛ قال الرافعي: هكذا وُضِعَ منبره – صلى الله عليه وسلم -".

لكن قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" [3] معلِّقًا على قول الرافعي "كان منبر النبي – صلى الله عليه وسلم – على يمين القِبلة": "لم أجده حديثًا، ولكنه كما قال، فالمستند فيه إلى المشاهدة، ويؤيِّده حديث سهل بن سعد في "البخاري"، في قصة عمل المرأة المنبر؛ قال: فاحتمله النبي – صلى الله عليه وسلم – فوضعه حيث ترون".

ونصُّ حديث سهل بن سعد الذي أشار إليه الحافظ هو: "أن رجالاً أتوا سهل بن سعد السَّاعدي وقد امتروا في المنبر؛ ممَّا عودُه؟ فسألوه عن ذلك فقال: والله إني لأعرف ممَّا عوده، ولقد رأيتُه أوَّل يومٍ وُضع، وأوَّل يومٍ جلس عليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم. أرسل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى فلانة – امرأة من الأنصار، قد سمَّاها سهل -: ((مُري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادًا أجلس عليهنَّ إذا كلَّمتُ الناس))، فأمرته، فعملها من طرفاء الغابة، ثم جاء بها، فأُرسلت إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأمر بها فوُضعت ها هنا…" الحديث.

وفي "الصحيحين"، و"سنن أبي داود" واللفظ له، عن سلمة بن الأكوع قال: "كان بين منبر النبي – صلى الله عليه وسلم – وبين الحائط كقدر ممرِّ الشَّاة". قال: الأَبِّي[4]: "أي: لم يكن المنبر ملصقًا بالجدار". وعلَّل النووي[5] ذلك بقوله: "وإنما أُخَّر المنبر عن الجدار؛ لئلاَّ ينقطع نظر أهل الصف الأول بعضهم لبعض".

واختُلِف في قدر ممرِّ الشَّاة؛ فقيل: شبرٌ، وقيل: ستة أذرع، وقيل ثلاثة أذرع، وهو الذي جزم به ابن الصلاح كما نقله عنه الحافظ في "الفتح"[6]، ولكنَّ الحافظ انتقد هذا الجزم من ابن الصلاح بقوله: "ولا يخفى ما فيه". ذلك أن الحديث وإن أورده أبو داود في باب (موضع المنبر) من كتاب الجمعة – فقد أورده البخاري في أبواب (سترة المصلِّي)، باب "قدرُ كَمْ ينبغي أن يكون بين المصلِّي والسُّترة"، وذكر حديث سهل بن سعد: كان بين مصلَّى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وبين الجدار ممر الشاة، وحديث سَلَمَة هذا بلفظ: "كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة تجوزها".

وحيث لم يحدِّد الرُّواة قدرَ ممرِّ الشَّاة؛ فقد قدَّره بعض العلماء بما يعطيه ظاهر اللفظ؛ وهو شبرٌ، والتفت آخرون – وهم الكثير – إلى التصريح بالثلاثة أذرع عندما صلَّى – عليه الصلاة والسلام – بداخل الكعبة، كما قال القاضي عياض: "وجاء في حديث صلاته في الكعبة: أنه كان بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع، واستحبَّه جماعةٌ؛ لأنه القَدْر الذي يُباح تأخُّره عن القِبلة، ويمكِّن المصلِّي أن يدفع مَنْ يمرَّ به".

وجمع بعضهم بين القدر المعتاد لممرِّ الشَّاة – وهو شبر – وبين حديث صلاته في الكعبة؛ فأضاف القاضي عياض: "وجمع بينهما بعض شيوخنا بأن يكون الشِّبر بينه وبين السُّترة وهو قائمٌ، فإذا ركع تأخَّر قدر ثلاثة أذرع".

فظهر أن ليس هناك ما يُحمل على الجزم بأن قدر ممرِّ الشَّاة هو ثلاثة أذرع، ولكن يُستأنس له بما تقدَّم، وبتصوُّر واقع الحال، فإذا عرفنا أنه لم يكن في مسجد النبي – صلى الله عليه وسلم – محرابٌ، وأنه كان يقف للصلاة بجانب المنبر – أمكن تصوُّر أنه لا يمكن أن يُتمَّ ركوعه وسجوده كما ورد عن النبي – صلى الله عليه وسلم – في عدة أحاديث إلا في مسافة ثلاثة أذرع فأكثر، فتكون هي المسافة بين المنبر والجدار. ونقل السيد مُرتضى الزّبيدي في "شرح الإحياء" عن الرافعي أنه يكره المنبر الكبير الذي يضيِّق على المصلين إذا لم يكن المسجد متَّسِعٌ الخُطَّة.

أما عدد دَرَج منبر النبي – صلى الله عليه وسلم – ففي "صحيح مسلم" و"سنن ابن ماجه": أنه ثلاث درجات، لكن في "سنن أبي داود" عن ابن عمر: "فاتخذ له منبرًا مِرْقاتَيْن". قال في "عون المعبود"[7]: "الذي قال: "مِرْقاتَيْن" لم يعتبِر الدَّرجة التي كان يجلس عليها رسول الله – صلى الله عليه وسلم -".

وقال الحافظ[8]: "ولم يزل المنبر على حاله ثلاث درجات، حتى زاده مروان في خلافة معاوية ستَّ درجاتٍ في أسفله، وكان سبب ذلك ما حكاه الزبير بن بكَّار في "أخبار المدينة" بإسنادٍ إلى حُمَيْد بن عبدالرحمن بن عوف قال: "بعث معاوية إلى مروان عامله على المدينة أن يحمل إليه المنبر؛ فأمر به فقُلِع، فأظلمت المدينة، فخرج مروان فخطب وقال: إنما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه. فدعا نجارًّا، وكان ثلاث درجات، فزاد الزِّيادة التي هو عليها اليوم… قال ابن النجار وغيره: استمرَّ على ذلك – إلا ما أُصلح منه – إلى أن احترق مسجد المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة فاحترق".

فائدةٌ: قال السيد مرتضى الزبيدي في "شرح الإحياء": "وهل يأتي الخطيب قبل دخول الوقت؟ الأول: هو الظاهر؛ لكونه متبوعًا والقوم ينتظرونه، والثاني: هو المعمول به من مدة أزمان، فإن كان في المسجد بيت خطابة كموضع مستقل في قِبْلَة المسجد على يمين المنبر – فيجلس فيه ومعه المُرَقِّي، فإذا قرب الوقت خرج الخطيب وقدَّامه المرقِّي ماسكًا السيفَ أو العصا، فإذا وصل إلى باب المنبر أخذ السيف أو العصا بيمينه من المرقِّي؛ فيعتمد عليه ويصعد دَرَج المنبر، وهذا من شعائر الدين. فإن لم يكن بيت خطابة؛ فيأتي كغيره من المصلين قبل الوقت ويجلس في الصفوف إلى اتجاه المنبر، وينتظر دخول الوقت، فيأتي المرقِّي ويأتي على باب المنبر، فيتحرَّك من موضعه ويتوجَّه إلى المنبر، ويتناول منه السيف أو العصا".

والملاحَظ: أن اعتبار ما تقدَّم من شعائر الدين غريبٌ، من جهة أنه لم يؤثَر من ذلك إلا إمساك الخطيب بالعصا أو السيف كما سيأتي. أما المرقِّي فسيأتي الكلام عنه، وعن وقت عمل أهل المغرب به [وسيأتي بيان خلاف العلماء في بدعية ذلك أو جوازه].

سلام الخطيب إذا صعد المنبر:
وردت فيه أحاديث مسندة، ومرسَلة، وموقوفة:
فالمسند منها: ما أخرجه ابن ماجه[9]، عن جابر بن عبدالله، أن النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – كان إذا صعد المنبر سلَّم، لكن في إسناده عبدالله بن لَهيعَة المصري، وهو ضعيفٌ.

وأخرج الطبراني في "الأوسط" عن ابن عمر قال: "كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا دخل المسجد يوم الجمعة سلَّم على مَنْ عند منبره من الجلوس، فإذا صعد المنبر توجَّه إلى الناس فسلَّم عليهم". قال الحافظ الهيثمي[10]: "وفيه عيسى بن عبدالله الأنصاري، وهو ضعيفٌ، وذكره ابن حبَّان في الثِّقات".
وأخرجه ابن عدي في "الكامل"[11] في ترجمة عيسى بن عبدالله بن الحكم الأنصاري، وقال: "عامَّة ما يرويه لا يُتابع عليه".

وأما المرسَل منها: فعن عطاء بن أبي رباح والشَّعبي، أما مرسلُ عطاء فصحيحٌ إليه؛ حيث قال عبدالرزاق[12]، عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان إذا صعد المنبر أقبل بوجهه على الناس فقال: ((السلام عليكم)).

وأما مرسل الشَّعبي؛ فأخرجه عبدالرزاق وابن أبي شيبة في "مصنَّفَيْهما"، والأَثْرم في "سننه" من طريق مُجالِد عنه، قال: "كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس بوجهه وقال: ((السلام عليكم))، وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك بعد النبي – صلى الله عليه وسلم". وزاد ابن أبي شيبة: "وعثمان"، كما في "نصب الرَّاية"[13]، ومُجالِد ضعيفٌ.

وأما الموقوفات: فإضافةً إلى ما ذكره الشَّعبي عن أبي بكر وعمر وعثمان – قال البيهقي في "سننه الكبرى"[14]: "باب: الإمام يسلِّم على الناس إذا صعد المنبر قبل أن يجلس"، ثم قال: "ورُويَ في ذلك عن ابن عباس وابن الزُّبير، ثم عن عمر بن عبدالعزيز".

وقد نظر الشافعية والحنابلة إلى مجموع هذه الآثار وتقوية بعضها لبعض؛ فاستحبُّوا سلام الإمام إذا رقي المنبر، واعتبروه من آداب الخطبة.

ففي متن "المهذَّب": "ومن سننها: إذا صعد المنبر ثم أقبل على الناس – أن يسلَّم عليهم؛ لما رُوي أن النبيَّ – صلى الله عيه وسلم – كان إذا صعد المنبر يوم الجمعة واستقبل الناس بوجهه قال: ((السلام عليكم))، ولأنه استدبر الناس في صعوده، فإذا أقبل عليهم سلَّم".

وقال النووي في "المجموع"[15]: "قال أصحابنا: يُسَنُّ للإمام السلام على الناس مرَّتين؛ إحداهما: عند دخوله المسجد، يسلِّم على مَنْ هناك وعلى مَنْ عند المنبر إذا انتهى إليه. الثانية: إذا وصل أعلى المنبر وأقبل على الناس بوجهه يسلِّم عليهم؛ لما ذكره المصنِّف[16]. قال أصحابنا: وإذا سلَّم لزم السامعين الردُّ عليه، وهو فرض كفايةٍ كالسلام في باقي المواضع، وهذا الذي ذكرناه من استحباب السلام الثاني مذهبُنا ومذهب الأكثرين، وبه قال ابن عباس وابن الزبير وعمر بن عبدالعزيز والأوزاعي وأحمد"؛ وانظر: "المغني"[17] لابن قُدامة في فقه الحنابلة.

وكره الحنفيَّة والمالكيَّة هذا السلام الثاني على المنبر؛ ففي "مدونة[18] سحنون": "قال ابن القاسم: وسألتُ مالكًا: إذا صعد الإمام المنبر يوم الجمعة؛ هل يسلِّم على الناس؟ قال: لا، وأنكر ذلك"، وقال الدَّرْدير عند قول الشيخ خليل عاطفًا على المندوب "وسَلامُ خَطِيبٍ لخروجه لا صعوده": لا يُندَب؛ بل يُكره، ولا يجب ردُّه كما جزم به بعضهم". واعتبر الحنفية أن سلامه الأوَّل عند دخوله المسجد أو خروجه من المقصورة مُغْنٍ عن الإعادة.

فتلخَّص أن السلام الأول مستحبٌّ عند الجميع، وأن السلام الثاني عند الصعود إلى المنبر مكروهٌ عند الحنفيَّة والمالكيَّة، مستحبٌّ عند الشافعيَّة والحنابلة، والأكثرين على ما حكاه النووي.

إجابة الخطيب للمؤذن:
قال البخاري في "صحيحه": "باب: يجيب الإمام على المنبر إذا سمع النداء"، ثم أسند عن أبي أُمامة بن سهل بن حُنَيْف قال: "سمعتُ معاوية بن أبي سفيان وهو جالسٌ على المنبر، أذَّن المؤذن فقال: الله أكبر الله أكبر؛ قال معاوية: الله أكبر الله أكبر، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ قال معاوية: وأنا، فلما قال: وأشهد أن محمدًا رسول الله؛ قال معاوية: وأنا. فلما أن قضى التَّأذين قال: يا أيها الناس، إني سمعتُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على هذا المجلس حين أذَّن المؤذن يقول ما سمعتم من مقالتي".

قال الحافظ ابن حجر[19]: "وفي هذا الحديث من الفوائد: تعلُّم العلم وتعليمه من الإمام، وهو على المنبر، وأن الخطيب يجيب المؤذن وهو على المنبر، وأن قول المجيب: وأنا كذلك ونحوه يكفي في إجابة المؤذن. وفيه: إباحة الكلام قبل الشروع في الخطبة… وفيه: الجلوس قبل الخطبة".

أما الكلام قبل الشروع في الخطبة؛ فسيأتي الحديث عنه – إن شاء الله – وأما الجلوس قبل الخطبة؛ فقد عدَّه الحافظ الزَّيْلَعي في "نصب الراية"[20] مما جرى به التَّواتر، أي ممَّا عُلِمَ من الدِّين بالضرورة، كما عدَّ الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" [21] تقديم الخطبتَيْن على صلاة الجمعة من المتواتِر، وقال: "إنه إجماعٌ". وفي "المدوَّنة"[22]: "وقال مالك في الإمام يوم الجمعة يجهل فيصلي قبل الخطبة ثم يخطب: إنه يصلي بالناس ثانيةً، وتُجزئ عن الخطبة، ويُلغى ما صلَّى قبل الخطبة"، وممَّا عدَّه الإمام مالك قريبًا من هذا.

اعتماد الخطيب على العصا:
ففي نفس الصفحة والجزء من المدونة: "وقال مالك في خطبة الإمام يوم الجمعة، يمسك بيده عصا. قال مالك: وهو من أمر الناس القديم. قلتُ له: أعمودُ المنبر يعني مالكٌ أما عصا سِواه؟ قال: لا، بل عصا سواه".

وقد وردت أحاديث في الاعتماد على العصا والقوس، فعَنْوَن أبو داود في "سننه": (باب الرجل يخطب على قوس)، وأسند عن الحكم بن حزن الكُلَعي حديثًا فيه: "فأقمنا به أيامًا، شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقام متوكِّئًا على عصا أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه كلماتٍ خفيفاتٍ طيِّباتٍ مباركَاتٍ… ".
قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير": "إسناده حسنٌ، وقد صحَّحه ابن السَّكَن وابن خزيمة، وله شاهد من حديث البراء بن عازِب، رواه أبو داود بلفظ: "إن النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – أُعطيَ يوم العيد قوسًا فخطب عليه".

وأخرج ابن ماجه من طريق عبدالرحمن بن سعد بن عمَّار بن سعد، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان إذا خطب في الحرب يخطب على قوس، وإذا خطب في الجمعة خطب على عصا".
قال الحافظ البوصيري[23]: "هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لضعف عبدالرحمن فَمَنْ فوقه، ورواه الحاكم في "المستدرك" من طريق عمَّار بن عبدالرحمن به، ورواه البيهقي من طريق ابن ماجه، وله شاهدٌ رواه أبو داود في سننه.. "؛ ثم ذكر حديث أبي داود السابق.

وأخرج أبو الشيخ بن حبَّان[24] عن عبدالله بن الزبير: "أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يخطب ومعه مِخْصَرَة"؛ فسَّر المعلِّق المِخْصَرة بأنها عصا أو قضيب أو نحو ذلك، يَخْتَصِره الإنسان.

وزادوا بالمشرِق: الاتِّكاء على السيف، إضافةً إلى العصا أو القوس الواردَيْن؛ فقال الدردير عقب قول خليل عاطفًا على المندوبات "وتَوَكُّؤٌ على كَقَوْسٍ": "من سيفٍ أو عصا، وهي أوْلى منهما".

وقال ابن قُدامة[25]: "ويستحبُّ أن يعتمد على قوسٍ أو سيفٍ أو عصا؛ لما روى الحكم بن حزن الكُلَعي"، ثم ذكر حديث أبي داود السابق وقال: "ولأن ذلك أَعْوَن له، فإن لم يفعل فيستحبُّ له أن يسكن أطرافه، إما أن يضع يمينه على شماله، أو يرسلهما ساكنتَيْن مع جنبَيْه".

وقد أنكر ابن القيم أن يكون – صلى الله عليه وسلم – قد اعتمد على السيف في خطبته، كما أنكر الاعتماد في الخطبة من أساسه، بعد اتِّخاذه – صلى الله عليه وسلم – للمنبر لا على عصا ولا على قوس؛ فقال في "زاد المعاد"[26]، وهو يصف خطبة النبي – صلى الله عليه وسلم -:
"ولم يكن يأخذ بيده سيفًا ولا غيره، وإنما كان يعتمد على قوس وعصا قبل أن يتَّخذ المنبر، وكان في الحرب يعتمد على قوس، وفي الجمعة يعتمد على عصا، ولم يُحفَظ عنه أنه اعتمد على سيف، وما يظنَّه بعض الجهَّال أنه كان يعتمد على السيف دائمًا، وأن ذلك إشارة إلى أن الدين قام بالسيف – فمن فرط جهله؛ فإنه لا يُحفظ عنه بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيفٍ ولا قوسٍ ولا غيره، ولا قبل اتِّخاذه أنه أخذ بيده سيفًا البتَّة، وإنما كان يعتمد على عصا أو قوس".

وقد توسَّعوا في المشرق حتى اتخذوا للخطب سيفًا من خشب كما سنعرف! والمهم أن الجمهور متفقون على مشروعية العصا أو القوس؛ باستثناء ابن القيم. وكلام الإمام مالك السابق صريحٌ في أنه من عمل الناس القديم، إلا أن المالكية والشافعية اختلفوا: بأيِّ يدٍ يُمسك العصا؛ باليمين أو بالشمال؟ فقال المالكية باليمين، وقال الشافعية بالشمال، وكلام السيد مرتضى الزبيدي الآتي في وصف خطباء المشرق يُعطي أنهم أخذوا بقول الشافعية لعلَّةٍ ذكروها، فلنتعرَّف أوَّلاً على نصوص المذهبَيْن.

قال النووي[27]: "يُسَنُّ أن يعتمد على قوس أو سيف أو عصا أو نحوها… قال القاضي حسين والبغوي: يُستحبُّ أن يأخذه في يده اليسرى، ولم يذكر الجمهور اليد التي يأخذه فيها، وقال أصحابنا: ويستحبُّ أن يشغل يده الأخرى بأن يضعها على حرف المنبر. قالوا: فإن لم يجد سيفًا أو عصا أو نحوه – سكن يده، بأن يضع اليمنى على اليسرى، أو يرسلهما ولا يحركهما، ولا يعبث بواحدةٍ منهما، والمقصود: الخشوع والمنع من العبث".

وقال الزرقاني عند قول خليل "وتَوَكُّؤٌ على كَقَوْس": "وعصا غير عود المنبر؛ بل ولو خطب بالأرض، ويجعله بيمينه، خلافًا للشافعي"، ولعل الأظهر أن يقول: خلافًا للشافعية؛ لأن كلام النووي يدلُّ صراحةً على أن هذا ليس قول الشافعي.
وقال الرهوني في "حاشيته على الزرقاني"[28]: "ابن عرفة: وفي استحباب توكُّئه على عصا بيمينه خوفَ العبث مشهورُ روايتَي ابن القاسم وشاذَّتهما".

بعد هذا اتخذت مسألة الاعتماد في الخطبة صبغة خاصة، فقُنِّنَت ونُظِّمَت؛ بل وفُلْسِفَتْ إن صحَّ هذا التعبير، وقد تقدَّم قول السيد مرتضى الزبيدي: "فإذا قرب الوقت خرج الخطيب وقدَّامه المرقِّي ماسكا السيف أو العصا، فإذا وصل إلى باب المنبر أخذ السيف أو العصا بيمينه من المرقِّي؛ فيعتمد عليه ويصعد درج المنبر، وهذا من شعائر الدِّين… ".

ويبقى ما هو مشتركٌ بين المشرق والمغرب؛ هو المرقِّي، إلا أن مفهومه في المغرب غير مفهومه في المشرق حسبما يظهر من كلامهم؛ ففي المشرق شخصٌ واحدٌ هو الذي يخرج مع الخطيب من المقصورة، ويناوله العصا أو السيف إذا صعد المنبر، ثم يروي حديث الإنصات؛ بينما في المغرب يقوم بالعملية شخصان كما هو معروف. الذي وقع حوله الخلاف بين العلماء: هو راوي الحديث، أو رواية حديث الإنصات.

فإن ذلك عُرف أول ما عُرف بالشام، ثم انتشر بأقطار المشرق، ودخل إلى المغرب سنة 1120، كما نقل الشيخ محمد بن المدني كَنُّون في "حاشيته" بها من "حاشية الرهوني"[29]؛ حيث قال: "وذكر في "نشر المثاني" أن إحداث قراءة الحديث المتضمِّن أمر الناس بالإنصات بالمستمَع عند خروج الإمام من المقصورة – كان سنة 1120، فأجازه بعضهم وأنكره آخرون، وفي "النوازل الصغرى"[30] لسيدي المهدي الوزَّاني: "مسألة: من خطِّ بعض أهل العصر ما نصُّه: التَّرقية التي تُفعل بين يَدَي الخطيب من سنة عشرين ومائة وألف – أنكرها في "المدخل"، وجعلها من البدع المكروهة، وجعلها غيره من البدع المستحسَنة، وقال: إنه لم يَرِد فيه شيءٌ بالخصوص، ولكن يدلُّ لها قوله – عليه الصلاة والسلام – في حجة الوداع لجرير: ((اسْتَنْصِتِ النَّاسَ))".

وقال الزرقاني في شرح مختصر خليل [31]: "والترقية بين يَدَي الخطيب بدعةٌ مكروهةٌ من عمل أهل الشام، إلا أن يشترطها واقفٌ فيُعْمَل بها، والحديث الذي يقوله فيها ثابتٌ في "الصحيحَيْن" وغيرهما، لكن لم يَرِدْ أنه أمر أن يُقال لمرقٍّ بين يَدَي خطبته، ولا فُعل في زمانه – عليه الصلاة والسلام – وفي "المدخل" لابن الحاجّ: العجب من الإنكار على مالك بعمل أهل المدينة، وهؤلاء يفعلون التَّرقية محتجِّين بعمل أهل الشام!. اهـ.

وقد يُقال: إنكارهم على مالك إنما هو تقديمُ عمل أهل المدينة على الخبر الصحيح، وعمل أهل الشام إنما هو فيما لم يرد خبر بخلافه؛ بل قد يدل لفعلهم أنه – عليه الصلاة والسلام – قال لجرير في حجَّة الوداع: ((اسْتَنْصِتِ النَّاس))"..

كلام الخطيب وتكليمه:
أولاً: كلام الخطيب
قطع الخطيب لخطبته وتكليمه للمأمومين بكلامٍ ليس من سياق الخطبة، له حالتان:
الحالة الأولى: أن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر، أو ينبِّه أحد المصلين على خطأ أو نقصٍ مثلاً، أو على مفسدةٍ بالمسجد، أو يحذِّر من سقوط أعمى أو صبي.. إلى غير ذلك ممَّا لا يُعَدُّ لَغْوًا في الخطبة وخروجًا عمَّا شُرعت الخطبة لأجله، وهذا جائزٌ باتِّفاق المذاهب؛ نظرًا لما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار الكثيرة، والتي سيأتي بعضها.

ففي "المدوَّنة"[32]: "وقال مالك: لا بأس أن يتكلَّم الإمام في الخطبة يوم الجمعة على المنبر إذا كان في أمرٍ أو نهي. قال: وقال مالك في الإمام يريد أن يأمر الناس يوم الجمعة، وهو على المنبر في خطبته بالأمر ينهاهم عنه ويعظهم به – قال: لا بأس بذلك، ولا نراه لاغيًا. وقال: لقد استشارني بعض الولاة في ذلك فأشرتُ عليه به".

وقال الشيخ خليل في "المختصر" ممزوجًا بـ "شرح الدَّرْدير": "وجاز نهيُ خطيبٍ أو أمره إنسانًا لغا أو فعل ما لا يليق؛ كقوله: لا تتكلَّم، أو: أنصتْ يا فلان – حال خطبته".

وقال علي القاري الحنفي في "مرقاة المفاتيح"[33]: "وعندنا كلام الخطيب في أثناء الخطبة مكروهٌ إذ لم يكن أمر بمعروف".

وقال النووي[34]: "وفي تحريم الكلام على الخطيب طريقان: أحدهما على القولين، والثاني – وهو الصحيح وبه قطع الجمهور -: يُستحبُّ ولا يَحْرُم، للأحاديث الصحيحة أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تكلَّم في الخطبة. والأوْلى أن يجيب عن ذلك بأن كلامه – صلى الله عليه وسلم – كان لحاجةٍ. قال أصحابنا: وهذا الخلاف في حقِّ القوم والإمام في كلامٍ لا يتعلق به غرضٌ مهمٌّ ناجِزٌ، فلو رأى أعمى يقع في بئر، أو عقربًا تدب إلى إنسان غافل ونحوه فأنذره، أو علَّم إنسانًا خيرًا أو نهاه عن منكر – فهذا ليس بحرامٍ بلا خلاف، نصَّ عليه الشافعي، واتَّفق الأصحاب على التَّصريح به، لكن قالوا: يُستحبُّ أن يقتصر على الإشارة إن حصل بها المقصود".

وقال ابن قُدامة[35]: "ولا يَحْرُم الكلام على الخطب ولا على مَنْ سأله الخطيب.. "، إلى أن قال: "فأما الواجب؛ كتحذير الضرير من البئر، أو من يخاف عليه نارًا أو حيَّةً أو حريقًا ونحو ذلك – فله فعله؛ لأن هذا يجوز في نفس الصلاة مع إفسادها، فها هنا أوْلى"، ويعني: أن ذلك جائزٌ بالنسبة إلى الخطيب والمأموم على السواء.

وقد ورد في كلام النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو يخطب أحاديث كثيرة، كما ورد ذلك عن بعض الصحابة – رضي الله عنهم – تكفي من ذلك بما يلي:
– حديث جابر بن عبدالله في الكتب الستَّة وغيرها؛ قال: دخل رجلٌ يوم الجمعة ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – يخطب؛ فقال: ((صلَّيْتَ؟))، قال: لا؛ قال: ((فَصَلِّ ركعتَيْن)).
– وحديث أبي سعيد الخُدْري: "أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – يخطب على المنبر؛ فأمره أن يصلِّي ركعتَيْن"؛ قال المجد بن تيمية في "منتقى الأخبار": "رواه الخمسة إلا أبا داود، وصحَّحه الترمذي ولفظه: أن رجلا جاء يوم الجمعة في هيئةٍ بَذَّةٍ، والنبي – صلى الله عليه وسلم – يخطب، فأمره فصلَّى ركعتين والنبي – صلى الله عليه وسلم – يخطب".
وفُسِّر الرجل في بعض الروايات بأنه سُلَيْك الغَطَفاني، ولسنا بصدد ذكر الخلاف بين الحنفيَّة والمالكيَّة من جهة مَنْ منع الركعتين والإمام يخطب، وبين الجمهور من جهة أخرى؛ فإن لكلٍّ دليلاً، وليس المقام مقام بَسْط ذلك، وقد أطال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"[36] النَّفَس في حكاية الأقوال وأدلَّتها في هذا الموضوع، كما أنَّ لبعض العلماء المعاصرين مؤلَّفًا خاصًّا في هذا الموضوع، وهو مطبوعٌ.
– وفي "سنن النَّسائي"[37] في حديث أبي سعيد هذا بعد قوله – صلى الله عليه وسلم -: ((صلِّ ركعتَيْن)): "وحَثَّ النَّاس على الصَّدقة؛ فألقوا ثيابًا، فأعطاه منها ثوبَيْن. فلما كانت الجمعة الثانية، جاء ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – يخطب؛ فحثَّ النَّاس على الصَّدقة. قال: فألقى أحد ثوبَيْه؛ فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((جاء هذا يوم الجمعة بهيئةٍ بَذَّةٍ؛ فأمرتُ النَّاس بالصَّدقة، فألقوا ثيابًا، فأمرت له منها بثوبَيْن. ثم جاء الآن؛ فأمرتُ النَّاس بالصَّدقة فألقى أحدهما!! فانتهره وقال: ((خُذْ ثوبَك)).
– وحديث عبد الله بن بسر: ((جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اجلس فقد آذيت)) أخرجه أبو داود [38] والنسائي [39].
– وأخرج ابن ماجه[40] عن جابر بن عبدالله: أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – يخطب، فجعل يتخطَّى الناس؛ فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((اجلس؛ فقد آذيتَ وآنيتَ)).
– وحديث جابر الذي عقد له أبو داود (باب: الإمام يكلِّم الرجل في خطبته) ونصُّه: "لمَّا استوى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يوم الجمعة قال: ((اجلسوا))، فسمع ذلك ابن مسعود، فدلَّس على باب المسجد، فرآه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: ((تعالى يا عبدالله بن مسعود))، لكن قال أبو داود: "إنما يُعرف مرسَلاً عن عطاء".
– حديث عبدالله بن بُرَيْدَة عن أبيه قال: خَطَبَنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأقبل الحسن والحسين، عليهما قميصان أحمران، يتعثَّران ويقومان، فنزل فأخذهما، فصعد المنبر ثم قال: ((صدق الله: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: 15]؛ رأيتُ هذين فلم أصبر))[41].
– حديث قيس بن حازم: "أن أباه جاء ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – يخطب، فقام في الشمس؛ فأمر به فحُوِّل إلى الظِّلِّ"[42].
حديث أنه – صلى الله عليه وسلم – كلَّمه قتلة ابن أبي الحُقَيْق، وسألهم عن كيفية قتله في الخطبة وهو قائمٌ على المنبر يوم الجمعة[43].

وأما الآثار فكثيرةٌ جدًّا، نكتفي بأشهرها على الإطلاق؛ وهو حوار عمر في خلافته مع عثمان – رضي الله عنهما – المخرَّج في "الموطَّأ" و"الصحيحين" وغيرهما.
ففي "الموطَّأ" رواية يحيى بن يحيى: "وحدثني عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبدالله أنه قال: دخل رجلٌ من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – المسجد يوم الجمعة وعمر بن الخطاب يخطب؛ فقال عمر: أيَّةُ ساعةٍ هذه؟ فقال: يا أمير المؤمنين، انقلبتُ من السوق، فسمعت النداء، فما زدتُ على أن توضأت! فقال عمر: والوضوء أيضًا وقد سمعت أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان يأمر بالغُسْل!". قال ابن عبدالبَرِّ: "سمَّي ابن وهب وابن القاسم في روايتهما عن مالك في "الموطَّأ" الرجل المذكور: عثمان بن عفان"، وقال: "لا أعلم في ذلك خلافًا".

الحالة الثانية: أن يغلو في خطبته ويتكلم بما هو خارج عنها، وأشد المذاهب في ذلك مذهب الحنفية؛ فإنهم كرهوا ذلك كراهةَ تحريم، وربما أعطى كلامهم أنه يُبْطِل الخطبة!.

ففي "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" للكاساني[44]: "يُفسد الجمعة ما يُفسد سائر الصلوات"، ثم قال: "وإن فسدت بما تفسد به عامَّة الصلوات من الحَدَث العمد والكلام وغير ذلك – سيتقبل الجمعة عند وجود شرائطهما….".

وقال الطحاوي[45]: "فإذا كان الناس منهيِّين عن الكلام ما دام الإمام يخطب؛ كان كذلك الإمام منهيًّا عن الكلام ما دام يخطب بغير الخطبة! ألا ترى أن المأمومين ممنوعون عن الكلام في الصلاة؟! فكذلك الإمام، فكان ما مُنع منه غير الإمام فقد مُنع منه الإمام، فكذلك لمَّا مُنع غير الإمام من الكلام في الخطبة كان الإمام مُنع بذلك من الكلام في الخطبة بما هو من غيرها".

أما بقية المذاهب؛ فقد تقدَّم نصُّ النووي أن الصحيح عند الشافعية أن عدم الكلام مستحبٌّ ولا يَحْرُم، ونصَّ الحنابلة أنه مباحٌ.

أما المالكيَّة؛ فلم أعثر لهم على نصٍّ صريحٍ في الموضوع، ولا أستبعد أنه موجودٌ، ولكن لم أتمكَّن الآن من الوقوف عليه، والذي يُؤخَذ من كلام الزُّرقاني الآتي: أن اللغو مباحٌ في الخطبة ولا حرمة فيه، وكل ما يترتَّب عنه إباحة اللَّغو للمأمومين إذا لغا الإمام.

فعندما قال الشيخ خليل "وحَرُمَ" أي السفر "بالزَّوال ككلام"؛ أي: من كلام المأموم في خطبتَيه بقيامه وبينهما، ولو لغير سامع، "إلا أن يلغو" قال الزرقاني: "الخطيب بخروجه عن أمر الخطبة بما لا تعلُّق له بها كان محرمًا؛ كسَبِّ أو مدح مَنْ لا يجوز سبُّه أو مدحه، أو غير محرَّم؛ كقراءته كتابًا غير متعلِّق بالخطبة، وكتكلُّمه بما لا يعني – فليس على الناس الإنصات "على المختار"، ولا تحول إليه؛ بل هم لهم التكلُّم كما فعله ابن المسيّب، فهي مستثنى من قوله "ككلام"، ومعنى "يلغو": يتكلَّم بالكلام اللاَّغي؛ أي الساقط من القول، أي الخارج عن نظام الخطبة. وكذا يجوز حينئذٍ التنقُّل كما نقل البرزلي عن ابن العربي، ولا عبرة بظاهر المصنِّف وابن عرفة؛ لأنه لا يرد المنصوص"، وسكت عنه المحدِّثون: البُناني والرهوني وكَنُّون.

فقوله: كان كلام محرمًا أو غير محرَّم – ظاهرٌ في أن الكلام اللَّغو لا يؤثِّر في نفس الخطبة، والذي يظهر أن مجال خطبة الجمعة أوسع وأفسح مما ضيَّقه به الحنفيَّة[46].

إلا أنه يبقى هنا تساؤلٌ بالنسبة إلى فقهاء المذاهب الثالثة المبيحين للكلام في الخطبة، ماذا يقصدون باشتراط الموالاة في الخطبة؟ مع العلم بأن قطع الموالاة يَصْدُق على القول والفعل، فإن كانوا يقصدون الموالاة في القول والفعل، فإباحتهم للكلام يتناقض مع هذا الشرط، وإن كانوا يقصدون الموالاة في الفعل خاصةً، فهم لم يفصحوا عن ذلك، مما يُبقي في المسألة غموضًا، وهذه نصوصهم في ذلك:
قال الزرقاني عند قول الشيخ خليل "مما تسمِّيه العرب خطبة": "ثم إنه يجب في مسألة المصنِّف اتصال أجزاء بعضها ببعض، واتصالهما بالصلاة، ويسير الفصل عفوٌ"، وقال الدردير عند قول خليل "وبخطبتين قبل الصلاة": "فلو خطب بعدها أعاد الصلاة فقط إن قَرُبَ، وإلا استأنفها؛ لأن من شروطها وصل الصلاة بها"، وأضاف محشّية الدسوقي: "أي: ووصل بعضها ببعض كذلك، ويسير الفصل مغتفرٌ".

وقال في "المهذب" في فقه الشافعية: "فإن قرأ آيةً فيها سجدة، فنزل وسجد – جاز؛ لأن النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – فعل ذلك، ثم فعله عمر – رضي الله عنه – بعده، فإن فعل هذا وطال الفصل فقَوْلان، وقال في الجديد: "يستأنف". وقال النووي[47]: "فلو طال الفصل فقولان: ذكرهما المصنِّف هنا، وسبق ذكرهما أصحهما – وهو الجديد – أن الموالاة بين أركان الخطبة واجبةٌ؛ لأن فواتها يُخِلُّ بمقصود الوعظ، فعلى هذا يجب استئناف الخطبة".

وقال ابن قُدامة[48]: "والموالاة شرطٌ في صحَّة الخطبة، فإن فصل بعضها من بعض بكلام طويل أو سكوت طويل أو شيء غير ذلك يقطع الموالاة استأنفها، والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة، وكذلك يُشترط الموالاة بين الخطبة والصلاة، وإن احتاج إلى الطهارة تطهَّر وبنى على خطبته ما لم يُطِلِ الفصل".

ولعله عند التدقيق في هذا الشرط ترجع المذاهب الثلاثة إلى رأي الحنفيَّة، على الرغم من تفريق ابن قُدامة بين الكلام الطويل والقصير، وإرجاع ذلك إلى العادة، فإن العادة لا تنضبط هنا؛ بل تختلف من مجتمع لآخر كما هو معلوم. وعلى أيٍّ؛ فلا زال هناك مجال للبحث للتوفيق بين إباحة الكلام واشتراط الموالاة في المذاهب الثلاثة.

تكليم الخطيب وسؤاله أثناء الخطبة:
منعه المالكيَّة والحنفيَّة، وأجازه الجمهور، والجائز عند المالكيَّة هو إجابته فقط إذا سأل؛ قال الشيخ خليل عاطفًا على الجائز "وإجابته": "أي المصلي للخطيب". قال الدَّرْدير: "فيما يجوز له التكلُّم فيه؛ كأن يقول للخطيب عند نهيه أو أمره: إنما حملني على هذا الأمر الفلاني – مثلاً – ولا يعدُّ كلاًّ من الخطيب والمجيب لاغيًا؛ بل هنا ما هو أكثر من هذا، وهو منع المأموم من تلقين الخطيب إذا نسي شيئًا إن لم يطلب الخطيب منه ذلك؛ فقال الزرقاني عند قول خليل "وإجابته":
"ثم إذا وقف الخطيب في الخطبة لا يردُّ عليه أحدٌ؛ لأنه إجابةٌ له من غير طلبٍ منه. قاله علي الأجهوري. ولا يُقال توقفه وتردده طُلب منه للفتح، خصوصًا على جعل الخطبتين قائمتَيْن مقام ركعتَي الظهر؛ لأنا نقول: كما لم تكن أجزاء الخطبة واجبةُ الترتيب كأجزاء الفاتحة أو السورة – لم يطلب الفتح عليه، والوعظ يحصل بانتقاله لأخرى؛ فلا معنى لتوقُّفه، فلم يعد استطعامًا، ويُفهم من كلامه أنه إذا طلب الفتح فإنه يُفتح له".

وأجازوا أن يكون قوله: "وأجابته" من إضافة المصدر لفاعله؛ فيجوز للخطيب أن يجيب سائله، ومن ثَمَّ يجوز للمصلِّي أن يسأل الخطيب، وهذا هو الذي تؤيِّده الأدلَّة الصريحة كما سيأتي، وخاصةً عند اضطرار شخص لسؤال الخطيب عن أمرٍ يتعلَّق بتصحيح دينه وعقيدته؛ بل قال ابن حجر الهيتمي الفقيه[49]: "ومن المكفِّرات أيضًا: أن يرضى بالكفر ولو ضِمنًا، كأن يسأله كافرٌ يريد الإسلام أن يلقِّنه كلمة الإسلام فلم يفعل، أو يقول له: اصبر حتى أفرغ من شغلي، أو خطبتي لو كان خطيبًا".

وكأن الحطاب نظر إلى الأحاديث الواردة في الموضوع مع ما يظهر أنه معارضها، فارتضى تفصيل الحافظ ابن حجر؛ حيث قال بعد قول الشيخ خليل مباشرة: "ونهي خطيبٌ أو أمره وإجابته"[50].

قال ابن حجر في أول كتاب العلم من "فتح الباري" من حديث الذي سأل النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو يتحدَّث، فمضى في حديثه ما نصه:
"أخذ بظاهر هذه القصة مالك وأحمد وغيرهما في الخطبة؛ فقال: لا يقطع الخطبة لسؤال سائل؛ بل إذا فرغ يجيبه، وفصل الجمهور بين أن يقع ذلك في أثناء واجباتها فيؤخِّر الجواب، أو في غير الواجبات فيجيب"، ثم قال: "والأوْلى حينئذٍ التفصيل، فإن كان مما يهتمَّ به في أمر الدِّين – ولاسيَّما إن اختصَّ بالسَّائل – فيستحبُّ إجابته ثم يُتم الخطبة، وكذا بين الخطبة والصلاة، وإن كان بخلاف ذلك فيؤخِّرها، وكان يقع في أثناء الواجب ما يقتضي تقديم الجواب، لكن إذا أجاب استأنف على الأصح، يُؤخَذ ذلك كلُّه من اختلاف الأحاديث الواردة في ذلك. فإن كان السؤال من الأمور التي ليست معرفتها على الفور بمهتمٍّ به؛ فيؤخِّر كما في الحديث، ولا سيَّما إن كان ترك السؤال عن ذلك أوْلى، وقد وقع نظيره في الذي سأل عن الساعة وأقيمت الصلاة، فلما فرغ من الصلاة قال: ((أين السائل؟… )) فأجابه.

وإن كان السائل به ضرورة ناجزة؛ فيقدم إجابته كما في حديث أبي رفاعة عند مسلم، أنه قال للنبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – وهو يخطب: رجلٌ غريبٌ لا يدري دينه، جاء يسأل عن دينه؛ فترك خطبته، وأتى بكرسيٍّ فقعد عليه فجعل يعلمه، ثم أتى خطبته فأتمَّ آخرها. وكما في حديث سَمُرَة عند أحمد: أتي أعرابيٌّ يسأل النبي – صلى الله عليه وسلم – عن الضَّبِّ.. وكما في "الصحيحين" في قصة سُلَيْك لما دخل المسجد والنبي – صلى الله عليه وسلم – يخطب؛ فقال له النبي – صلى الله عليه وسلم -: ((أصَلَّيْتَ ركعتَيْن؟.. )) الحديث. وفي حديث أنس: "كانت الصلاة تُقام، فيَعْرُض الرجل، فيحدِّث النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – حتى ربما نعس بعض القوم، ثم يدخل في الصلاة"، وفي بعض طرقه: وقوع ذلك بين الخطبة والصلاة.

وقال النووي في "شرح مسلم"[51] في حديث أبي رفاعة الذي سأل النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو في الخطبة عن دينه: "وفيه: المبادرة إلى جواب المستفتي وتقديم أهم الأمور، ولعله كان يسأل عن الإيمان وقواعده المهمة. وقد اتَّفق العلماء على أن مَنْ جاء يسأل عن الإيمان وكيفية الدخول في الإسلام وَجَب إجابته وتعليمه على الفور"، ثم قال: "ويحتمل أن هذه الخطبة التي كان النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – فيها يخطب أمرٌ غير الجمعة، ولهذا قطعها بهذا الفصل الطويل، ويحتمل أنها كانت الجمعة واستأنفها، ويحتمل أنه لم يحصل فصلٌ طويلٌ، ويحتمل أن كلامه لهذا الغريب كان متعلِّقًا بالخطبة؛ فيكون منها، ولا يضرُّ المشيَ في أثنائها".

وكل هذا من الإمام النووي – رحمه الله – بناءً على مذهبه في وجوب الموالاة، كما تقدم أن النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – نزل من المنبر وأخذ الحسن والحسين – عليهما السلام – ومشى بهما إلى المنبر ثم استأنف خطبته... للمزيد..

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات