طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خادم الحرمين يؤكد الحرص على توطيد العلاقة مع العراق    ||    اليمن.. انطلاق مهمة "القبضة الحديدية" في حضرموت    ||    ليبيا.. تراجع حاد بأعداد المهاجرين في مركز تهريب البشر    ||    ميليشيات الحوثي تداهم المنازل بصنعاء وتختطف 40 فتاة    ||    مشاعر محبوسة    ||    انطواء طفلك.. بيدك أنت!    ||    مخالفات قولية عند نزول المطر    ||    الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة الغلو والتطرف    ||
ملتقى الخطباء > فقــه الجمعة > أحكام الخطيب > دراسات فقهية في مسائل الخطيب

ملتقى الخطباء

(16٬505)
976

دراسات فقهية في مسائل الخطيب

تاريخ النشر : 1430/05/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

ومن المعلوم أن مقومات الخطابة الشرعية ثلاثة: الخطبة، والخطيب، والمستمع، وكل من ذلك له أحكام تخصه، ولذا سيكون الكلام منصباً على فقه الخطيب والخطبة والمستمع، ولما كان لكلٍ نافذة تخصه فسيكون موضوع هذه النافذة المسائل الفقهية الخاصة بالخطيب وما يتعلق به من أحكام.
ومن المستحسن أن أذكر المسائل المتعلقة بالخطيب مجملة، قبل أن أدخل في تفصيلها

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:
فهذه دراسات فقهية متخصصة في مسائل الخطيب، أتناول فيها كل ما يتعلق بفقه الخطيب عموماً، وإن موقع (ملتقى الخطباء) ليسره أن يخصص نافذة للكلام حول هذا الموضوع المهم، إذ الجانب الفقهي للخطباء لا زال بحاجة إلى مزيد من الدراسة والبحث، والدراسات الفقهية الموجودة لا تلبي كل ما يتطلع إليه الخطيب، وهذا ما نحاول توفيره في هذه الزاوية بإذن الله تعالى.

 

وإن المطلع على ما كتب حول موضوع الخطابة يجد أن المؤلفين في هذا المجال تطرقوا للكلام على الخطابة من عدة جوانب:

 

– فمنهم من تكلم عن الخطابة من الناحية الأدبية الفنية، وألف في هذا المجال الكثير من المؤلفات، وكتب الأدباء قديماً زاخرة بهذا الأمر.
– ومنهم من تكلم عنها من الناحية الدعوية، وألف في هذا الشأن عدة كتب منها: رسالة (دكتوراه) من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عام 1427 هـ، بعنوان: (الوظيفة الدعوية لخطبة الجمعة).
– ومنهم من تكلم عنها من الناحية المهارية الإلقائية التدريبية، وأقيمت من أجل ذلك دورات متعددة، تعلم كيفية إلقاء الخطب، وإتقان المهارات اللازمة في التحدث والإلقاء أمام الآخرين.
– ومنهم من ألف في الخطابة من ناحية جمع الخطب الشخصية التي ألقيت، والمكتبة الإسلامية زاخرة بهذا النوع من التأليف كخطب الحرمين وغيرها.
– ومنهم من تكلم عن الخطابة من الناحية الفقهية الشرعية، وهو ما نتحدث عنه في هذه الزاوية (فقه الخطابة). وألفت أيضاً في هذا الأمر بعض الكتب المتخصصة في أحكام الخطبة، ولا يخلو كتاب فقهي من الكلام على أحكام خطبة الجمعة وغيرها من الخطب.

ومن المعلوم أن مقومات الخطابة الشرعية ثلاثة: الخطبة، والخطيب، والمستمع، وكل من ذلك له أحكام تخصه، ولذا سيكون الكلام منصباً على فقه الخطيب والخطبة والمستمع، ولما كان لكلٍ نافذة تخصه فسيكون موضوع هذه النافذة المسائل الفقهية الخاصة بالخطيب وما يتعلق به من أحكام.
ومن المستحسن أن أذكر المسائل المتعلقة بالخطيب مجملة، قبل أن أدخل في تفصيلها، وهي أربعة وعشرون مسألة:

 

الصفات الواجبة في الخطيب (مسألتان).
(1) الصفات التي اشترطها الفقهاء في الخطيب.
(2) الصفات التي اشترطها القائمون على شؤون المساجد.
الصفات المستحبة في الخطيب (سبع مسائل).
(3) الطهارة من الحدث.
(4) الطهارة من الخبث.
(5) اتخاذ الزينة.
(6) السلام على الناس.
(7) الإقبال على الناس.
(8) جهورية الصوت والانفعال.
(9) الاعتماد على شيء.

(10) من له حق تعيين الخطيب.
(11) أخذ الخطيب المال على الخطبة.

الخطبة من غير الإمام الراتب (مسألتان).
(12) حكم اختلاف الخطيب عن إمام الصلاة.
(13) حضور النائب في الصلاة الخطبة.

تعدد الخطباء (ست مسائل).
(14) التعدد والتناوب في الخطبتين.
(15) التعدد والتناوب في الخطبة الواحدة.
(16) التعدد في الخطباء من وقت لآخر.
(17) التعدد بين أصل ووكيل.
(18) التعدد والتناوب بين وكيل ووكيل للخطيب الراتب.
(19) التعدد بتعدد الجوامع.

(20) توكيل الخطيب غيره واستخلافه.
(21) عزل الخطيب.
(22) رفع الخطيب يديه حال الدعاء.
(23) كلام الخطيب مع غيره.
(24) مخالفات الخطيب.

 

وهذه المسائل قابلة للزيادة والتعديل حسب ما تقتضيه طبيعة البحث والدراسة، والمرجو من الإخوة الفضلاء المطلعين التعقيب وإبداء الملحوظات العلمية إن وجدت، فيما لا تختلف فيها وجهات النظر، تفادياً للزلل، وإصلاحاً للمعوج، ورجوعاً إلى الحق، وهذا ما نصبوا إليه.

 

 

 

المسألة الأولى

الصفات التي اشترطها الفقهاء في الخطيب

لما كانت الخطابة منصباً دينياً مستقلاً عن الصلاة -وإن كانت مبنية عليها في بعض أحكامها- اشترط الفقهاء -رحمهم الله- في الخطيب خمسة شروط (1):
الشرط الأول: أن يكون الخطيب مسلماً.

فلا يصح أن يكون الخطيب كافراً؛ لأن الإسلام شرط لصحة العبادات كلها، ولم أرَ أحداً من الفقهاء -رحمهم الله- أشار إلى هذا الشرط في الخطيب، حيث إنه معلوم من اشتراطه في الإمامة، ولا يتصور أن يخطب الكافر بالمسلمين، في خطبة واجبة أو مستحبة، ثم يصلي مسلم بهم، ولو أمكن وقوعه فالخطبة غير صحيحة بناءً على هذا الشرط.
ويدل لهذا الشرط ما رواه طارق بن شهاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض » (2).

وجه الاستدلال: أن قوله: " مسلم "دليل على أن غير المسلم لا نطالبه بالجمعة؛ لأنها لا تصح منه، وإذا لم تصح منه لم تنعقد به ولم يصلح لإمامتها ولا للخطابة فيها.
ويقاس على خطبة الجمعة غيرها من الخطب المشروعة كخطبة العيدين والاستسقاء، فلا تصح من غير المسلم.

الشرط الثاني: أن يكون الخطيب بالغاً عاقلاً.

فأما المجنون فلا تصح خطبته قولاً واحداً.
وأما الصغير (وهو ما دون البلوغ) فقد اختلف العلماء -رحمهم الله- في صحة خطبته، على قولين:
القول الأول: أن الصبي الصغير لا يصح أن يكون خطيباً.
وهذا ظاهر مذهب الحنفية(3)، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.
الأدلة:
استدلوا بما يلي:

الدليل الأول: ما رواه طارق بن شهاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض ».

وجه الاستدلال: أن الصبي لا جمعة عليه، وإذا فعلها لا يسقط بها الفرض عن نفسه، إذ لا فرض عليه، فمن باب أولى عدم سقوط الفرض عن غيره، وإذا لم يصلح لإمامتها فلا يصلح أن يكون خطيباً فيها (4).

الدليل الثاني: أن الصبي الصغير ليس من أهل الكمال، والخطيب كالإمام أولى باعتبار صفة الكمال فيه من غيره.
الدليل الثالث: أن الصغير مسلوب الأهلية، فهو كالمجنون ليس من أهل الولاية، والخطابة من الولايات، فلا يصح أن يتولاها.

الدليل الرابع: أن الخطبة بدل عن ركعتين، والصبي لا يصح أن يكون إماماً في الصلاة، فلا يصح أن يكون خطيباً أيضاً.

ويناقش هذا: بعدم صحة التعليل؛ لأنه لا يسلم أن الخطبة قائمة مقام ركعتين، كما لا يسلم عدم صحة إمامة الصبي؛ فهذه من المسائل الخلافية، والمسائل الخلافية لا قياس فيها.

القول الثاني: أن الصبي الصغير يصح أن يكون خطيباً بقيدين:

الأول: أن يأذن ولي الأمر بذلك.

الثاني: أن يتولى الصلاة رجل بالغ.

وهو قول عند الحنفية (5)، وقول عند الشافعية، ووجه عند الحنابلة.
استدلوا:
بما رواه عمرو بن سلمة رضي الله عنه، وفيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: " فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً، فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآناً مني؛ لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين … » (6).

وجه الاستدلال: أنه يفيد صحة الاقتداء بالصغير في سائر فروض الصلاة، وإذا صحت إمامة الصغير في الصلاة المكتوبة، فمن باب أولى يصح أن يكون خطيباً في الجمعة وغيرها كالبالغ، لأن الخطابة أدنى من الإمامة.

ويناقش هذا: بأن هذا الحديث معارض بحديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم »(7).

وليس الأخذ بالحديث الأول أولى من الأخذ بالحديث الثاني، كما أن إمامة الصبي مسألة خلافية، والمسائل الخلافية لا قياس فيها.

ويجاب عنه: بأنه يمكن الجمع بين الحديثين، فيحمل حديث مالك على مسألة الأفضلية والأولى بالتقديم، وحديث عمرو على الجواز والصحة، وعليه فتجوز خطابة الصغير في الجمعة وغيرها عملاً بحديث عمرو، والأفضل والأولى تقديم الكبير في الخطابة عملاً بحديث مالك.
الراجح:

الراجح – والله أعلم – أن الصغير ما دون سن التمييز لا يصح أن يكون خطيباً.

وأما ما فوق سن التمييز ودون البلوغ فتصح خطابته في الجمعة وغيرها إذا كان عنده القدرة العلمية والبدنية التي تؤهله للقيام بها، وهذا ربما يتصور فيمن كان عمره مقارباً لسن البلوغ ولم يبلغ؛ استدلالاً بحديث عمرو بن سلمة فهو صريح في جواز إمامة الصغير، وما جاز في الإمامة جاز في الخطابة، وأدلة القول الأول إما حديث متكلم فيه، أو مجرد أقيسة وتعليلات لا ينبغي تقديمها على الحديث الصحيح.

الشرط الثالث: أن يكون الخطيب ذكراً.

اتفق الفقهاء -رحمهم الله- على اشتراط كون الخطيب رجلاً، فلا يصح أن يكون الخطيب امرأة.
وبناءً عليه فإذا خطبت امرأة في الجمعة مثلاً وصلى رجل فالجمعة غير صحيحة في حقهم.
واستدلوا لذلك بما يلي:

الدليل الأول: ما رواه طارق بن شهاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض ».
وجه الاستدلال: أن المرأة لا تلزمها الجمعة، قال الخطابي -رحمه الله- في معالم السنن: " أجمع الفقهاء على أن النساء لا جمعة عليهن "وإذا لم تجب الجمعة على المرأة لم تنعقد بها، ولم تصلح لإمامتها ولا للخطابة فيها.

الدليل الثاني: ما رواه أبو بكرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة » (8).

وجه الاستدلال: أن الخطابة ولاية، فالخطيب يتولى أمر المستمعين، والمرأة ليست من أهل الولاية، فلا تصلح للخطابة.

الدليل الثالث: الإجماع المنعقد من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على عدم تولي المرأة لخطابة الجمعة العيدين والاستسقاء وغيرها من الخطب المشروعة أمام الرجال.
الدليل الرابع: القياس على الصلاة، فكما أن المرأة لا تصلح لإمامة الرجال، فلا تصلح أيضاً أن تكون خطيبة عليهم (9).

الدليل الخامس: أن المرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال، والخطيب لابد أن يكون في مواجهة المستمعين وحاضراً بينهم، فلا تصلح أن تكون خطيبة فيهم.

وبهذا يتبين لنا الخطأ الذي وقعت فيه من قامت بتنصيب نفسها لهذا المنصب، وصارت تقيم خطبة الجمعة على مجموعة من الرجال، وأعلن هذا على وسائل الإعلام، دون مراعاة للحكم الشرعي في إمامتها وخطابتها.

وربما يرد إشكال فيما لو اجتمع مجموعة من النساء في مكان ما وأردن إقامة الجمعة فيما بينهن، فقامت إحداهن بالخطبة والصلاة، فهذا محل نظر وتأمل.

الشرط الرابع: أن يكون الخطيب حراً.

واختلف الفقهاء في صحة كون الرقيق خطيباً، على قولين:

القول الأول: أن الرقيق يصح أن يكون خطيباً.

وهذا مذهب أكثر الحنفية، وقول أشهب وسحنون من المالكية، وقول الشافعي(10)، ورواية عن أحمد (11).

الأدلة:

استدلوا بما يلي:

الدليل الأول: القياس على الصلاة؛ فكما تصح إمامة الرقيق، كذلك تصح الخطبة منه من باب أولى؛ لأن درجة الإمام أعلى، قال القاضي عبد الوهاب -رحمه الله-: " كل من جاز أن يكون إماماً للرجال في غير الجمعة من الفروض، جاز أن يكون لهم إماماً في الجمعة ".

الدليل الثاني: أن سقوط فرض الجمعة عن الرقيق من باب الرخصة، فإذا حضر وجبت عليه، فتصح منه الخطبة؛ لأن المانع من الوجوب قد زال، بخلاف الصبيان والنساء.
القول الثاني: أن الرقيق لا يصح أن يكون خطيباً.

وهذا قول زفر من الحنفية، والمذهب عند المالكية(12)، والشافعية، والحنابلة.
استدلوا:

بما رواه طارق بن شهاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض ».

وجه الاستدلال: أن الرقيق ليس عليه فرض الجمعة، لنقص فيه، فلا تصح منه الخطبة، قياساً على الصبي والمرأة، وإنما جازت صلاتهم إذا حضروا، على سبيل التبع، فلا يكون ذلك أصلاً، لأن الجمعة إنما تنعقد بهم تبعاً لمن انعقدت به، فلو انعقدت بهم أو كانوا أئمة فيها، صار التبع متبوعاً.

ونوقش هذا: بأن الرقيق إنما سقط عنه فرض الجمعة من باب الرخصة له؛ لاشتغاله بخدمة سيده، فإذا حضر الجمعة وجبت عليه، ولم تصبح رخصة في حقه، لأن المانع من الوجوب قد زال، فتصح منه الجمعة، ومن صحت صلاته صحت إمامته، وتصح منه الخطبة تبعاً لذلك.

أما قولهم في المنع: " لئلا يصير التابع متبوعاً "فهو لا يصلح أن يكون علة لهذه المسألة.
الراجح:

الراجح – والله أعلم – القول بأنه ليس من شرط الخطيب أن يكون حراً، ويصح أن يكون الرقيق خطيباً، لعدم ورود ما يدل على المنع من ذلك، والأصل أن الأحكام الشرعية يتساوى فيها الأحرار والرقيق ما لم يدل الدليل على التفريق، كما أن الرقيق تصح صلاته، ومن صحت صلاته صحت إمامته، والخطابة تابعة للإمامة، لأنها وظيفة الإمام، ويتولاها من يتولى الصلاة.

الشرط الخامس: أن يكون الخطيب مقيماً.

وأما المسافر فيما لو كان حاضراً في بلد وأراد أن يخطب الجمعة أو العيدين؛ لأنه من أهل العلم والدعوة، فقد اختلف الفقهاء -رحمهم الله- في صحة كونه خطيباً، على قولين:

القول الأول: أن المسافر يصح أن يكون خطيباً.

وهذا مذهب الحنفية، وبعض المالكية، وقول الشافعي، ورواية عن أحمد.
استدلوا بما يلي:
القياس على الإمامة؛ حيث إن الإقامة ليست بشرط في الإمام، وتصح إمامة المسافر، فكذلك الخطيب ليست الإقامة بشرط فيه، وتصح خطبته إذا كان مسافراً؛ إذ أن درجة الإمامة أعلى من الخطابة.
القول الثاني: أن المسافر لا يصح أن يكون خطيباً.
وهذا قول زفر من الحنفية، والمذهب عند المالكية (13)، والشافعية والحنابلة.
الأدلة:

استدلوا بما يلي:

الدليل الأول: أن المسافر لا تجب عليه الجمعة، فهي ساقطة عنه، فلا تصح إمامته فيها؛ لأنه يشبه إمامة المتنفل بالمفترض، وهي لا تصح، فكذلك الخطبة، لأن الخطابة تابعة للإمامة.

ونوقش هذا: بأن المسافر إنما سقط عنه فرض الجمعة من باب الرخصة له، فإذا حضر الجمعة وجبت عليه، ولم تصبح رخصة في حقه، لأن المانع من الوجوب قد زال، فتصح منه الجمعة، ومن صحت صلاته صحت إمامته، وتصح منه الخطبة تبعاً لذلك.

أما إمامة المتنفل بالمفترض، فهي محل خلاف بين العلماء، فلا يُسلم الاستدلال به؛ لأن المسائل الخلافية لا يصح القياس فيها.

الدليل الثاني: القياس على الصبي والمرأة، في عدم صحة الخطبة منهم، بجامع أن كلاً منهم لا تجب عليه الجمعة، وليست فرضاً عليه.

ونوقش هذا: بأنه قياس مع الفارق، وليس هناك علة مناسبة بين المرأة والصبي، وبين المسافر، بل الفرق بينهما ظاهر، وإلحاقه بالرجل البالغ المقيم، في صحة إمامته وخطبته أولى؛ لأنه أكثر شبهاً به.
الراجح:

يترجح -والله أعلم- القول بأن المسافر يصح أن يكون خطيباً؛ لأن الأصل صحة صلاة المكلف، ومن صحت صلاته صحت إمامته، والخطابة تابعة للإمامة – كما سبق – والمسافر داخل تحت هذه القاعدة، ولم يرد دليل يمنع من صحة خطبة المسافر (14).

هذه شروط الخطيب التي ذكرها الفقهاء -رحمهم الله-، ويفهم مما سبق أنه ليس من شرط الخطيب العدالة أو كونه سنياً، فيصح أن يكون الخطيب فاسقاً أو مبتدعاً، إذا لم يبلغ به الفسق حد الكفر، أو تبلغ به البدعة حد الكفر، ولذا قال ابن قدامة -رحمه الله-: "وتجب الجمعة والسعي إليها، سواء كان من يقيمها سنياً أو مبتدعاً أو عدلاً أو فاسقاً، نص عليه أحمد … ولا أعلم في هذا بين أهل العلم خلافاً" (15).
وإن كان الأولى للمستمع أن يتحرى استماع الخطبة خلف البر الورع ما أمكنه ذلك، إذ أن الجمعة خلف الأفضل أولى وأفضل.

وهذا في الإمام الأعظم الذي له ولاية عامة، أما من لا ولاية عامة له، من عموم المسلمين، فليس له أن يتولى منصب الخطابة، بل ولا منصب الإمامة، مع وجود من هو أتقى وأورع من أهل العدالة، والأصل في الخطابة أنه لا يتولاها إلا العدل؛ لأنها عبادة ومنصب ديني، ولا ينبغي لإمام المسلمين أو من ينوب عنه تولية تلك المناصب غير أهل العدالة، ولا خلاف في كراهة الصلاة خلف من لا عدالة له (16).

ويدل لعدم اشتراط العدالة في الخطيب، ما يلي:

الدليل الأول: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [الجمعة:9].

وجه الاستدلال: أن الآية عامة، حيث لم تبين كون الإمام والخطيب عدلاً، فتشمل بعمومها الفاسق والمبتدع ونحوهما، ولم يدل دليل على اشتراط العدالة في الخطيب.

الدليل الثاني: ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " يأيها الناس، توبوا إلى الله قبل أن تموتوا … واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة، في مقامي هذا، في يومي هذا، في شهري هذا، من عامي هذا، إلى يوم القيامة، فمن تركها في حياتي أو بعدي، وله إمام عادل أو جائر، استخفافاً بها أو جحوداً لها، فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له في أمره …"الحديث(17).

وجه الاستدلال: أن قوله: "وله إمام عادل أو جائر" صريح في أنه يصح أن يلي إمامة الجمعة وخطابتها من ليس بعدل.

الدليل الثالث: إجماع الصحابة رضي الله عنهم على ذلك، فقد نقل عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه وغيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنهم كانوا يشهدون خطبة وصلاة الجمعة مع الحجاج بن يوسف ونظرائه، ولم يسمع عن أحد منهم التخلف عنها خلفهم، فدل ذلك على تجويزهم للخطبة من غير العدل (18).

الدليل الرابع: أن خطبة وصلاة الجمعة من أعلام الدين الظاهرة، ويتولاها الأئمة أو من ينوب عنهم ممن ولوه إياها، فتركها خلف غير العدل سواء كان فاسقاً أو مبتدعاً أو جائراً، يؤدي إلى سقوطها، فالخطبة ممن كانت هذه حالة مراعاة لأعظم المفسدتين بارتكاب أخفهما.

ويتلخص مما سبق في شروط الخطيب أن الخطابة الشرعية لابد أن يكون الخطيب فيها: مسلماً ذكراً عاقلاً قادراً على الخطابة إذا كان لم يبلغ.

 

 

 

 

 

 

 

 

(1) هذه الشروط في الغالب لم ينص عليها الفقهاء، وإنما هي مخرجة على اشتراطها في الإمامة، بناءً على أن الخطبة قائمة مقام ركعتين من الصلاة، وبناءً على أن الذي يتولاها من يتولى الصلاة.
(2) أخرجه أبو داود رقم (1067)، وقال:" طارق بن شهاب قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه شيئاً »، قال الخطابي:" وليس إسناد هذا الحديث بذلك، وطارق بن شهاب لا يصح له سماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه قد لقيه "معالم السنن (1/211)، وقال السعدي:" ضعيف الإسناد "المختارات الجلية (50).
(3) وهذا مبني عند الحنفية على أن الصبي الذي يعقل لا يصح أن يكون إماماً فيها، وقد صرحوا بأنه يشترط في الخطيب أن يتأهل للإمامة في الجمعة.
(4) القاعدة في هذا عند الفقهاء: أن من لا تجب عليه الجمعة بنفسه، لا تنعقد به، ولا تصح إمامته فيها. وكل من تنعقد به، وتصح إمامته في غيرها من الفرائض، تصح إمامته فيها.
(5) وقال ابن عابدين:" والأكثر على الجواز ".
(6) أخرجه البخاري رقم (4302).
(7) أخرجه البخاري رقم (628)، ومسلم رقم (15598).
(8) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب: كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر، رقم (4425)، وأحمد في المسند، رقم (20496)، (5/47).
(9) وقد نص بعض الفقهاء على أنه يشترط في الخطيب أن يتأهل للإمامة.
(10) قال الماوردي -رحمه الله-:" ويجوز أن يكون الإمام فيها عبداً، وإن لم تنعقد ولايته ".
(11) قال برهان الدين بن مفلح: "إن لم تصح إمامة العبد، ففي صحة خطبته وجهان".
(12) واختاره ابن القاسم.
(13) المالكية اشترطوا الإقامة في إمام وخطيب الجمعة، قال الزرقاني -رحمه الله-:" واشترط في الإمام الإقامة ".
وقال العدوي -رحمه الله-:" إنما اشترط في الإمام الإقامة ولم يشترط فيه الاستيطان كما اشترط في جماعتها؛ لأنه نائب عن الخليفة، وهو لا يشترط فيه الإقامة "
كما أن المالكية يقولون: يشترط في إمام الجمعة أن يكون ممن تجب عليه الجمعة وتنعقد به، والمسافر ليس كذلك .
(14) وهذا ما رجحه الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله-.
(15) قال الطحاوي -رحمه الله-: "ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة"،
وقال ابن أبي العز -رحمه الله-: "ولو صلى خلف مبتدع يدعو إلى بدعته، أو فاسق ظاهر الفسق، وهو الإمام الراتب الذي لا يمكنه الصلاة إلا خلفه، كإمام الجمعة والعيدين، والإمام في صلاة الحج بعرفة، ونحو ذلك، فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف. ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر، فهو مبتدع عند أكثر العلماء "، وإذا جازت الصلاة خلف من هذه حاله، فتجوز خطبته من باب أولى إذ أن الخطبة قائمة مقام ركعتين، ويتولاها من يتولى الصلاة، والإمامة أعلى درجة من الخطابة، فهي تابعة لها، وإن كان لا ينبغي لولاة الأمر أن يضعوا في مقام الإمامة والخطابة للمسلمين إلا من كان عدلاً.
(16) ويستأنس في الدلالة على كراهة ذلك ما رواه أبو مرثد الغنوي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن سركم أن تُقبل صلاتكم، فليؤمَكم خياركم؛ فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم عز وجل "، أخرجه الحاكم في المستدرك رقم (5034)، (4/237)، وسكت عنه، والطبراني في المعجم الكبير، رقم(20/328)، وفي سنده يحيى بن يعلى الأسلمي، قال ابن حجر:" ضعيف شيعي "التقريب (1070)، وله شاهد من حديث ابن عباس رضي الله عنه أخرجه الدارقطني في السنن، (2/87-88) قال الشوكاني -رحمه الله-:" في إسناده سلام بن سليمان المدائني، وهو ضعيف ".
(17) أخرجه ابن ماجه رقم (1081)، والبيهقي في السنن الكبرى رقم (5570)، (3/244)، والطبراني في المعجم الأوسط، رقم (1283)، (2/152)، قال البيهقي -رحمه الله-:" عبد الله بن محمد هو العدوي، منكر الحديث، لا يتابع في حديثه، قاله محمد بن إسماعيل البخاري "، قال ابن الجوزي -رحمه الله-:" هذا حديث لا يصح، قال ابن حبان: خالد بن عبد الدائم يروي المناكير التي لا تشبه أحاديث الثقات ويلزق المتون الواهية بالأسانيد المشهورة، قال ابن عدي: وزكريا بن يحيى كان يضع الحديث "العلل المتناهية (1/456-457)، وقال النووي -رحمه الله-: "في إسناده ضعيفان" خلاصة الأحكام (2/759)، وقال البوصيري -رحمه الله-:" هذا إسناد ضعيف؛ لضعف علي بن جدعان وعبد الله بن محمد العدوي "مصباح الزجاجة (2/5)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه، (80) .
وأما ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا خلف كل بر وفاجر" فهو حديث ضعيف أخرجه الدارقطني في السنن (2/55-57)، وقال:"مكحول لم يسمع من أبي هريرة، ومن دونه ثقات" وقال أيضاً: "ليس فيها شيء يثبت" والبيهقي في السنن الكبرى، رقم (6832)، (4/29)، قال أحمد شاكر: "وعلة هذا الحديث والذي بعده هي: الانقطاع بين مكحول وأبي هريرة كما قال الدارقطني والبيهقي".
ويشهد له حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصلاة المكتوبة واجبة خلف كل مسلم براً أو فاجراً وإن عمل الكبائر" أخرجه أبو داود، رقم (594)، والدارقطني في السنن (2/56)، والبيهقي في السنن الكبرى، رقم (5300)، (3/173)، وهو منقطع.
(18) قال الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-:" وأجمعوا أنه ليس من شرطها أن يكون الإمام عدلاً ولا معصوماً، بل يجب أن تقام مع البر والفاجر ما دام مسلماً لم يخرجه فجوره عن دائرة الإسلام، وبهذا يعلم أن الطائفة التي لا تقيم صلاة الجمعة إلا بشرط أن يكون الإمام عدلاً أو معصوماً، قد ابتدعت في الدين مالم يأذن به الله، واشترطت شرطاً لا أصل له في الشرع المطهر ".
وقد أخرج أثر ابن عمر رضي الله عنه، ابن أبي شيبة في المصنف (2/378)، والشافعي في المسند (9/376)، والبيهقي في السنن الكبرى، رقم (5301و5302و5305)، (3/173).
وورد أيضاً أن الحجاج خطب وصلى بحضرة ابن عمر رضي الله عنه يوم عرفة، أخرجه البخاري، رقم (1660).
وورد أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه صلى خلف مروان بن الحكم صلاة العيد.
وورد ذلك عن الحسن والحسين رضي الله عنهما، أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، (2/378)، والشافعي في المسند (9/376)، والبيهقي في السنن الكبرى، في الموضع السابق، رقم (5303)، (3/174).
قال عبد الكريم البكاء: "أدركت عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يصلي خلف أئمة الجور" أخرجه البخاري في التاريخ الكبير، (6/1800)، والبيهقي في السنن الكبرى، في الموضع السابق، رقم (5304)، (3/174)، قال الشوكاني -رحمه الله-:" عبد الكريم البكاء ممن لا يحتج بروايته ".
وقد قال نافع: كان ابن عمر يسلم على الخشبية والخوارج وهم يقتتلون، فقال: "من قال: حي على الصلاة أجبته، ومن قال: حي على الفلاح أجبته، ومن قال: حي على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله، قلت: لا". أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، رقم (5305) . والخشبية هم: أصحاب المختار بن أبي عبيد، وقيل: هم فرقة من الشيعة، سموا بذلك؛ لأنهم حفظوا خشبة زيد بن علي حين صُلب، وقيل: هم قوم من الجهمية.
 

 

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات