طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > فقــه الجمعة > أحكام الخطيب > العنصر الأول: أنواع الخطب

ملتقى الخطباء

(169)
976

العنصر الأول: أنواع الخطب

تاريخ النشر : 1430/02/20
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

بيان أنواع الخطب إجمالاً من حيث الشرعية وعدمها.

لقد عُرفت الخُطب منذ القِدم ، واعتنت بها الشعوب والأمم ، حتى صارت أداة فعَّالة ومؤثرة في توجيه الناس وإرشادهم ، ووسيلة مباشرة وسريعة لإصلاح المجتمعات والارتقاء بها ، ونشر الوعي بين أفرادها .
وكان العرب – قبل الإسلام – لهم اليد الطولى ، والحظ الأوفر في العناية بها ، والاهتمام والتفنن فيها ، فأثرت عنهم الخطب البليغة التي حفظها الرواة ، ونقلها المؤرخون والأدباء .

والمتأمل في الخطب التي صدرت في ذلك العصر ، يتبين له أن الخطبة عندهم لها صور شتى ، وأغراض متعددة ، بناءً على مقاصد الخطبة ومتطلبات البيئة والمجتمع .
وكان من أبرز أنواع الخطب : خُطب الوفود والمناسبات ، وخُطب الإرشاد والنصح والإصلاح ، وخُطب القتال ، والحض على رد المظالم ، وخُطب النكاح(1) .

ثم لما جاء الله عز وجل بدين الإسلام ، كانت عنايته بالخطبة أقوى ، حيث أصبحت شعيرة من شعائر الإسلام ، ووظفها لنشره ، والدعوة إليه ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

وقد كان للرسول صلى الله عليه وسلم مع الخُطبة مواقف ، تبين لنا عنايته بها ، مما يدل على عظيم أثر الخُطبة ، ورفعة مكانتها في عصر النبوة . ومن ذلك : ما حصل في عام الوفود ، حين قدم وفد بني تميم على الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا محمد ، جئناك نفاخرك ، فأذن لشاعرنا وخطيبنا ، قال الرسول صلى الله عليه وسلم : « قد أذنت لخطيبكم فليقل » . فقام رجل منهم فقال :

الحمد لله الذي له علينا الفضل والمن ، وهو أهله ، الذي جعلنا ملوكاً ووهب لنا أموالاً عظاماً ، نفعل فيها المعروف … ثم جلس .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه ، « قم ، فأجب الرجل في خطبته » . فقام ثابت ، فقال :
الحمد لله الذي السماوات والأرض خلقه ، قضى فيهن أمره ، ووسِع كرسيه علمه ، ولم يكُ شيء قط إلا من فضله … أقول قولي هذا ، واستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات ، والسلام عليكم «(2) .

الخُطب الشرعية(3) :
المشروع من الخُطب ثمانية أنواع ، بحسب ما ترجح لدي ، وذلك من استقراء النصوص الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية ، في شأن خطب الرسولصلى الله عليه وسلم ، وهي كما يأتي :

أولاً : خُطبتي الجمعة .
وهي أهم الخُطب الشرعية ، وأم هذا الباب ، وقد ورد فيها أحاديث كثيرة ، عن عدد ليس بالقليل من الصحابة رضي الله عنهم ، ما بين قولية وفعلية ، ومرفوعة وموقوفة ، تصف لنا صفة خطبة النبي صلى الله عليه وسلم ، كما سيأتي .
وقد اتفق الفقهاء على القول بشرعية الخطبة لصلاة الجمعة ، وأكثرهم على القول باشتراطها لصحة صلاة الجمعة .

ثانياً : خُطبتي العيدين .
وهي ثابتة من فعله صلى الله عليه وسلمالذي يدل على مداومته عليها ، وثابتة من قوله أيضاً .
وقد اتفق الفقهاء على القول بشرعية خطبتي العيدين ، عيد الفطر ، وعيد الأضحى .

ثالثاً : خُطبة الاستسقاء .
وقد وردت من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم فقط . وذهب أكثر أهل العلم (جمهور العلماء ) إلى القول بشرعية الخطبة لصلاة الاستسقاء .

رابعاً : خُطبة كسوف الشمس أو خسوف القمر .
ثبتت شرعية هذه الخطبة في السنة من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم فقط . وذهب بعض العلماء إلى شرعية الخطبة لصلاة الكسوف والخسوف .

خامساً : خُطب مناسك الحج .
دلت الأحاديث على شرعية الخطبة في أيام الحج – في الجملة – وهي أربع خُطب مفرقة في أيـام الحج : خطبة السابع من ذي الحجة ، وخطبة يوم عرفة ، وخطبة يوم النحر ، وخطبة الثاني عشر من ذي الحجة .
وقد اتفق الفقهاء – رحمهم الله – في الجملة على شرعية الخطبة في أيام الحج .

سادساً : خُطبة الجهاد للحض عليه أو بيان أحكامه .
وقد كان هذا النوع من الخطب له تأثير كبير في نفوس الجيش حين ملاقاة الأعداء ، ولَئِنْ كان المسلمون بحاجة إلى من يبث روح الإيمان في قلوبهم في وقت السٍّلْم ، فهم أحوج إلى من يقوي الإيمان ويرفع من درجته في ساحات القتال .
وكانت – في السابق – خطب الجهاد والحض على القتال ، تأخذ نصيباً وافراً من الاهتمام ، حيث ينطلق الحكام وقوَّد الجيوش وخطباء المساجد ، يحرضون على الجهاد ، ويبعثون الهمم والعزائم في النفوس ، ويؤججون الحماسة والمشاعر ، ويحثون أبناء الأمة الإسلامية ورجالها على قتال الأعداء .
ومن مظاهر الاهتمام بخطب الجهاد والحض على القتال في سبيل الله تعالى ما ذُكر عن صلاح الدين الأيوبي- رحمه الله – أنه كان يصطحب معه في حروبه منبراً متـنقلاً ، يخطب عليه ، يحض جنوده على القتال والثبات في ميادين الجهاد . ولم يتعرض الفقهاء – رحمهم الله – لهذه الخطبة في كتبهم .

سابعاً : خُطبة النكاح .
وقد اتفق العلماء على القول بشرعيتها .

ثامناً : خُطبة الحاجة .
وهي الخطب التي ليست راتبة مستمرة ، وإنما لها أسباب عارضة ، لأمرٍ حادث ، لا يـتعلق بوقت معين ، لبيان أمرٍ من الأمور جدَّ على الناس ، ويحتاج إلى بيان وتجليه .
وقد كان دأب الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أراد بيان أمر أو جد جديد يحتاج إلى بيان ، يصعد المنبر ، ويخطب الناس ، والسنة مليئة بهذا النوع من الخطب ، التي لا تتعلق بأمر راتب مستقر .
ومما ورد في ذلك :
أولاً : حديث عائشة رضي الله عنها قالت : جاءتني بريرة ، فقالت : إني كاتبت أهلي على تسع أواق …فجاءت من عندهم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ، فقالت : إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا ، إلا أن يكون الولاء لهم ، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم …ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس خطيباً ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: « أما بعد : فما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله عز وجل ؟ …» الحديث(4) .
فهذا أصل في أنه يشرع للإمام أو الداعية أو طالب العلم ، إذا رأى خطأً واقعاً من أحد المسلمين ، ويحتاج إلى تنبيه وتوجيه ، أن يقوم وينبه إلى هذا الخطأ ، قال النووي-رحمه الله – : « يستحب للإمام عند وقوع بـدعة ، أو أمر يحتاج إلى بيانه ، أن يخطب الناس ، ويبين لهم حكم ذلك ، وينكر على من ارتكب ما يخالف الشرع » .

ثانياً : عن عائشة رضي الله عنها أن قريشاً أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت ، فقالوا : من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله ؟ فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « أتشفع في حد من حدود الله ؟ » ثم قام فخطب ، فقال : « يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم … » الحديث(5) .

ثالثاً : ما رواه يعلى بن أمية رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يغتسل بالبِرَازِ(6) بلا إزار ، فصعد المنبر ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، وقال : « إن الله عز وجل حيِيٌّ سِتِّـيـرٌ يحب الحياء والستر ، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر »(7) .

رابعاً : ما رواه أبو حميد رضي الله عنه ، قال : استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني أسد على الصدقة ، فلما قدم ، قال : هذا لكم وهذا أهدي لي ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، وقال : « ما بال عامل أبعثه ، فيقول : هذا لكم ، وهذا أهدي لي ، أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه ، حتى ينظر أيهدى إليه أم لا ؟ … » الحديث(8).
قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله – : « وفي الحديث من الفوائد : أن الإمام يخطب في الأمور المهمة … وفيه : أن من رأى متأولاً أخطأ في تأويل يضر من أخذ به ، أن يشهر القول للناس ، ويبين خطأه ليحذر من الاغترار به » .

خامساً : ما رواه جرير بن عبد الله رضي الله عنه ، قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار ، قال : فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النِّمَار أو العَبَاء متقلدي السيوف ، عامتهم من مضر … فَتَمَعَّرَ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة ، فدخل ثم خرج ، فأمر بلالاً فأذن ، وأقام فصلى ، ثم خطب … » الحديث(9) .
قال النووي – رحمه الله – : « فيه : استحباب جمع الناس للأمور المهمة ، ووعظهم وحثهم على مصالحهم ، وتحذيرهم من القبائح » .
ويكون هذا الاجتماع عند صلاة ، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيرى الخطيب الوقت الـمناسب ، للحديث عن الموضوع الذي يريد التطرق إليه ، ويجعله بعد صلاة مكتوبة أو قبلها ، لأن في هذا تيسيراً لاجتماع الناس .

سادساً : ما رواه عمرو بن تغلب رضي الله عنه ، قال : أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال أو شيء ، فقسمه ، فأعطى رجالاً وترك آخرين ، فبـلغه أن الذين تركهم عتبوا عليه ، فحمد الله عز وجل ، وأثنى عليه ، ثم قال :« أما بعد : فوالله إني لأعطي الرجل ، وأدع الرجل ، والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي…»      الحديث(10) .

سابعاً : ما روته عائشة رضي الله عنها ، قالت : صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أمراً ، فترخص فيه ، فبلغ ذلك ناساً من أصحابه ، فكأنهم كرهوه وتنزهوا عنه ، فبلغه ذلك ، فقام خطيباً ، فقال : « ما بال رجال بلغهم عني أمر ترخصت فيه فكرهوه وتنـزهوا عنه ، فوالله لأنا أعلمهم بالله ، وأشدهم له خشية »(11) .

ثامناً : ما رواه عبد الله بن زيد رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح حنيناً ، قسم الغنائم ، فأعطى المؤلفة قلوبهم ، فبلغه أن الأنصار يحبون أن يصيبوا ما أصاب الناس ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فـخطبهم ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : « يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالاً ، فهداكم الله بي … » الحديث(12) .

تاسعاً : ما رواه المسور بن مخرمة رضي الله عنه ، أن علياً رضي الله عنه خطب بنت أبي جهل على فاطمة ، فسمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس في ذلك على منبره هذا ، وأنا يومئذٍ محتلم ، فقال : « إن فاطمة مني ، وأنا أتخوف أن تفتن في دينها … » الحديث(13) .

وهناك كثير من الوقائع التي حدثت في عهد النبوة ، مما استدعى من الرسول صلى الله عليه وسلم الوقوف عندها والتنبيه عليها ، وليس هذا محل حصر تلك الوقائع ، ولذا فيشرع للخطيب إذا حصل أمر يهم العامة ، واحتاج إلى الكلام عليه أمام الناس ، أن يقف أمامهم ويبين لهم حكم الشرع فيما حصل ، بحسب الصفة الشرعية لبيان الأمور وتجليتها للناس .

الخُطب غير الشرعية :

وتنقسم إلى قسمين :
القسم الأول : الخُطب البدعية .
تستمد الخُطب الراتبة شرعيتها من خلال ما ورد في شأنها من نصوص الكتاب أو السنة ؛ لأن العبادات مبناها على التوقيف ، وقد ذُكرت بعض الخُطب وأُدعي أنها مشروعة على وجه راتب ، والظاهر من النصوص الشرعية ، أنها ليست كذلك ، ومنها ما يأتي :

أولاً : خُطبة ليلة القدر .
لما كانت ليلة القدر أعظم الليالي ، وورد في فضلها ما ورد ، وهي ترجى في أوتار العشر الأواخر من رمضان ، وعلى وجه الخصوص ليلة السابع والعشرين ، أسْـتُـنْـبِطَ من هذا استحباب الخطبة في ليلة من ليالي العشر الأواخر من كل رمضان بشكلٍ راتب سنوي ، فإن لم تكن في أول العشر ، فتكون في ليلة السابع والعشرين ، حيث يُحَث الناس فيها على القيام والدعاء .

ومما ورد في هذا الشأن ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه ، قال : اعتكفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأوسط من رمضان ، فخرج صبيحة عشرين فخطبنا ، وقال : » إني أريت ليلة القدر ، ثم أنسيتها – أو نسيتها – فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر ، وإني رأيت أني أسجد في ماءٍ وطين …« الحديث(14) . فهذه الخطبة من الرسول صلى الله عليه وسلم كانت بسبب ليلة القدر ، لبيان فضلها وأحكامها.

ويظهر لي أن هذه الخطبة من الرسول صلى الله عليه وسلم ليست راتبة ، وإنما كانت عارضة بسبب بيان ليلة القدر للصحابة رضي الله عنهم ، ولذلك لم تكن مشهورة عنه كما هو الحال في خطبة العيدين وغيرها ، ولذا لم يذكرها الفقهاء ، ولم يتكلموا عن أحكامها .
ومن أجل ذا فلا يشرع – والله أعلم – اتخاذ تلك الخطبة راتبة ، بالهيئة التي تكون عليها الخطبة الشرعية .

ثانياً : خُطبة صلاة الجنازة .
ورد في عدد من الأحاديث ما أوهم شرعية الخطبة أو الموعظة ، عند صلاة الجنازة ، أو عند القبر ، ومنها :

(1) حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال :» كنا في جنازة في بقيع الغرقد ، فأتانا النبي صلى الله عليه وسلم ، فقعد وقعدنا حوله ، ومعه مِخْصَرة(15) فنكَّس فجعل يَنكُتُ بمِخصرته ثم قال :» ما منكم من أحد ، ما من نفس منفوسة ، إلا كتب مكانـها من الجـنة والنار ، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة ، فقال رجل : يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا ونـدع العمل ، فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ، وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة ؟ قال : أما أهل السعادة فييسرون لعمل السعادة ، وأما أهل الشقاوة ، فييسرون لعمل الشقاوة ، ثم قرأ : ? فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ? الآية(16)«(17) .
وقد بوب البخاري – رحمه الله – باباً ، قال فيه : ( باب موعظة المحدث عند القبر ) ، ثم ساق هذا الحديث ، وكأنه يرى شرعية الموعظة عند القبر .

(2) حديث البراء بن عازب رضي الله عنه ، – الطويل – وفيه قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار ، فانتهينا إلى القبر ولـمَّا يُلحد ، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله ، كأنما على رؤوسنا الطير ، وفي يده عود يَنْكُتُ به في الأرض ، فرفع رأسه فقال : » استعيذوا الله من عذاب القبر « مرتين أو ثلاثاً ، ثم قال : » إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة ، نزل إليه ملائكة من السماء ، بيض الوجوه … « الحديث(18) .

(3) حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قال : شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :» يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها … « الحديث(19).

فهذه الأفعال من الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يظهر ليست خطبة ، وإنما هي من قبيل كلام الرجل لمن حوله ، فهي كغيرها من النصوص الواردة من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم في غير الخطب ، ويؤيد هذا أن الرواة لم يقولوا : خطبنا أو خطب أو قام فينا خطيباً ، ونحو ذلك من الألفاظ التي ترد كثيراً في نقل سنة الرسول في خطبة المعهودة .
فليست كل تلك الوقائع أسباباً لخطب صدرت عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، بل بعضها لا يدل أصلاً على أنه أراد الخطبة بكلامه ، فالخطبة هنا غير مشروعة ، إذ أن سببها واقع في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومع هذا لم يؤثر عنه أنه فعل كما يفعل مع خطبة الجمعة والعيدين ونحوها ، فلم يرقَ المنبر فيها ، ولم يلقها وهو قائم ، وليس فيها استفتاح بحمد الله عز وجل والثناء عليه(20).

ثالثاً : خُطبة ختم القرآن .

مما ذكر في الخطب : الخُطبة عند ختم القرآن الكريم والدعاء فيها ، وقد استحبها فقهاء الحنفية -رحمهم الله- ، وعدوها من الخطب الشرعية عندهم .
ويظهر – والله أعلم – أنها ليست بمشروعة ، إذ لم يدل دليل على فعلها من الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا من صحابته ، وكانوا يختمون القرآن مرات متعددة ، وكان جبريل يعارض الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن كل سنة ، وعارضه مرتين في آخر حياته ، ولم يؤثر أنه فعل شيئاً بعد انتهائه من قراءة القرآن ، وما وجد سببه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يفعله ، فإن السنة عدم فعله ، وإذا كان القول بمشروعية الدعاء بعد ختم القرآن ضعيفاً ، فمن باب أولى القول بخُطبة ختم القرآن .

قال ابن رشد (الجد) -رحمه الله- في البيان والتحصيل : « الخُطبة على الناس عند الختمة في رمضان والدعاء فيها وتأمين الناس على دعائه ، هي كلها بدع محدثات ، لم يكن عليها السلف … » .
وعلى هذا فكل ما أحدث من الخُطب ، واتخذ راتبة ، وليس هو في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يفعله ، ولا سلفه الصالح ، فإنه ليس بمشروع .

القسم الثاني : الخُطب المتضمنة لما يحرم .

وهو ما جَدَّ من أنواع الخطب المعاصرة ، التي تشتمل على أمورٍ محرمة ، من تزكية النفس أمام الناس والثناء عليها ، والإسراف في الوعود الحزبية ، أو المجادلة والمخاصمة والإنكار العلني ، أو المداهنة والمجاملة ، أو الدفاع عن الباطل والوقوف مع الظالم ، أو ذكر محاسن الميت ومناقبه ، أو غير ذلك مما نهت عنه الشريعة ، على مثال ما يُفْعل في خُطب الانتخابات ، والخُطب التي تقال في مرافعات النيابة العامة والمحامين في المحاكم الوضعية ، والخُطب التي تقال في التأبين في مدح الأموات وذكر صفاتهم ونعيهم .

وما شاع اليوم من أنواع متعددة من الخُطب ، هو في أصله مباح وجائز ؛ لكونه كلاماً يصدر من شخص مكلف ، والكلام مباح في أصله ، ولكنه قد يكون ممنوعاً إذا اكتنفه شيء مما نُهي عنه شرعاً ، كما لو اشتمل على الكذب أو الغِيبة أو الإفساد بين الناس ، أو غير ذلك من المحرمات التي جاءت الشريعة بالنهي عنها .
فإن كانت الخُطب خالية مما سبق ، وكانت موافقة لما جاء في النصوص الشرعية ، مشتملة على دعوة إلى حق أو نهي عن باطل ، صارت مشروعة على وجه ليس براتب ، بل بحسب الحاجة إليها ، ومن ذلك :

الخُطب السياسة التي تقال في المحافل السياسة من قبل الرؤساء والوزراء وغيرهم ، ويقصد منها جمع شمل الأمة ، والاجتماع على إمام واحد ، فهذه مشروعة إذا كانت خالية من الأمور المحرمة ؛ وذلك لأن جنس هذه الخُطب مما جاءت به الشريعة ، ومما يمكن أن يستأنس به على شرعيتها ، ما ورد في مبايعة أبي بكر رضي الله عنه بالخلافة ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه : أنه سمع خطبة عمر الآخِرة ، حين جلس على المنبر ، وذلك الغد من يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم ، فتشهد وأبو بكر صامت لا يتكلم ، قال :كنت أرجو أن يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدبرنا -يريد بذلك أن يكون آخرهم – فإن يك محمد صلى الله عليه وسلم قد مات ، فإن الله تعالى قد جعل بين أظهركم نوراً تهتدون به بما هدى الله محمداً صلى الله عليه وسلم ، وإن أبا بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثاني اثنين ، فإنه أولى المسلمين بأموركم فقوموا فبايعوه ، وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة ، وكانت بيعة العامة على المنبر . قال الزهري عن أنس بن مالك : سمعت عمر يقول لأبي بكر يومئذ : اصعد المنبر ، فلم يزل به حتى صعد المنبر ، فبايعه الناس عامة »(21) .
 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذه الأنواع كانت سائدة في العصر الجاهلي ، أما في عصرنا الحاضر ، فقد شاعت الخطابة وانتشرت في فنون شتى ، وموضوعات أخرى متعددة ، ولكل فن منها مناهج ، وطرائق خاصة ، ومن أبرز فنون الخطابة المعاصرة :
الخطب السياسية : وتشمل الخطب النيابية ، التي تلقى في الدور النيابية من قبل الوزراء أو الأعضاء في المجالس النيابية ، وتشمل خطب الانتخابات التي تلقى في مجامع الناس لتزكية النفس أمامهم ؛ حتى يكون نائباً عنهم في أمر من الأمور .
الخطب القضائية : ويقصد بها الخطب التي تقال أثناء مرافعات النيابة العامة ، أو مرافعات المحامين في المحاكم الوضعية .
خطب التأبين : وهي التي تقال في رجل له مكانة ومنزلة في المجتمع حين موته ، يُذكر فيها مناقبه وصفاته ، وفاءً له وحثاً للسامعين على اقتفاء أثره .
(2)
يُنظر : ابن هشام : السيرة النبوية (4/205-206) ، ابن سعد : الطبقات الكبرى (1/294) ، الطبري : تاريخ الرسل والملوك (3/116) ، ابن كثير : البداية والنهاية (5/38-39) .
ومما ورد في ذلك أيضاً : لما قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل يقول : إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته . فأقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ثابت بن قيس بن شماس – وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعة جريد – حتى وقف على مسيلمة في أصحابه ، فقال : « لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكه ، ولن تعدو أمر الله فيك ، ولئن أدبرت ليعقرنك الله ، وإني لأراك الذي أريت فيه ما رأيت ، وهذا ثابت يجيبك عني » ثم انصرف عنه . أخرجه البخاري ، كتاب المغازي ، باب وفد بني حنيفة ، رقم (4373) . قال الحافظ ابن حجر : « قوله : " وهذا ثابت بن قيس يجيبك" أي لأنه كان خطيب الأنصار ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أعطي جوامع الكلم ، فاكتفى بما قاله لمسيلمة ، وأعلمه أنه إن كان يريد الإسهاب في الخطاب ، فهذا الخطيب يقوم عني في ذلك ، ويؤخذ منه استعانة الإمام بأهل البلاغة في جواب أهل العناد ونحو ذلك » فتح الباري (7/691) .
(3)
يلاحظ أن مصطلح الشرعية أو المشروعية يدخل فيه القول بالوجوب أو الاستحباب ، فكلاهما يقال له مشروع بخلاف المباح . وقد نظم بعضهم الخُطب الشرعية ، وبعض أحكامها في قوله :
يا سائلي عن خطب مشروعة *** فتلك عشرة أتت مجـموعة
لجمعة حتما وللـكـسوف *** سنت وللعيدين كالخسوف
كذاك لاستسقائهم من جدب *** وأربـع في الحج إذ تلبـي
ووقت أولاهن من ذي الحجة *** بسابـع وفـعلها بـمكة
وتـلوها خطـبتهم بنـمره في *** التاسع الموسوم يوم عرفه
وفي مـنى في عـاشر الأيام *** وذاك يوم النـحر والإطعام
وفي منى تزاد في الثاني عـشر *** في يوم نـفر أول لمن نـفر
وكلها بعد الصلاة تـفـعل *** إلا التي لجمعة تـحـصل
فقبلها كذا التي بـعرفــه في*** تاسع الحجة يا من عرفه
وما عدا خطبة الاسـتسقاء *** فقبل أو بعد على السـواء
وكلها ثنتان تأتي غير مــا في***  الحج فالإفراد فيها التزما
واستثن منها خطبة الـمعرف *** فهي تثنى مثل تلك فاعرف
(4)
أخرجه البخاري ، كتاب البـيوع ، باب الشراء والبيع مع النساء ، رقم (2155) ، وباب : إذا اشترط شرطاً في البـيع لا يحل ، رقم (2168) ، ومسلم ، كتاب العبق ، باب : بيان إنما الولاء لمن أعتق ، رقم (1504) .
(5)
أخرجه البخاري ،كتاب الحدود ، باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان ، رقم (6788) ، ومسلم ، كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره والنهي عن الشفاعة في الحدود ، رقم (1688) .
(6)
بالكسر المكان الواسع من الأرض ، يكنى به عن الغائط ، وبالكسر المبارزة في الحرب .
(7)
أخرجه أبو داود ، كتاب الحمام ، باب النهي عن التعري ، رقم (4005) ، والنسائي ، كتاب الغسل والتيمم ، باب الاستتار عند الغسل ، رقم (404) ، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير رقم (1756) (1/361).
(8)
أخرجه البخاري ، كتاب الحيل ، باب احتيال العامل ليهدي له ، رقم (6979) ، ومسلم كتاب الأمارة ، رقم (1832 ) .
(9)
أخرجه مسلم ، كتاب الزكاة ، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة … رقم (1017).
(10)
أخرجه البخاري ، كتاب الجمعة ، باب : من قال في الخطبة بعد الثناء : أما بعد ، رقم (923) .
(11)
أخرجه البخاري ، كتاب الأدب ، باب : من لم يواجه الناس بالعتاب ،رقم(6101)، ومسلم كتاب الفضائل ، باب : علمه صلى الله عليه وسلم بالله تعالى وشدة خشيته ، رقم (2356)، واللفظ له .
(12)
أخرجه البخاري ، كتاب المغازي ، باب : غزوة الطائف ، رقم (4330) ومسلم ، كتاب الزكاة ، باب : إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام ، رقم (1061) ، واللفظ له .
(13)
أخرجه البخاري ، كتاب فرض الخمس ، باب : ما ذكر من درع النبي صلى الله عليه وسلم وعصاه وسيفه رقم (3110) ، ومسلم ، كتاب فضائل الصحابة ، باب : فضائل فاطمة ، رقم (2449).
(14)
أخرجه البخاري ، كتاب الصوم ، باب : التماس ليلة القدر في السبع الأواخر ، رقم (2016) واللفظ له ، ومسلم ، كتاب الصيام ، باب : فضل ليلة القدر ، رقم (1167) .
(15)
قال ابن حجر – رحمه الله – : » بكسر الميم ، وسكون المعجمة ، وفتح الصاد المهملة ، هي عصا أو قضيب يمسكه الرئيس ، ليتوكأ عليه ويدفع به عنه ويشير به لـما يريد ، وسميت بذلك ؛ لأنها تحمل تحت الخصر غالباً للاتكاء عليها « .
(16)
سورة الليل ، آية (5) .
(17)
أخرجه البخاري ، كتاب الجنائـز ، باب: موعظة الـمحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله ، رقم (1362) ، ومسلم ، كتاب القدر ، باب : كيفية الخلق الآدمي ، رقم (2647).
(18)
أخرجه أحمد في المسند ، رقم (18534)،(30/499) مطولاً ، وأبو داود ، كتاب السنة ، باب : المسألة في القبر وعذاب القبر ، رقم (4738) ، وأخرجه النسائي وابن ماجه مختصراً ، وقد أعلَّه بعض العلماء بثلاث علـل ، ذكرها ابن القيم وأجاب عليها ، وقال : » قال أبو موسى الأصبهاني: هذا حديث حسن مشهور بالمنهال عن زاذان …« شرح سنن أبي داود (13/63-64-65) وقال الهيثمي : » رجاله رجال الصحيح « مجمع الزوائد (3/172) .
(19)
أخرجه أحمد في المسند ، رقم (11000) ، (17/32) ، والبزار رقم (872) ، (1/412) كشف الأستار ، وقال البزار :» لا نعلمه عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد « ، وقال الهيثمي : » رجاله رجال الصحيح « مجمع الزوائد (3/168) .
(20)
وقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين عن حكم الموعظة عند القبر ؟ فقال : « الموعظة عند القبر جائزة على حسب ما جاء في السنة ، وليست أن يخطب الإنسان قائماً يعظ الناس ؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، خصوصاً إذا اتخذت راتبة ، كلما خرج شخص مع جنازة قام ووعظ الناس ، لكن الموعظة عند القبر تكون كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وعظهم وهو واقف على القبر … وتكلم بكلام هو موعظة في حقيقته ، فمثل هذا لا بأس به ، أما أن يقوم خطيباً يعظ الناس ، فهذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم » .
(21)
أخرجه البخاري ، كتاب الأحكام ، باب : الاستخلاف ، رقم (7219) ، ويدل على هذا المعنى ما رواه قيس بن أبي حازم قال : إني لجالس عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه خليفةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بشهر ، فذكر قصة ، فنودي في الناس : أنِ الصلاةُ جامعةُ ، وهي أول صلاة في المسلمين نودي بها أنِ الصلاةُ جامعةُ ، فاجتمع الناس ، فصعد المنبر ؛ شيئاً صُنع له كان يخطب عليه ، وهي أول خطبة خطبها في الإسلام ، قال : فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال: يا أيها الناس ولوددت أن هذا كفانيه غيري ولئن أخذتموني بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ما أطيقها إن كان لمعصوماً من الشيطان وإن كان لينزل عليه الوحي من السماء » أخرجه أحمد في المسند ، رقم (80) ، (1/241) ، قال الهيثمي -رحمه الله – : « وفيه عيسى بن المسيب البجلي وهو ضعيف » مجمع الزوائد (5/334) .

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات