طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > فقــه الجمعة > أحكام الخطبة > فقه الصلاة أحكام صلاة الجمعة [2]

ملتقى الخطباء

(1٬437)
1020

فقه الصلاة أحكام صلاة الجمعة [2]

تاريخ النشر : 1437/08/10
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

وقضية الخطبة من الورقة لا بأس بها إذا كان يرى بأن الورقة أضبط للكلام، وأدعى إلى أن يأتي بالآية والحديث، كما نزل بهما الوحي، فهذا طيب، بشرط: أن يفقه ما يقرأ، أما أن يأتي شخص يأخذ له ورقاً ولا يعرف ما فيها، ويقف على المنبر، ويقول: واحد وخمسين، واحد وخمسين من أحوال المسلمين، وبعد الصلاة يأخذ الناس الكتاب فيبحثوا عن معنى واحد وخمسين لأنهم لم يفهموها فيجدونها مكتوبة: آه آه من أحوال المسلمين، وهو قرأها: واحد وخمسين واحد وخمسين من أحوال المسلمين!..

 

 

 

لقد فرض الله علينا فرائض وأحكاماً، وفصل لنا هذه الفرائض والأحكام حتى نعبده –سبحانه- على بصيرة، ومن هذه الفرائض: صلاة الجمعة التي هي أفضل الصلوات، ويومها أفضل الأيام، فقد شرعها الله للعباد، وبين خليله محمد -صلى الله عليه وسلم- ما فيها من شروط وسنن وآداب ينبغي على العبد أن يتصف بها.

 

شروط صلاة الجمعة:

الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى من اهتدى بهداه أما بعد: تقدم معنا الكلام في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: في حكم صلاة الجمعة. المسألة الثانية: في وقت صلاة الجمعة. المسألة الثالثة: في العدد الذي تنعقد به صلاة الجمعة. والآن نتكلم عن المسألة الرابعة، وهي: شروط الجمعة. والشرط في اللغة: هو العلامة. وفي الاصطلاح: ما يلزم من عدمه العدم، وهذه الشروط إما أن تكون شروط صحة، أو شروط وجوب، أو شروط وجود في العقليات، فمثلاً: استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة، والبلوغ شرط في وجوب الصلاة، فهذا شرط صحة وهذا شرط وجوب، أما شرط الوجود فكما لو قلت: شرط نزول المطر وجود السحاب، أليس كذلك؟ أو مثلاً: شرط وجود الحمل حصول النكاح، ونعني بالنكاح: الجماع لا العقد، سواء كان نكاحاً شرعياً أو غير شرعي، فلا يكون حمل من غير جماع، ولا يستدل بقصة مريم -عليها السلام- فتلك معجزة.

 

الجماعة:

وأول شرط من شروط الجمعة: الجماعة، وقد مر معنا حديث طارق بن شهاب: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة"، ومر معنا في المحاضرة الماضية أن المالكية يقولون: إن الجماعة سنة مؤكدة في فرض غير جمعة، أما الجمعة فهم متفقون على أن الجماعة شرط فيها على الاختلاف الذي مضى في عدد من تنعقد بهم الجمعة.

 

 الإمام الحر المقيم:

الشرط الثاني: الإمام الحر المقيم؛ لأن الجماعة لابد لها من إمام، فلا تصح هذه الإمامة من عبد، ولا من مسافر إلا الخليفة أو نائبه، والمالكية عندهم بأن الجمعة ليست واجبة على العبد، وليست واجبة على المسافر، معنى ذلك: أن العبد والمسافر لو صليا فجزاهما الله خيراً، لكنها ليست واجبة عليهم، وبالتالي تكون في حقهم نفلاً، وقد مضى معنا أن من أصول المالكية: أن المتنفل لا يؤمه المفترض؛ لذلك قالوا: إذا كان مسافراً فصلى الجمعة أجزأته، ولو كان مثلاً عبداً فصلى الجمعة أجزأته، ولو كانت امرأة فصلت الجمعة أجزأتها، لكن لا يصلي بالناس المسافر ولا العبد، فلا يكونا إمامين للناس بناءً على الأصل الذي مضى. واستثنوا من ذلك الخليفة أو نائبه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ولا يؤمنَّ الرجل الرجلَ في سلطانه"، فلو أن الخليفة مر بهذه البلاد فهذه البلاد سلطانه فلا يتقدم أحد عليه إلا بإذنه ولو كان مسافراً، بل هو الذي يصلي بالناس. وبداية هذا الحديث قوله -صلى الله عليه وسلم-: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا سواء فأقدمهم سناً، أو سلماً، قال: ولا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه". فالجماعة شرط، والإمام الحر المقيم شرط، والصحيح أيها الإخوة الكرام! ما مضى بيانه؛ لأنه يجوز أن يؤم العبد الحر من غير كراهة؛ لأن سالماً مولى أبي حذيفة -رضي الله عنهما- كان يصلي بكبار المهاجرين في قباء، وفيهم عمر، وأبو سلمة وكذلك فللمسافر أن يؤم المقيم كما ثبت أن سيدنا عمر -رضي الله عنه- ومن قبله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانوا يصلون بأهل مكة ويقولون لهم: أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، ولا فرق بين الجمعة وغيرها، فيصح -إن شاء الله- أن يصلي المسافر بالناس الجمعة، وهذا يحصل الآن كثيراً، فقد يمر داعية أو عالم من العلماء ببلد من البلاد فيقول له أهلها: صل بنا الجمعة، فبناءً على كلام المالكية -رحمهم الله- هذه الجمعة لا تصح؛ لأن هذا مسافر، والجمعة في حقه ليست واجبة.

 

 الخطبتان قبل الصلاة:

ومن شروط صحة الجمعة: خطبتان قبل الصلاة، مما يطلق عليه اسم خطبة عند العرب، فتؤديان في الوقت المحدد للجمعة، ويقوم فيهن الإمام لحديث ابن عمر: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخطب يوم الجمعة قائماً ثم يجلس، ثم يقوم كما تفعلون اليوم"، والمالكية يقولون: الخطبتان لابد منهما، وما اشترطوا في هاتين الخطبتين شروطاً من جنس ما قاله غيرهم، فإن غير المالكية يقولون: لابد أن تشتمل الخطبة على خمسة أركان:

أولها: الحمد، سواء كان بصيغة الفعل، كأن يقف الإمام فيقول: أحمد الله وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، أو بصيغة الاسم الحمد لله نحمده ونستعينه مثلاً، ويستدلون على ذلك بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كل أمر لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع أو أبتر"، والحديث فيه كلام.

 

الركن الثاني: الصلاة على الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ويستدلون على ذلك بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان لا يخطب خطبة إلا حمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله -صلى الله عليه وسلم-. لكن تقرر في الأصول أن فعله -صلى الله عليه وسلم- المجرد لا يدل على الوجوب.

 

الركن الثالث في الخطبة: قراءة آية، فلابد أن تشتمل الخطبة على آية، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) [النساء:1]، أو (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) [آل عمران:102] أو أي آية من القرآن بشرط أن يتم بها المعنى، فلو قرأ شخص آية: ثُمَّ نَظَرَ [المدثر:21]، فهذه آية في سورة المدثر لكن من الذي نظر؟ ولأي شيء نظر؟ لم نعرفه، وكذلك لو قرأ: (مُدْهَامَّتَانِ) [الرحمن:64] فإنا نعرف معناها من لغة العرب، أي: شديدتا الثواب، لكن عن أي شيء يتكلم؟! لكن مثلاً: لو قرأ آية يتم بها المعنى من جنس ما ذكرت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) [آل عمران:102]، فهذه فهم بها المعنى.

 

الركن الرابع: الوصية بتقوى الله، كأن يقول: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، أو (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) [النساء:1]، ونحو ذلك. أو اتقوا الله يا عباد الله! فالمهم أن تشتمل الخطبة على الأمر بتقوى الله.

 

الركن الخامس: الدعاء. والمالكية لا يشترطون هذا، وإنما يشترطون خطبتين على كل منهما تطلق كلمة خطبة، أو لفظ خطبة في لغة العرب، وهي بالضم؛ للتفرقة بينها وبين الخِطبة، فالخِطبة غيرُ الخُطبة.

 الفرق بين خطبة النبي والناس اليوم:

أيها الإخوان! قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في الزاد: كانت خطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مشتملة على الوصية وتعليم الأحكام، والحديث عن الجنة بما يشوق المؤمنين إليها، وعن النار بما يخوفهم منها، ولم تكن خطب الناس اليوم إلا عن الحديث عن الموت، وأنكم ستموتون وكذا، فهذا ليس فيه جديد، والموت لا يناقش فيه أحد، حتى الكافر أبو جهل ، أو فرعون أو شارون هم جميعاً مقرون بأنهم سيموتون، فقضية أن الإمام يركز على الموت فهذا لا ينبغي. وكذلك بعض الناس يحول الخطبة إلى نشرة أخبار، وهذا أيضاً لا ينبغي؛ لأن من يبدأ خطبته بأحداث هذا الأسبوع يصير وكأنه يقرأ جريدة أو مجلة، فهذا لا ينبغي، نعم الخطيب يعالج في خطبته قضايا المسلمين، ويتكلم عن واقعهم، لكنه لا يخرج عن معنى الخطبة، ولا بد أن يربط هذا الواقع بالكتاب والسنة، لذلك تجد بعض الناس -نسأل الله العافية- يخطب وربما يتكلم على المنبر ساعة أو تزيد ولا يأتي بآية أو حديث، والخطبة الشرعية ليست هكذا.كذلك تجد بعض الناس يموت الخطبة إماتةً فيجعل الناس ينامون، ولربما تسمع غطيط بعضهم؛ لأن كلامه فيه ملل، وخطبته لا ريح لها، "وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا خطب علا صوته -عليه الصلاة والسلام- واشتد غضبه، واحمرت عيناه كأنه منذر جيش يقول: "صبحكم ومساكم"؛ لأنه عليه -الصلاة والسلام- منفعل بما يقول. ويستحب كذلك تقصيرهما ما استطاع المرء إلى ذلك سبيلاً؛ لأن النبي عليه -الصلاة والسلام- قال: "إن قصر الخطبة وطول الصلاة مئنة من فقه الإمام" وكان -صلى الله عليه وسلم- أحياناً يصعد على المنبر ما يزيد على أن يقرأ سورة ثم ينزل. وقضية الخطبة من الورقة لا بأس بها إذا كان يرى بأن الورقة أضبط للكلام، وأدعى إلى أن يأتي بالآية والحديث، كما نزل بهما الوحي، فهذا طيب، بشرط: أن يفقه ما يقرأ، أما أن يأتي شخص يأخذ له ورقاً ولا يعرف ما فيها، ويقف على المنبر، ويقول: واحد وخمسين، واحد وخمسين من أحوال المسلمين، وبعد الصلاة يأخذ الناس الكتاب فيبحثوا عن معنى واحد وخمسين لأنهم لم يفهموها فيجدونها مكتوبة: آه آه من أحوال المسلمين، وهو قرأها: واحد وخمسين واحد وخمسين من أحوال المسلمين! وبعضهم قال: إن الرباطم والزناعم وكررها ثم تركها وهي: إن الربا طم، والزنا عم، وصاحبنا قرأها: رباطم وزناعم، فبعض الناس حقيقة يحمل كتباً ألفت في غير هذه البلاد فيقف على المنبر يقول: ما بال الفساد قد انتشر في شارع عماد الدين! وشارع عماد الدين من الشوارع المعروفة في القاهرة، وهو يكلم الناس عن شارع عماد الدين وليس موجوداً، ولو قال: في شارع الجمهورية لكان أمراً معقولاً. وبعض الناس يدعو أيضاً لبعض السلاطين الذين ماتوا؛ لأن تأليف الكتاب قديم، فمثل هذا كله حرام؛ لأن خطبة الجمعة مسئولية، وكما قيل: بأن الجمعة حصة ثقافية أسبوعية إجبارية، والله -عز وجل-هو الذي أتى بالناس ولم تأت أنت بهم، فربنا -سبحانه- هو الذي جمعهم لك. ثم في الجمعة مزية ليست في غيرها من الدروس ولا المحاضرات: وهي أنه لا يستطيع أحد أن يمشي، أليس كذلك؟ بينما الآن في الدرس من الممكن للبعض أن يخرج، وكذلك في الجمعة لا يصلح الكلام، بينما الآن يصح أن تتكلم مع صاحبك، وكذلك لا يمكن أن تضحك في الجمعة. فينبغي للإمام أن يتقي الله -عز وجل-، فيعتني بالجمعة بأن يوصل للناس معلومات صحيحة ولو كانت يسيرة أو قليلة، فليس بالضرورة أن أخطب ساعة، أو أربعين دقيقة أو نصف ساعة، ولو كانت الخطبة في عشر دقائق يخرج الناس منها بفائدة؛ لبرئت الذمة أمام الله، أما أن يكون همه أن يقولوا: فلان خطب ساعة! أو فلان خطب خمسة وأربعين دقيقة، ولا يبالي بما يقول، فمثل هذا مذموم مقبوح ولا تبرأ ذمته عند الله.

 

أيها الإخوان! ينبغي أن يستحضر الإمام أنه قائم مقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهو في أشرف المقامات، فإن أول من تولى الخطبة هو سيدنا محمد -عليه الصلاة والسلام-. فينبغي أن يستحضر الإمام ذلك فيتقي الله في كلامه الذي يوصله إلى المسلمين.كذلك ينبغي له أن يتأدب بالآداب الشرعية؛ فإن النبي -عليه الصلاة والسلام- في خطبته ما كان يزيد على أن يشير بأصبعه -عليه الصلاة والسلام-، وليس كما يصنع بعض الأئمة من التلويح بقبضته كأنه يهدد أمريكا وروسيا، أو كما يفعل بعض الأئمة بأن يضع يديه في خاصرتيه ونحوه، أو يضرب المنبر، وبعض الأئمة يبلغ به الحماس فيشير بكذا إلى أن تطير الساعة من يده، وبعض الأئمة خطب يوم الجمعة فلما قام طارت الساعة، وبعد قليل وقع العكاز، فقام شخص من الناس من كبار السن وأخذ حذاءه وذهب، فعاتبه الإمام وقال: يا فلان! أنا أخطب وأنت ذاهب؟! فقال له: وقعت الساعة ثم وقع العكاز ثم بعدها لا أدري ماذا سيقع؟! فينبغي للإمام يوم الجمعة أن يتقيد بهذه الآداب فلا يكثر من الحركات والالتفاتات، وإنما يقتدي برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلقد كان لا يزيد على أن يشير بإصبعه حتى في الدعاء الأخير، وبعض الأئمة تجده يرفع يديه في نهاية الخطبة، ولما رأى أحد الصحابة -رضوان الله عليهم- أحد الناس يخطب في الجمعة ويرفع يديه، قال: قبح الله هاتين اليدين –القصيرتين-، والله ما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يزيد على أن يشير بأصبعه حتى في الدعاء. أما بالنسبة للشعر فليس منه مانع إذا كان شعراً فيه ذكر لشمائل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو كان شعراً يرقق القلب، ويرغب في الآخرة، أو كان فيه ثناء على الصحابة -رضوان الله عليهم-، أو على الصالحين من عباد الله فلا مانع من ذلك إن شاء الله.

 أن يحضر أقل عدد تجزئ به الجمعة:

الشرط الرابع: أن يحضر الخطبتين أقل عدد تجزئ به الجمعة، فقالوا: أقل عدد اثنا عشر، معنى ذلك على قول المالكية: أنه لو كان المصلون مع الإمام اثنا عشر رجلاً وفي أثناء الخطبة أحدث أحدهم فخرج بطلت الخطبة فلابد من استئناف الخطبة من جديد، وهذا سيفتح باباً للناس، فأي واحد لم تعجبه الخطبة، أو الإمام ما أعجبه فسيقوم ويقول: والله أنا أحدثت، أو يترك المسجد مرة واحدة، وكذلك قولهم: أقل عدد تجزئ به الجمعة اثنا عشر فلو كان فيهم شخص مسافر فلا تجزئ، ولو كان فيهم شخص مملوك لا تجزئ، ولو كانوا إحدى عشر رجلاً ومعهم صبي لا تجزئ، فأقل عدد تجزئ به الجمعة عندهم اثنا عشر رجلاً، ولكن تقدم معنا الكلام بأن الشريعة ما جعلت للجمعة حداً محدوداً، وإنما هو العدد الذي يصح أن يطلق عليهم اسم جمع.

 

 أن يكون المسجد مبنياً بناءً معتاداً لأهل البلد:

الشرط الخامس: الجامع المبني بناءً معتاداً لأهل البلد فأعلى، ولا يضر أن يكون خطة، أي: حصيراً، والآن قد تجد الحصير في بناء بعض المساجد فلا مانع، لكن لو كان أهل البلد بناؤهم من الحصير والمسجد مسلح فلا مانع إذا كان أعلى من بناء أهل البلد يعني: أرفع، أو كانت بيوت أهل البلد مثلاً من الطين فبني عندهم مسجداً من الحجارة فلا مانع من ذلك. واشتراط الجامع أيها الإخوة الكرام! يخالف الدليل، فقد ثبت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- انتقل من قباء إلى المدينة يوم الجمعة، فأدركته الصلاة في بطن الوادي (وادي رانونا) فجمع بأصحابه فيه، وكان قد وصل الرسول -عليه الصلاة والسلام- إلى المدينة يوم الإثنين ضحى كما قال سيدنا أنس: قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة يوم الإثنين ضحىً فأنار منها كل شيء، وتوفي يوم الإثنين ضحى فأظلم فيها كل شيء، وما إن نفضنا أيدينا من تربته حتى أنكرنا قلوبنا. فلما جاء الرسول -عليه الصلاة والسلام- نزل على إخوانه من بني النجار في قباء، فمكث عندهم بقية يوم الإثنين، ويوم الثلاثاء والأربعاء والخميس، ولما كان يوم الجمعة ارتحل إلى المدينة، ثم لما كان في الطريق من قباء إلى المدينة دخل وقت الجمعة، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- صلى بأصحابه الجمعة في (وادي رانونا) بين قباء والمدينة، وما كان هناك جامع، والآن بني المسجد الذي يسمى مسجد الجمعة، فمن أكرمه الله بزيارة المدينة فسوف يرى ذلك المسجد في الموضع الذي صلى فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد سمي مسجد الجمعة. إذاً: فهذا الشرط أيها الناس! يمكن أن يتصور ذهنياً وليس مذهبياً، فإذا سئلت عن مذهب مالك فقل: شروط الجمعة في مذهب مالك كذا وكذا ومنها: الجامع. لكن اعلم أيها الأخ الكريم! بأنه لو كنا أهل بلد مستوطنين فوجبت علينا الجمعة وليس عندنا مسجد فالواجب علينا أن نصلي الجمعة ولو كان في ميدان، مثلما كان يصنع النبي -عليه الصلاة والسلام-في يومي الفطر والأضحى، ومثلما كان يصنع في الاستسقاء.

 

 الاستيطان:

الشرط السادس: الاستيطان بدور، جمع دار، ومثله أخفاف: جمع خف، وهو القصب أو الحصير، والمقصود من هذا الكلام: أن أهل البادية العرب الرحل لا تجب عليهم الجمعة، فهؤلاء الذين يسكنون ههنا ثم بعد شهور لا أثر لهم ولا عين فلا تجب عليهم الجمعة، والاستيطان بدور أي: ما بني بحجر أو أسمنت أو خشب ونحو ذلك، فالمهم أن يكون من المباني. أما أهل الخيام وهم أهل البادية فلا جمعة عليهم؛ لأن البدو الذين كانوا حول المدينة لم يأمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجمعة مع أنهم كانوا مستوطنين في أماكنهم؛ لكونها ليست ببناء، فوجود جماعة تستقر بهم القرية، وكونهم ساكنين في مكان، وعندهم سوق، فهذا دليل على أن هؤلاء القوم مستقرون في هذا المكان، فهؤلاء الذين تجب عليهم الجمعة. والعدد عند المالكية الذي تنعقد به الجمعة هل يستثنى منه السلطان؟ ثم الشرط الذي قبله نحن قلنا: شرط الجمعة الجماعة فهل يستثنى منهم السلطان؟ الجواب: لا، لابد من وجود الجماعة، ولابد من وجود العدد، ولابد من الخطبتين، فالقول أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى في وادي رانونا؛ لكونه سلطاناً فلا يستقيم الاستدلال بمثل هذا. إذاً: أيها الإخوان! عندنا ستة شروط عند المالكية. أولها: الجماعة. ثانيها: الإمام الحر المقيم، الذي تجب عليه الجمعة، وتقدم معنا أن الصحيح والعلم عند الله –تعالى- أنه يصح أن يصلي بنا الجمعة الإمام إذا كان عبداً، أو كان مسافراً. الثالث: الخطبتان، وقد يقول شخص: ما دليل اشتراط الخطبتين؟ نقول: التواتر القطعي، قال تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) [الجمعة:9]، والمراد: الخطبة؛ لأن السعي واجب ووسيلة، فإذا وجبت الوسيلة وجبت الغاية والاستدلال هذا واضح؛ لأن ربنا –سبحانه وتعالى- ما قال: فاخطبوا، وإنما قال: (فاسعوا) ونحن نسعى للخطبة لذكر الله، فإذا كان السعي واجباً وهو وسيلة فالغاية واجبة. كذلك التواتر القطعي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- واظب على الجمعة صيفاً وشتاء، شدة ورخاء. فإذا قلنا بهذا، فما هو مثل الشدة؟ والجواب: أنه صلى بالناس الجمعة في تبوك، ومكث تسعة عشر يوماً أليس كذلك؟ وهذه حقيقة لا أستطيع أن أجزم بها؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في تبوك مسافراً! لكن عندنا غزوة أحد، فقد كانت في يوم السبت، والرسول -صلى الله عليه وسلم- صلى بالناس الجمعة، واستشارهم عن وضع خطة؛ لأنه جاءه خطاب من العباس عمه -رضي الله عنه- بأن أهل مكة قد خرجوا يريدون المدينة، فالرسول -عليه الصلاة والسلام- بعد الجمعة استشار الناس: ماذا نصنع، هل نبقى في المدينة أو نخرج؟ فكل واحد قال رأيه من الأحداث والشيوخ، وبعد ذلك أتي بجنازة -عليه الصلاة والسلام- فصلى عليها، ثم دخل فلبس لأمته، أي: عدة الحرب، وقال تلك الكلمة التي صارت مثلاً: "ما كان لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه". فالتواتر القطعي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما قال: نحن في حالة طوارئ نصلي بدون خطبة، لا، وإنما خطب -صلى الله عليه وسلم- في ذلك اليوم الخطبتين، ولو لم تجب الخطبة لكانت الجمعة كغيرها من الصلوات كصلاة الصبح، أو العصر. هل تبطل الخطبتان إذا أحدث الإمام؟! وبعض الناس يقولون: إذا أحدث الإمام في الخطبة أو تذكر أنه ما كان متوضئاً فإنه يواصل، ولكن المشكلة تبقى في الصلاة بعد ذلك، والمالكية يرون أنه لابد أن يخطب واحد فيما يصلي الثاني، وعند غيرهم يجوز، ولعله الراجح؛ لأنه لا دليل يدل على المنع، وبعضهم قال: تبطل الخطبتان بما يناسبهما كقذف أو لعن فمثلاً: الإمام وهو يخطب -وهذا غير متصور- يقول: وإن فلاناً قد زنا، أو إن فلانة زانية، أو يلعن من لا يستحق اللعن، كأن رأى شخصاً يتخطى الرقاب فقال: اجلس لعنك الله، فالخطبة باطلة! نعم؛ لأن مقتضى الخطبة الوصية بتقوى الله، وهذا الذي يخطب يأتي بما يغضب الله، فإذا لعن من لا يستحق اللعن فخطبته تبطل ويجب عليه أن يستأنف. لكن لو لعن من يستحق في الخطبة فقال: لعن الله إبليس، أو قال: فرعون لعنه الله، فلا حرج في ذلك إن شاء الله.

 

سنن الجمعة:

 الغسل:

أولها: الغسل، لحديث ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" وهذا فعل أمر بدخول لام الأمر عليه، لكن ما الذي صرف الأمر من الوجوب إلى السنية أو الاستحباب؟ الذي صرفه أن عمر -رضي الله عنه- كان على المنبر فدخل عثمان، فعمر -رضي الله عنه- قطع خطبته ولام عثمان؛ لأنه جاء متأخراً، ولا يوجد مانع أن الإمام يتكلم مع المأمومين في الجمعة، لكن الممنوع أن يتكلم المأموم مع مأموم، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- لما جاء الرجل يتخطى رقاب الناس، قال: "يا هذا! اجلس فقد آذيت وآنيت" آنيت يعني: جئت متأخراً، فعمر لام عثمان؛ لأنه جاء متأخراً، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين! والله ما إن سمعت النداء حتى توضأت وأتيت، فقال له عمر: توضأت ولم تغتسل؟ يعني: هذه مصيبة ثانية، جاء متأخراً وأيضاً لم يغتسل، ما وجه الدلالة؟ أنه لو كان الغسل واجباً لقال عمر لعثمان ارجع فاغتسل. وأوضح من هذا أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل"، فدل هذا على أن الغسل ليس بواجب.

 

 التجمل:

السنة الثانية: تحسين الهيئة في استعمال خصال الفطرة من قص شارب، ونتف إبط، وحلق عانة، وسواك، ولبس الثياب البيض، فيستحب لك أيها المسلم أن تحسن هيأتك في يوم الجمعة؛ لعموم قوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الأعراف:31]، ولقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: "لو اتخذ أحدكم ثوبين لجمعته سوى ثوب مهنته". ولحديث ابن عباس قال عليه الصلاة والسلام: "البسوا من ثيابكم البيض، وكفنوا فيهن موتاكم"، فهذا مما يحمد لأهل هذه البلاد؛ لأنهم في يوم الجمعة قل أن تجد بينهم متبنطلاً. لكن أغلب الناس يحرص يوم الجمعة على أن يلبس الثياب البيض ويتعمم، وأن يرتدي أحسن ما عنده، وهذا شيء طيب، فهو إحياء لسنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم.

 

أيها الأخ الكريم! عود نفسك أن تقص شاربك، وأن تقلم أظافرك، وأن تحلق إبطك وعانتك، وأن تلبس الثياب البيض الحسنة، وتتطيب وما إلى ذلك.

 

 التطيب:

السنة الثالثة: التطيب؛ لحديث سلمان -عليه من الله الرضوان- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: "لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخر". فإذا كان يوم الجمعة فاحرص على أن تتطيب.

 

 السعي على الأرجل:

السنة الرابعة: السعي على الأرجل لمن قدر على ذلك، ولا يتصور أن أكون ساكناً في هذا المكان وأمشي أصلي في مسجد أبي بكر الصديق مع الشيخ علاء الدين، لكن من قدر على ذلك فبها ونعمت؛ لأن بعض الصحابة من الأنصار من بني سلمة كانت ديارهم بعيدة عن المسجد، فأرادوا أن يرحلوا ويأتوا قريباً من مسجد الرسول -عليه الصلاة والسلام-؛ فقال لهم صلى الله عليه وسلم: "يا بني سلمة! دياركم تكتب آثاركم". قوله: "ديارَكم" منصوبة على الإغراء، يغريهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهناك شيء منصوب على التحذير كقوله تعالى: (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا) [الشمس:13]، فهي منصوبة على التحذير، تقديره: احذروا ناقة الله، وهنا (ديارَكم) منصوبة على الإغراء بمعنى: الزموا دياركم، يغريهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأن يلزموا ديارهم من أجل أن تكتب لهم هذه الخطوات. قال الله –تعالى-: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) [يس:12] قال مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي تلميذ عبد الله بن عباس -رضوان الله عليهم-: أي: خطاهم. فتكتب لك وتجدها يوم القيامة حسنات كأمثال الجبال. ويقول صلى الله عليه وسلم: "من غسل واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فأنصت، كان له بكل خطوة يخطوها أجر صيام سنة وقيامها، وذلك على الله يسير". وبعض الناس يجيء يوم الجمعة في الخطبة الثانية ويبدأ يتخطى الرقاب، وهكذا هذا الذي يفرق بين اثنين، وبعض الناس يبلغ بهم سوء الأدب -والعياذ بالله من الخذلان – إلى أن يأتي يوم الجمعة فيقف ينظر إلى الإمام أول شيء، ثم ينظر إلى من يليه فيطلب التفسح ثم يلتفت إلى الذي في شماله ويقول له بيده: افسح. وهذا لا ينبغي؛ فالرسول -صلى الله عليه وسلم- أخبر بأن تخطي الرقاب يوم الجمعة من الإيذاء. فقد جاء حديث وإن كان في سنده مقال: "من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة فقد اتخذ جسراً إلى جهنم". وقال العلماء: إن التخطي يجوز في حالتين: الحالة الأولى: إذا كان المتخطي من أولي النهى والأحلام. الحالة الثانية: إذا كانت الصفوف الأولى فارغة، وهذا يحصل كثيراً يوم الجمعة؛ لأن بعض الناس عندما يأتي أول شيء يفعله يفتش عن عمود فإذا لم يجد عموداً يتكئ في آخر المسجد، وبعضهم يحجز الأعمدة فيضطر الباقون إلى البحث عن أعمدة في الخلف. والتخطي لا يجوز سواء قبل صعود الإمام أو بعده؛ لأن العلة موجودة وهي الأذى، فكما أنك تؤذيني بعد صعود الإمام فإنك تؤذيني قبل صعوده.

 

 التبكير:

السنة الخامسة: التبكير إليها، لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن" أي: عنده قرون والبدنة: هي الناقة، وسميت بدنة؛ لأنها تبدن أي: سمينة، "ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر". فإن قيل: فما هي هذه الساعات الخمس؟! فالجواب: قال المالكية: هي خمس لحظات لطيفة من بعد الزوال إلى صعود الإمام المنبر. وقال الجمهور: هي خمس ساعات من طلوع الفجر إلى صعود الإمام المنبر. فالمالكية -رحمهم الله- يقولون: "ليس المراد بالساعة الساعة العرفية التي هي ستون دقيقة، وإنما المقصود بهذه الساعات خمس لحظات، والعرب –أصلاً- لم تكن عندهم ساعات، وإنما كانوا يقدرون، فمثلاً يقولون: قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها، يعنون بالساعة مدة زمنية معلومة عندهم، والمالكية -رحمهم الله- يقولون: الخمس ساعات هذه من بعد الزوال إلى صعود الإمام المنبر، فمثلاً: في أيامنا هذه زوال الشمس في الساعة الثانية عشرة وخمس وثلاثين دقيقة، والإمام سيصعد المنبر في الساعة الواحدة مثلاً، أو في الساعة الواحدة والنصف، أو في الثانية فيقولون: هذه الخمس الساعات التي فيها: البدنة، والبقرة، والكبش، والدجاجة، والبيضة، تقسم على هذه الفترة من زوال الشمس إلى صعود الإمام المنبر، لكن يشكل على هذا -أيها الإخوان- بأن في أكثر بلاد الله ومنها الحرمان أنه بعد زوال الشمس يصعد الإمام، ونحن عندنا هنا فوضى في المساجد، ففي المسجد الفلاني لا يصلي الإمام مبكراً، فيصعد الساعة الواحدة ويخطب ما شاء الله إلى الساعة الثانية والنصف، فهذه فوضى، وعندهم علة عليلة يقول لك: لأجل أن يسمح للذي لا يدرك الجمعة هنا أن يدركها في المسجد الآخر، ولا ينبغي أن نعود الناس على أن يأخذوا راحتهم، فمن المفروض أن نعود الناس على أن الجمعة في وقت واحد، فمن لم يدرك هنا لم يدرك في غيره، أما أن نقول للناس: ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النوم، فهذا من الخطأ العظيم. فأقول: إن في بعض بلاد الله أو في أكثر بلاد الله مثلاً: يؤذن الظهر في الساعة الثانية عشرة وخمسة وثلاثين دقيقة، ثم بعد الأذان مباشرة يصعد الإمام، فماذا سيفعل المالكية في هذه الحالة إذا أرادوا أن يقسموا هذه الساعات الخمس على الفترة ما بعد الزوال إلى طلوع الإمام المنبر؟! الجمهور قالوا: إنها خمس ساعات تبدأ من طلوع الفجر، فمن راح في الساعة الأولى فإنه يفضل على من راح في الساعة الثانية كفضل صاحب البدنة على صاحب البقرة، فمثلاً: الفجر يطلع في الخامسة والنصف، والزوال أي: صعود الإمام المنبر في الواحدة، فهذه الفترة من الخامسة والنصف إلى الواحدة نقسمها على خمس فيتبين لنا وقت الساعة الأولى، والثانية، والثالثة، والرابعة، والخامسة، وهذا يختلف باختلاف الصيف والشتاء على طول النهار وقصره؛ لأنه في الصيف مثلاً ربما يكون طلوع الفجر في الرابعة والنصف، وفي الشتاء يكون طلوع الفجر قريباً من السادسة، فيختلف باختلاف الصيف والشتاء بقصر النهار وطوله، والغزالي -رحمه الله- تجافى كما قال الشوكاني فقال: الساعة الأولى من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.

والساعة الثانية: من طلوع الشمس إلى ارتفاعها. والثالثة: من ارتفاعها إلى انبساطها. والرابعة: من انبساطها إلى أن ترمض الفصال. والخامسة: من رمض الفصال إلى الزوال، وليس عنده دليل على هذا التقسيم، خاصة أنه تقسيم غير عادل، يعني: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ساعة تقريباً أو تزيد قليلاً. ومن طلوع الشمس إلى ارتفاعها عشر دقائق أو ربع ساعة. ثم من ارتفاع الشمس إلى انبساطها أيضاً الوقت لا ينضبط، وكما قلت لكم: فالغزالي -رحمه الله- ليس عنده دليل على هذا التقسيم.

 

أيها الإخوان! الخلاصة: إنه مطلوب منا يوم الجمعة أن نبكر اللهم إلا في حق الإمام، فالسنة في حقه أن يخرج من بيته إلى المنبر مباشرة؛ فهكذا كان يصنع رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

 

 استقبال الخطيب بالوجه:

السنة السادسة: استقبال الناس للخطيب، والأصل في ذلك: عمل أهل المدينة، قال مالك -رحمه الله-: السنة عندنا أن يستقبل الناس الإمام يوم الجمعة إذا أراد أن يخطب، حتى من كان منهم يلي القبلة وغيرها، وهل الناس ملتزمون بهذا؟! لا تجدهم ملتزمين، فتجد بعض الناس يوم الجمعة إذا لم يجد عموداً فإنه يستلقي على الجدران ويمدد رجليه ولا يستقبل الإمام بوجهه، وهذا خلاف السنة، والرسول -صلى الله عليه وسلم- قد قال: "ودنا من الإمام وأنصت" فكثير من الناس يخل بهذا.

 

 تقصير الخطبتين:

السنة السابعة: تقصير الخطبتين لحديث أبي وائل -رضي الله عنه- قال: قال صلى الله عليه وسلم: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه؛ فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة، وإن من البيان لسحراً"، وليسمع هذا الكلام من يخطبون الناس يوم الجمعة، وليحاول قدر الإمكان أن يقصر الخطبة بما لا يشق على الناس، فلا يقصر التقصير المخل؛ لأن بعض الأئمة يقصر فيقوم الناس يثنون عليه؛ فيعجبه هذا الكلام حتى إنه حكي لي عن بعض الأئمة بأنه يجعل الخطبة مع الصلاة كلها في سبع دقائق.

 

 رفع الخطيب صوته:

السنة الثامنة: رفع الصوت بها، "لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته).

 بدء الخطبة بالحمد والثناء والصلاة على النبي.

 

السنة التاسعة: بدؤها بالحمد والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد مضى معنا بأن المالكية لا يجعلون هذا ركناً، بينما يجعل غيرهم للخطبة أركاناً خمسة، والمالكية يقولون: يستحب أن يبدأ الخطبة بالثناء على الله والصلاة على نبيه -صلى الله عليه وسلم.

 

 قراءة القرآن فيها واشتمالها على الوعظ:

السنة العاشرة: قراءة القرآن فيها واشتمالها على الوعظ؛ فالرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ القرآن في خطبته وكان يقرأ سورة (ق) كما ثبت من حديث أبي واقد الليثي ، وكما ثبت من حديث أم حارثة بنت هشام -رضي الله عنها- قالت: "ما أخذت سورة (ق) إلا من في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرؤها على المنبر يوم الجمعة".

 

 قراءة سورة الجمعة في الركعة الأولى والمنافقون في الثانية:

السنة الحادية عشرة: قراءة سورة الجمعة في الركعة الأولى، والمنافقون في الثانية، فإذا كانت هاتان السورتان طويلتان على الناس فقد ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أنه كان يقرأ يوم الجمعة: بـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) [الأعلى:1]، (وهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) [الغاشية:1]).

 

بعض السنن المتعلقة بيوم الجمعة التي لم يذكرها المالكية:

أيها الإخوة! هذا ما يتعلق بالجمعة من شروط وسنن، وهناك سنن أخرى لم يذكرها المالكية -رحمة الله عليهم-، ولعلنا نذكر هذه السنن فمنها: قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة، فمن قرأ سورة الكهف كانت له نوراً إلى الجمعة التي تليها، وكذلك: الإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد ثبت عنه في الحديث أنه قال: "إن من خير أيامكم يوم الجمعة؛ فأكثروا من الصلاة علي فيه، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: كيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء". وكذلك: الإكثار من الدعاء، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يسأل الله –تعالى- شيئاً إلا أعطاه إياه وأشار بيده يقللها -عليه الصلاة والسلام". كذلك: التنفل قبل الجمعة بغير عدد؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "وصلى ما كتب له أن يصلي" يعني: جئت قبل أن يصعد الإمام المنبر فصليت ركعتين، أو أربعاً، ست ركعات، ثمان ركعات، عشر ركعات، عشرين ركعة، فكله أجر. كذلك: فقد حرم الله علينا البيع بعد النداء، وأوجب علينا السعي، ثم قال سبحانه: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا) [الجمعة:10]، لكن لو قال شخص: ما أريد أن أنتشر، أريد أن أبقى في المسجد فهو حر، ولا نستطيع أن نقول بأنه خالف السنة، والحقيقة أن بعضهم يقول: إن الأمر هنا للإباحة؛ لأن الأمر بعد الحظر يكون للإباحة كما في قوله: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا [المائدة:2] فهذا للإباحة وليس للوجوب.

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات