طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > فقــه الجمعة > أحكام الخطبة > ملخص أحكام صلاة الجمعة (1/ 3)

ملتقى الخطباء

(2٬554)
1011

ملخص أحكام صلاة الجمعة (1/ 3)

تاريخ النشر : 1436/08/20
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

وخلاصةُ القولِ: إنَّه لَم يثبُتْ في العدد ما يدلُّ على وجوبه لصحَّةِ الجمعة، وحيث إنَّها لا تصحُّ إلا جماعةً-ومعلومٌ أنَّ أقل الجماعة اثنان -فيكونُ هذا دليلاً على أنَّ أقلَّ عدد لصحَّة الجمعة: اثنانِ، وهذا هو الراجح، واللَّه أعلم.

 

 

 

 

فضل صلاة الجمعة:

 

قال رسولَ الله-صلى الله عليه وسلم-: "خيرُ يومٍ طلَعت فيه الشمسُ يومُ الجمعة؛ فيه خُلِق آدمُ، وفيه أُدخِلَ الجنَّةَ، وفيه أُخرِجَ منها، ولا تقومُ السَّاعة إلا في يوم الجمُعة"(1).

 

وقال رسولُ الله-صلى الله عليه وسلم-: "أضَلَّ اللهُ عن الجمُعة مَن كان قبْلنا، فكان لليهود يومُ السَّبت، وكان للنَّصارى يومُ الأحد، فجاء اللهُ بنا، فهدانا ليوم الجمُعة، فجعل الجمُعةَ والسَّبت والأحد، وكذلك هم تبعٌ لنا يومَ القيامة، نحن الآخِرون من أهلِ الدُّنيا، والأوَّلون يوم القيامة، المقضيُّ لهم قبل الخلائقِ"(2).

 

الترغيب في صلاة الجمعة:

 

قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ )[الجمعة: 9].

 

وقال رسولَ الله-صلى الله عليه وسلم-: "مَن توضَّأَ فأحسن الوضوءَ، ثمَّ أتى الجمُعة، فاستمع وأنصتَ، غُفِرَ له ما بينه وبين الجمُعةِ الأخرى وزيادةُ ثلاثةِ أيَّامٍ، ومَن مسَّ الحَصَى فقد لَغا"(3).

 

وقال رسولِ الله-صلى الله عليه وسلم-: "الصَّلوات الخمْسُ، والجمعة إلى الجمعة، ورمضانُ إلى رمضانَ-مكفِّراتٌ لِمَا بينهنَّ إذا اجتُنِبَتِ الكبائرُ" (4).

 

الترهيب مِن تَرْك الجمعة لغير عُذر:

 

قال النبيَّ-صلى الله عليه وسلم-: " لقد هممْتُ أنْ آمُرَ رجُلاً يصلِّي بالنَّاسِ، ثم أُحرِّق على رجالٍ يتخلَّفون عن الجمعةِ بيوتَهم"(5)، وقال-صلى الله عليه وسلم-: " لينتهِيَنَّ أقوامٌ عن وَدْعِهمُ الجمُعاتِ، أو ليختمَنَّ اللهُ على قلوبِهم، ثم ليكونُنَّ من الغافلينَ"(6)، وقال-صلى الله عليه وسلم-: "مَن ترك ثلاثَ جُمَعٍ تهاونًا بها، طبع اللهُ على قلبِه"(7).

 

حكم صلاة الجمعة:

 

قال ابن العربي -رحمه الله-: " الجمعةُ فرضٌ بإجماع الأمَّةِ، وقد حكى ابنُ المنذرِ الإجماعَ على أنَّها فرضُ عينٍ" (8).

 

على مَن تجب الجمعة؟

 

تجب الجمعةُ على الرَّجُلِ المسلم الحُرِّ العاقلِ البالغ المقيمِ القادرِ على السَّعيِ إليها، الخالي من الأعذار المبيحةِ للتخلُّفِ عنها، طالما أنه سمعِ النِّداء، أو عَلِمَ بدخول وقت الجمعةِ.

 

مَن لا يجب عليه الجمعة:

قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: " الجمعة حقٌّ واجبٌ على كلِّ مسلمٍ في جماعةٍ إلا أربعة: عبدٌ مملوكٌ، أو امرأةٌ، أو صبيٌّ، أو مريضٌ"(9).

 

ويُستفادُ مِن هذا الحديثِ أنَّ الذين لا تجبُ عليهم الجمعةُ هم:

 

1-المرأة.

 

2-العبد المملوك: سواءٌ كانَ هذا العبدُ مكاتَبَاً (وهو الذي كاتبَ سيِّدَه على مال يدفعه له؛ ليتحرَّر من الرِّق)، أو كانَ العبدُ مدبَّراً (والعبدُ المُدَبَّر: هو الذي يُعتقه سيِّدُه على أنْ ينالَ هذا العتقَ بعد موت سيِّده)، وكذلك مَن كانَ بعضُه حُرًّا وبعضُه رقيقًا، (فكل ما سبق لا جمعةَ عليه على الصَّحيح).

 

3-الصَّبي: (وهو الذي لم يبلغ الحُلُمَ بعد، فهذا لا تجب عليه الجمعة).

 

4-المريض: وهو الذي الذي يلحقه مشقَّةٌ ظاهرةٌ غيرُ محتمَلةً بسبب الذهاب إلى الجمعةِ، فهذا تسقطُ عنه الجمعةُ.

 

وممَّن تسقط عنه الجمعةُ أيضًا:

 

5-المسافر: فقد حكى ابنُ المنذرِ عن أكثرِ العلماء أنّ المسافر تسقط عنه الجمعة، وفي الأمر خلاف، والراجح أنَّ الجمعة تجب على المسافر إذا نزل بقريةٍ، وكان يسمع النِّداء، وبالطبع لا نُنكِرُ على الرأي الآخر الذي يقول بأنّ المسافر تسقط عنه الجمعة، وأما إذا كانَ في الطريق، ونزل للاستراحة في مكان مُعَّدٍ لذلك فلا تجب عليه الجمعة واللهُ أعلم.

 

6-ويُعذَر كذلك في التخلُّف عن الجمعة أصحابُ الأعذار الذين أبيح لهم التَّخلُّفِ عن صلاة الجماعةِ.

 

ملحوظات:

 

الملحوظة الأولى: يجوز السَّفر يوم الجمعة قبل دخول وقت الجمعة أو بعد دخولِه؛ لعدم المانع من ذلك، لكن إنْ أذِنَ للصَّلاةِ -وهو ما زالَ في منطقته السكنية (الحي السكني الذي يسكن فيه) -: وجبَ عليه السَّعيُ للجمعةِ، ولا يجوزُ السَّفرُ لمن وجبتْ عليه الجمعة، وذلك بعد سماعِه الأذانَ، إلا أن يخشى مَضَرَّةً، كالانقطاعِ عن الرُّفقةِ التي لا يتمكَّنُ من السَّفر إلا معها، وما شابَهَ ذلك من الأعذار(10)، لكنه لو خرج من منطقته السكنية وشرع في السفر فلا تجب عليه الجمعة.

 

الملحوظة الثانية: يُكرَه كراهةً شديدةً الانشغالُ بطلب المالِ عن حضور الجمعةِ، ولا يكونُ انشغالُه بالمال عذرًا لترك الجمعة، وإن كان خارجًا عن بلدِ إقامتِه.

 

الملحوظة الثالثة: سبق أنْ بيَّنَّا الذين لا تجب عليهم الجمعةُ، ولكنْ لو صلاَّها أحدٌ منهم: صحَّتْ صلاتُه، وسقَطَ الفرضُ، وكذلك لو صلى أحدهم إماماً للجمعة (كالمريض والمسافر والعبد والصبي): صحَّتْ إمامتُهم، وصحَّتِ الجمعةُ.

 

الملحوظة الرابعة: الذين لا يجب عليهم حضورُ الجمعة يصلُّون الوقت ظهرًا، وسواءٌ صلَّوُا الظُّهر قبل أن يصلي النَّاسُ الجمعة أم صلَّوها بعد صلاة الجمعة.

 

الملحوظة الخامسة: إذا زال العذرُ-المانع من حضور الجمعة-بعد أن صلى الظُّهرَ وقبل أن يصلي الإمامُ الجمعة؛ فالرَّاجحُ أنه لا يجب عليه الإعادةُ، ولكنْ هل الأفضلُ تَقديمُ الظهر في أول وقته، أم الانتظارُ حتى يصلي الإمامُ الجمعة؟

 

قال الشيخ ابن عُثيمين: "إذا كان مَن لا تلزمُه الجمعة ممَّن يُرجَى أنْ يزولَ عذرُه ويُدركَها، فالأفضلُ أن ينتظرَ، وإذا كان ممَّن لا يُرجى أنْ يزولَ عذرُهُ، فالأفضل تقديمُ الصَّلاة في أوَّلِ وقتها"(11).

 

ما هو العدد الذي تنعقد به الجمعة؟

 

اختلفت آراءُ العلماء في تعيين العددِ الذي تنعقِد به الجمعةُ على أقوالٍ كثيرةٍ، بلغت خمسةَ عشَر قولاً؛ فمنهم من يعتبر الأربعين، ومنهم من يعتبر الخمسين، ومنهم من يقيِّدها بثلاثةٍ… وهكذا.

 

وخلاصةُ القولِ: إنَّه لَم يثبُتْ في العدد ما يدلُّ على وجوبه لصحَّةِ الجمعة، وحيث إنَّها لا تصحُّ إلا جماعةً-ومعلومٌ أنَّ أقل الجماعة اثنان -فيكونُ هذا دليلاً على أنَّ أقلَّ عدد لصحَّة الجمعة: اثنانِ، وهذا هو الراجح، واللَّه أعلم.

 

تنبيه هام: اشترط بعضُ الفقهاء لصحَّة الجمعة شروطًا أخرى، مثل: (وجود الإمام الأعظم (وهو الحاكم المسلم، ولي الأمر)-والمِصر (أي أن تكون الجمعة في المدينة وليست في البدوِ)-المسجد الجامع-اتِّصال البُنيان)، والحقيقة أنَّ هذه الشروطَ لَم يثبتْ لها دليلٌ يؤيِّدُها، وقد وقع بسببها كثيرٌ من المخالفات، فالبعض يتركُ الجمعة بحجَّة عدم وجود الإمام الأعظم، وبعضُهم يُعيدها ظهرًا بعد الصلاة، وهذه كلُّها بِدَعٌ ومخالَفات ما أنزل الله بها من سلطان، والصحيح أنَّ الجمعة تصِحُّ في أكثرَ مِن مسجدٍ، سواءٌ اتَّصل البنيان أم لَم يتصلْ، وسواءٌ وُجِدَ الإمامُ الأعظم أم لا، وسواءٌ في المِصر أم في البدوِ، وسواءٌ كَثُرَ العددُ أم قلَّ.

 

وقت صلاة الجمعة:

 

وقت الجمعة هو وقتُ الزَّوال (يعني بداية وقت الظهر)، ويجوز صلاتُها قبل الزَّوالِ، وأمَّا آخِرُ وقتِها، فهو آخرُ وقتِ صلاة الظُّهر، وهو إذا صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مِثْلَه.

 

عدد ركعاتها: صلاة الجمعة ركعتان جماعة، ويُستَحَبُّ أن يقرأَ في الرَّكعة الأُولى بعد الفاتحةِ سورةَ "الجمعة"، وفي الثَّانية سورة "المنافقون"، أو يقرأ في الأُولى سورةَ "الأعلى"، وفي الثانية "الغاشية".

 

مَن أدرك بعضَ الصَّلاة مع الإمام:

 

إذا أدرك المأمومُ ركعةً كاملةً مع الإمام؛ فقد أدرك الصَّلاة، وليُضِفْ إليها أخرى، وقد تمَّت صلاتُه؛ لقوله-صلى الله عليه وسلم-: " مَن أدرك ركعةً، فقد أدرك الصَّلاة" (12).

 

وأما مَن أدرك أقلَّ مِن ركعةٍ (وذلك بأن يُدرك ما بعد الركوع الأخير، كالسجدتين الأخيرتين والتشهد)، فإنه لا يكون مدركًا للجمعة؛ وعليه أن يُتِمَّها أربعًا؛ فعن ابن مسعودٍ-رضي الله عنه-نه قال: "مَن أدرك من الجمعةِ ركعةً، فليُضِفْ إليها أخرى، ومن فاتته الرَّكعتانِ، فليُصَلِّ أربعًا"(13)، وثبت ذلك أيضًا عن ابن عمر-رضي الله عنهما-(14).

 

وهذا هو مذهبُ الجمهور، وذهب الحنفيَّةُ والظاهرية إلى أنَّه مَن أدرك مع الإمام التشهُّدَ، فليُصلِّ ركعتينِ بعد سلامِ الإمامِ.

 

ولكن-إذا أخذنا برأيِ الجمهور (أنه سيُتِمُّها أربعاً إذا أدركَ أقل من ركعة مع الإمام) -كيف ينوي إذا دخل الصلاة، هل ينوي جمعةً أم ينوي ظهرًا؟

 

رجَّحَ الشيخُ ابنُ عثيمين أنه ينوي الجمعة، فإذا تبيَّنَ له أنَّه لم يدرك ركعةً مع الإمام، فإنه-إذا سلَّم الإمامُ-ينويها ظهرًا ويُتمُّها أربعًا(15).

 

الصلاة في الزِّحام:

 

إذا اشتدَّ الزِّحام بحيث لا يستطيع البعضُ السجود، فهناك أقوالٌ:

 

الأول: أن يسجدَ على ظَهر أخيه، فقد ثبت ذلك عن عمرَ بن الخطاب-رضي الله عنه-(16).

 

الثاني: أن يُومئ إيماءً عند السجود؛ لأنه لا يستطيعُ إلا ذلك، وهذا القولُ رجَّحَه الشيخُ ابنُ عثيمين رحمه الله(17).

 

الثالث: ينتظر حتى يقوم النَّاس، ثم يسجد، ثم يُدرك الإمام، ويكون تأخُّره عن الإمام لعذرٍ(18)، وحجَّة هذين القولين قولُه تعالى:( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )[التغابن: 16].

سنَّة الجمعة:

 

لصلاة الجمعة سنَّةٌ بعد الصَّلاة، أما قبلها، فلم يثبتْ عن رسولِ الله-صلى الله عليه وسلم-أنه وَقَّت أو قَدَّر لها سُنَّةً، لكن المصلِّي إذا ذهب إلى المسجد، والخطيبُ لَم يصعد المنبرَ، فإنَّه يُستَحَبُّ له التطوُّع، فقد رغَّب النبيُّ-صلى الله عليه وسلم-فقال: " من بَكَّرَ وابتكر، ومشى ولَم يركَبْ، وصلَّى ما كُتِب له…" (19)، ولكنَّ هذا من التطوُّعِ المطلَق، وهذا كلُّه قبل الأذانِ، ولا يدلُّ ذلك على أنَّ هذه الصَّلاة سنَّةٌ قبليَّةٌ للجمعة.

 

وأما السنَّةُ بعد الجمعة، فقد ثبت في الحديث أن النبيَّ-صلى الله عليه وسلم-قال: " من كان مصليًّا بعد الجمعة، فليصلِّ أربعًا "(20)، وعن ابنِ عمرَ-رضي الله عنهما-قال: "كان رسولُ الله-صلى الله عليه وسلم-إذا صلَّى الجمعة: انصرف فسجدَ سجدتين في بيته" (يعني صلى ركعتين في بيته) (21).

 

قال النووي-رحمه الله-: "نبَّه-صلى الله عليه وسلم-بقوله: "مَن كان منكم مصليًّا" على أنَّها سنَّة، ليست واجبةً، وذكرَ الأربعَ لفضيلتِها، وفعَلَ الرَّكعتين في أوقاتٍ بيانًا؛ لأنَّ أقلَّها ركعتانِ"(22)، وقال الإمام أحمد: "إن شاء صلَّى بعد الجمعة ركعتين، وإن شاء صلَّى أربعًا"(23).

 

وذهب ابنُ تيميَّة-وتبِعَه تلميذُه ابنُ القيِّم-إلى أنه إن صلَّى في المسجد: صلَّى أربعًا، وإن صلَّى في بيته: صلَّى ركعتين.

 

قال الشيخ عادل العزّازي: "وذهب إلى أفضليَّة صلاتِها في البيت: الشَّافعي، ومالكٌ، وأحمدُ وغيرهم؛ لحديث: ((أفضل الصَّلاةِ صلاةُ المرء في بيتِه إلا المكتوبةَ "(24).

 

خطبتا الجمعة:

يُشرَعُ يوم الجمعةِ خطبتانِ قبل صلاةِ الجمعة، ويتعلَّقُ بذلك أمورٌ:

 

الأول: حكمُ خطبتي الجمعة:

 

ذهب جمهورُ العلماء إلى وجوب هاتين الخطبتينِ؛ لعمومِ مواظبتِهِ-صلَّى الله عليه وسلَّم-على ذلك، ولقوله-تعالى-:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله )[الجمعة: 9]؛ فأمر بالسَّعيِّ إلى ذكرِ الله من حينِ النِّداء، ومن المعلوم-قطعًا-أنَّ النبيَّ-صلَّى الله عليه وسلَّم-كان إذا أذَّن المؤذِّنُ خطب، فدلَّ ذلك على أنَّ المقصود بهذا الذِّكْر: الخطبةُ، وأنَّ السعيَ إليها واجبٌ.

 

الثاني: المقصود من خطبتي الجمعة:

 

قال ابن القيِّم-رحمه الله-: "وكان مدارُ خطبتِه-صلَّى الله عليه وسلَّم-على حمدِ الله والثَّناءِ عليه بآلائِه، وأوصافِ كمالِه ومحامدِهِ، وتعليمِ قواعدِ الإسلام، وذِكْرِ الجنَّة والنار والمعادِ، والأمر بتقوى الله، وتبيينِ موارد غضبِه، ومواقعِ رضاه، فعلى هذا مدارُ خُطَبِه…وكان يخطُب كلَّ وقتٍ بما تقتضيه حاجةُ المخاطَبين ومصلحتُهم، ولَم يكُنْ يخطُب خُطبةً إلا افتتحها بحمدِ الله، ويتشَّهدُ فيها بكلمتَي الشَّهادة، ويذكُر فيها نفسَه باسمِه العَلَمِ"(25).

 

وقال النوويُّ-رحمه الله-: "يُستَحَبُّ كونُ الخُطبةِ فصيحةً بليغةً مرتَّبةً، مبينةً من غيرِ تمطيطٍ ولا تقعيرٍ-يعني لا يختار ألفاظاً صعبة للغاية-بل يختار ألفاظًا جزلةً-يعني سهلة حتى يفهمها مَن يُخاطبهم"[26].

 

الثالث: شروط خطبتي الجمعة:

اشترط الفقهاءُ لخُطبة الجمعةِ شروطًا لا تصحُّ الخُطبةُ بدونها، ومن هذه الشُّروط:

 

(حمْدُ اللهِ، والصَّلاةُ على النبيِّ-صلَّى الله عليه وسلَّم-والشَّهادتان، وقراءةُ آيةٍ من القرآنِ، والوصيَّةُ بتقوى الله).

 

والرَّاجحُ أنَّ ما ذُكِرَ من هذه الأمورِ؛ لا يُعَدُّ شروطًا للخُطبة؛ لأنَّ الأحاديثَ الواردةَ في ذلك لا تدلُّ على الشَّرطية؛ إنَّما هي مستحبَّاتٌ ومكمِّلاتٌ لها، وأمَّا الشَّرطية فلا، ويُستثنى من ذلك "الشَّهادتان" فهما شرطٌ؛ وذلك لحديثِ النبيِّ-صلَّى الله عليه وسلَّم-: " الخطبةُ التي ليس فيها شَهادةٌ كاليدِ الجَذماءِ "(27)، واليدِ الجَذماءِ: (هي التي أصابها الجُذام)، والمقصود (أنها خطبة لا خيرَ فيها ولا بركة).

 

وعن أمِّ هشام بنت حارثةَ-رضي الله عنها-قالت: "ما أخذتُ( ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ )[ق: 1] إلا عن لسانِ رسولِ الله-صلَّى الله عليه وسلَّم-يقرؤُها كلَّ جمعةٍ إذا خطب النَّاسَ"(28).

 

والرَّاجحُ أنَّ هذا على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب، فلا يلزمه ملازمة آية أو سورة مخصوصة في كل خطبة، واللهُ أعلمُ.

 

تنبيهٌ: يُستَحَبُّ أن يبدأَ الخُطبة بما يُعرَف بـ (خُطبةِ الحاجةِ)، ولها ألفاظٌ مختلفةٌ، يمكنُ جمعُها في اللَّفظ الآتي: "إنَّ الحمد لله نحمَدُه، ونستعينه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله-تعالى-من شرور أنفسِنا، وسيِّئاتِ أعمالنا، من يهْدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده، لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه.

 

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )[آل عمران: 102].

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا )[النساء: 1].

 

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا )[الأحزاب: 70، 71]. (29)

 

" أما بعدُ، فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمَّدٍ-صلَّى الله عليه وسلَّم-وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ " (30)، وفي روايةٍ -: " وكلَّ ضلالةٍ في النَّارِ " (31).

 

مسائل تتعلق بيوم الجمعة:

 

1-يَحرُم البيعُ والشراء يوم الجمعة إذا نُودِي للصلاة حتى تُقضَى؛ لقولِه تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) [الجمعة: 9-10]، ولكنْ إذا تبايَعَ اثنانِ ممن لا يجب عليهما حضورُ الجمعة – كامرأتينِ – فبيعُهما جائزٌ، وأمَّا إن كان أحدُهما ممَّنْ يجبُ عليه الجمعةُ، فالبيع حرامٌ، وقد أفاد النَّووي-رحمه الله-بتحريم العقودُ أثناء الصلاة (كعقود البيع والشراء والإيجار والنكاح)، وكذلك بتحريم الصَّنائع (يعني كل حرفة يمكن للإنسان التكسب منها)، وكلُّ ما فيه تشاغُلٌ عن السَّعيِ إلى الجمعةِ" (32)، ولكنْ إذا تم العقد بينهما أثناء الجمعة، فهل عقدُ البيعِ صحيحٌ أم غيرُ صحيحٍ؟

مذهب الشَّافعية والحنفيَّة أنه صحيح (أي: مع الإثمِ)، وذهب أحمدُ وداودُ الظَّاهري-في روايةٍ عنه-إلى أنَّه لا يصحُّ.

 

2-يُستَحَبُّ قراءةُ سورةِ الكهف يوم الجمعة؛ لما ثبت في الحديثِ أنَّ رسولَ-صلَّى الله عليه وسلَّم-قال: "مَن قرأ سورةَ الكهف يوم الجمعة، أضاءَ له النُّورِ ما بينه وبين البيت العتيق"(33).

 

3-ويُستَحَبُّ الدُّعاءُ في ساعة الإجابة يوم الجمعة؛ فقد قال رسولُ الله-صلَّى الله عليه وسلَّم-: "إنَّ في الجمعة لساعةً لا يوافِقُها عبدٌ مسلِمٌ وهو قائمٌ يصلِّي-يعني يدعو-يسألُ اللهَ شيئًا، إلا أعطاه إياه-وقال-يقلِّلُها"(34)؛ أي: "يقلِّلُ السَّاعة"؛ أي: إنَّ وقتَها قليلٌ.

 

وقد اختلف أهلُ العِلم في تحديد هذه السَّاعة إلى أكثرَ من أربعين قولاً، ولكنَّ أرجحَ هذه الأقوالِ أنَّها بعد العصر، فعن ابن عبَّاسٍ-رضي الله عنهما-أنه قال: "الساعةُ التي تُذكَرُ يوم الجمعة، ما بين صلاة العصرِ إلى غروب الشمس"، وكان سعيد بن جُبير إذا صلَّى العصرَ لَم يكلِّمْ أحدًا حتى تغرُبَ الشَّمس، وهذا قولُ أكثرِ السَّلف، وعليه أكثرُ الأحاديثِ (35).

 

4-ويُستَحَبُّ الإكثارُ من الصَّلاةِ على النَّبيِّ-صلَّى الله عليه وسلَّم-يوم الجمعةِ وليلةَ الجمعةِ؛ لقولِه-صلَّى الله عليه وسلَّم-: "أكثِرُوا من الصَّلاةِ علَيَّ يوم الجمعة وليلةَ الجمعة"(36)، وفي الحديث: "فأكثِرُوا عليَّ من الصَّلاةِ فيه؛ فإنَّ صلاتَكم معروضةٌ عليَّ"، قالوا: يا رسولَ الله، وكيف تُعرَضُ صلاتُنا عليك وقد أَرِمْتَ-أي: بَلِيتَ-قالَ: "إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ حرَّمَ على الأرضِ أنْ تأكُلَ أجسادَ الأنبياءِ"(37).

 

5-اجتماع العيد والجمعة (يعني إذا أتى العيد يوم الجمعة):

 

إذا اجتمع العيدُ والجمعة: فالرَّاجحُ من الأقوالِ أنَّ مَن شهِد العيدَ سقَطت عنه الجمعةُ؛ إنْ شاء شهِدَها، وإن شاءَ لَم يشهَدْها، لكنْ على الإمامِ أن يُقيمَ الجمعةَ؛ ليشهدَها مَن شاء شُهودَها، وهذا اختيارُ شيخِ الإسلام ابنِ تيميَّةَ، وهو أعدلُ الأقوالِ(38)؛ وذلك لحديثِ زيد بن أرقمَ وسألَه معاويةُ: هل شهدتَ مع رسولِ الله-صلَّى الله عليه وسلَّم-عيدينِ اجتمعا، قال: نعَم، صلَّى العيدَ أوَّلَ النَّهار، ثم رخَّص في الجمعةِ، فقال: "مَن شاء أن يُجمِّعَ، فلْيُجمِّعْ"(39)، ومعنى يُجمِّعَ: أي يصلي الجمعة، وعن وهبِ بن كَيْسانَ-رضي الله عنه-قال: "اجتمع عيدانِ على عهدِ ابنِ الزُّبير، فأخَّر الخروجَ حتى تعالَى النَّهار، ثمَّ خرج فخطَب، ثم نزل فصلَّى، ولَم يصلِّ للناسِ يوم الجمعة، فذكرتُ ذلك لابنِ عبَّاسٍ، فقال: أصاب السنَّةَ(40).

 

ولكن مَن لم يحضُرِ الجمعةَ في يوم الجمعة: هل يصلِّيها ظُهرًا؟

 

يرى بعضُ العلماءِ أنَّه لا يجب عليه صلاةُ الظُّهر؛ ويرى بعضُ العلماءِ أنه يصلِّي الظُّهر، قال ابنُ تيميَّة: "ثمَّ إنه يصلِّي الظُّهرَ إذا لَم يشهَدِ الجمعةَ، فتكون الظُّهر في وقتِها، والعيد يحصِّلُ مقصودَ الجمعةِ(41)، قال الشيخ عادل العزّازي: "فهذا الرَّأيُ هو الأحوطُ، وإنْ كان الرَّأيُ الأوَّلُ هو الأقوى عندي، والله أعلم".

 

بدع وأخطاء في يوم الجمعة:

 

أحدَثَ النَّاسُ كثيرًا من البِدَعِ والمخالفاتِ يوم الجمعة، نذكر أهمَّها:

 

منها: اعتقادُ كثيرٍ مِن الناس أنَّ في يوم الجمعةِ ساعةَ "نَحسٍ" لا بدَّ أنْ يصابَ فيها بسوءٍ، وهذا باطلٌ، ومخالفٌ للأحاديث الصَّحيحة التي تُثبت أنَّ في الجمعة ساعةَ إجابةٍ، وكذلك فيه تحقيرٌ وتقليلٌ لهذا اليوم وقد عظَّمَه الله.

 

ومنها: اعتناءُ القائمين على المساجدِ بوظيفة "مقيم شعائر"؛ لقراءةِ سورةٍ من القُرآنِ قبل صلاةِ الجمعة.

 

ومنها: اتِّخاذُ منابرَ زائدةٍ عن ثلاث درجاتٍ، قاطعةً للصُّفوف.

 

ومنها: تقديم بعضِهم مفارشَ إلى المسجد يوم الجمعة يحجزون بها أماكنَهم.

 

ومنها: إقامة الجمعةِ في المساجد الصَّغيرة، والصَّحيحُ أن تجمَّعَ في المساجد الكبيرة، لكن لا نقولُ ببطلان الصلاة إذا صلَّوْا في المساجدِ الصَّغيرة، وقد تقدَّم حكم المسألةِ.

 

[*] مُختَصَرَة من كتاب (تمام المِنّة في فِقه الكتاب وصحيح السُنّة) لفضيلة الشيخ عادل العزّازي أثابه الله لمن أراد الرجوع للأدلة والترجيح.

 

وللحديث بقية بإذن الله تعالى. (2/3)

_____________

[1] مسلم (854)، وأبو داود (1046)، والترمذي (491).

[2] البخاري (896)، ومسلم (856)، واللفظ له، والنسائي (3/87)، وابن ماجه (1083).

[3] مسلم (857)، وأبو داود (1050)، والترمذي (498)، وابن ماجه (1090).

[4] مسلم (233)، والترمذي (214)، وابن ماجه (1086).

[5] مسلم (652)، وأحمد (1/402).

[6] مسلم (865)، والنسائي (3/88).

[7] صحيح: رواه أبو داود (1052)، والترمذي (500)، والنسائي (3/88)، وابن ماجه (1125).

[8] "الإجماع" لابن المنذر (ص8).

[9] صحيح: رواه أبو داود (1067)، وصححه النووي في المجموع (4/482)، وقال الحافظ: صححه غير واحد.

[10] نيل الأوطار (3/282)، وانظر زاد المعاد (1/383).

[11] الشرح الممتع (5/27).

[12] البخاري (580)، ومسلم (607)، وأبو داود (1121)، والترمذي (524)، والنسائي (1/274)، وابن ماجه (1122)

[13] صحيح: رواه الطبراني في الكبير (9/308)، والبيهقي (3/254).

[14] رواه البيهقي (3/304)، وصححه الشيخ الألباني في الإرواء (621).

[15] انظر الشرح الممتع (5/62)

[16] رواه عبدالرزاق (5465)، وصححه الألباني

[17] انظر الشرح الممتع (5/64)

[18] المصدر السابق.

[19] صحيح: أبو داود (345)، والترمذي (496)، والنسائي (3/95)، وابن ماجه (1087)، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب (690)

[20] البخاري (937)، ومسلم (881)، وأبو داود (1131)، والترمذي (523)، والنسائي (3/113)، وابن ماجه (1133).

[21] رواه مسلم (882)، وأبو داود (1128)، والنسائي (3/113)، والترمذي (521).

[22] شرح النووي لصحيح مسلم (6/169).

[23] المغني لابن قدامة (2/464).

[24] البخاري (7290)، ومسلم (781)، وأبو داود (1447)، والترمذي (450)، والنسائي (3/198).

[25] زاد المعاد (1/188).

[26] المجموع (4/528).

[27] صححه الألباني: أبو داود (4841)، والترمذي (1106)، وأحمد (2/302، 343).

[28] مسلم (873)، وأبو داود (1100)، وأحمد (6/463).

[29] صحيح: أبو داود (2118)، والترمذي (1105)، والنسائي (6/89)، وابن ماجه (1892)، إلى قوله: "عبده ورسوله" مع اختلافٍ في الروايات، وأما ذكرُ الآيات فهي ثابتةٌ من حديث أبي موسى؛ رواه أبو يعلى.

[30] هذه الفقرة من حديث جابر؛ رواه أحمد (3/371)، وصحَّحه الألباني في "خطبة الحاجة" (ص25)، وأشار مسلم في صحيحه إلى إسناده ولم يسُقْ لفظَه.

[31] رواه النسائي (3/188)، وابن خزيمة (1785)، وصححه الألباني.

[32] انظر المجموع للنووي (4/500).

[33] انظر حديث رقم: 6471 في صحيح الجامع.

[34] البخاري (935، 5294، 6400)، ومسلم (852).

[35] انظر زاد المعاد (1/393، 394).

[36] أخرجه البيهقي (3/249)، وحسنه الألباني لشواهده، انظر الصحيحة (1407).

[37] صحيح: رواه أبو داود (1047)، (1531)، والنسائي (3/91)، وابن ماجه (1636).

[38] انظر الفتاوى (23/210 – 212).

[39] صحيح: رواه أبو داود (1070)، وابن ماجه (1310)، والنسائي (3/194).

[40] صحيح: رواه أبو داود (1072)، والنسائي (3/194).

[41] مجموع الفتاوى (23/211).

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات