طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    سنة الله في تقدير الأرزاق    ||
ملتقى الخطباء > الأحـداث التاريخية > وقائع تاريخية > معركة سومنات: فتح فتوح الهند

ملتقى الخطباء

(105)
1636

معركة سومنات: فتح فتوح الهند

تاريخ النشر : 1442/03/11
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

وبعد ذلك انتفض ملوك “الهند” و”السند” وعادوا إلى عروشهم، فلما تولى الخليفة الراشد “عمر بن عبد العزيز” كتب إلى ملوك “السند” يدعوهم إلى الإسلام والطاعة على أن يظل كل ملك منهم مكانه، وله ما للمسلمين وعليهما عليهم، فأجابوه ..

كلما هلَّ علينا شهر الله المحرم؛ ذو القعدة، هبت علينا نسائم عليلة من ذاكرة التاريخ الإسلامي محملة بأجمل الذكريات والمشاهد الرائعة، خاصة وأنها مشاهد ومواقف أشبه بالأساطير والملاحم الكبرى التي لا يكاد العقل يصدقها أو يتصورها من روعتها وضخامتها وكثرة أهوالها، لولا ثبوتها بالتواتر والأدلة القطعية، مواقف ومشاهد لو حاولت أكبر شركات الانتاج السينمائي تحويلها إلى فيلم ملحمي، لاحتاجت لانفاق كل ما في خزائنها إخراجاً وتصويراً وتنسيقاً وتحضيراً.

 

ومن أعظم هذه المواقف وأشدها هولاً، وأكثرها روعاً، وأضخمها اتساعاً، وأعمقها أثراً، وأغيظها لأعداء الإسلام، معركة سومنات الهندية والتي تعتبر بحق أعظم انتصار حققه المسلمون في الهند عبر العصور، وفتح فتوح الهند الذي كان إيذاناً بعهد جديد للإسلام في شرق المعمورة.

 

المسلمون الأوائل وبلاد الهند

بلاد الهند قديمًا قبل التقسيم الحالي كانت تشمل بجانب الهند كلاًّ من باكستان، وأفغانستان، وبورما وغيرهم إلى حدود الصين، وكانت منقسمة إلى بلاد الهند وبلاد السند، لذلك فلقد عرفت عند الجغرافيين باسم “شبه القارة الهندية” لضخامتها، ولقد دخل الإسلام إلى بلاد السند منذ الأيام الأولى للدولة الإسلامية، وبالتحديد سنة 15 هجرية في خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن طريق الحملات الاستكشافية التي قادها الحكم بن العاص -رضي الله عنه- الذي وصل إلى ساحل الهند، ثم تواصلت الحملات الاستكشافية أيام أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- ولكنه رفض إرسال الجيوش؛ خوفًا على المسلمين لبعد البلاد واتساعها.

 

ظل الأمر هكذا حتى صدر الدولة الأموية، وعندما تولى “زياد بن أبيه” العراق وما بعدها، فقرر أن يجعل سواحل الهند ولاية منفصلة سميت بالثغر، وتشمل المساحة التي تلي أقاليم سجستان، وزابلستان، وطخارستان – أفغانستان الآن – وكان أول من تولاها رجل اسمه “راشد بن عمرو” ومن يومها بدأت الحملات الجهادية القوية للفتح الإسلامي للهند، وبرز رجال في تلك الحملات أمثال: عباد بن زياد وسعيد بن أسلم ومحمد بن هارون، وكلهم أكرمهم الله بالشهادة في ميادين الجهاد.

 

كان التحول الكبير في مسيرة الفتح الإسلامي للهند عندما تولى الشاب القائد “محمد بن القاسم الثقفي” رحمه الله قيادة الحملات الجهادية بناحية السند، وحقق انتصارات هائلة بالقضاء على ملك السند “داهر البرهمي”، وفتح معظم بلاد “السند” وضمها للدولة الإسلامية، وأزال عنها شعائر الشرك والكفر والبوذية والبرهمية، وذلك سنة 89 هجرية، ولكن “محمد بن القاسم” ما لبث أن راح ضحية لمؤامرة دنيئة قامت بها “صيتا ابنة داهر”، حيث ادعت وافترت عليه كذبًا أنه اغتصبها، وسجن “ابن القاسم” ومات في سجنه، وحزن عليه أهل “السند” حزنًا شديدًا، وبموته توقفت حركة الفتح الإسلامي للهند.

 

وبعد ذلك انتفض ملوك “الهند” و”السند” وعادوا إلى عروشهم، فلما تولى الخليفة الراشد “عمر بن عبد العزيز” كتب إلى ملوك “السند” يدعوهم إلى الإسلام والطاعة على أن يظل كل ملك منهم مكانه، وله ما للمسلمين وعليهما عليهم، فأجابوه، ودخلت بلاد “السند” كلها في الطاعة للمسلمين، وأسلم أهلها وملوكها وتسموا بأسماء العرب، وبهذا أصبحت بلاد “السند” بلاد إسلام، وقد اضطرب أمر “السند” في أواخر أيام بني أمية، ولكنها عادت إلى الطاعة والانتظام في أيام “أبي جعفر المنصور” وفي أيامه افتتحت “كشمير” ودخلت في دولة الإسلام، ولكن ظلت بلاد “الهند” الغربية بعيدة عن الإسلام حتى ظهرت عدة دول محلية موالية للخلافة العباسية، ولكنها مستقلة إداريًّا وسياسيًّا وماليًّا، ومن أعظم تلك الدول المحلية التي ساعدت على نشر الإسلام دولة الغزنويين وقائدها الفاتح الكبير والسلطان العظيم “محمود بن سبكتكين”.

 

الدولة السبكتكينية ومحاربة البدع والفرق الضالة

تنسب الدولة السبكتكينية إلى القائد التركي ” سبكتكين ” وكان أحد قادة جيوش الدولة السامانية التي كانت تحكم معظم خراسان تحت عباءة الخلافة العباسية، وقد استطاع سبكتكين بحسن سياسته وعدله وحزمه من كسب قلوب الرعية، فصار أمره في علو شأن حتى أقام دولة ورثت في عهد ولده محمود معظم الدول التي كانت موجودة في خراسان مثل السامانيين والبويهيين والصفاريين والقرامطة، وكانت ” غزنة ” في أفغانستان عاصمة لدولته الجديدة التي حازت على رضا الخليفة العباسي ونالت شرعيتها بمباركة الخليفة العباسي ” الطائع بالله “.

 

بعد رحيل سبكتكين سنة 388 هـ، فتولى الأمر بعده ولده إسماعيل ولم يكن كفؤً للمنصب الحساس فتحرك أخوه ” محمود ” واستولى على الحكم وخلع أخاه، وجعل أولى مهامه التخلص من الدول الشيعية في خراسان فبدأ بالسامانيين ثم البويهيين ثم القرامطة، وخاض في سبيل ذلك حروباً طويلة ومريرة، وقد أقام السلطان محمود الخطبة للخليفة القادر بالله في بغداد، وأقرَّه الخليفة العباسي سلطانًا على ما تحته من بلاد خراسان والجبال والسند والهند وطبرستان، فكان أول تسمى باسم ” سلطان ” في التاريخ الإسلامي، وأرسل له الخليفة خلعة فاخرة جدًّا لم يُرسل مثلها قط خليفة إلى أي أمير من قبل، وخلع عليه الألقاب الكثيرة: “يمين الدولة، وأمين الملة، وناصر الحقِّ، ونظام الدين، وكهف الدولة، وبعدها أضاف إلى نفسه لقب: ” قاهر الهند ومحطم الصنم الأكبر”.

 

أعلن خضوع دولته الضخمة وتبعيتها للخلافة العباسية ببغداد، وخطب للخليفة العباسي القادر بالله، ونصر السنّة في بلاده ورفع شعارها، وحارب البدع والخرافات والشركيات، وكان من أشد حكام الإسلام على الشيعة والمعتزلة، قال ابن كثير في تاريخه : وفي سنة ثمان وأربعمائة استتاب القادر بالله الخليفة، فقهاء المعتزلة فأظهروا الرجوع وتبرؤا من الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذت خطوطهم بذلك، وأنهم متى خالفوا أحل فيهم من النكال والعقوبة ما يتعظ به أمثالهم، وامتثل محمود بن سبكتكين أمر أمير المؤمنين في ذلك، واستن بسنته في أعماله التي استخلفه عليها من بلاد خراسان وغيرها في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة وصلبهم وحبسهم، ونفاهم وأمر بلعنهم على المنابر، وأبعد جميع طوائف أهل البدع ونفاهم عن ديارهم وصار ذلك سنة في الإسلام”.

 

وقال ابن تيمية في الفتاوى : “وأظهر السلطان محمود بن سبكتكين لعنة أهل البدع على المنابر وأظهر السنة وتناظر عنده ابن الهيصم وابن فورك في مسألة العلو فرأى قوة كلام ابن الهيصم فرجح ذلك. كما قام بالقضاء على كل المذاهب والعقائد الضالَّة المخالفة لعقيدة أهل السُّنَّة والجماعة؛ مثل: الاعتزال، والتشيع، والجهمية، والقرامطة، والباطنية. والعمل على نشر عقيدة السلف الصالح بين البلاد الواقعة تحت حكمه، وتصدَّى لمحاولات وإغراءات الدولة الفاطمية للسيطرة على دولته، وقام بقتل داعية الفاطميين التاهرتي، الذي جاء للتبشير بالدعوة الفاطمية ببلاد محمود بن سبكتكين، وأهدى بغلته إلى القاضي أبي منصور محمد بن محمد الأزدي وقال: “كان يركبها رأس الملحدين، فليركبها رأس الموحِّدين”.

 

فائدة الخطيب: “التوحيد والسنّة هما أهم دعائم الحكم الراسخ القوي، وإقامة الدين أهم وظائف الحاكم المسلم، وكلما كان الحكم مبنياً على الدين والعقيدة الصافية الصحيحة، كلما كانت الدولة أقوى وأمنع من محاولات الاختراق من قبل خصومها”.

 

السلطان محمود وفتوحات الهند الكبرى

فتح المسلمون معظم الهضبة الإيرانية في عهد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – ثم وصلوا إلى كابل وقندهار في عهد معاوية – رضي الله عنه -، ثم كانت الوثبة الكبيرة في عهد الوليد بن عبد الملك عندما فتح المسلمون بلاد السن – باكستان – وقاموا بتمصيرها وتعريبها ونشر الإسلام فيها، ثم فتحوا كشمير في عهد أبي جعفر المنصور، وكان لذلك أثر في بداية دخول الإسلام في بلاد الهند، إذ انطلق الدعاة من بلاد السند باللسان العربي والهندي لدعوة الهنود لدين الله، فدخل الكثير منهم في الدين طواعية، ولكن الإسلام لم يثّبت أقدامه في هذه البلاد الواسعة حتى جاء السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي.

 

لم يكد السلطان محمود يثّبت أقدامه في السلطنة ويرتب أوضاعه الداخلية ويحصل على شرعية حكمه بمباركة الخليفة العباسي، حتى يمم وجهه ناحية بلاد الهند، جاعلاً من فتحها ونشر الإسلام فيها هدفاً استراتيجياً رئيسياً لدولته وفترة حكمه، وقد جعل نظير ذلك مثله من بعده، العثمانيون مع القسطنطينية، والمرابطون مع الأندلس، والأيوبيون مع الممالك الصليبية في الشام.

 

فائدة تاريخية : “لابد لكل دولة أن يكون لها هدفاً استراتيجياً حيوياً مفعم بالحركة والعمل، تقوم من أجله، وتحصل على شرعية وجودها وقوتها واستمراريتها من خلال السعي لتحقيقه، ولا يوجد أعظم من نشر الإسلام وخدمة الدعوة بشتى السبل كهدف تقوم الدول عليه، وتسعى للبقاء من أجله “.

 

اتبع السلطان محمود سياسة جهادية حكيمة في التوغل في بلاد الهند الشاسعة ذات الطقس الصعب والبيئة الصحراوية القاسية، حيث وضع استراتيجية المراحل في فتوحاته بأرض الهند. فلم تكن شبه الجزيرة الهندية وحدة سياسية واحدة تحكمها إدارة وحاكم واحد، فلقد كانت مقسمة لعدة أجزاء وإمارات وأقاليم وذلك لضخامة مساحتها وكثرة الصحاري بها، وكل إقليم كان له ملك يحكمه، وكان أكبر هؤلاء الملوك سنا وشأنا وقوة وبأسا هو الملك، جيبال، وكان في نفس الوقت أشدهم حقدا وكرها للمسلمين عموما، وآل سبكتكين خصوصا، حيث أنه سبق وأن التقى في معركة كبيرة مع الأمير “سبكتكين ” سنة 369 هجرية وهزمه “سبكتكين “، فلما انتهى السلطان “محمود” من الأمور الداخلية جعل كل همه القضاء على “جيبال”.

 

قاد السلطان محمود حملة كبيرة على شمال الهند حيث معقل الملك جيبال، وحصن مدنه واصطدم معه في معركة برشور في المحرم سنة 392 هجرية، وانتصر المسلمون، ووقع جيبال نفسه في الأسر، وكان محمود شديد الذكاء وعلى دراية تامة بنفسية كفار الهند فبعدما أسر جيبال وألبسه شعار الذل، أطلق سراحه نظير دية ضخمة، وهو يعلم ما سيفعله به قومه، فإن من عادة الهنود أنهم من وقع في الأسر من ملوكهم لا تنعقد له رئاسة عليهم أبدا، فلما عاد جيبال إلى بلده ورأى حاله وما صار إليه من هزيمة وذل وعار وضياع ملك ومال، حلق رأسه، ثم ألقى بنفسه في النار.

 

بعد القضاء على جيبال غزا السلطان محمود مدينة ” ويهند ” وهزم ملكها “بجيرا”، ثم فتح مدن بهاطية والملتان وقضى على دويلة القرامطة بها، ثم فتح البنجاب وهزم ملكها ” أنندبال ” بعد نكثه للعهود وتعاونه مع القرامطة، ثم فتح كواكير وهزم ملكها ” بيدا ” وفتح حصن ” كالنجار ” وهو من أكبر حصون الهند وأمنعها، وفي سنة 398 هـ واجه السلطان محمود أكبر تحالف هندوسي مكون من خمسة ملوك هنود بقيادة ” أبرهمن ” حفيد “جيبال”، فانتصر عليهم انتصاراً حاسماً مزق به هذا التحالف الوثني، ثم عاد السلطان إلى غزو بلاد الهند سنة 400هـ وتوغل في البلاد حتى فتح مدينة ” ناردين ” الكبيرة، ثم غزا مدينة ” تانشير ” سنة 405 هـ وكان ملكها يحتفظ عنده بنوع خاص من الفيلة اسمه ” الصيلمان ” مدرب على القتال ببراعة، وقد اجتاز الدروب والفيافي حتى وصل إلى المدينة وفتحها، وبذلك الفتح يكون قد أتم السلطان محمود فتح إقليم البنجاب كله، وأصبح الطريق ممهداً لفتح سهول الهند الداخلية.

 

ومن سنة 405 هـ حتى سنة 410 هـ أكمل السلطان محمود فتح كشمير وكلنجد وقنوج وقضى على كبار ملوك الهند، وخلال هذه الفتوحات كلها كان المسلمون لا يدعون بيتاً للأصنام إلا أحرقوه، ولا تماثيل وأوثان قائمة إلا كسروها وبنوا بأحجارها المساجد والبيوت، وغنموا ما فيها من أموال وجواهر نفسية.

 

سومنات “فتح الفتوح”

تعتبر معركة سومنات من المعارك الفاصلة ليس في تاريخ الدولة الغزنوية وحدها، ولكن في تاريخ الحضارة الإسلامية، إذا كانت معركة المصير ونقطة الفصل في مصير بلاد الهند، انتقلت بها من الظلمات إلى النور، ومن الوثنية والشرك إلى التوحيد، ووجهت أكبر ضربة لأهم مراكز الوثنية في الهند، مما أدى لسقوط باقي المدن الهندية في يد المسلمين ودخول الهنود في دين الله أفواجاً، حيث قامت حضارة عظيمة كان لها بالغ الأثر في شرق المعمورة.

 

يقع صنم “سومنات” على بعد مائتي فرسخ من مصب نهر “الجانح” بإقليم “الكجرات” في غرب الهند، ولهذا الصنم وقف عشرة آلاف قرية، وعنده ألف كاهن لطقوس العبادة، وثلاثمائة رجل يحلقون رءوس ولحى زواره، وثلاثمائة رجل وخمسمائة امرأة يغنون ويرقصون على باب الصنم، وأما الصنم “سومنات” نفسه فهو مبني على ست وخمسين سارية من الصاج المصفح بالرصاص، و”سومنات” من حجر طوله خمسة أذرع، وليس له هيئة أو شكل بل هو ثلاث دوائر وذراعان، وموضوع بطريقة هندسية دقيقة باستخدام ألواح من المغناطيس والحديد، بحيث يبدو أن الصنم معلقاً في الهواء من غير حبال في حيلة كانت تخدع العامة وينبهرون بها.

 

أثناء سير السلطان “محمود بن سبكتكين” في حملاته وفتوحاته لبلاد “الهند”، كان كلما فتح بلدًا أو هدم صنمًا أو حطم معبدًا قال الهنود: إن هذه الأصنام والبلاد قد سخط عليها الإله “سومنات” ولو أنه راضٍ عنها لأهلك من قصدها بسوء، ولم يعر السلطان “محمود” الأمر اهتمامه حتى كثرت القالة، وأصبحت يقينًا عند الهنود، فسأل عن “سومنات” هذا؛ فقيل له: إنه أعظم أصنام وآلهة الهنود، ويعتقد الهنود فيه أن الأرواح إذا فارقت الأجساد اجتمعت إليه على عقيدة التناسخ فيعيدها فيمن شاء، وأن المد والجزر الذي عنده إنما هو عبادة البحر له. فعزم على فتحه وتحطيم أسطورته حسبة لله ونصرة للدين وكشفاً لزيف الوثنية. فالسلطان “محمود” لا يبغي من جهاده سوى خدمة ونشر الإسلام، فاستخار الله تعالى وخرج بجيوشه ومن انضم إليه من المتطوعين والمجاهدين وذلك في 10 شعبان سنة 416هـ، واخترق صحاري وقفار مهلكة لا ماء فيها ولا ميرة، واصطدم بالعديد من الجيوش الهندية وهو في طريقه إلى “سومنات”، وقد أعلم الجميع بوجهته وهدفه، ليرى الهنود إن كان “سومنات” سيدفع عن نفسه أو غيره شيئًا، وحتى يتحقق للعيان أن هذه الأوثان لا تملك نفعاً ولا ضراً لنفسها أو لغيرها، فيدخلون في دين الله أفواجاً.

 

فائدة الخطيب: ” خدمة الدين ونصرته ونشره وحمايته وصيانته من العبث والتحريف والتبديل أهم دعائم الانتصار والتمكين “.

 

بلغ السلطان “محمود” بجيوشه مدينة “دبولواره” على بعد مرحلتين من “سومنات”، وقد ثبت أهلها لقتال المسلمين ظنًّا منهم أن إلههم “سومنات” يمنعهم ويدفع عنهم، فاستولى عليها المسلمون، وحطموها تمامًا، وقتلوا جيشها بأكمله، وساروا حتى وصلوا إلى “سومنات” يوم الخميس 15 ذي القعدة سنة 416هـ، فرأوا حصنًا حصينًا على ساحل النهر، وأهله على الأسوار يتفرجون على المسلمين واثقين أن معبودهم سيقطع دابرهم ويهلكهم.

 

وفي يوم الجمعة 16 ذي القعدة، وعند وقت الزوال كما هي عادة المسلمين الفاتحين زحف السلطان “محمود” ومن معه من أبطال الإسلام، وقاتلوا الهنود بمنتهى الضراوة، بحيث إن الهنود صعقوا من هول الصدمة القتالية بعدما ظنوا أن إلههم الباطل سيمنعهم ويهلك عدوهم، ونصب المسلمون السلالم على أسوار المدينة وصعدوا عليها وأعلنوا كلمة التوحيد والتكبير، وانحدروا كالسيل الجارف داخل المدينة، وحينئذ اشتد القتال جدًّا وتقدم جماعة من الهنود إلى معبودهم “سومنات” وعفروا وجوههم وسألوه النصر، واعتنقوه وبكوا، ثم خرجوا للقتال فقتلوا جميعًا، وهكذا فريق تلو الآخر يدخل ثم يقتل، وسبحان من طمس على قلوب هؤلاء حتى صاروا أضل من البهائم السوائم.

 

قاتل الهنود على باب معبد الصنم “سومنات” أشد ما يكون القتال، حتى راح منهم خمسون ألف قتيل، ولما شعروا أنهم سيفنون بالكلية ركبت البقية منهم مراكب في النهر وحاولوا الهرب، فأدركهم المسلمون فما نجا منهم أحد، وكان يومًا على الكافرين عسيرًا، وأمر السلطان “محمود” بهدم الصنم “سومنات” وأخذ أحجاره وجعلها عتبة لجامع غزنة الكبير شكرًا لله، وأرسل جزءً منها إلى الخليفة العباسي في بغداد، وجزء إلى مكة والمدينة لإعلام أهل الإسلام في كل مكان بالفتح الأعظم.

 

أعظم مشاهد المعركة

أثناء القتال الشرس حول صنم “سومنات” رأى بعض عقلاء الهنود مدى إصرار المسلمين على هدم “سومنات” وشراستهم في القتال حتى ولو قتلوا جميعًا عن بكرة أبيهم، فطلبوا الاجتماع مع السلطان “محمود”، وعرضوا عليهم أموالاً هائلة، وكنوزًا عظيمة في سبيل ترك “سومنات” والرحيل عنه، ظنًّا منهم أن المسلمين ما جاءوا إلا لأجل الأموال والكنوز فجمع السلطان “محمود” قادته، واستشارهم في ذلك، فأشاروا عليه بقبول الأموال للمجهود الضخم والأموال الطائلة التي أنفقت على تلك الحملة الجهادية، فبات السلطان “محمود” طول ليلته يفكر ويستخير الله تعالى، ولما أصبح قرر هدم الصنم “سومنات”، وعدم قبول الأموال وقال كلمته الشهيرة: “وإني فكرت في الأمر الذي ذكر، فرأيت إذا نوديت يوم القيامة أين “محمود” الذي كسر الصنم؟ أحب إليَّ من أن يقال: الذي ترك الصنم لأجل ما يناله من الدنيا؟!”.

 

فائدة تاريخية : ” هذا المشهد نرسله بصورة عاجلة لكل الطاعنين والمشككين في سماحة وعدالة الدين الإسلامي، وحقيقة الجهاد في سبيل الله وأن هذا الجهاد لم يرد به المسلمون أبدًا الدنيا وزينتها، بل كان خالصًا لوجه الله، ولنشر دين الإسلام وإزاحة قوى الكفر وانطلاقًا من طريق الدعوة الإسلامية. وهكذا نرى هذا الطراز العظيم من القادة الربانيين الذين لم تشغلهم الدنيا عن الآخرة، ولا أموال الدنيا وكنوزها عن نشر رسالة الإسلام وخدمة الدعوة إليه، والذين ضربوا لنا أروع الأمثلة في بيان نصاعة وصفاء العقيدة الإسلامية، وأظهروا حقيقة الجهاد في سبيل الله وغاياته النبيلة “.

 

فتح سومنات في عيون المستشرقين

فتح سومنات لم يكن حدثاً عابراً في التاريخ الإسلامي، بل كان ذروة المجد والسؤدد والتفوق الحضاري للأمة الإسلامية على خصومها، حدثاً استثنائياً بكل ما تحمله الكلمة من معان ومضامين، وكما كانت معركة نهاوند هي الفاصلة في الصراع بين المسلمين والفرس، لذلك أسماها المسلمون ” فتح الفتوح “، فإن سومنات كانت هي الفاصلة في الصراع بين المسلمين والهندوس، لذا فهي أحق معارك الهند بوصف ” فتح الفتوح “.

 

هذه المعركة خصيصاً نالت قسطاً وافراً من التشويه والتزييف التاريخي اجتمع على كتابته والترويج له خصوم الأمة الإسلامية من هندوس وأوروبيين صليبيين ويهود وشيعة رافضة، والبداية كانت – كما هي العادة – عبر التاريخ من عند الشيعة الرافضة.

 

المؤرخ الشيعي محمد قاسم هندو شاه المولود في عام 1560 و المتوفي في 1620، صاحب مؤلف تاريخ ” فرشته ” الذي كُتب بعد ستة قرون من فتح سومنات، كان أول من صاغ الأكاذيب والأباطيل عن الفتح الإسلامي لبلاد الهند، فقد وصفها بحمام دم القرون الوسطى، وادعى أن 400 مليون هندوسي تمت اذابتهم خلال الغزو الاسلامي للهند. فالناجين تم استعبادهم و اخصائهم.

 

دوافع الشيعي المعروف عنهم الكذب والافتراء معروفة، فالسلطان محمود رحمه الله كان حرباً على الشيعة والرافضة، طهر بلاده من شرهم، وقمع بدعهم، وألزمهم السنّة، وأنقذ الخلافة السنية، وتصدى للدولة الفاطمية الخبيثة، ومنعها من دخول شرق المعمورة، لذلك فعداوته للسلطان محمود معروفة، ومثلها عداوتهم لصلاح الدين الأيوبي والسلطان سليم العثماني وغيرهم من القادة العظام الذين حربوا التشيع وردعوه خلال فترة حكمهم.

 

تلك الادعاءات والافتراءات لاقت رواجًا لدى سلطات الاحتلال الإنجليزي في شبه القارة الهنديَّة، بعدما حصل اللورد تشارلز جون (الحاكم العام للهند 1858: 1862) على موافقة ساحقة من البرلمان البريطاني لشن حملة منظمة ضد الزعماء المسلمين للهند، والذين أزاحهم الإنجليز عن السلطة عام 1857، أي قبل تولي “جون” منصبه بعام واحد، بعد الثورة الوطنيَّة التي تلاحم فيها المسلمون والهندوس معًا ضد الاحتلال، فتبنت سلطات الاحتلال وجهة نظر فرشتة؛ من أجل التفرقة بين عنصري الأمة الهنديَّة، وساد هذا التصور، وانتشر بين العامة، وذاع وصف فتوحات محمود الغزنوي في الكتابات الحديثة بأنها “غارات بربرية”، وحروب تصفية إثنيَّة وحضاريَّة.

 

المستشرقون الأوروبيون الذين يحملون جرعات ضخمة من الكره والعداوة للإسلام وحضارته ودولته وجدوا ضالتهم في كتابات فرشتة، فراحوا يكيلون الاتهامات والأباطيل عن غزوات السلطان محمود الغزنوي.

 

فقد كتب المؤرخ الشهير ” ويل دورانت ” في كتابه الصادر في عام 1935 الموسوم بعنوان (قصة حضارة: تراثنا الشرقي) : “الغزو المحمدي للهند كان على الارجح القصة الاكثر دموية في التاريخ. سجل المؤرخون و رجال الدين الاسلاميون بفخر و فرح شديد المذابح التي ارتكبوها ضد الهندوس، التحويل القسري للدين الاسلامي، اختطاف النساء و الاطفال الهندوس و المتاجرة بهم في أسواق العبيد و التدمير الشامل للمعابد الذي جرى على يد المحاربين المسلمين خلال الفترة الممتدة من عام 800 بعد الميلاد الى عام 1700 بعد الميلاد. ملايين الهندوس قد تم تحويلهم الى الديانة الاسلامية بواسطة السيف خلال تلك الفترة”.

 

المستشرق الفرنسي الصليبي (فرانسوا جاتيير) كتب في كتابه الموسوم بعنوان (اعادة كتابة التاريخ الهندي) عام 1996: “المجازر التي تم ارتكابها بواسطة المسلمين في الهند لا مثيل لها في التاريخ، أكبر من الهولوكوست بحق اليهود على يد النازيين، اكبر من المذابح بحق الارمن على يد الأتراك، حتى اكبر و اكثر اتساعا من ذبح السكان الاصليين لأمريكا الجنوبية على يد الغزو الاسباني و البرتغالي”.

 

وهذا السياق يكشف الأبعاد الخفية لهذه الأباطيل والأكاذيب والتي من أهمها التعمية على المجازر الحالية التي يقوم بها الصهاينة في فلسطين والهندوس في الهند، ومن قبل الصليبيون في شمال أفريقيا وسواحل الشام.

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات