طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||
ملتقى الخطباء > الأحـداث التاريخية > وقائع تاريخية > السيرة النبوية > (بيعة العقبة الأولى) قراءة دعوية لبنود البيعة

ملتقى الخطباء

(6٬550)
1161

(بيعة العقبة الأولى) قراءة دعوية لبنود البيعة

تاريخ النشر : 1434/11/12
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

أن دعوة الرسول – صلى الله عليه وسلم – لأهل المدينة جاءت في وقت قد أنهك الصراع المحتدم قواهم وسفك دماءهم وقتل أشرافهم, وبلغت الكراهية في القلوب منتهاها بحيث يستحيل التوفيق بينهما والجمع بين أفرادهما إلا تحت قيادة خارجية لا تنتمي إلى أحد من الفريقين, وكان النبي – صلى الله عليه وسلم – القيادة المثلى لمثل المنصب الخطير.

 

 

 

 

الاستراتيجة الجديدة:

 

كان لتغير أسلوب عرض الدعوة الإسلامية على القبائل أثر فعال في كسر الحصار المفروض من قبل المشركين والذي عطل كثيرا ً من انتشار الدعوة في القبائل العربية بالجزيرة, وكانت أولى ثمار هذا التغيير دخول مجموعة صغيرة من أهل يثرب في الإسلام.

 

[*]   قال جابر بن عبدالله الأنصاري – رضي الله عنهما -: " مكث رسول الله – صلى الله عليه وسلم  – بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة وفي المواسم بمنى يقول: " من يؤوني ؟ من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة ؟ حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو مصر " فيأتيه قومه فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتنك, ويمشي بين رجالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع, حتى بعثنا الله إليه من يثرب فأويناه وصدقناه.

 

[*]   وكان من أولى ثمرات دخول الإسلام في يثرب في مواسم الحج والعمرة اسلام سويد بن الصامت وكان من سادات الأوس ويلقب بالكامل لشرفه سوؤده في قومه, وقد تصدى له رسول الله – – صلى الله عليه وسلم  – – وعرض عليه الإسلام, فلم يبعد ولم يعلن, وأثنى على ما جاء به رسول الله, ثم انصرف إلى المدينة وهناك أسلم ولكنه ما لبث أن قتل في صراع مع الخزرج وقد شهد رجال مسلمون من قومه الأوس على أنه قد قتل وهو مسلم يهلل ويكبر, ومن الذين أسلموا في تلك المرحلة المبكرة أيضا ً إياس بن معاذ من الأوس وكان غلاما ً قد جاء مع قومه بني عبد الأشهل يلتمسون الحلف مع قريش ضد الخزرج, وقد سمع كلام الرسول – – صلى الله عليه وسلم  – – وصدقه ولكنه كتم إسلامه وأظهره عند موته.

 

ثمرات يثرب الطيبة:

 

[*]   في موسم العام الحادي عشر من النبوة كانت البداية المثمرة للدعوة في قبائل العرب بالمواسم, إذ جاء وفد صغير من خزرج المدينة للحج ونزلوا عند عقبة منى, وكانت منازل أهل المدينة بها, وكان الوفد مكون من ستة أفراد كلهم من الخزرج وهم أبو أمامة أسعد بن زرارة, وعوف بن الحارث, ورافع بن مالك, وقطبة بن عامر, وعقبة بن عامر, وجابر بن عبدالله.

 

[*]   وقد صادفهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم  – في الموسم عند عقبة منى فقال لهم: من أنتم ؟ قالوا: نفر من الخزرج, قال: " أمن موالي يهود ؟ ", قالوا: نعم, قال: " أفلا تجلسون أكلمكم ؟ " قالوا: بلى, وجلسوا معه, فدعاهم الى الله – عز وجل – وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن.

 

[*]   كان هذا اللقاء بترتيب رباني, ومما صنعه الله – – عزوجل – – لأهل يثرب لما أراد تشريفهم بالإسلام, وذلك لعدة أسباب بعد توفيق الله – تعالى –  لهم, منها:

 

أن يهود يثرب كانوا يتوعدون الأوس والخزرج بالقتال تحت راية نبي قد أظل زمانه, وكان الأوس والخزرج أهل شرك وأوثان, في حين أن اليهود أهل كتاب, وكان الأوس والخزرج رغم المشاحنات المتبادلة مع اليهود يثقون في كلامهم ويصدقونه.

 

أن دعوة الرسول – صلى الله عليه وسلم  – لأهل المدينة جاءت في وقت قد أنهك الصراع المحتدم قواهم وسفك دماءهم وقتل أشرافهم, وبلغت الكراهية في القلوب منتهاها بحيث يستحيل التوفيق بينهما والجمع بين أفرادهما إلا تحت قيادة خارجية لا تنتمي إلى أحد من الفريقين, وكان النبي – صلى الله عليه وسلم  – القيادة المثلى لمثل المنصب الخطير.

 

إن وفد المدينة كان من الخزرج وكانوا من بني النجار أي من أخوال النبي – صلى الله عليه وسلم -, أي أنهم أكثر استعدادا ً للسماع والقبول من غيرهم, وقد حفظ النبي – صلى الله عليه وسلم  – لهم هذا الأمر, وكان يثني عليهم ويقول: " بنو النجار خير دور الأنصار ".

 

[*]   فلما كلم رسول الله – صلى الله عليه وسلم  – أولئك النفر ودعاهم إلى الله – عزوجل – قال بعضهم لبعض يا قوم اعلموا والله أن هذا النبي الذي تواعدكم به اليهود فلا تسبقنكم إليه, فأجابوه لما دعاهم إلى الله – عزوجل – وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام وقالوا له: إن قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم وعسى الله – عز وجل – أن يجمعهم الله بك وسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك و ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين, فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك.

 

[*]   أنصرف هذا الوفد المبارك بعد أن تشرف بدخول الإسلام وإعتناق الإيمان على يد الرسول – صلى الله عليه وسلم -, وقد امتلأت صدورهم بالإيمان واليقين والرغبة الحقيقية في نشر الدين وتبليغ هذا الخير لإخوانهم في المدينة, يقول ابن اسحاق معلقاً على هذه الحادثة: " فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم  – ودعوهم إلى الإسلام, حتى فشا فيهم, فلم يبقى من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله – صلى الله عليه وسلم  – ".

 

[*]   والناظر لما قام به الستة نفر الذين أعلنوا إسلامهم في نشر الإسلام وخبر الرسول – صلى الله عليه وسلم – في المدينة, والحيوية والنشاط الذي قاموا به في الدعوة الإسلامية على الرغم من إفتقارهم لأدوات الدعوة, وكيف تحول هؤلاء المشركين والوثنيون إلى أنصار الدين الجديد وجنود للحق مخلصين ودعاة نشطين محنكين كأنهم يمارسون الدعوة منذ عشرات السنين وكان ذلك كله من صنع الله – عزوجل – لدينه وسوله – صلى الله عليه وسلم  – ولأهل المدينة الذين سيتشرفون بدخول الدين وحماية الدعوة ونصرة الرسول.

 

بيعة العقبة الأولى:

 

[*]   مر عام كامل على المقابلة المباركة الأولى بين رسول الله – صلى الله عليه وسلم  – ووفد الخزرج, وفي الموسم من العام الثاني عشر من النبوة جاء وفد من أهل يثرب مكون من اثنى عشر رجلا؛ عشرة من الخزرج, اثنان من الأوس في مشهد تألفي نادر بين الاوس والخزرج ما كان له أن يتم لولا دخولهم في الإسلام.

 

[*]   هذا الوفد الجديد جاء إلى مكة بهدف مبايعة الرسول – صلى الله عليه وسلم  – والتعرف على مستجدات الدين فقد أخرج البخاري في كتاب مناقب الأنصار, ومسلم فى الحدود من حديث عبادة بن الصامت قال: " بايعنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم  – ليلة العقبة الأولى ونحن اثنى عشر رجلا, أنا أحدهم, فبايعناه بيعة النساء على: ألا نشرك بالله شيئا ً, ولا نسرق, ولا نزني, ولا نقتل أولادنا, ولا نأتي ببهتان بفتريه بين أيدينا وأرجلنا, ولا نعصيه في معروف, وذلك قبل أن نفترض الحرب, فإن وفيتم بذلك فلكم الجنة وإن غشيتم شيئا ً فأمركم إلى الله إن شاء غفر وإن شاء عذب ".

 

[*]   هذه البيعة التي عرفت ببيعة النساء لخلوها من أي تعهدات قتالية أو إي ذكر للحرب, وقيل سميت ببيعة النساء لأن بنودها هي نفس بنود بيعة النساء المذكورة في سورة الممتحنة آية 12.

 

وقد يسأل سائل لماذا أخذ الرسول – صلى الله عليه وسلم  – البيعة على هذا الوفد دون أي التزامات دفاعية أو حربية, على الرغم من تركيزه في دعوته بين القبائل خلال تلك المرحلة على الجانب الأمني والدفاعي ؟.

أولا ً الرسول – صلى الله عليه وسلم  – لم يكن يقدم على أمر من أمور الدعوة إلا بوحي من الله – عز وجل -, فهو لم يكن ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى, ولكن قد نلمس حكمته – صلى الله عليه وسلم  – في هذه البيعة في عدة امور منها:

 

[*]   أن الوفد الذي أقبل  لمبايعة الرسول – صلى الله عليه وسلم  – كان مكون من اثنى عشر رجل فقط, ولا يمثلون إلا أنفسهم وبالتالي أي تعهدات أمنية أو حربية ستكون محدودة الأثر, قليلة النفوذ, والرسول – صلى الله عليه وسلم  – كان يطلب الحماية والمنعة من زعماء القبائل وسادة العشائر.

 

[*]   إن الدعوة الإسلامية لم تكن قد ثبتت أقدامها داخل المجتمع اليثربي بحيث أنها تتطالب أتباعها بالتزامات أمنية وتعهدات قتالية.

 

[*]   إن المجتمع اليثربي كان محتقنا ً بصراعات تاريخية طويلة وعنيفة بين عنصري المجتمع – الأوس والخزرج – بل أن أشد فصول الصراع هو يوم بعاتي قد وقع في العام الثاني عشر من النبوة أي بعد دخول الإسلام إلى يثرب, ولو أخذ الرسول – صلى الله عليه وسلم  – أي تعهدات أمنية أو قتالية على المسلمين لازداد القتال إضطرابا ً وتوترا ً وإشتعالا ً في يثرب وخسرت الدعوة الإسلامية كثيرا ً.

 

[*]   وقد أختلف أهل العلم في مسألة إرسال مصعب بن عمير معلما ً لأهل يثرب وداعيا ً ومقرئا ً, فذهب فريق على أن الرسول – صلى الله عليه وسلم  – قد بعث مصعب بن عمير مع المبايعين ليعلمهم فرائض الإسلام وأحكامه ويقرؤهم القرآن ويدعو سائر أهل يثرب للإسلام, وقد ذهب  لذلك الزهري وموسى بن عقبة والبخاري وغيرهم في حين ذهب فريق آخر مثل ابن اسحاق وأبي عبدالله الحافظ وغيرهما أن مسلمي يثرب قد كتبوا إلى رسول الله صلى اله عليه وسلم يقولون: إن الإسلام قد فشا فينا, فأبعث إلينا رجلا ً من أصحابك يقرئنا القرآن ويفقهنا في الإسلام ويقيضا لسنته وشرائعه, ويؤمنا في صلاتنا, فبعث مصعب بن عمير.

 

استراتيجية سفير الإسلام:

 

[*]   كان اختيار مصعب بن عمير كسفير وداعية ومعلما ً لأهل المدينة في غاية الذكاء والحكمة من جانب النبي – صلى الله عليه وسلم -, فلقد كان من السابقين للإسلام, الذين صبروا وتحملوا المشاق والإبتلاء من أجل دينهم, كما كان من علماء الصحابة وحفاظهم, وقد نتدبه الرسول – صلى الله عليه وسلم  – لتعليم المسلمين في البيوت والمراكز الدعوية الصغيرة خلال الفترة المكية, وغير الخصال الإيمانية والمواهب الدعوية, كان مصعب بن عمير من ذووي الحسب والجاه في قريش, وكان طويلا ً وسيما ً جسيما ً ذا طلعة بهية, وحسن المنطق وعذوبة الكلام, وبالتالي قد اجتمعت لدى مصعب بن عمير كل أدوات النجاح الدعوي في مهمته بيثرب.

 

[*]   وخلال أشهر معدودة استطاع مصعب بن عمير أو المقرئ كما كان يلقبه أهل المدينة أن يحقق نجاحات دعوية كبيرة وانتشر الإسلام بصورة واسعة في سائر بيوت أهل يثرب, ونجح مصعب أيضا ً في جذب العديد من زعماء وقادة يثرب من الجانبين – الأوس والخزرج – مثل سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير وسعد بن عبادة, ولإسلام هؤلاء قصة بها العديد من الفوائد والدروس للدعاة في حسن العرض وسعة الصدر وتجنب مواطن الخلاف والسماحة و الخلق الحسن والإنصات والتركيز على الأساسيات وبث روح الإيمان في قلوب المسلمين الجدد.

 

قصة إسلام أسيد بن حضير وسعد بن معاذ – رضي الله عنهما –  

 

كان سعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيدي قومهما من بني عبد الأشهل وكانا مشتركين على دين قومهما, فلما سمعا بمصعب بن عمير ونشاطه في الدعوة إلى الإسلام قال سعد لأسيد: لا أبا لك, انطلق إلى هذين الرجلين الذين أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما, وانههما أن يأتيا دارينا, فإنه لولا أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك, هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما ً وفأخذ أسيد حربته ثم أقبل عليهما, فلما رآه أسعد بن زرارة قال: هذا سيد قومه وقد جاءك فاصدق الله فيه, قال مصعب: أن يجلس أكلمه, فوقف عليهما متشتما ً فقال: ما جاء بكما تسفهان ضعفاءنا ؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة, فقال له مصعب بلسان المؤمن الهادئ  الواثق من سماحة دعوته: أو تجلس فتسمع, فإن رضيت أمرا ً قبلته, وإن كرهته كف عنك ما تكره ؟

 

قال أسيد: أنصفت, ثم ركز حربته, وجلس إليهما, فكلمه مصعب بالإسلام, وقرأ عليه القرآن, فقالا فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم فى إشراقه وتسهله, ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله ! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين ؟ قالا له: تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك, ثم تشهد شهادة الحق ؟ ثم تصلي, فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وتشهد شهادة الحق, ثم قام فركع ركعتين, ثم قال لهما: إن ورائي رجلا ً إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكم الآن: سعد بن معاذ. ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم, فلما نظر إليه سعد مقبلا ً قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بن حضير بغير الذي ذهب به من عندكم !!

 

فما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت ؟ قال: كلمت الرجلين فو الله ما رأيت بهما بأسا, وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت, وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك.

 

فقام سعد مغضبا ً مبادرا ً مخوفا ً للذي ذكر له من أمر بني حارثة وأخذ الحربة في يده ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئا, ثم خرج إليهما, ثم خرج إليهما سعد فوجدهما مطمئنين, فعرف أن أسيدا ً إنما أراد أن يسمع منهما, فوقف متشتما ً, ثم قال لأسعد بن زرارة: والله يا أبا أمامة لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني ,أتغشانا في دارنا بما نكره وكان أسعد قد قال لمصعب: لقد جاء والله – سيد من وراءه من قومه, إن يتبعك لا يتخلف منهم اثنان, فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع ؟ فإن رضيت أمرا ً ورغبت فيه قبلته, وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره, فقال سعد: أنصفت, ثم ركز الحربة وجلس فعرض عليه الإسلام, وقرأ القرآن, وذكر موسى بن عقبة أنه قرأ عليه أول سورة الزخرف, قالا: – والله – في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله.

 

ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم, ودخلتم في هذا الدين ؟ قالا: تغتسل, فتطهر وتطهر ثوبيك, ثم تشهد شهادة الحق, ثم تصلي ركعتين, فقام فاغتسل, وطهر ثوبيه, ثم تشهد شهادة الحق, ثم ركع ركعتين, ثم أخذ حربته فأقبل عائدا ً إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير, فلما رآه قومه مقبلا ً قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم, فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم ؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا ً وأيمننا نقيبة, قال فإن كلام رجالكم ونساءكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله, قال: فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما ً أو مسلمة.

 

ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم تبقى دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال مسلمون ونساء مسلمات, إلا ما كان من الأصيرم, وهو عمرو بن ثابت بن وقش, فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد فأسلم, واستشهد بأحدً, ولم يصل لله بسجدة قط, وأخبر رسول الله – صلى الله عليه وسلم  – أنه من أهل الجنة.

وقد روى ابن إسحاق بإسناد حسن عن أبي هريرة أنه كان يقول: " حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل صلاة قط, فإذا لم يعرفه الناس قال هو أصيرم بني عبد الأشهل ".

 

بالجملة استطاع سفير الإسلام ومبعوث النبي – صلى الله عليه وسلم  – لشئون الدعوة الإسلامية في يثرب أن يحقق في أقل من عام مالم يحققه بعض الأنبياء والمرسلين في عشرات الأعوام, وذلك بتوفيق وفضل من الله – عزوجل – أولا ً, ثم توافر عدة عوامل ساعدت على انتشار الإسلام في أهل المدينة:

 

طبيعة أهل يثرب حيث كانوا ينحدرون من أصول يمنية, وقد أثنى الرسول – صلى الله عليه وسلم  – في عدة أحاديث على أهل اليمن ووصفهم برقة القلوب وسلامة الصدور, والحكمة والإيمان, وقد طبع الله – عزوجل – أهل اليمن بصفات جبلية راقية مع عدم المغالاة والتواضع وقبول الحق, وهي خصال وطباع سهلت كثيرا ً من مهمة سفير الإسلام.

 

القتال الداخلي العنيف والطويل بين عنصري المجتمع اليثربي – الأوس والخزرج – وقد أتت الحروب الأهلية الطاحنة مثل يوم بعاث وغيره على زعماء يثرب وأكابرها من الذين يتوقع منهم أن يقفوا حجر عثرة في وجه الدعوة الإسلامية كما فعل نظراؤهم في مكة والطائف وقد أخرج البخاري في كتاب المناقب, باب مناقب الأنصار, قول جابر بن عبدالله " كان يوم بعاث أمرا ً قدمه الله – تعالى –  لنبيه صلى الله عليه وسلم, فقدم رسول الله – صلى الله عليه وسلم  – وقد إفترق ملؤهم, وقتلت ثرواتهم وجرحوا, فقدمه الله لرسوله – صلى الله عليه وسلم  – في دخولهم الإسلام ". والمتتبع لأحداث السيرة خاصة في مرحلتها المكية يرى الأثر الكبير والدور الكبير الذي لعبه كبار قادة قريش و أشياخها وساداتها, لذلك قال الله – عزوجل – في محكم التنزييل ذاكرا ً حال الكفرة وندمهم يوم القيامة وذكر بعض حجج كفرهم وضلالهم الواهية, ( وقالوا ربنا إن أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل ربنا أتاهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا ً كبيرا ً ) [الأحزاب: 67 – 68], وقد ذكر عمرو بن العاص عن سبب تأخر اسلامه اتباعه لأراء الشيوخ والأكابر من قومه, وأنه لما هلك معظم هؤلاء الشيوخ والأكابر في بدر ثم أحد والخندق بدأ الإسلام يدخل في قلوب الشباب والصف الثاني للقيادات الشابة في قريش.

 

تأثر أهل المدينة باليهود أهل الكتاب الذين كانوا مستوطنين بالمدينة منذ فترة, مما جعل أهل المدينة على اطلاع ولو يسير عن الوحي والرسالات السماوية, وكان هذا السبب تحديدا ً من أهم أسباب إسلام الأوس والخزرج, ذلك أن اليهود كانوا دائما ً ما يهددون الأوس والخزرج متشبعين بفكرة ظهور نبي جديد في نفس الزمان.

 

ولعل هذا أيضا ً يفسر إعراض أهل قريش عن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم, فقريش قد غاب عنها أثر النبوات ووحي السماء منذ فترات طويلة ودهور مديدة.

 

 

———

المراجع والمصادر:

 

  • السيرة النبوية لابن هشام
  • دلائل النبوة
  • الروض الأنف
  • الطبقات 1/ 2
  • الدرر في المغازى والسير
  • السيرة النبوية للذهبي
  • السيرة النبوية للصلابي
  • البداية والنهاية
  • تاريخ الطبري
  • الكامل في التاريخ

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات