طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خادم الحرمين يؤكد الحرص على توطيد العلاقة مع العراق    ||    اليمن.. انطلاق مهمة "القبضة الحديدية" في حضرموت    ||    ليبيا.. تراجع حاد بأعداد المهاجرين في مركز تهريب البشر    ||    ميليشيات الحوثي تداهم المنازل بصنعاء وتختطف 40 فتاة    ||    مشاعر محبوسة    ||    انطواء طفلك.. بيدك أنت!    ||    مخالفات قولية عند نزول المطر    ||    الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة الغلو والتطرف    ||

ملتقى الخطباء

(6٬374)
1156

أشد الناس بلاء الأنبياء

تاريخ النشر : 1429/11/11
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

أيها البيت الصامت كالحداد لم يعد هناك صوت !!! لم يعد هناك أم !!! لم يعد هناك آمنة !! إنها ترقد هناك بالأبواء ، فيا للوعته ولهفه ويا حر قلبه عليها …

 

 

قال الإمام أحمد عليه رحمة الله : حدثنا وكيع قال : حدثنا سفيان عن عاصم بن أبي النجود عن مصعب بن سعد ، عن أبيه قال : قلت يا رسول الله ، أي الناس أشد بلاء ، قال : " الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل من الناس ، يبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان في دينه صلابة : زيد في بلاءه ، وإن كان في دينه رقة خفف عنه ، وما يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على ظهر الأرض ليس عليه خطيئة "
نعم إنه الابتلاء … يقول الله تعالى : " ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صبروا وليعلمن الكاذبين * " ..
الابتلاء : سنة من سنن الله تعالى في هذا الكون ، يبتلي بها عباده ، ليعلم الذين صدقوا وصبروا ، ممن جزعوا وخاروا .
إذ ليس الإيمان كلمة تقال ، إنما هي حقيقة ذات أفعال ، وأمانة ذات أعباء ، وجهاد يحتاج إلى صبر ، وجهد يحتاج إلى احتمال ..
وإن أعظم الناس بلاء : الأنبياء .. ولنبينا صلى الله عليه وسلم من البلاء أعظمه ، ومن المحن أشدها …
فمن صور بلاءه صلى الله عليه وسلم ما جرى له من يتم
بفقد أبيه ثم فقد أمه …
فعندما شق صدر النبي الصغير عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم خافت حليمة عليه فردته إلى أحضان أمه آمنة ، ترعاه وتحنو عليه ، تحدثه ويحدثها ، وتلاعبه ويلاعبها ، وتقص عليه وتملأ دنياه ويملأ دنياها ، فأي براءة كانت تشع في عيني ذلك الطفل الطاهر ، المغسول بالثلج في مرابع حليمة ، لا شيء كالأطفال براءة ، فتخيل براءة محمد صلى الله عليه وسلم وهو صغير ، يا لبهجة آمنة به ، ويا لشقاءه بها وحزنه عليها ، بعد أن أخذته معها متجهة به نحو أخواله في يثرب ، حيث قضى وقتا هناك يمرح في طرقاتها ويتأملها …
ثم رجعت آمنة بصغيرها إلى مكة ، وفي مكان يقال له الأبواء بين مكة والمدينة توقفت المطايا ، ونزلت آمنة عن ظهر الراحلة ونزل صغيرها وقد تعلقت عيناه بها وهي تتوجع وتئن أمامه ، فلا يستطيع منحها ما يخفف ألمها سوى نظرات حائرة خائفة ، وتزيد آلامها ويزيد أنينها ، وتموت آمنة !!
وتدفن أمام عينيه ، بعيدا عن مكة ، وبعيدا عن عبد المطلب ، بعيدا عن أعمامه ، تؤخذ آمنة منه ، وتوارى تحت أكوام التراب ، ويعود باكيا وحيدا حزينا وقد تيتم مرة ثانية ، يعود إلى مكة ، يعود إلى ذلك البيت الصغير ، ويجول ببصره في أركانه الصامتة ، هنا كانت ترقد آمنة ، وهنا كانت تعد له طعامه ، وهناك كانت تلاعبه وتسعى لإضحاكه عندما تقوده خطواته الصغيرة إليها باكيا ، وفي هذا المكان كان يستحم بيديها …
أيها البيت الصامت كالحداد لم يعد هناك صوت !!! أيها البيت الصامت لم يعد هناك أم !!! لم يعد هناك آمنة !! إنها ترقد هناك بالأبواء ، فيا للوعته ولهفه ويا حر قلبه عليها .
ربما تنبه ليلة فلم يجدها بقربه ففاضت عيناه بالدمع ، وألجمه الحزن والحنين إليها ، أو ربما كان يسأل جده وأعمامه عنها فيتجرعون الصمت ، وتفيض أعينهم شفقة عليه وحزنا ، فتتيه عنهم الإجابة .
إن للطفل أسئلة ملحة ومحرجة ، فكيف بأسئلة طفل مفجوع أصابه الدهر بأبيه وأمه . يسأل عنها ، ومتى ستعود ، وإلى أين ذهبت ، وهل ستتركه وحيدا أم سيذهب إليها ، أسئلة كلها بث وانكسار متى ما حاصرتك خفضت رأسك وبكيت .
لقد تعلق بها رغم أنه لم يحظ بقربها إلا سنوات قليلة ، مر ذات يوم بقبرها فرئي له بكاء لم يبكه من قبل ، يقول بريدة رضي الله عنه : ( انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسم قبر فجلس ، وجلس أناس حوله ، فجعل يحرك رأسه كالمخاطب ، ثم بكى فاستقبله عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقال : يا رسول الله ما يبكيك ؟ فقال :
هذا قبر آمنة بنت وهب ، استأذنت ربي في أن أزور قبرها ، فأذن لي ، واستأذنته في الاستغفار لها ، فأبى عليها ، وأدركتني رقتها فبكيت . فما رؤيت ساعة أكثر باكيا من تلك الساعة ) …
وماذا يملك النبي صلى الله عليه وسلم لأمه سوى الدموع ، فهو مجرد نبي مرسل ، والأمر كله لله وحده ، فعليه أن يأتمر بما أمره الله به من الصبر والاحتساب ، كما صبر في صغره على مرارة اليتم ووحشته ..
وصدق الرسول الكريم حين قال : " أشد الناس بلاء الأنبياء " ..

المراجع :
– مسند الإمام أحمد ..
– كتاب السيرة النبوية للدكتور محمد الصوياني..
– الرسل والرسالات للدكتور عمر الأشقر..
– الرائد للشيخ مازن الفريح..

 

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات