طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||
ملتقى الخطباء > الأحـداث التاريخية > وقائع تاريخية > التاريخ الإسلامي > من إنجازات الحضارة الإسلامية (1) النظام المالي والاقتصادي

ملتقى الخطباء

(1٬547)
1241

من إنجازات الحضارة الإسلامية (1) النظام المالي والاقتصادي

تاريخ النشر : 1437/07/19
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

ولم يقتصر الأمر على مجرد الهجوم أو المطالبة بإلغاء الفائدة الربوية، بل إنه قد أخذت بعض البنوك الغربية الكبرى في تطبيق الصيغ الإسلامية في محاولة لمنافسة البنوك الإسلامية على جذب أموال المودعين سواء داخل العالم الإسلامي أو خارجه. وقد أصبحت بريطانيا عاصمة البنوك الإسلامية، سواءً في (لندن) أو (برمنجهام)، حيث توجد جالية إسلامية كبيرة، وهناك خطط لفتح 12 فرعاً لبنوك إسلامية في المدن البريطانية المختلفة خلال العامين المقبلين، وقامت بورصة لندن بإنشاء مؤشر (داو جونز الإسلامي)؛ لقياس حجم التعاملات على الأوراق المالية الإسلامية (الصكوك)..

 

 

 

تخلد الحضارات الإنسانية بمقدار ما تُقدمه في تاريخ الإنسانيَّة من آثار خالدة في مُختلف النَّواحي الفِكرية، والخلقية، والمادية، والحضارة الإسلامية لعبت دورًا خطيرًا في تاريخ التقدُّم الإنساني، وتركت في ميادين العقيدة والعلم، والحكم والفلسفة، والفن والأدَب وغيرها آثارًا بعيدة المدى، قويةَ التأثير فيما وصلت إليه الحضارة الحديثة اليوم. وإن من أبرز ما تميزت به الحضارة الإسلامية والتي تمثل تفاعل كافة القيم والتعاليم الإسلامية مع المجتمع البشري هي تلك النظم التي قامت عليها تلك الحضارة الإسلامية والتي شملت أمور الحكم والإدارة والسلام والسّير والاجتماع والاقتصاد وكل ما يتصل بتنظيم أمور الدولة المسلمة التي هي المحتوى العلمي لقيم الحضارة الإسلامية، وحديثنا في هذا المقام عن النظام الاقتصادي في الحضارة الإسلامية. فمما عنيت به الشريعة الإسلامية عناية كبيرة الشئون المالية، حيث وضعت لها سياسة رشيدة عادلة راعت فيها تحقيق العدالة في كل من جمع المال من أربابه، وصرفه في مصارفه، وإن الباحث ليجد في كتاب الله –تعالى- وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وفيما خلفه لنا الأئمة المجتهدون الثروة الفقهية الغنية أصدق شاهد على عدالة تلك السياسة المالية.

 

يُعتبر النظام المالي الإسلامي من أكثر الأنظمة استقلالاً، وأنبلها غاية في حضارتنا، وقد قرر القرآن الكريم هذا في قوله تعالى: (كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) [الحشر: 7]. فهدفت الحضارة الإسلامية إلى وجوب تداول الأموال بين الناس جميعًا، وعدم اقتصار ذلك على فئة الأغنياء؛ لأن ذلك مما يُسبب حرجًا في المجتمع الإسلامي، وإعلاءً لطبقة بعينها دون وجه حق، والقرآن الكريم قد أرسى القواعد الكلية لتنظيم الاقتصاد، وجاء بعناصر متكاملة تمد الفكر العلمي بحاجته منه، وتشتمل على الأسس التي تكفل للجنس البشري أوضاعاً اقتصاديةً تحقق له مستويات عليا من الرفاهية قبل أن يقوم علم الاقتصاد ويصل إلى ما وصل إليه من التقدم، ومما جاء في القرآن الكريم:

أولاً: بيت المال:

راعت الدولة الإسلامية أن يكون لها نظام مالي تسير عليه، فأنشأت بيتاً للمال يقوم على رعاية مصالحها، وهو يشبه وزارة المالية في وقتنا الحاضر، والقائم عليه يشبه وزير المالية. ولبيت المال حقوق وعليه واجبات، فكل ما يستحقه المسلمون ولم يتعين مالكه منهم فهو حق من حقوق بيت المال، وكل ما وَجَبَ صرفه في مصالح المسلمين فهو حق على بيت المال، ولبيت المال موارد مثل الصدقة والغنيمة والفيء، وهذه الموارد قسمان: موارد دورية تجبى في أوقات معينة من كل عام كالزكاة والجزية، وموارد غير دورية كخمس الغنائم والركاز.

 

ويعتبر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله- عنه أول من أنشأ بيت المال بسبب الفتوحات العظيمة التي تمت في عهده ثم عهد عثمان -رضي الله عنه-، والخيرات التي تدفقت على الدولة المسلمة، حيث فتحت الشام والعراق ومصر والجزيرة والجبل وأرمينيا والري وأذربيجان وأصبهان في عهد عمر بن الخطاب، وفُتحت كرمان، وسجستان، ونيسابور، وفارس، وطبرستان، وهراة، وبقية أعمال خراسان وإفريقية في عهد عثمان، كان من الطبيعي أن تفد الأموال بصورها المختلفة إلى مقر الخلافة الإسلامية في المدينة النبوية، فقد روى ابن سعد في طبقاته أن أبا هريرة قدم على عمر من البحرين فلقيه في صلاة العشاء الآخرة فسلم عليه ثم سأله عن الناس ثم قال لأبي هريرة: ماذا جئت به؟ قلت: جئت بخمسمائة ألف درهم. قال: ماذا تقول؟ قلت: مائة ألف، مائة ألف، مائة ألف حتى عددت خمسًا، فقال عمر، إنك ناعس فارجع إلى أهلك فنم، فإذا أصبحت فأتني، قال أبو هريرة: فغدوت إليه فقال: ماذا جئت به؟ قلت: جئت بخمسمائة ألف درهم، قال عمر: "أطيب" قلت: نعم لا أعلم إلا ذلك، فقال عمر للناس: إنه قد قدم علينا مال كثير، فإن شئتم أن نعده لكم عدًا، وإن شئتم أن نكيله لكم كيلاً، ونشأت من يومها فكرة بيت المال. ولقد أنشأ عمر بيت المال الفرعي في كل ولاية يكون خاصًا بموارد ومصارف تلك الولاية وما يزيد يرد على بيت المال العام أو المركز الرئيس بالمدينة، وجعل له أمينًا مستقلاً في عمله عن الوالي وعن القاضي وهو ما عرفه العالم بعد ذلك باسم "مبدأ فصل السلطات". فقد عين عمر بن الخطاب عمار بن ياسر على إمارة الكوفة، وبعث معه عبد الله بن مسعود على بيت المال، وجعله مُعلِّمًا ووزيرًا. وكانت سياسة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب تقوم على عدم ادِّخار الأموال في بيت المال للنوائب، بل كان يجري توزيعها لمستحقيها أولاً بأول، فيذكر ابن الجوزي أن عمر "كان يأمر بكسح بيت المال مرة في السنة. أي أنه كان يُفرغُ بيت المال مما فيه، لتوزيعه على مستحقيه كل عام. كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يُقَسِّم أموال بيت المال كل جمعة؛ "حتى لا يُبقي فيه شيئًا"خوفًا من فتنة المال على الراعي والرعية، ولذلك دخل بيت المال ذات مرة: "فوجد الذهب والفضة، فقال: يا صفراء اصفري، ويا بيضاء ابيضي، وغُرِّي غيري، لا حاجة لي فيك". ولا غرو أن هذا العمل من الأعمال الجليلة التي قامت بها الحضارة الإسلامية، فقد حرصت مؤسسة الخلافة منذ فترة مبكرة على إشراك الرعية في أخذ أنصبتها التي قسمتها الدولة فيما بينهم، في وقت معلوم من كل عام دون تأخير أو تلكؤ، وذاك نوع من أنواع التكافل والنظام الممنهج بين الراعي والرعية.

 

 

 

ثانياً: موارد بيت المال:

تنقسم موارد بيت المال في الدولة المسلمة إلى عدة موارد ومصادر تحت القاعدة الأصولية العامة (إن الأصل في الأموال الحرمة وما أبيح أخذه يكون بنص). وهي القاعدة المستفادة من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  في خطبة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام " وهذه الموارد كما يلي:

 

أولاً: الزكاة: وهي ركن من أركان الإسلام وفريضة محكمة وثابتة إلى قيام الساعة وهي مقدار معلوم من مال الأغنياء يرد إلى إخوانهم الفقراء، وهي أرقى صور التكافل والتراحم الاجتماعي، والذي لا يعرف نظيره في أي مجتمع من المجتمعات السابقة أو اللاحقة، وهذا المورد من موارد بيت مال الدولة المسلمة يتميز عن باقي الموارد بتحديد مصارفه وأوجه إنفاقه وهي المذكورة في الآية رقم 60 من سورة التوبة.

 

ثانيًا: الخراج: لما فتح المسلمون بلاد العراق وأزالوا دولة الفرس المجوس منها وأيضا فتحوا الشام والجزيرة وطردوا الروم منها طلب كثير من كبار الصحابة من الخليفة عمر بن الخطاب أن يقسم الأرض المفتوحة على الفاتحين والمجاهدين كما قسم عليها الغنائم المنقولة من سلاح ومتاع ولكن عمر رأى أن تكون الأرض المفتوحة فيئًا لعموم المسلمين على مر العصور، واستند في رأيه على آيات الفيء الموجودة في سورة الحشر، وآية الفيء هذه لعموم المسلمين حتى في العصور القادمة، وألح عليه الصحابة في تقسيم الأرض ولكنه أبى، وأيده في رأيه عبد الرحمن بن عوف، وشرح الله -عز وجل- صَدْرَ الفاروق لهذا الرأي الذي كان فيه الفلاح والصلاح للأمة المسلمة، وجعل عمر هذه الأرض عليها مقدار معين من المال تدفعه كل عام وهو ما عرف بالخراج، والأرض الخراجية تنقسم إلى نوعين هما:

1-الأراضي التي فتحت عنوة وبقي عليها أهلها -دون أن يدخلوا في الإسلام- يفلحونها لحاجة الدولة لخبراتهم على أن يدفعوا خراجها وينتفعوا بالباقي مقابل عملهم في الأرض.

 

2-الأراضي التي فتحت صلحًا واتفق المسلمون مع أهلها على أداء خراجها مقابل أن تبقى في أيديهم يتوارثونها طالما يدفعون خراجها ولا يستطيع أحد أن يأخذها.

 

وكان الخراج أحيانًا في صورة مال أو حاصلات زراعية وكان يجبى بعد الحصاد، وحولُه شمسي لا قمري؛ لارتباط الزراعة بالنظام الشمسي والفصول الأربعة. مع ملاحظة حقيقة هامة تضمن استمرارية الخراج كمصدر هام من مصادر الأموال في الدولة المسلمة، وهي: أن الخراج لا يسقط عن الأرض أبدًا حتى ولو أسلم أصحابها، ويعتبر كتاب الخراج للقاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة من أفضل وأول ما كتب في مصادر بيت مال الدولة ومصارفه كتبه بناءً على طلب الخليفة العباسي هارون الرشيد الذي أراد ضبط الأمور المالية في خلافته.

 

لما اتضح لعمر رأيه في الأرض المغنومة أرسل من قبله رجالاً لمسح أرض السواد (بالعراق) فبلغت مساحتها 26 مليون جريب، والجريب مساحته تقدر بألف ومائتان متر، وجعل عمر على كل جريب مقدارًا معينًا من الدراهم يختلف من جريب لآخر حسب طبيعة الزراعة أو الثمار والزروع، فالكرم والنخل تختلف عن القمح، والشعير عن القطن عن القصب وهكذا، وبلغت قيمة خراج أرض السواد قبل وفاة عمر بعام واحد مائة مليون درهم.

 

وقد بقي لنا من عهد المأمون العباسي أثر تاريخ هام يدل على مقدار الجباية الخراجية من جميع الأقاليم، وقد ذكره ابن خلدون في مقدمته نقلاً عن كتاب جراب الدولة ولما في ذلك الأثر من الفائدة والتوضيح نذكره كما هو:

الإقليم

الخراج النقدي

الخراج العيني

أرض السواد

27800000 درهم

200 ثوب

كسكر

11600000 درهم

240 رطلاً من التين

كور دجلة

20800000 درهم

 

حلوان

4800000 درهم

 

الأهواز

25000000

30 ألف زجاجة ماء ورد/ 30000 رطل سكر

فارس

27000000

30200 رطل زيت/ 20000 رطل تمر

خراسان

28000000

20000 ثوب

الري

12000000

20000 رطل عسل

همذان

11300000

1000 رطل رمان / 12000 رطل عسل

البصرة / الكوفة

10700000

20000 رطل عسل

الموصل

24000000

 

أرمينية

13000000

 

برقة

1000000

 

أفريقية (تونس)

13000000

 

قنسرين

4000000 دينار

 

دمشق

420000 دينار

 

الأردن

97000 دينار

 

فلسطين

310000 دينار

 

مصر

1920000 دينار

 

اليمن

370000 دينار

 

الحجاز

3000000 دينار

 

 

ثالثاً: العشور: ليست كل أراضي الدولة الإسلامية المفتوحة تعتبر أرضًا خراجية بل هناك نوع آخر من الأراضي لا يفرض عليها الخراج وهي التي يفرض عليها عشر غلتها واسمها الأرض العشرية وهي ثلاثة أنواع:

 أ-الأرض التي أسلم أهلها وهم عليها من غير قتال ولا حرب.

 

ب-الأرض التي لم يعرف لها صاحب ووزعت على الفاتحين بإذن الإمام.

 

ج-الأرض البور أو الموات التي فتحها المسلمون وقاموا باستصلاحها.

 

ويلاحظ أنه لا يجوز تحويل الأرض العشرية إلى أرض خراج كما لا يجوز تحويل أرض الخراج إلى أرض عشرية.

 

رابعًا: الجزية: تأمر شريعة الإسلام السمحة النقية أنه إذا أراد المسلمون غزو بلد وجب عليهم أولاً: دعوة أهله إلى الدخول في الإسلام فإذا لم يسلموا يبقون على دينهم ويدفعون الجزية مقابل دفاع المسلمين عنهم ورد العدوان عن بلادهم وتمتعهم بجميع حرياتهم، وهي تقابل الزكاة المفروضة على المسلمين وتتبين لنا عظمة هذا الدين القويم في أن الجزية لا تؤخذ إلا من الرجال دون النساء والصبيان ولا تؤخذ من مسكين ولا من أعمى ولا من مقعد لا مال له ولا من راهب ولا من شيخ كبير لا يستطيع العمل ولا من المرضى الزمنى، وليس في أموال أهل ذمة المسلمين زكاة، وتتضح أيضًا عظمة هذا الدين في أن مقدارها يختلف من حالة لأخرى حسب يسر الدافع، وقد ذكر أبو يوسف في كتابه الخراج ثلاثة فئات 58 درهمًا على الموسرين، و24 على المتورطين، و12 على العمال، والجزية لا تسقط عن الذمي إلا في حالة واحدة وهي إسلامه بخلاف الخراج.

 

وليست الجزية من مستحدثات الإسلام فلقد عرفتها الأمم السابقة، فلقد فرض اليونان القدامى على سكان سواحل آسيا الصغرى في القرن الخامس قبل الميلاد ضريبة أشبه بالجزية مقابل حمايتهم من هجمات الفينيقيين كما فرضها الروم على الشعوب التي أخضعوها لحكمهم وتبعهم الفرس، وكانت الجزية في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر الصديق على أهل الكتابين اليهود والنصارى، فلما كان عهد عمر بن الخطاب ألحق بهما المجوس عملاً بمشورة عبد الرحمن بن عوف، فلما كان عهد المأمون العباسي ألحق بهم (الصابئة).

 

خامسًا: الغنائم: وهي بحل ما غنمه المسلمون في حربهم ضد الكفار والمشركين من غير الملة، وقد أباحها الله -عز وجل- لهذه الأمة لما رأى ضعفها وقصر أعمارها وكثرة أعدائها وهي من خصوصيات هذه الأمة الخاتمة ولم تكن لأمة ولا نبي من قبل، وهذه الغنائم عبارة عن المتاع والسلاح والخيل والأموال المنقولة من ذهب وفضة وغير ذلك ولا يستثنى إلا الأرض عملاً بمذهب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في جعلها وقفًا لعموم المسلمين.

 

والغنائم لا يدخل منها في بيت المال إلا الخمس أما باقي الأخماس الأربعة فتوزع على المجاهدين سواء كانوا من الجند النظاميين أو من المتطوعين، أما مصرف الخمس فهو مذكور في قوله عز وجل: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الأنفال:41] ، وعندما جاء عمر اتفق مع الصحابة على جعل سهم الرسول وسهم قرابته في الكراع والسلاح ومصالح المسلمين وهذا ما عليه الراجح من أقوال أهل العلم.

 

سادسًا: عشور التجارة، ولم تكن عشور التجارة من الموارد التي ذكرها القرآن الكريم ولكنها أحدثت في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله  عنه- أيضًا وسبب ذلك أن أبا موسى الأشعري كتب إليه أن تجاراً من قبلنا من المسلمين يأتون أرض الحرب فيأخذون منهم العشر، فكتب إليهم عمر: وخذ أنت منهم كما يأخذون من تجار المسلمين.وروي أن أهل مدينة (مبنج) وكانوا نصارى في شمال الجزيرة كتبوا إلى عمر بن الخطاب يقولون: دعنا ندخل أرضك تجاراً وتعشرنا، فشاور عمر الصحابة في ذلك فوافقوا فأصبحت سنة ماضية، وإذا كان القادم بالتجارة من المسلمين فيُسأل هل أدى زكاة هذه التجارة أم لا؟ ويقبل يمينه على ذلك، وهكذا نرى أن العشور تختلف تمامًا عن صورة الجمارك المفروضة اليوم على كل ما يأتي من الخارج سواء كان التاجر مسلمًا أو غير مسلم.

 

سابعاً: الركاز، والركاز كلمة جاءت في الفقه تحمل معنى الثابت في الأرض من المعادن التي ركزها الله فيها كالذهب والنحاس والبترول والفضة والملح (وليس هذا معدنًا ولكنهم يدخلونه في الركاز، وكذلك ما ركزه الناس من كنوز كالآثار القديمة والأموال). والمعروف أن بيت المال يدخله الخمس من هذا الركاز وأما الأخماس الأربعة فهي لمن حصل باجتهاده وتنقيبه على هذه الكنوز. وقد تكون هذه القسمة غريبة في وقت ظهرت فيه الثروات الضخمة كالبترول والذهب والنحاس بهذه الكميات الهائلة، وقد يقول قائل وكيف يملك هذا المال كله فرد منقب أو أفراد مشتركين. وهو يجب أن يكون للأمة بكاملها. وهذا القول خطأ من قائله في التصور والفهم فالشركات المنقبة عن البترول في بلاد العرب وأرض الإسلام والتي تحصل على نصيب الأسد من هذه الكنوز شركات أهلية أجنبية وليست الشركات حكومية، والعجب أن النسبة التي تدفعها هذه الشركات لحكوماتها هي نسبة قريبة مما قرره الرسول -صلى الله عليه وسلم- منذ أربعة عشر قرنًا وهي تصل أحيانًا إلى 25% أي الربع، والمال القومي في أمريكا –مثلاً- عماده الأول هو هذه الضريبة على هذه الشركات التي تغزونا وتمتص خيرات بلادنا. ولو كان مبدأ الحرية الاقتصادية الذي نادى به الإسلام معمولًا به في أرض الإسلام؛ لكانت ثرواتنا جميعها اليوم بأيدينا، وشركاتنا هي التي تستخرج بترولنا من أرضنا بل وتبحث في أماكن أخرى عن مشاركة وإنتاج ولكننا وقعنا في خطأ الغفلة أولًا فأعطينا ثروتنا بعقود جائرة باطلة تسمى عقود الامتياز لأعدائنا، ثم نطالب اليوم بتأميمها وهو خطأ جديد نصحح به خطأ قديمًا، ولست أعني بالتأميم استرداد السيطرة على هذه الثروة بشركات أهلية إسلامية إذا أن سيادتنا على ثرواتنا هي جزء من مفهوم قوله تعالى: (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 139]. وخلاصة هذا الأمر أن مبدأ الركاز مقنن معروف في الإسلام ولكن بالظروف الحادثة والمشاكل الجديدة يصبح نظر أهل الشورى لازمًا؛ لإيجاد الصيغة المناسبة لتطبيق هذه الأحكام، ويستحيل عقلاً أن يكون لعقل واحد ورأي واحد النظر الأول والأخير في مثل هذه الأمور الخطيرة. وخاصة أن مثل هذه الأمور قد تحتاج إلى تشريع متدرج يناسب ظروف الانتقال والبنية الاقتصادية بنية معقدة جدًا ليس من اليسير تبديلها وتغييرها سريعًا. وتقدير الظروف والمناسبات وإمكانية التغيير والتبديل لا بد وأن يشترك فيه أهل الخبرة والرأي من المسلمين وهذا هو ميدان الشورى وعملها.

 

ثامناً: الضرائب: الضريبة فعيلة بمعنى مفعوله وهي: ما يقرره السيد على عبده في كل يوم أن يعطيه، وقد ترجم لذلك الإمام البخاري في صحيحه بقوله: "ضريبة العبد وتعاهد ضرائب الإماء" ثم ذكر حديث أنس -رضي الله عنه- قال: "حجم أبو طيبة النبي -صلى الله عليه وسلم- فأمر له بصاع أو صاعين فكلم مواليه فخفف عن غلته أو ضريبته". والمعروف المشهور أن الضرائب أو ما تسمى في الفقه بالمكوس محرمة شرعًا؛ لأنها أخذ للمال بغير رضا وطواعية. ولكن بعض علماء السنة كان له نظر في ذلك بحسب المصالح فلم ير هذا الفريق من العلماء بأسًا أن يفرض الحاكم ضريبة ما لسد ثغرة من الثغور في قيام الأمة ونهوضها كالحرب والتعليم والطرق. وفسر المكوس المنهي عنها شرعًا بالمكوس التي تؤخذ من الناس على وجه الظلم ولا يعود على دافعها من نفع منها، أما ما يأخذه الحاكم المسلم وينفقه في مثل الوجوه السابقة من ميزانية الحرب والتعليم والصحة وغير ذلك فإنه يعود بالنفع على مجموع الذين دفعوا هذه الضرائب والمكوس. والفرق بين الضرائب والصدقات المفروضة أن الضرائب تفرض في الحالات العادية، وأما الصدقات المفروضة فإنها تفرض في حالات الاستثناء فقط.

ولا شك أن تقدير هذه الضرائب يعود إلى رأي أهل الشورى من المسلمين. لا شك أن جباية الضريبة من الأفراد فيها استيلاء على جزء من مالهم وحرمان لهم من التمتع به، وهذا الحرمان إنما رخص؛ فيه لأن الضرورة قضت به، إذ لا يمكن القيام بالمصالح العامة بدونه، ومن القواعد المقررة أن الضرورة تقدر بقدرها، فيجب ألا يتجاوز بالضرورة القدر الضروري، وأن يراعى في وضعها وطرق تحصيلها مما يخفف وقعها.

 

ثالثاً: مصارف بيت المال:

هذا بالنسبة بموارد بيت مال المسلمين أو ما يطلق عليه في الصورة الحديثة بند (الإيرادات)، أما بالنسبة للمصروفات أو مصارف بيت المال فهي كالآتي:

أولاً: أرزاق الولاة والقضاة وموظفو الدولة والعمال في المصلحة العامة ومن هؤلاء أمير المؤمنين أو الخليفة نفسه.

 

ثانيًا: رواتب الجند والعسكر، ولم يكن هناك في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- مرتبات معينة للجند؛ لأن الجميع كانوا جنودًا، ولم يكن هناك جيش نظامي بالمعنى المعروف.

 

ثالثاً: عطايا الرعية، وكان الجميع يأخذ من أربعة أخماس الغنائم والخراج ولما ولي أبو بكر ساوى بين الناس في الأعطيات فلما جاء عمر بن الخطاب قسم العطاء مفضلاً الأسبق فالأسبق وعلى هذه القاعدة كانت المرتبات كالآتي كما ذكرها صاحب الخراج:

-12000 درهم لأزواج النبي -صلى الله عليه وسلم.

 

-5000 درهم لعمه العباس، ولأهل بدر وألحق بهم الحسن والحسين.

 

 -4000 درهم لمن كان إسلامه كأهل بدر ولكن لم يشهدها وألحق بهم أسامة بن زيد.

 

– 3000 لعبد الله بن عمر وبعض أبناء المهاجرين والأنصار كعمر بن أبي سلمة.

 

-2000 درهم لأبناء المهاجرين والأنصار.

 

-800 درهم لأهل مكة.

 

-400/300 لسائر الناس.

-600 إلى 200 لنساء المهاجرين والأنصار.

-9000 لأمراء الجيوش والقراء، وهكذا كان الحال، فلما كثر الناس عن حاجة الغزو والجهاد ولدواعي قيام الحضارة العمرانية اشتغل كثير من الأمة بغير الجهاد من الصنائع فلجأت الدولة للجيش النظامي وأصبح هناك دواوين خاصة بالجند ينالون منها الرواتب الخاصة بهم على رأس كل سنة.

 

رابعاً: تجهيز الجيوش وآلات القتال من سلاح وذخائر وخيل وما يقوم مقامهما.

 

خامساً: إقامة المشروعات العامة من جسور وسدود وتمهيد الطرق والمباني العامة ودور الاستراحة والمساجد.

 

سادساً: مصروفات المؤسسات الاجتماعية مثل المستشفيات والسجون وغير ذلك من مرافق الدولة.

 

سابعاً: توزيع الأرزاق على الفقراء واليتامى والأرامل وكل من لا عائلة له، فالدولة تعوله وتكفله.

 

رابعاً: أثر الحضارة الإسلامية في الاقتصاد المعاصر:

إن من أهم آثار علم الاقتصاد الإسلامي في الحضارة الغربية ما كان من علماء الاقتصاد في الغرب حين طالبوا بضرورة ربط الاقتصاد بالأخلاق والقضاء على الفائدة الربوية التي تعتبر من أهم أسس الاقتصاد الرأسمالي، وكان الإسلام قد سبق كل هؤلاء العلماء بأن جعل الشريعة الإسلامية هي الحاكمة للنشاط الاقتصادي، وطالب منذ أكثر من أربعة عشر قرناً بإلغاء الربا التي اكتشف علماء الغرب مؤخراً أنه السبب في الكساد والتضخم وارتفاع الأسعار. فقد ظهر من علماء الاقتصاد الغربيين من هاجم بشدة الفائدة الربوية التي تتعامل بها البنوك وحمَّل تلك الفائدة الربوية كل حالات الركود والكساد والتضخم التي تصيب النظام الرأسمالي بصفة مستمرة دورية، وطالب بجعل تلك الفائدة صفراً أي إلغاءها حتى يتجنب الاقتصاد الرأسمالي كل هذه السلبيات، وهذا ما قال به الإسلام منذ خمسة عشر قرناً حين حرم الرب، وتوعد المتعامل به بحرب من الله ورسوله.

 

ولم يقتصر الأمر على مجرد الهجوم أوالمطالبة بإلغاء الفائدة الربوية، بل إنه قد أخذت بعض البنوك الغربية الكبرى في تطبيق الصيغ الإسلامية في محاولة لمنافسة البنوك الإسلامية على جذب أموال المودعين سواء داخل العالم الإسلامي أو خارجه. وقد أصبحت بريطانيا عاصمة البنوك الإسلامية، سواءً في (لندن) أو (برمنجهام)، حيث توجد جالية إسلامية كبيرة، وهناك خطط لفتح 12 فرعاً لبنوك إسلامية في المدن البريطانية المختلفة خلال العامين المقبلين، وقامت بورصة لندن بإنشاء مؤشر (داو جونز الإسلامي)؛ لقياس حجم التعاملات على الأوراق المالية الإسلامية (الصكوك)، وهو ما يشير إلى زيادة الإقبال على التعامل المالي وفقا للشريعة الإسلامية في أوروبا.

كما أصبحت البنوك الإسلامية مطلباً متزايداً للمسلمين في الولايات المتحدة الأميركية، حيث يوجد بنكان إسلاميان، وأشار وزير الخزانة الأميركي إلى النمو المتسارع الذي يشهده القطاع المالي الإسلامي في أمريكا، معبراً عن اهتمامه بالتجاوب السريع الذي تبديه الدول الأوروبية إزاء متطلبات الصناعة المالية الإسلامية، من خلال توفير بيئة العمل المناسبة للمؤسسات المالية الإسلامية في إطار القوانين والتشريعات الأوروبية، ووعد بتسريع وتيرة انتشار البنوك الإسلامية في الولايات المتحدة، عن طريق إزالة جميع المعوقات أمامها. بل إن الدول الغربية أخذت من الإسلام نظام الوقف وبدأت في تطبيقه تطبيقاً رائعاً، حتى إن هناك اعترافاً من المؤسسات الأمريكية بأن نظام الوقف هو أفضل نظام للفقراء والمساكين، وهناك جامعات في أمريكا وإنجلترا يُنفَق عليها من ريع الأوقاف.

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات