طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||

ملتقى الخطباء

(1٬331)
1241

معركة هاجوفا سهل الصليب

تاريخ النشر : 1437/06/20
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

ورغم رجوع الجيش العثماني لقواعدِه دون غزو ممالك أوروبا كما كان يفعل السلاطنة العظام للدَّولة العثمانية، إلاَّ أنَّ هذا النَّصر قد أعاد الهيبة مرَّة أخرى لمكانة الدَّولة العثمانية في قلوب الأوروبيين، وأيقنوا بأنَّهم لن يستطيعوا قط القضاءَ على الدَّولة العثمانيَّة في أي معركةِ تحالفٍ معهم في ظلِّ العقيدة الإيمانيَّة التي يستحضرونها في معاركهم كافَّة معهم.

 

 

 

 

الدولة العثمانية نشأت على أساس عسكري جهادي بحت، حيث اتخذت من فتح القسطنطينية هدفاً استراتيجياً لها، لذلك كان اهتمام الدولة منصباً على الغزو ومواصلة الفتح والجهاد، والاهتمام بشئون الجيش والعسكر، والاستعداد العسكري الدائم للجهاد في أي وقت من السنة، حتى إن الجيوش العثمانية كانت تحارب على الأربع جهات في العالم القديم. وكان سلاطين الدولة العثمانية يتقدمون بأنفسهم على رأس الجيوش الغازية؛ لفتح البلاد وقيادة الجند، وذلك لبث الحمية الدينية في نفوس الجند من أجل مواصلة الغزو والفتح والجهاد. واستمرت عادة قيادة السلاطين للجيوش العثمانية مستمرة من لدن عثمان الأول مؤسس الدولة حتى السلطان سليمان القانوني آخر السلاطين الكبار والفاتحين الكبار في الدولة العثمانية (ت 1566م). ومن بعده أخذ سلاطين الدولة العثمانية في التخلي عن قيادة الجيوش، والعهود بذلك للصدر الأعظم، مما أدى إلى تراجع كفاءة هذه الجيوش، وكثرة الشغب والتوترات بين الجند، وذبلت الحمية والشجاعة في نفوس الجند، ومن ثم بدأ عهد التراجع وانكسار الهيبة.

 

السلطان محمد والمجزرة الوحشية:

 يعتبر السلطان محمد الثالث الخليفة العثماني الثالث عشر من سلاطين الدولة العثمانية تولى السلطنة سنة 1595 م في فترة مضطربة بعد صراع داخلي بين قادة ووزارء الدولة العثمانية وحاشية السلطان، أدى إلى مقتل الصدر الأعظم محمد الصقلي باشا رجل الدولة القوي في عهد السلطان مراد الثالث والد السلطان محمد الثالث. استهل محمد الثالث عهده بجريمة بشعة بكل المقاييس، إذ قام وبتحريض من أمه الجارية البندقية بقتل إخوته الذكور جميعاً وعددهم 19 ذكراً، ودفنهم مع أبيه في يوم واحد، وكانت هذه المجزرة المروعة آخر عهد السنّة العثمانية الخبيثة التي سار عليها السلاطين العثمانيون من قتل أشقائهم الذكور بعد الولاية حتى لا ينافسهم في الحكم.

 

وقد تركت هذه الفعلة البشعة آثاراً شديدةً في حياة السلطان محمد الذي كان وقت ولايته شاباً في أوائل شبابه لم يستطع رفض طلبات أمه وضغوط الحاشية، ونتيجة هذه الفعلة زهد السلطان محمد في الحكم، وترك تسيير شؤون الدولة الداخلية لوزرائه، فقام عدد من الوزراء ببيع المناصب العسكرية والمدنية وضعفت العملة العثمانية وحدث فساد كبير في ربوع البلاد المسلمة.

 

الإنكشارية من البطولة إلى الطغيان:

الإنكشارية لفظة معربة من اللغة التركية (يني تشري) وتعني: (الجنود الجدد) أو (الجيش الجديد)، وهم طائفة عسكرية من المشاة العثمانيين شكلوا تنظيماً خاصاً، لهم ثكناتهم العسكرية وشاراتهم ورتبهم وامتيازاتهم، وكانوا أقوى فرق الجيش العثماني وأكثرها نفوذاً. بداية تأسيس هذا الجيش كانت في عهد ثاني سلاطين الدولة العثمانية (أورخان بن عثمان) سنة 1324م حين عرض عليه شقيقه الأكبر -وهو وزيره الأول أيضاً- علاء الدين فكرة تربية أسرى الحروب من الغلمان والشباب تربية إسلامية، على أن يكون السلطان والدهم الروحي، وأن تكون الحرب صنعتهم الوحيدة، مستلهمين في ذلك تجربة الدولة الأيوبية مع المماليك. وما يقال عن ضريبة الغلمان أو نظام الدوشرمه الذي يأخذ فيه العثمانيون أبناء الرعايا النصارى في بلادهم قسراً للانضمام إلى الإنكشارية فمحض افتراء من المستشرقين الأوروبيين أمثال كارل بروكلمان، وجب، وسوموفيل، وغيرهم.

 

كان الجنود الإنكشارية يُختارون من سن صغيرة ويربون تربيةً عسكريةً في معسكرات خاصه بهم، بالإضافة إلى تلقيهم مختلف العلوم الإنسانية كالدين الإسلامي واللغة وغيرها، وفي أثناء تعليمهم يقسمون إلى ثلاث مجموعات: الأولى: تعد للعمل في القصور السلطانية، والثانية: تُعد لشغل الوظائف المدنية الكبرى في الدولة، والثالثة: تعد لتشكيل فرق المشاة في الجيش العثماني، ويطلق على أفرادها الإنكشارية، أي الجنود الجدد، وكانت هذه المجموعة هي أكبر المجموعات الثلاث وأكثرها عددًا.

 

ومنذ نشأتهم التي تزامنت مع قيام الدولة، لم يكن الإنكشاريون يخرجون إلى الحرب إلا برفقة السلطان العثماني، وهو الأمر الذي أبطله سليمان القانوني حين أجاز لهم القتال تحت إمرة قائد منهم، وكان لذلك أثر في تقاعس السلاطين التالين عن الخروج إلى المعارك لقيادة الجيوش بأنفسهم.

 

كانت الدولة تحرص على منع اتصال الإنكشارية بالمدنيين، وتفرض عليهم في وقت السلم أن يعيشوا في الثكنات، التي لم تكن تحوي فقط أماكن النوم لضباطهم وجنودهم، بل كانت تضم المطابخ ومخازن الأسلحة والذخائر وكافة حاجاتهم المدنية.

 

خصصت الدولة لكل أورطة من الإنكشارية شارة توضع على أبواب ثكنتها، وعلى أعلامها وخيامها التي تقام في ساحة القتال، وجرت عادة الجنود أن ينقشوا شاراتهم المميزة على أذرعهم وسيقانهم بالوشم، وكانت ترقياتهم تتم طبقًا لقواعد الأقدمية، ويحالون إلى التقاعد إذا تقدمت بهم السن، أو أصابتهم عاهة تقعدهم عن العمل، ويصرف لهم معاش من قبل الدولة. وكانت الدولة تحرّم عليهم الاشتغال بالتجارة أو الصناعة حتى لا تخبوا عسكريتهم الصارمة، وينطفئ حماسهم المشبوب.

 

عرف الإنكشاريون بكفايتهم القتالية ووفرتهم العددية، وضراوتهم في الحرب والقتال، وكانوا أداة رهيبة في يد الدولة العثمانية في كل حروبها التاريخية، وكان لنشأتهم العسكرية الخالصة وتربيتهم الجهادية على حب الشهادة واسترخاص الحياة أثر في اندفاعهم الشجاع في الحروب واستماتتهم في النزال، وتقدمهم الصفوف في طليعة الجيش، وكانوا يأخذون مكانهم في القلب، ويقف السلطان بأركان جيشه خلفهم. وقد استطاعت الدولة العثمانية بفضل هذه الفرقة أن تمد رقعتها، وتوسع حدودها بسرعة، ففتحت بلادًا في أوروبا كانت حتى ذلك الوقت خارج حوزة الإسلام.

 

غير أن هذه الأهمية الكبيرة لفرقة الإنكشارية تحولت إلى مركز قوة نغص حياة الدولة العثمانية، وعرضها لكثير من الفتن والقلاقل، وبدلاً من أن ينصرف زعماء الإنكشارية إلى حياة الجندية التي طُبعوا عليها راحوا يتدخلون في شؤون الدولة، ويزجون بأنفسهم في السياسة العليا للدولة وفيما لا يعنيهم من أمور الحكم والسلطان، فكانوا يطالبون بخلع السلطان القائم بحكمه ويولون غيره، ويأخذون العطايا عند تولي كل سلطان جديد، وصار هذا حقًا مكتسبًا لا يمكن لأي سلطان مهما أوتي من قوة أن يتجاهله، وإلا تعرض للمهانة على أيديهم.

 

ومع توقف عجلة الجهاد بعد عهد السلطان سليمان القانوني، بدا أن قوة الإنكشارية سوف تتحول لأي نقمة على الدولة العثمانية فكثر شغبهم، وكثرت مطالبهم المالية، وتسللت المنكرات والفواحش إلى معسكراتهم، وانقلبوا من حماة الديار إلى قطاع طرق وسرّاق ومصدر قلق واضطراب كبير داخل الدولة العثمانية.

 

نهضة أوروبا الصليبية:

 استهل السلطان محمد الثالث عهده في عام 1595م وفي وسط أجواء مؤامراتِ قصر السلطان العثماني، وتنازُع الوزراء، وفساد الجنود الانكشارية، مما أدى لخسارة الدولة العثمانيَّة عدة مواقع في أوروبا، كان من ضمنها قلعة "إستركون" المركزيَّة لصالح الألمان، بالإضافة إلى جرأة أمير رومانيا "ميخائيل" -يطلق عليه اسم (الشجاع) في المراجع الأوروبية- على الجيش العثمانِي في تلك المنطقة، وإعلانِ تمرُّده ومطاردته الجيشَ العثماني في انسحابِه، حيث تعقَّب خِيرَة فرق الصَّاعقة بالجيش العثماني، وقام بإغراقهم أثناء عبورهم نهر الدانوب.

 

تحرج موقف الدولة العثمانية في الجبهة الأوروبية بشدة، ولم يستطع الإنكشارية الذين أصابهم الوهن والخور مواجهة تنامي القوة الألمانية الناشئة، وبدا واضحاً للسلطان أن انزواءه عن قيادة الجيش وتحمل مسؤوليات الحكم بنفسه كان مفتاح ما حل بالبلاد من الفساد فقام بتشجيع من العلماء الذين حوله من مثل الشيخ سعد الدين أفندي بقيادة عموم الجيش بنفسه، حتى يدب في جيوش الدولة الحمية المفقودة والغيرة المنشودة، واستقر رأي السلطان على أن يخرج بنفسه لقيادة الجيوش، للجهاد على رأس حملةٍ كبيرة لاستعادة هَيبة الخلافة العثمانية، حيث كان السلطان محمد الثالث أول من خرج من السلاطين للجهاد بعد 30 سنة من وفاة أمير المؤمنين سليمان القانوني.

 

معركة هاجوفا (سهل الصليب):

 خرجَت الحملة العثمانية بقيادة السلطان (محمد الثالث) من إسطنبول في 20 يونيو عام 1569م؛ وارتجت المنطقة بأسرها لخروجه، فهو مشهد لم تره المنطقة منذ أكثر من 30 سنة، حيث عبر مدينة صوفيا ليصلَ إلى بلجراد حيث استُقبل استقبالاً حافلاً، ثمَّ عبر الجيشُ العثماني نهرَ سافا ليدخل مناطق النمسا، وهنا دُعيَ إلى مجلس حربيٍّ بقلعة سلانكمن بقيادة السلطان، وقرَّر المجلس أن يفتتح قلعةَ أكري (إغر)، وتكمن أهمية القلعة في أنَّها تتحكَّم في طرق المواصلات بين النمسا وترانسلفانيا (رومانيا)، وقد كانت جميع هذه المناطق تقاوِم الفتحَ العثماني، وكانت القلعة في حوزة الألمان.

 

وقد استطاع السلطان محمد فتحها بعد حصار 18 يومًا، وأثناء البدء في حصار القلعة وصلَت الأخبارُ للسلطان بأنَّ النمساويين قد قاموا بحصار وإسقاط قَلْعة (هاتافان)، وقتل النمساويُّون جميعَ العثمانيين المتمركزين في القلعة، بما فيهم الأطفال والنساء ردًّا على حملة السلطان، لذا قام السلطان محمد بإعدام جميع جنود القلعة بعد فتحها ردًّا على هذه المذبحة، حيث قدِّر عدد من قُتل من الجنود الألمان 11000 جندي.

 

بعد فترة وجيزة، استلمت القيادة العثمانية بلاغاً من عيونها في المنطقة بأن جيشاً مشتركاً من النمساويين والرومانيين يتقدم تجاه جيش الحملة العثمانية. أُجريَ مجلسٌ عسكريٌ تحت قيادة الصدر الأعظم إبراهيم باشا. وقرر المجلس بأن الجيش العثماني يجب أن يخرج من قلعة إرلاو؛ ليقابل النمساويين في ساحة معركة ملائمة.كان رأي السلطان مغايراً، فقد كان يريد للجيش ألا يشتبك مع العدو وأن يعود إلى إسطنبول؛ بسبب التفاوت الكبير

بين الجيشين، إلا أنه وبصعوبة شديدة تم إقناعه أن يسمح للجيش بالاشتباك مع قوات العدو.

 

الجيش الألماني والنمساوي تحول إلى حملة صليبية متكاملة، فقد كان جيش التحالف الصليبي يضم عددًا كبيرًا من الجنود الصليبيِّين من ألمانيا والإمارات البابوية الإيطالية، وإمارةِ بوهيميا التشيكية، وإمارة أردال الرومانية، ومملكةِ المجر، وإمارة القازاق (الكوساك) الأوكرانية، واتِّحادِ بولندا وليتوانيا، ومملكةِ إسبانيا، تحت قيادة أرشيدوق النمسا "ماكسيميليان الثالث" وأمير ترانسلفانيا "سيغسموند باثوري".وكان ذلك التحالف يقدَّر بـ300.000 جندي، معهم 100 مدفع، بينما قُدِّر الجيش العثماني بـ140000 جندي يساعدهم خيَّالة خانية القرم.

 

سار الجيش العثماني عبر العديد من المستنقعات ووصل إلى هاجوفا (وتعني: سهل الصليب)، بعد مسير طويل وشاق، وبعد حصارٍ متعب، التقى الجيشان في سهول هاجوفا. كان التحالف الصليبي في موقع المعركة في خنادق محصنة. بدأت معركة هاجوفا عندما هاجم الجيش العثماني الخنادق النمساوية، واستمرت ليومين كاملين. أُستعملت الأسلحة النارية المبكرة على نطاقٍ واسعٍ في هذه المعركة، نجح النمساويون في صد الهجوم العثماني ودفعوهم إلى الترجع بعد أن قصفوهم بوابلٍ من نيران المدافع.

 

كانت بداية الحرب مزلزلة على الجيش العثماني الذي كان في حالةٍ من التوجس نتيجة هذا التحالف الصليبي الكبير ضدهم؛ حيث انتصر جيش التحالف في بداية هجومه على مقدِّمة الجيش العثماني، وسقط 1100 جندي عثماني شهيدًا، وفُقد 42 مدفعًا، بعد ذلك بدأ النصارى بنَهْب ما في مقرِّ القيادة للعثمانيين، هاجمَت مجموعة كبيرة من النصارى الخيمةَ التي توجد بها الأموال التابعة لخزانة الدولة، قامت المجموعةُ بقتل بعض جنود الإنكشارية والحرس، استولى النصارى على صندوق الأموال الذهبيَّة، ورفعوا أعلامَ الصليب وبدؤوا بالرَّقص حولها.

 

أراد قائد الجيش العثماني، السلطان محمد الثالث، أن ينسحب من ساحة المعركة، فاستشار معلمه ومرشده الديني الحاج سعد الدين أفندي، فأجابه معلمه بأنه يجب عليه أن يكمل المعركة حتى النهاية، وأن يجدد النوايا لله، ويتأسى برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جهاده وثباته، فسار السلطان على نصيحة معلمه، وأمر باستمرار المعركة. أمسك الشيخ سعد الدين عنانَ فرس السلطان، وخرج به أمامَ جنود الجيش وهو يقوده، وهنا تشجَّع جنود الصاعقة والإنكشارية وقرَّروا الصمودَ في دفاعهم وقد رأَوا السلطان يتقدَّمهم.

 

وفي اليوم الثاني من المعركة، اشتد القتال. وصلت القوات النمساوية إلى خيمة السلطان، وقد كانت الخيمة محاطة بالوزراء والمعلمين للحماية. بينما كان يحاول بعض الجنود اقتحام الخيمة، ترك بعض الجنود النمساويون القتال، وبدأوا بجمع الغنائم. هاجم مربوا الخيول العثمانيون والطباخون وصانعوا الخيام والأشخاص المكلفين برعاية الجمال الجنودَ النمساويين الذين كانوا يجمعون الغنائم بكل ما استطاعوا أن يحصلوا عليه من أسلحة، فاستعملوا أدوات الطبخ والفؤوس التي كانوا يقطعون بها الخشب والمطارق التي كانوا يستعملونها في بناء الخيم. تفاجأ النمساويون وانسحبوا وهم مشوشون. سمع الجنود العثمانيون الذين كانوا يقاتلون في الخطوط الأمامية صراخ العدو النصراني يهرب! فرفع هذا من معنويات الجيش وقلبوا موازين المعركة. مع استخدام رئيسي للمدافع، هاجمت القوات العثمانية النمساويين عبر المقدمة والتفوا كذلك حول الجيش الصليبي.

 

اشتدت قوات المدفعيَّة في ضرب الجيش الصليبي، والتفَّت القواتُ العثمانيَّة عليهم، وسرعان ما انهار الصليبون، وأعمل فيهم الجنودُ المسلمون القتلَ والتنكيل. فقد قتل 50 ألفًا من أفراد العدوِّ في ساحة القتال و20 ألفًا في المستنقعات التي سِيقوا إليها، واغتنم 100 مدفع، وفرَّ جنود التحالف الصليبي، فتعقَّبهم الجيشُ العثماني وأسروا البقيَّة.

 

كان انتصار (هاجوفا) من أكبر الانتصارات في أوربا، لكن العثمانيين لم يستثمروا هذا الانتصار في زيادةِ فتوحاتهم في أوروبا؛ وأرسل السطان إعلاناً بالانتصار إلى إسطنبول؛ ليخبرهم عن فتح قلعة إيغر وعن النصر في معركة هاجوفا. وصل الخبر إلى إسطنبول فنُظِّمت احتفالات عامة في المدينة. خلال هذه الاحتفالات، وصلت أربع سفنٍ كبيرة محملة بالسكر من مصر إلى مرفأ إسطنبول؛ لتصنيع الحلوى لأهل المدينة كلها ابتهاجاً بالانتصار العسكري. مُنح السلطان لقب (فاتح إيغر) وهي القلعة التي عجز سليمان القانوني نفسه عن فتحها. وعندما وصل الجيش، كانت مواكب النصر تحتفل بهم. كتب شعراء إسطنبول أشعاراً جميلة ومتميزة عن النصر وأُرسل منادو المدينة إلى الشوارع والأسواق طالبين من الناس أن يزينوا المدينة ابتهاجاً بالنصر، وزينت المخازن والمتاجر بأقمشة غالية الثمن، وقد وصف هذا المشهد البديع من الألوان التي تعبقت بها المدينة في الأشعار.  والجدير بالذكر أن هذه القلعة قد عجز سليمان القانوني نفسه عن فتحها، وقد شبهوا انتصار هاجوفا بانتصار موهاكس الذي كان قبل هذه المعركة بأكثر من تسعين سنة.

 

 ورغم رجوع الجيش العثماني لقواعدِه دون غزو ممالك أوروبا كما كان يفعل السلاطنة العظام للدَّولة العثمانية، إلاَّ أنَّ هذا النَّصر قد أعاد الهيبة مرَّة أخرى لمكانة الدَّولة العثمانية في قلوب الأوروبيين، وأيقنوا بأنَّهم لن يستطيعوا قط القضاءَ على الدَّولة العثمانيَّة في أي معركةِ تحالفٍ معهم في ظلِّ العقيدة الإيمانيَّة التي يستحضرونها في معاركهم كافَّة معهم.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات