طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||

ملتقى الخطباء

(981)
1224

معركة الإسكندرية الأولى 25هـ

تاريخ النشر : 1436/11/29
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

هذه المعركة كانت أول جرس إنذار للمسلمين والأمة الإسلامية بأهمية الأساطيل البحرية وخطورة موقع السواحل وحساسيتها كمنفذ لقدوم الأعداء من وراء البحر وهذا ما أدركه الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله عنه- فأرسل بتعليمات مشددة إلى ولاة الثغور الإسلامية في الشام ومصر بضرورة بناء الرباطات والحراسات البحرية، وشحنها بالمجاهدين، وإجراء الأموال والأرزاق عليهم تحسبًا لهجمات جديدة للروم.

 

 

 

 

عندما فتح المسلمون حصن بابليون في سنة 20هـ، كانت الإسكندرية العاصمة هي آخر ما تبقى بيد الروم البيزنطيين في مصر، وكانت الإسكندرية فضلاً عن كونها العاصمة كانت تتمتع بمكانة دينية واقتصادية وجغرافية هامة، كما كانت الأكثر تألقًا للحضارة البيزنطية مع أهمية حربية كبيرة، لذلك حشد الروم كل قواتهم الباقية بالإسكندرية للإبقاء عليها.

 

المسلمون أيضًا كانوا يدركون أهمية الإسكندرية، إذ لا فائدة من فتحهم لمصر طالما ظلت الإسكندرية بيد الروم كشوكة في جانب الوجود الإسلامي في مصر، لذلك أصر المسلمون على فتحها باعتبارها مفتاح مصر الحقيقي.

 

تقدم عمرو بن العاص بجيوشه نحو الإسكندرية وحاصرها شهرًا كاملاً، فأمده الخليفة عمر بن الخطاب بأربعة آلاف مقاتل، بينهم الكثير من أبطال الصحابة أمثال الزبير بن العوام والعبادلة ابن عمر، وابن عمرو، وابن مسعود، ومع شدة عزم المسلمين على الفتح أيقن أهل المدينة القبط ألا فائدة من الصمود، فتفاوض المقوقس ـ أو قيرس كما هو معروف في المراجع البيزنطية ـ مع عمرو بن العاص من أجل تسليم المدينة صلحًا وهو ما تم بالفعل سنة 21هـ.

 

دخل المسلمون الإسكندرية وخرج الروم منها وحاز المسلمون بذلك موقعًا استراتيجيًا خطيرًا، مفتاح الشمال الإفريقي، ومركز حضارة كبيرة، وكان للروم في الإسكندرية ألف مركب كبير استخدمتها القوات الرومية المنسحبة من مصر. جعل عمرو بن العاص عبد الله بن حذافة واليًا على الإسكندرية وترك معه ربع الجيش؛ ليقوم بواجب المرابطة على الثغر وحراسة السواحل، وكان يحدث تناوب كل ستة أشهر بين حامية الإسكندرية وغيرها من حاميات الأقاليم المصرية، ونظرًا لأن الإسكندرية قد فتحت صلحًا فإن الخليفة عمر بن الخطاب لم يقسمها بين الفاتحين، إنما جعلها للمسلمين جميعًا، يستخدم خراجها في خدمة المسلمين جميعًا، وهذا لابد أن نشير إلى نقطة هامة وهي أن الجزية تختلف عن الخراج، فالجزية ثابتة على رؤوس أهل الذمة يقدرها الإمام وتدفع مرة كل عام، في حين أن الخراج يختلف من عام لآخر حسب الناتج العام للأرض الخراجية.

 

ظل الوضع مستقرًا للمسلمين ببلاد مصر حتى وفاة الخليفة عمر بن الخطاب وتولى الخليفة عثمان بن عفان سنة 23هـ، وفي سنة 25هـ قام الخليفة بعزل عمرو بن العاص عن ولاية مصر، واستخلف مكانه عبد الله بن أبي السرح، وعندما تحركت أطماع الروم في العودة إلى احتلال مصر مرة أخرى.

 

كان الروم منذ أن خرجوا من مصر سنة 21هـ يتحرقون شوقًا من أجل العودة إليها، فلقد ظلت بلاد مصر مستعمرة رومية لعشرة قرون، كانت خلالها مصر درة التاج البيزنطي، ولكن منعتهم حنكة عمرو بن العاص وخبرته القيادية والحربية من التخطيط للعودة، فلما عزل عمرو بن العاص سنة 25هـ، أخذ الروم يدبرون ويخططون للعودة، واتصلوا ببعض زعماء الإسكندرية من القبط النصارى من أجل التعاون على ذلك الهجوم.

وبالفعل استجاب بعض زعماء الإسكندرية للعرض الرومي، وكانوا قد تذمروا من مسألة الخراج وطلبوا تحديدها مثل الجزية فرفض عمرو بن العاص طلبهم، فقرروا التعاون مع الروم في المؤامرة الدنيئة، وصاروا عيونًا وآذانًا للعدو الرومي بالإسكندرية.

 

وفي اللحظة المناسبة أرسل الزعماء المتآمرون في الإسكندرية برسائل لإمبراطور بيزنطة قنسطانز بن هرقل يطلعونه على ضعف حامية الإسكندرية خلال فترة البدل بين الحاميات، فأرسل الروم أسطولاً ضخمًا يقوده "منويل الخصى" وكان من قبل قائد الحامية الرومية بالإسكندرية وصمد أمام المسلمين ببسالة وشجاعة، ولم يكن موافقًا على الانسحاب من الإسكندرية ولا تسليمها صلحًا للمسلمين.

 

في هذه الفترة لم يكن للمسلمين أي قطعة بحرية تستطيع أن تصد هذا الأسطول الضخم ولا حتى تنذر بقدومه، لذلك نزل الروم على شواطئ الإسكندرية بلا مدافع ولا ممانع وثار معهم المتآمرون بالإسكندرية، فملك الروم الإسكندرية بأقل مجهود وقتلت الحامية الإسلامية كلها إلا قليلاً وذلك سنة 25هـ.

 

وصلت الأخبار إلى القيادة الإسلامية في الفسطاط ثم في المدينة النبوية، وتحرج موقف المسلمين بمصر بشدة، فقرر الخليفة وبناءً على طلب أهل مصر القبط المسلمون منهم والنصارى الذين رأوا تحت حكم المسلمين العدل والسلام والحرية والأمان، طلبوا ندب عمرو بن العاص لقتال الروم لخبرته الطويلة في قتالهم وهيبته في صدورهم، وبالفعل أعيد عمرو بن العاص لقيادة القوات الإسلامية ومن معهم من أقباط مصر الذين كانوا يكرهون عودة الحكم الرومي لبلادهم مرة أخرى، وكان المقوقس قد رفض الانضمام إلى المتمردين من الإسكندرية وأطاعه كثير من القبط، وهؤلاء جميعًا انضموا لجيش عمرو بن العاص.

 

أشار بعض قواد عمرو بن العاص بضرورة الإسراع بملاقاة الروم خوفًا من انقضاض أقاليم أخرى في مصر، أو قدوم إمدادات جديدة من البحر لهم، ولكن عمرو بن العاص بخبرته الطويلة مع نفسية المقاتل الرومي رأى أنه من الأفضل تركهم يتقدمون، وقال: "لا ولكن أدعهم حتى يسيروا إلي فإنهم يصيبون من مروا به فيخزي الله بعضهم ببعض"، وبالفعل كان الروم في سيرهم كلما مروا على قرية نهبوا أهلها وشربوا الخمور، وركبوا الفواحش، فازدادوا بذلك وهنًا وخزيًا، وازداد أهل مصر لهم كرهًا وبغضًا.

 

ظل الروم يتقدمون برًا وبحرًا عن طريق نهر النيل حتى وصلوا إلى قرية تسمى نيقوس على ضفاف نهر النيل، وهناك كان المسلمون لهم بالمرصاد، ولأول مرة في تاريخ المسلمين يحدث قتال بحري، عندما انقض عمرو بن العاص بجيوشه ومن ساعده من القبط، من ناحية البر والبحر، ودار قتال بري وبحري عنيف، افتتحه أحد أبطال المسلمين واسمه (حومل الزبيري) من أهل اليمن بمبارزة فردية من قائد من أبطال الرومي، وقد قتل بطل المسلمين قرينه الرومي بعد مبارزة حامية، بعدها اندلع القتال العام بين الفريقين، وانتهى بنصر ساحق للمسلمين ومقتل القائد الرومي العنيد (منويل الخصى) الذي كان يهدف لإعادة مجد بيزنطية على أرض مصر الإسلامية.

 

فر من بقي من الروم من أرض المعركة متجهين نحو الإسكندرية ظنًا منهم أن المتمردين من زعماء الإسكندرية سيقفوا معهم يدًا واحدة على المسلمين، ولكن خاب ظنهم وطاش سعيهم، إذ تخاذلوا عنهم وتركوا نصرتهم، وواصل المسلمون مطاردتهم حتى أسوار المدينة، ثم اقتحموا المدينة وأمعن المسلمون في الروم والثوار القتل والسبي حتى تدخل البعض وتوسلوا إلى عمرو بن العاص أن يرفع عنهم السيف فوافق وبنى مسجدًا عند الموضع الذي رفع فيه السيف أسماه مسجد الرحمة، ثم قام عمرو بن العاص بهدم أسوار المدينة حتى لا يعود أهلها للثورة والعصيان مرة أخرى.

 

هذه المعركة كانت أول جرس إنذار للمسلمين والأمة الإسلامية بأهمية الأساطيل البحرية وخطورة موقع السواحل وحساسيتها كمنفذ لقدوم الأعداء من وراء البحر وهذا ما أدركه الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله عنه- فأرسل بتعليمات مشددة إلى ولاة الثغور الإسلامية في الشام ومصر بضرورة بناء الرباطات والحراسات البحرية، وشحنها بالمجاهدين، وإجراء الأموال والأرزاق عليهم تحسبًا لهجمات جديدة للروم.

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات