طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خادم الحرمين يؤكد الحرص على توطيد العلاقة مع العراق    ||    اليمن.. انطلاق مهمة "القبضة الحديدية" في حضرموت    ||    ليبيا.. تراجع حاد بأعداد المهاجرين في مركز تهريب البشر    ||    ميليشيات الحوثي تداهم المنازل بصنعاء وتختطف 40 فتاة    ||    مشاعر محبوسة    ||    انطواء طفلك.. بيدك أنت!    ||    مخالفات قولية عند نزول المطر    ||    الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة الغلو والتطرف    ||
ملتقى الخطباء > الأحـداث التاريخية > وقائع تاريخية > التاريخ الإسلامي > حركة الترجمة ودورها في ارتقاء الحضارة الإسلامية

ملتقى الخطباء

(8٬665)
1217

حركة الترجمة ودورها في ارتقاء الحضارة الإسلامية

تاريخ النشر : 1436/08/22
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

أخذت حركة الترجمة إلى العربية تتسع وتزداد قوة في العصر العباسي الذي رأى في حركة الترجمة جزءاً من شرعية الدولة ونفوذها وهيمنتها على الحياة الثقافية، ومدعماً لسلطتها كراعية للعلوم والفنون والأنشطة العلمية، ولكن ثمة عوامل أخرى في زيادة وتيرة حركة الترجمة في العصر العباسي الأول حتى غدت الحضارة الإسلامية في هذه الفترة من أزهى وأرفع فترات الحضارة الإسلامية والإنسانية عموماً.

 

 

 

 

الحضارة الإسلامية كغيرها من الحضارات، لم تبدأ من الصفر، بل قامت في ظل وجود حضارات أخرى، ولكن تميزت الحضارة الإسلامية بإنجازها العظيم في جمع شتات الحضارات السابقة، وتمحيصها وأخذ الصحيح النافع وترك الخاطئ الضار، اعتمادا على الشريعة الإسلامية، ومنهجيتها المحكمة في تمييز الحق من الباطل، ثم جهود المسلمين العظيمة في تطوير العلوم والبناء عليها، والإبداع فوقها ولم يكتفوا بذلك بل نقلوها إلى الآخرين فقامت عليها الحضارة الغربية.

 

لقد كانت حركة الترجمة والنقل في حضارة العرب الإسلامية بمثابة شريان حيوي هام، حيث مدها بحكمة الصين والهند وإيران، وثقافة اليونان والرومان، أطلعها على مذاهب التصوف الشرقية القديمة، وعقائد الرهبانية المسيحية وغيرها.ومن خلال هذا التلاقح المتنوع انفردت الحضارة العربية الإسلامية بطابعها الخاص. فقد حافظت على عقيدتها الدينية، وفضحت المذاهب الضالة والأفكار الخرافية، وقدمت للإنسانية حضارة إسلامية مميزة.وليس من المبالغة إن قلنا إن الحضارة العربية الإسلامية لم يكن لها نظير في العصر الأوروبي الحديث، ولا في عصرها التقني والنووي المتقدم. إذ بشكل عام ما زالت أوروبا الحديثة تطمس حقائق نهضتها التي قامت على علوم وحضارة العرب المسلمة. فأغلب البحوث والدراسات الفكرية والفلسفية عندما تنتقل تاريخياً من العصر الحديث تتجه بسرعة صوب العصر القديم، دون إعطاء الوزن الحقيقي والمؤثر لفترة الحضارة العربية الإسلامية. بل إن حضارة الغرب المعاصرة، وباعتراف قلة من مفكريها، تتمحور حول ذاتها بشكل سلبي؛ فلا ترى في تواريخ العالم إلا ما قد وصل إليه الغرب من رقي وتقدم هائلين.وقد أدت فتوحات الاسكندر المقدوني الملقب بالأكبر إلى انتشار الحضارة اليونانية في غرب آسيا ومصر والشام ، مما أكسب هذه المنطقة طابعا خاصا جعل المؤرخين يطلقون اسم العصر الهلنستي على الفترة الممتدة من وفاة الاسكندر سنة 323 قبل الميلاد ، حتى الفتح العربي الإسلامي في القرن السابع للميلاد ، وفي ذلك العصر وجدت في تلك المنطقة عدة مراكز للحضارة اليونانية أشهرها الإسكندرية وأنطاكية ونصيبين وجنديسابور.

 

نشأة الترجمة في الحضارة الإسلامية

هناك رأيان مختلفان حول نشأة حركة الترجمة في الحضارة الإسلامية:

 

الرأي الأول: أنها ترجع إلى أوائل العصر الأموي، ويقول هذا الرأي أن الجذور الأولى لحركة الترجمة إلى العربية في أوائل العصر الأموي، حيث ذكر في المصادر أن خالد بن يزيد بن معاوية والملقب بحكيم آل مروان، أرسل إلى الإسكندرية في طلب بعض الكتب في الطب وعلم الصنعة (الكيمياء)؛ لترجمتها إلى العربية، وذلك بعدما تنازل عن الخلافة طواعية. يقول عنه ابن النديم: وقد ذكر في "الفهرست" أن خالد كان يسمى حكيم آل مروان، وكان فاضلاً في نفسه وله محبة في العلوم، فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونان الذي نزلوا مصر وتفصحوا بالعربية وكان هذا أول نقل في الإسلام من لغة إلى لغة".ويقول عنه ابن خلكان:"وصف خالد بن يزيد بقوله أنه كان أعلم قريش بفنون العلم، وله كلام في صنعة الكيمياء والطب وكان متقنا لهذين العلمين" .

 

ويقول عنه الجاحظ:"قال عنه أنه كان أول من أعطى الترجمة والفلاسفة وقرب أهل الحكمة ورؤساء كل صنعة". ويقال: إن خالد بن يزيد استقدم من الإسكندرية راهباً بيزنطيا اسمه مريانس، وطلب منه أن يعلمه علم الصنعة، ولم يكتف بذلك وإنما طلب من آخر اسمه اصطفن ترجمة ما أتى به مريانس إلى العربية.

 

 وقد حاول بعض الباحثين الأوروبيين المحدثين أن يشككوا فيما نسب إلى خالد بن يزيد من جهود في الترجمة إلى العربية مستهدفين غمس الإسلام وطمس دوره في ظهور أعظم حضارة عرفتها البشرية في العصور الوسطى، وفي ذلك شككوا –أيضاً- في شخصية جابر بن حيان الكوفي الذي يعتبر أباً لعلم الكيمياء، وأيضا شككوا في قسطنطين الأفريقي الذي ينسب إليه ترجمة مؤلفات العرب في الطب إلى اللاتينية؛ مما مهد لظهور مدرسة سالرنو الطبية. وليس هذا الصنيع بمستغرب على هؤلاء المستشرقين، فأغلبهم مشحون بأحقاد دينية عميقة ضد الأمة الإسلامية، حتى إن بعضهم (هو المستشرق لوتسيان كاسيموفتش) شكك في شخصية محمد في كتابه "لم يكن هناك محمد إطلاقا".

 

ومن الخلفاء الأمويين الذين استكملوا جهود الترجمة بعد خالد بن يزيد؛ عمر بن عبد العزيز (99- 101 ه) حيث اصطحب معه -عند ذهابه إلى الخلافة في المدينة- أحد علماء مدرسة الإسكندرية(ابن أبجر)، بعد أن أسلم على يديه، واعتمد عليه في صناعة الطب. وقد قام الخليفة عمر بن عبد العزيز –أيضاً- بنقل علماء مدرسة الإسكندرية إلى مدرسة أنطاكيا سنة 100هـ. لكن هذا لا يعني أن مدرسة الإسكندرية أغلقت، بل ظلت قائمة في العصر العباسي، ومن أشهر أطبائها: بليطان الذي اعتمد عليه هارون الرشيد (170-194 ه) في علاج جواري القصر، وسعيد بن توفيل كان طبيب أحمد بن طولون ( 254- 270 ه).

 

الرأي الثاني: أن حركة الترجمة ترجع إلى صدر الإسلام في عهد الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- وبتكليف منه، فنُقل عن الصحابة -رضوان الله عليهم-: "من عرف لغة قوم أمن شرهم". ومن أشهر من تعلم السريانية في عهد الرسول هو: زيد بن ثابت -رضي الله عنه-، وقد تعلمها في ستين يوماً، وتعلم كذلك الفارسية والرومية.

 

وأقدم بردة في الإسلام تعود إلى سنة 22هـ، وعليها نص باسم عمرو بن العاص -رضي الله عنه-، وبه ثلاثة أسطر باليونانية والترجمة بالعربية تحتها، وبالتالي الترجمة ظهرت في صدر الإسلام وليس منذ العصر الأموي. وهذا هو الرأي الأصح والأرجح والمتماشي مع روح الإسلام وطبيعته العلمية والحركية.

 

أسباب اهتمام المسلمين الأوائل بالترجمة:

 

أولاً: توافر مدارس الترجمة، فعندما فتح المسلمون أقاليم الإمبراطورية الفارسية والرومانية؛ وجدوا عنصري الترجمة الأساسيين، ممثلة في وجود العديد من المدارس القديمة التي تمثل عصر ازدهار الثقافة اليونانية من جهة. ووجود السريان الذين مثلوا حلقة الوصل بين العرب وبين لغة اليونان من جهة أخرى. حيث كانت اللغة اليونانية شائعة التناول في مدارس السريان. وعندما فتح العرب المسلمين بلاد العراق والشام ومصر، واحتكاكهم بثقافات تلك المدارس المسيحية؛ طلبوا من السريان أن ينقلوا التراث العلمي والفكري اليوناني إلى اللغة العربية. وهنالك بضعة مدارس كانت تتصدر مستوى التعليم لفترات زمنية طويلة. وسوف نسردها بحسب تسلسلها الزمني، كون بعضها قد تأسس نتيجة خروج كبار معلميها من مكان إلى آخر:

 

1-مدرسة الإسكندرية: وهي معقل "الأفلاطونية المحدثة" التي تعود إلى مؤسسها فيلون الإسكندري (20 ق.م- 50 م)، ولقد سار على نهجه إنكلمندس الإسكندري (150-211) ثم أفلوطين (204-270). حيث تميزت بالتوفيق بين الفكر اليوناني والفكر الديني. ومن آباء هذه المدرسة أيضاً: أقليمس الإسكندري، أوريجانيس، أثناسيويس وغيرهم. وقد انغمست هذه المدرسة في الجدل الديني، ولقد أخذ عنها العرب الفلسفة الإشراقية التي تعتبر مصدر كثير من الشرور والانحرافات التي وقعت في العقيدة الإسلامية لدى العديد من الطوائف بالأمة الإسلامية.

 

2-مدرسة الرها: يرجع تأسيسها إلى القرن الثاني الميلادي، وتعتبر من أقدم المدارس اللاهوتية المسيحية. ومن كبار معلميها وقتذاك: ططيانس، وبرديصان. ولقد نالت رعاية مار أفريم السرياني قبل سقوط مدينة الرها بيد الفرس الساسانيين في العام 363. حيث كانت ضمن حدود الدولة البيزنطية التي تقع شمال العراق. تم إغلاقها بأمر إمبراطور القسطنطينية زينون (474-491) عام 489، نتيجة تصاعد الاختلافات والمشاحنات الداخلية حول اتباع النهج الإسكندراني أو الأنطاكي. كانت لغة التعليم فيها سريانية ويونانية، وتم فيها نقل بعض مؤلفات أرسطو إلى السريانية.

 

3-مدرسة أنطاكية: يعود تأسيسها إلى أواخر القرن الثالث الميلادي في بلاد الشام. ولقد تميزت بالفكر الأفلاطوني المحدث. كانت لغة التعليم فيها اليونانية والسريانية. ومن أشهر آبائها: لوقيانس، بولس السميساطي، ديودورس وآخرين سواهم.

 

3-مدرسة نصبين: ولقد تأسست عام 320 بفضل الأسقف يعقوب أفراهاط، وتقع ضمن حدود الدولة البيزنطية، شمال سوريا. كانت لغة التعليم فيها سريانية، تختص بعلوم: اللاهوت، الفلسفة، الطب؛ واستمرت حتى القرن السابع الميلادي.

 

4-مدرسة قنسرين: ويعود تأسيسها إلى القرن السادس الميلادي في جنوب حلب، لكنها وصلت إلى أوج ازدهارها في القرن السابع، كونها مركزاً مهماً للدراسات اليونانية: الأدب، اللغة، الفلسفة، المنطق، الطبيعة، اللاهوت، الفقه. وكان التعليم فيها باللغتين السريانية واليونانية. ولقد نافست مدرستي الرها ونصبين، واستمرت تحت الحُكم الإسلامي حتى القرن التاسع الميلادي.

 

5-مدرسة جنديسابور: ولقد أسسها كسرى الأول أنو شروان (531-567) الذي كان معجباً بثقافة اليونان والرومان. ولذلك استقبل واستقطب الفلاسفة عندما أغلق الإمبراطور الروماني جوستينيان الأول مدارس أثينا الوثنية عام 528. ورغم أن جنديسابور في الأحواز كانت في بدايتها مستشفى وتدرس الطب، لكنها أصبحت –أيضاً- من أهم المدارس الفكرية. وكانت لغات التعليم فيها تضم الفارسية والسريانية والهندية. واستمرت بالتواصل في العهد الإسلامي.

 

6-مدرسة حرّان: تأسست في القرن السابع الميلادي، بعد فترة من إغلاق مدرسة أثينا الفلسفية. وتميزت بالعلوم الرياضية والفلكية، بالإضافة إلى الأفلاطونية المحدثة. كانت لغة التعليم فيها السريانية. واستمرت بنهجها الأكاديمي في ظل الإسلام.

 

ثانيا: تمدد رقعة الدولة الإسلامية، وتسارع وتيرة الفتح الإسلامي، فقد وجد المسلمون أنفسهم يحكمون العشرات من الشعوب والعرقيات المتباينة في الطبع، والدين، واللون، واللسان، والعادات، والقيم، والحضارات، ومن ثم كان لابد من التعرف على ثقافة هذه الشعوب، ودراسة طبائعها وعقائدها؛ للوصول لأفضل طرق التعامل معهم وجذبهم لدخول الإسلام، ونستطيع أن نجمل الأسباب التي دفعت للاهتمام بالترجمة من خلال واقع الفتوحات الإسلامية؛ لحاجة المسلمين مراعاة عدة أمور:

 

1-حاجة العرب إلى العلوم والمعارف. فالإسلام قد خلق مجتمعاً جديداً له عقليته ونمط تفكيره الحياتي الذي نقل عرب الجزيرة من حياة البداوة الساذجة إلى مستوى مدني جديد ومتسع، وهذه النقلة تتطلب منهم التوجه نحو آفاق ومصادر حضارية متقدمة.

 

2-استقرار الأمور، وارتفاع مستوى الرفاهية، إذ أن المجد العسكري والسياسي والاقتصادي الذي شيده العرب المسلمون، قد ضمن لهم حياة آمنة واستقرار في المعايش، وهذا أدى للتفكير في البحث العلمي والتركيز على الجانب الفكري؛ لتحقيق مجد لا يقل عن المجد العسكري.

 

3-لغة القرآن: فبعد الفتوحات انتشرت اللغة العربية في جميع البلدان الإسلامية، كونها لغة النظام السياسي الرسمي للدولة. وبالتالي اهتم المسلمون الأوائل بنشر اللغة العربية بين الشعوب الأعجمية؛ ليتعرفوا على الدين الجديد، ويدخلوا في دين الله أفواجاً. وهذا النشر والتعليم لا يمكن إتمامه من غير إجادة لسان هذه الشعوب، ناهيك عن حث القرآن على نشر العلم والبحث والتفكير وفضل العلماء وطلب العلم.

 

4-حاجة العرب إلى نقد الأفكار والمذاهب الوضعية التي كان يؤمن بها أهل البلاد المفتوحة؛ لبيان بطلانهم وضلالها. حيث إن الفِرق والملل الدينية قد كثرت وتعددت بين المسلمين، وازداد الجدل فيما بينها. مما أوجب على علماء الإسلام أن يطلعوا على نظريات الفكر اليوناني؛ لكي يتمكنوا من الرد العقلي والمنطقي على المغالين والمضللين في الدين.

 

5-اهتمام الخلفاء بالعلم والمعرفة: إذ لم يكن انتقال الخلافة من الأمويين إلى العباسيين لمجرد قيادة دولة المسلمين، بل كان –أيضاً- انتقالاً إلى عقلية حضارية جديدة .وكان المنصور والرشيد من أكبر الخلفاء تشجيعاً لنشر المعرفة، والخليفة المأمون هو أكبر خلفاء الإسلام اهتماماً بالترجمة ً؛ حتى إن انتصاره على ملك الروم تيوفيلوس عام 830 ميلادية، كان من بين شروطه على وقف القتال الحصول على كُتب الفلسفة والعلوم كجزء أساسي من غنائم الحرب. وكذلك بالنسبة إلى حاكم قبرص عندما طلب الهدنة، فقد فرض عليه المأمون أن يسلم "خزانة كُتب اليونان". كما ذكر ابن النديم. ناهيك بالقول عن إنشاء "بيت الحكمة" عام 840 ميلادية في عهد الرشيد ووصل إلى ذروته في عهد ابنه المأمون، حيث جمع فيه عشرات المترجمين من بلدان عدة؛ ليعملوا ضمن جامعة علمية كبرى.

 

6-التيار الشعوبي الفارسي: بعد اشتداد التنافس بين العرب والشعوبيين من الفرس الذين ترجموا تراثهم بغية إبراز آدابهم القومية الممتدة إلى ما قبل الإسلام، وذلك من أجل المفاخرة، ولعل أعمال عبد الله بن المقفع خير نموذج على ذلك. حيث ترجم كتاب "كليلة ودمنة" من اللغة الفهلوية إلى اللغة العربية؛ اعتزازاً بقوميته الفارسية.

 

حركة الترجمة في أوج قوتها:

 

أخذت حركة الترجمة إلى العربية تتسع وتزداد قوة في العصر العباسي الذي رأى في حركة الترجمة جزءاً من شرعية الدولة ونفوذها وهيمنتها على الحياة الثقافية، ومدعماً لسلطتها كراعية للعلوم والفنون والأنشطة العلمية، ولكن ثمة عوامل أخرى في زيادة وتيرة حركة الترجمة في العصر العباسي الأول حتى غدت الحضارة الإسلامية في هذه الفترة من أزهى وأرفع فترات الحضارة الإسلامية والإنسانية عموماً، من هذه العوامل:

 

1-تشجيع الخلفاء العباسيين ورعايتهم لهم، وقد فتحوا بغداد أمام العلماء، وأجزلوا لهم العطاء، وأضفوا عليهم ضروب التشريف والتشجيع بصرف النظر عن مللهم وعقائدهم. في حين أن حركة الترجمة في العصر الأموي كانت محاولات فردية لا يلبث أن تذبل بزوال الأفراد.

2-غدت ركناً من أركان سياسة الدولة، فلم يعد جهد فردي سرعان ما يزول بزوال الأفراد سواء حكام أو غير ذلك، بل أصبح أمراً من أمور الدولة، وركناً من أركانها. وفي حين أن الترجمة في العصر الأموي اقتصرت على الكيمياء والفلك والطب، نجد أنه في العصر العباسي صارت أوسع نطاقاً بحيث شملت الفلسفة، والمنطق، والعلوم التجريبية، والكتب الأدبية. ومن أبرز الخلفاء العباسيين اهتماماً وعناية بالعلماء والمترجمين:

 

الخليفة أبو جعفر المنصور(136- 158هـ)، وقد عني بترجمة الكتب إلى العربية سواءً من اليونانية أو الفارسية، وفي تلك المرحلة نقل حنين بن إسحاق بعض كتب أبقراط وجالينوس في الطب، ونقل ابن المقفع كتاب "كليلة ودمنة" من الفهلوية.

 

هارون الرشيد (170 – 193هـ)، عندما كثر أعداد العلماء في بغداد؛ أنشأ لهم دار الحكمة؛ لتكون بمثابة أكاديمية علمية يجتمع في رحابها المعلمون والمتعلمون، وحرص على تزويدها بالكتب التي نقلت من آسيا الصغرى والقسطنطينية.

 

المأمون ( 198-218هـ) ازداد اهتماماً ببيت الحكمة، فوسع من نشاطها وضاعف العطاء للمترجمين، وقام بإرسال البعوث إلى القسطنطينية؛ لاستحضار ما يمكن الحصول عليه من مؤلفات يونانية في شتى ألوان المعرفة، فأخرج المأمون لذلك جماعةً، منهم: الحجاج بن مطر، وابن البطريق فأخذوا مما اختاروا، وقد ذكر ابن النديم أنه كان بين المأمون وإمبراطور القسطنطينية مراسلات بهذا الشأن. ولكن يعيب على المأمون أنه توسع في حركة الترجمة، فترجم كل غث وسمين، واعتنى –زيادةً- بكتب الفلسفة، والمنطق، وعلم الكلام اليوناني؛ مما كان أسوأ الأثر في هذه الفترة على رواج أفكار الاعتزال والجبر وغيرهم من البدع والضلالات في العقيدة.

 

من أشهر المترجمين في العصر العباسي: ثيوفيل بن توما الرهاوي، جورجيس بن جبرائيل، يوحنا بن ماسويه، الحجاج بن يوسف الكوفي، وثابت بن قرة، وحنين بن إسحق وهو كبيرهم، ونخصه بالذكر فقد ترجم كتباً عديدةً في المنطق، والفلسفة، والطبيعة، لكن أغلب ما نقله كان في الطب وقد ترجم من اليونانية إلى السريانية والعربية فترجم لجالينوس 95 كتاباً إلى السريانية نقل منهم إلى العربية 39 كتاباً فقط.

 

دور الترجمة في تأثير الحضارات الأخرى على الحضارة الإسلامية:

 

أدت نشاط حركة الترجمة في أواخر العصر الأموي وبداية العباسي لزيادة تأثير الحضارات الأخرى على الحضارة الإسلامية، وكان للحضارة الفارسية واليونانية والهندية أثر واضح بسبب حركة الترجمة، ولكن في مجالات متنوعة ومختلفة مما أثرى الحضارة الإسلامية بقوة. وكان التأثير الفارسي في الحضارة الإسلامية أقوى في مجال الأدب، حيث كان الأدب الفارسي الشرقي أقرب إلى ذوق العرب وأحاسيسهم من الأدب اليوناني.

 

ففي العصر العباسي قام من يجيدون اللغتين الفارسية والعربية بترجمة الكتب الفارسية ومن هؤلاء: عبد الله بن المقفع، أبناء خالد، الحسن بن سهل. ونخص بالذكر ابن المقفع حيث ترجم تاريخ الفرس وقيمهم وعاداتهم وسير ملوكهم فضلاً عن كتب أدبية منها: كليلة ودمنة، الأدب الكبير، الأدب الصغير، كتاب اليتيمة. ولم تكن حضارة الفرس في مجال الأدب فقط؛ فقد امتلكوا تراثاً في العلوم الأخرى كالهندسة، والفلك، والجغرافيا، لكن تأثير اليونان في العلوم العقلية كان أقوى من تأثير الفرس.

 

 أما التأثير اليوناني في مجال الأدب فكان محدوداً ولا يزيد عن نقل بعض الكلمات، وكانت الحضارة اليونانية ذات تأثير قوي في العلوم العقلية، وهذا نتج عن معتقدات اليونان أنفسهم، واهتمامهم بالعقل وارتفاع شأنه على حساب الأعمال اليدوية أو المجال الأدبي، فنقل العرب عنهم في مجال الفلسفة عن أفلاطون وأرسطو وفي مجال الطب عن جالينوس وأبقراط.

 

أما التأثير الهندي، فقد انتقل جزء كبير من ثقافة الهند وعلومهم إلى فارس بحكم العلاقات التجارية بين الطرفين قبل الإسلام ومن ذلك أن كسرى أنوشروان أرسل طبيبه برزويه إلى الهند؛ لاستحضار كتب ومؤلفات في الطب فعاد بالكثير منها، ويقال: إن قصة كليلة ودمنة انتقلت من الهند ضمن ما نقله برزويه من كتب بالإضافة إلى لعبة الشطرنج. وعندما عكف المسلمون على ترجمة كتب الفرس إلى العربية؛ نقلوا بين ثناياها أجزاء من ثقافة الهنود وعلومهم، وأحياناً قام بعض المترجمين بنقل السنسكريتية وهي اللغة الهندية إلى العربية مباشرة ومنهم:

– منكة الهندي.            – ابن دهن الهندي.

ومن العلوم التي أخذ فيها المسلمون عن الهنود: الرياضيات والفلك والطب:

 

أ‌-الرياضيات والأرقام الحسابية المستخدمة في العالم حالياً عرفها المسلمون عن الهنود وعن المسلمين نقلت إلى الغرب، وقد عرف المسلمون هذه الأرقام باسم راشيكات الهند. ونقل عن الهنود الكثير من المصطلحات الرياضية مثل مصطلح الجيب في حساب المثلثات. واستفاد العالم الرياضي أبو جعفر بن موسى الخوارزمي من معارف الهنود في الرياضيات.

 

ب‌-الفلك: فقد أمر أبو جعفر المنصور سنة 154هـ بترجمة كتاب في الفلك ألفه أحد علماء الهند وهو برهمكبت، وقد كان باللغة السنسكريتية، كما أمر باستخراج زيجا من أزيجة هذا الكتاب يستخدمه العرب لدراسة حركة الكواكب، وقد قام بترجمة هذا الكتاب الفزاري وأنجز الزيج المشهور الذي ينسب إليه. كما أخذ المسلمون عن الهنود كتاب "السند هند" في الفلك.

 

ت‌-الطب: ومن المعروف أن أطباء الهند نبغوا في استخدام الأعشاب الطبية في مداواة الكثير من العلل، وقد نقل المسلمين الكثير عن فوائد الأعشاب عن الهنود، وبعض هذه الأعشاب لم يعرفها اليونان حيث لا تنبت إلا في أقاليم الهند وشرق آسيا، ويقال: إن خالد بن يحيى البرمكي جلب بعض أطباء الهند للاستفادة من علومهم وخبراتهم في العلاج بالأعشاب، وكان الاتصال بالحضارة الهندية مصحوباً بتعريب كثير من المصطلحات والأسماء  المتداولة حتى الآن.

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات