طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||
ملتقى الخطباء > الأحـداث التاريخية > وقائع تاريخية > التاريخ الإسلامي > سلسلة دول الإسلام في أعالي البحار (1) ‘ الدولة الأموية ‘

ملتقى الخطباء

(3٬502)
1192

سلسلة دول الإسلام في أعالي البحار (1) ‘ الدولة الأموية ‘

تاريخ النشر : 1435/07/07
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

فقد بدأت فكرة إنشاء الأساطيل الإسلامية تختمر في ذهن معاوية بعد المتاعب الكثيرة التي واجهته وواجهت المسلمين أثناء فتح المدن الساحلية بالشام مثل قيسارية وطرابلس وعسقلان، حيث كان فتحها مخاضًا عسيرًا امتد في بعض الحالات مثل قيسارية لسبع سنوات كاملة، لافتقار المسلمين الفاتحين للأساطيل اللازمة لحصار المدينة من البحر وقطع طرق الإمدادات إليها، ولما تولى معاوية ولاية الشام بعد

 

 

 

 

 

 

يقترن تاريخ نشأة البحرية الإسلامية بحركة الفتوحات المباركة والتي بدأت في خلافة أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – والتي نجحت في فتح كثير من المدن الساحلية، حيث وجد المسلمون العرب أنفسهم في قبالة البحار والمحيطات، ويعتبر الانتصار العالمي الحاسم الذي حققه الصحابة في اليرموك على الجيوش البيزنطية سنة 13هـ أو 15هـ على خلاف بين المؤرخين، يعتبر نقطة تحول هامة في طبيعة الكفاح والجهاد ضد البيزنطيين، إذ أخذت مدن الشام الكبرى في الشمال والجنوب تتساقط سريعًا في أيدي المسلمين ولم يأت عام 20هـ حتى استكمل المسلمون فتح السواحل الشامية كلها، وانهار الوجود البيزنطي في الشام تمامًا، وهو ما قد تنبأ به هرقل امبراطور بيزنطة عندما وصلته أخبار هزيمة اليرموك، شد رحاله لعاصمته القسطنطينية ووقف على رأس الدرب الذي يربط بين الشام وبيزنطة وقال عبارته المشهورة: "السلام عليك يا سورية، سلام لا اجتماع بعده، ولا يعود إليك رومي أبدًا إلا خائفًا ".

 

بعد أن أكمل المسلمون فتح مدن الشام كلها- إلا طرابلس فإنها لم تفتح إلا سنة 26هـ- توجه عمرو بن العاص – رضي الله عنه – لفتح بلاد مصر ذات الموقع البحري شديد الاستراتيجية وكانت مصر واقعة تحت الاحتلال البيزنطي، وكانت بلاد الشام ومصر بمثابة الجبهة الواحدة وتربطهما منذ أقدم العصور مصالح سياسية وحربية وتجارية واحدة، ومن ثم أصبح للمسلمين سواحل طويلة ومدن كثيرة على البحر الأبيض قبالة العدو البيزنطي المتربص فكان هذا هو الدافع الأول والعامل الأساسي في قيام ونشأة البحرية الإسلامية، ولكن يوجد غير ذلك العديد من العوامل والأسباب التي أدت لقيام ونشأة البحرية الإسلامية. وسوف نعرض في هذه السلسلة التاريخية المميزة على أهم الأعمال البحرية لدول الإسلام التي ظهرت خلال الألف سنة الماضية، بما في ذلك الدول الباطنية مثل الدولة العبيدية الفاطمية، لكونها من ضمن نطاق العالم الإسلامي، وتنسب إليه إجمالا عند المؤرخين.

 

أولا: البحرية في الدولة الأموية

 

البحرية الإسلامية بدأت كما أسلفنا مع فتح المسلمين لبلاد الشام ومصر وقيام جبهة متحدة من البلدين بما يملكاه من سواحل بحرية طويلة، ويعتبر الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان هو أبو الأسطول الإسلامي وإليه يرجع الفضل الأعظم بعد الله – عز وجل – في تأسيس الأسطول الإسلامي، فلقد فطن معاوية – رضي الله عنه – أثناء اشتراكه في حركة الفتوح الإسلامية على الجبهة الشامية وخلال فترة ولايته على الشام كلها في عهدي عمر وعثمان – رضي الله عنهما – أهمية وجود أساطيل للدولة الإسلامية تقوم ليس حسب بالدور الدفاعي عن السواحل الإسلامية ولكن أيضًا تبادئ الأعداء بالهجوم والغزو.

 

فقد بدأت فكرة إنشاء الأساطيل الإسلامية تختمر في ذهن معاوية بعد المتاعب الكثيرة التي واجهته وواجهت المسلمين أثناء فتح المدن الساحلية بالشام مثل قيسارية وطرابلس وعسقلان، حيث كان فتحها مخاضًا عسيرًا امتد في بعض الحالات مثل قيسارية لسبع سنوات كاملة، لافتقار المسلمين الفاتحين للأساطيل اللازمة لحصار المدينة من البحر وقطع طرق الإمدادات إليها، ولما تولى معاوية ولاية الشام بعد وفاة أخيه يزيد سنة 18هـ رأى تدهور أحوال السواحل فكتب إلى الخليفة عمر يصف له ضعف التحصينات البحرية للسواحل، واقترح عليه إنشاء أسطول بحري للغزو في البحر، فرفض عمر الفكرة وأمره بتجديد التحصينات الدفاعية وشحنها بالمقاتلين، فامتثل معاوية للأمر، فلم يكن معاوية ولا غيره يجرؤ على مخالفة أمر الخليفة عمر، وعلى هذا النحو أصبحت سواحل الشام سلسلة متصلة من التحصينات التي ترابط فيها حاميات قوية، وكذلك اهتم والي مصر عمرو بن العاص بتحصين الإسكندرية ثغر مصر الهام وأسكنه القبائل اليمنية لما لها من خبرة في شئون البحر، وقرن اسم الإسكندرية لذلك بالثواب والجهاد، فتسارع العباد والصالحون لسكناها، فازادات حاميتها المرابطة من 3 آلاف في أول الأمر إلى قرابة الثلاثين ألفًا في خلافة معاوية، منهم عدد من الصحابة والتابعين.

 

ولما استخلف عثمان بن عفان – رضي الله عنه – في المحرم سنة 24هـ، عاود معاوية طلبه ولكنه قوبل بالرفض، لأن عثمان كان يتخوف مما كان يتخوف منه عمر، ولكن للوقائع الخطيرة التي وقعت سنة 25هـ بالإسكندرية ومحاولة البيزنطيين احتلال البلاد مرة أخرى، كان لها دور حاسم في بداية إنشاء الأسطول الإسلامي حتى يتهيأ للمسلمين فتح مدينة طرابلس المنيعة والتي ظلت مستعصية على الفتح حتى سنة 26هـ، وكانت شوكة في خاصرة المسلمين بالشام، وكان معاوية عبقريًا في فكرته تلك، إذ مهد فتح طرابلس الطريق أمام الأساطيل الإسلامية لغزو الجزر المواجهة لساحل الشام مثل أرواد وقبرص ورودس، وغزو قبرص سيكون أول جهاد بحري للمسلمين في تاريخهم ومن بعدها توالت العمليات القتالية في البحر، وأخذت أقدام المسلمين تثبت فيه شيئًا فشيئًا.

 

وعندما أصبح معاوية الخليفة بإجماع المسلمين سنة 41هـ بالغ في الاهتمام بأمر الأساطيل الإسلامية وعمل على تدعيم الدفاعات البحرية عن السواحل، وأصلح دار صناعة السفن في عكا وكانت مهملة ومعطلة منذ الفتح، وقام بنقل الآلاف من العرب وأسكنهم في جزيرة قبرص لتعريبها، كما نقل جماعة من الفرس إلى سواحل الشام سنة 42هـ ممن لهم خبرة بحرية لمواجهة التهديدات البيزنطية التي كانت ما زالت قائمة ضد سواحل الشام ومصر أيضًا.

 

كان لتأسيس دار لصناعة السفن بعكا أثر فعال في نقل المسلمين من الدفاع للهجوم في البحر المتوسط، وبدأ المسلمون يشكلون خطرًا متزايدًا على الدولة البيزنطية، واستعمل معاوية على البحر القائد العربي الفذ عبد الله بن قيس الذي غزا البحر خمسين غزوة، والقائد جنادة بن أبي أمية الأزدي، وفتح المسلمون أيام معاوية بالإضافة إلى قبرص جزيرة رودوس وغزوا كريت سنة 55هـ، وبدأ المسلمون لأول مرة سنة 49هـ محاولاتهم لفتح القسطنطينية.

 

أثمرت السياسة البحرية الذكية للخليفة معاوية عن نجاح البحرية الإسلامية في فتح العديد من جزر البحر المتوسط مثل قبرص وأرواد ورودس والتي أصبحت تمثل خط دفاع أمامي للسواحل الإسلامية ضد غارات البيزنطيين، ثم تحولت بعد ذلك لقاعدة هجوم متقدمة على الدولة البيزنطية نفسها، بحيث استخدمها المسلمون عدة مرات للهجوم على الدولة البيزنطية.

 

وإن كانت البحرية الإسلامية نجحت في عهد الخلافة الراشدة في أن ترد الهجوم البيزنطي على الإسكندرية سنة 25هـ، وفي ذات الصواري سنة 34هـ، إلا أنها قد حققت في عهد الدولة الأموية طموحًا وطرفة لم تحدث من قبل وأعني بها حصار القسطنطينية عدة مرات من سنة 54هـ حتى سنة 60هـ، من سنة 98هـ حتى سنة 99هـ، وذلك من أجل فتحها، في نقلة نوعية كبرى في طبيعة العمليات البحرية الإسلامية.

 

ولم يقتصر الطموح البحري للدولة الأموية على المشرق فقط، بل كانت الأساطيل البحرية بالاشتراك مع الجيوش البرية تخوض حروبًا طاحنة ضد المحتل البيزنطي وقبائل البربر في بلاد المغرب والشمال الإفريقي، والمحاولات المتكررة لفتح جزيرة صقلية والتي بدأت مبكرًا سنة 46هـ، خير دليل على تقدم البحرية الإسلامية في المغرب أيضًا.

 

وكان الأسطول المصري في بادئ الأمر هو الذي يقود العمليات البحرية في شمال إفريقيا، وهو الذي غزا صقلية سنة 46هـ، وهو الذي غزا البحر تحت إمرة عقبة بن نافع سنة 49هـ، وهو الذي اشترك في العمليات الحربية ضد البيزنطيين في ولاية حسان بن النعمان، وحقق انتصارًا باهرًا على البيزنطيين في مياه قرطاجنة سنة 79هـ، كما ساهم الأسطول المصري في غزو جزيرة سردانية في خلافة عبد الملك بن مروان، وظل الأسطول المصري مشاركًا  في العمليات البحرية، حتى قام البطل حسان بن النعمان ببناء دار لصناعة السفن في تونس سنة 89هـ، بعد أن وجد الأمويون أنفسهم تحت ضغط مكثف من الغارات البيزنطية على السواحل المصرية من أجل منع تقدم الأسطول المصري ناحية سواحل المغرب، واعتمد حسان بن النعمان على الأيدي المصرية في بناء دار الصناعة، وأعطاهم الخليفة عبد الملك بن مروان من الجزية تشجيعًا لهم على الهجرة إلى تونس والعمل بدار صناعتها.

 

أصبح للدولة الأموية عدة أساطيل كبيرة تعمل في جهات مختلفة، فالأسطول الشامي والأسطول المصري تعملان في الحوض الشرقي للبحر المتوسط، والأسطول التونسي يعمل في وسط البحر المتوسط، ومن سنة 85هـ بدأت الدولة الأموية في عمليات بحرية قوية في بحر تونس ومركز العمل على فتح جزر البحر المتوسط الغربي وعلى رأسها صقلية التي كانت هدفًا استراتيجيًا يهدف منه الأمويون قطع الطريق على الأساطيل البيزنطية ومنعها من التفوق البحري، وبرز خلال تلك الفترة القائد الفذ موسى بن نصير وقواده الأبطال مثل عياش بن أخيل، وعبد الملك بن قطن، وعبد الله بن موسى، وعبد الله بن مرة، ومحمد بن أوس بن ثابت الأنصاري، وحققوا انتصارات كبيرة على الأساطيل البيزنطية، وأسفرت تلك السياسة الجهادية عن فتح جزيرة سردانية والأندلس وميورقة، وظلت العمليات البحرية مستمرة دون انقطاع حتى أفلت شمس الدولة الأموية، وذلك في ربيع الأول سنة 132هـ ليدخل المسلمون بعدها فترة خمول بحري لقرابة النصف قرن.

 

لو طبقنا المعايير العلمية والموضوعية في تقييم أوضاع البحرية الإسلامية في عهد الدولة الأموية لوضعنا تلك الدولة العريقة على قمة الدول البحرية في تاريخ الأمة الإسلامية، فعلى الرغم من قصر عمر تلك الدولة [41هـ – 132هـ] مقارنة بغيرها من الدول الإسلامية، وعلى الرغم من كثرة الثورات والمتمردين عليها من خوارج وشيعة وثوار، وكثرة المشكلات الداخلية خاصة العصبية الجاهلية، فإنها كانت دولة مجاهدة من الطراز الأول برًا وبحرًا، فالجيوش البرية تكتسح شرق المعمورة فتفتح خراسان كلها وتصل حتى حدود الصين وبلاد الهند، والأساطيل البحرية تفتح معظم جزر البحر المتوسط الشرقية والغربية، وتتوغل في البحر القيراني والبحر الأدرتياكي وتفتح الأندلس، وتقتحم معظم فرنسا وتستطيع أن تكون كوارد بحرية كثيرة وماهرة وقادرة على الجهاد البحري، على عدة جبهات في وقت واحد فيما عرف بسياسة الحروب المزدوجة، وهي أن تخوض الدولة حروبًا كبيرة في نفس الوقت وعلى جبهات متباعدة وفي البر وفي البحر، وهذا الأمر لم يكن لدولة إسلامية غير الدولة الأموية والدولة العثمانية فقط.

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات