طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||

ملتقى الخطباء

(2٬067)
1185

معركة كوسوفا – ذاكرة الصليب

تاريخ النشر : 1434/12/25
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

بعدما فرغ السلطان مراد الأول من أمير البلغار سيسمان, كان لابد من تأديب الكلب الصليبي لازار ملك الصرب لأنه كان المحرض الأول للتحالف الصليبي البلقاني, فكان حتماً على المسلمين القضاء على رأس الأفعى الصليبية, وكان لازار قد انسحب بجيوشه ناحية الغرب بعدما رأى هزيمة سيسمان وحاول لازار دخول بلاده والاحتماء بحصونه, ولكن الجيوش العثمانية أدركته عند سهل كوسوفا قوص أوه. ..

 

 

 

 

ذاكرة الصليب:

 

 قامت دولة الصرب الصليبية الحاقدة بعدما تفتت ما كان عرف سابقا ً باتحاد يوغسلافيا هذه الإمارة الصليبية الجديدة بضم إقليم كوسوفا ذي الأغلبية الألبانية المسلمة وذلك سنة 1409 هـ – 1989م, وكان يوم إعلان الضم بمثابة الصدمة لذاكرة الأمة المسلمة, حيث قال زعيم الصرب في خطبة حفل الضم عبارة فى منتهى الغرابة قال : " والأن انتهت معركة كوسوفا ", وتعجب الناس فما هي تلك المعركة ؟ ولماذا يتحدث عنها هذا الصليبي الحاقد وهو في غاية التشفي والنشوة ؟ ولكن العجب يزول عندما يكتشفون أنها معركة وقعت قبل ستمائة سنة وزيادة, وانتصر فيها المسلمون العثمانيون على الصرب انتصارا ً هائلا ً فتحت على إثره بلاد البلقان امام المسلمين, فالمأساة الحقيقية التي تعيشها الأمة المسلمة الآن هي ضعف أو فقدان الذاكرة وطمس الهوية وضياع الإنتماء الحقيقي في وقت مازال أعداء الإسلام أصحاب ذاكرة حديدية يورث كل جيل منهم الأخر تراثه وتاريخه وعداوته للإسلام التي أصبحت مثل لبن الرضاع لابد أن يستقي منه الجميع, فلا عجب إذا ً عندما تضيع الأرض فلقد ضاعت قبلها الذاكرة.

 

القوة الناشئة:

 

فى الوقت الذي كانت الأمة الإسلامية تترنح تحت ضربات أعدائها في مشارق الأرض ومغاربها من التتار وصليبي إسبانيا وصليبي أوروبا وغيرهم, وفي الوقت التي أشرقت الأمة على خطة خسف ودمار في مواطن كثيرة قيض الله – عز جل – لدينه قوة جديدة ناشئة في منطقة متوسطة من العالم بين الشرق والغرب, هذه القوة هي الدولة العثمانية التي نشأت سنة 699 هـ في منطقة آسيا الصغرى وبالتحديد في منطقة الأناضول التي كانت منقسمة لعدة إمارات فى أغلبها ضعيف ومتفرق ومختلف ولربما متحارب, وحال إمارات الأناضول أصبح أشبه ما يكون بدولة الالطوائف  بالأندلس, فقيض الله – عز وجل – للأناضول القوة العثمانية التي ستوحد الإمارات المتفرقة.

 

كان أول من قاد الدولة العثمانية هو: عثمان بن أرطغرل, والذي حكم من سنة 699 هـ حتى 726 هـ, ومن بعده أورخان الأول والذي حكم من سنة 726 هـ حتى 761 هـ, ومن بعده كان مراد الأول والذي حكم من سنة 761 هـ حتى سنة 791 هـ, وقد ورث الدولة من أبيه وجده وحجمها وساحتها تبلغ خمسة وتسعين ألف كيلو متر مربع, ولم يكن للدولة العثمانية أي قواعد بأوروبا ما عدا ميناء غاليبولي, ولم تكن أية إمارة أناضولية انضمت للدولة العثمانية سوى إمارة قرة سي, لاهتمام أبيه وجده بترسيخ وتأسيس شكل الدولة العثمانية وتثبيت أركانها اجتماعيا ً وسياسيا ً وعلميا ً واقتصاديا.

 

مراد الأول وتوحيد الأناضول:

 

كما سبق وقلنا أن أورخان كان مهتما ً بصقل الدولة الوليدة وتثبيت أركانها, لذلك لم يتوسع أفقيا ً إنما ركز على التوسع الرأسي, فلما اعتلى السلطان مراد الأول سدة حكم الدولة العثمانية ركز كل جهوده على التوسع الأفقي على الجبهتين الداخلية والخارجية, وإنما نعني بالداخلية منطقة الأناضول فحاول ضم الإمارات المسلمة بالأناضول بالطرق السلمية بالمصاهرة والمعاهدة, ولكنه اصطدم بعدوان أمير القرمان علاء الدين, الذي استنهض همم أمراء الأناضول لمحاربة الدولة العثمانية وعندها اضطر مراد الأول للجوء للخيار العسكري رغم كراهية جنوده لهذا النوع من القتال.

 

جهز مراد الأول جيشا ً قويا ً استطاع احتلال إمارة القرمان, ولكنه ورغبة منه في المسالمة أبقى علاء الدين في إمارته وصاهره بالتزوج من ابنته, ولكن نار حقد علاء الدين لم تبرد أو تنطفىء وأعاد الحرب مرة أخرى ضد الدولة العثمانية, ولكن مراد انتصر عليه مرة أخرى ثم عفا عنه مرة أخرى, وبعدها ضم إمارة كرميان وإمارة دولة الحميد, وبذلك هيأ مراد الأول الجبهة الداخلية استعدادا ً للعمل على الجبهة الخارجية.  

 

العثمانيون والبلقان:   

 

* منطقة البلقان عرفت بتركيبها البشري والعرقي والقومي والديني والثقافي البالغ التعقيد، كـما عرفت بتضاريسها الجبلية الوعرة التي تكون ملاذا للأقليات المضطهدة أو الخارجين على السلطة، على الرغم من انتماء قاطنيها في الغالب إلى الجنس السلافي.

 

لا أحد يعرف من أين جاءت الشعوب السلافية التي استوطنت هذه المنطقة، ولا لماذا هاجرت من موطنها الأصلي. ولكن أغلب المؤرخين يعتقدون أنها جاءت من أحراش روسيا الباردة، هربا من الجوع وبحثا عن أرض خصبة، وليس هناك أفضل من ضفاف نهر "السافا". حاول الرومان إزاحة هذه الشعوب المهاجرة دون جدوى. فقد استقروا هم ورحل الرومان، وتمايز السلافيون إلى العديد من القوميات التي مازالت باقية حتى الآن.

 

 * البلقان كلمة تركية أصيلة تعني الجبـل الوعر المكسو بالغابات ، ويصفها الجغرافيون بأنها أقصى شبه جزيرة في جنوب أوربـا ناحيـة الشرق، إذا حسبنا شبه جزيرة إيطاليا وأيبريا. ودول البلقان هي اليونان وتركيا (الجزء الأوربي) وألبانيا وبلغاريا ومعظم يوغسلافيا،  قبل أن تتفكك في أواخر عقد الثمانينيات من القرن الماضي إلى عدة دول عرقية أهمها صربيا. وهي – أي البلقان – شبه جزيرة كونها محاطة بالبحار من ثلاث جهات: البحر الأدرياتيكي في الغرب، والبحر المتوسط في الجنوب، وبحر أيجة والبحر الأسود في الشرق.  

 

 وإن منطقة البلقان: هذه المنطقة الكبيرة التي تشكل الزاوية الجنوبية الشرقية لأوروبا شكلت عبر القرون خط تماس وتوتر ليس فقط بين الكنيستين الشرقية الأرثوذكسية والغربية الكاثوليكية ـ كما يعبّر عنه نزاع «أبناء العمومة» الصرب والكروات ـ بل بين العالمين المسيحي والإسلامي أيضاً  وتاريخ وصول الإسلام إلى تلك المناطق تـاريخ قديـم يرجع في أصـوله إلى محاولـة المسلمين الانتشار بدينهـم في القارة الأوربية. وتعود البداية الحقيقية لانتشار الإسلام في هذه المنطقة إلى منتصف القرن الرابع عشر الميلادي.  

 

ويرجع الفضل في ذلك – بطبيعة الحال – إلى الأتراك العثمانيين، الذين جعلوا من هذه المنطقة ميدانا لفتوحاتهم، وأنشطتهم في نشر الإسلام، على حساب الإمبراطورية البيزنطية، وسطروا فيها العديد من الانتصارات والملاحم البطولية المجيدة التي خلدها التاريخ.

  

ومع أن هناك تأكيدات من كتاب وباحثين في المنطقة تفيد: بأن التأثير العربي والإسلامي وصل إلى شبه جزيرة البلقان قبل الفتوحات العثمانية من خلال الاتصالات التي جرت مع عرب جزيرة صقلية و جنوب إيطاليا وبلاد الأندلس ،  إلا أن تلك الاتصالات كانت نتيجة لجهود فردية، وكانت على نطاق ضيق ومحدود، ولم تكن نتيجة لمجهود واسع ومنظم.

 

ومهما كان الأمر، فإنه لا يغير من الحقيقة شيئا، وهي أن انتشار الإسلام في هذه المنطقة قد تم بجهود العثمانيين: حيث ترجح الدراسات التاريخية الحديثة أن حروب الدولـة العثمانية مـع خصومها في منطقـة البلقان كـانت هي الحروب الصليبية بامتياز. فقد استمرت زمانا طويلا وأخذت أحجـاما مادية ومعنويـة أضخم من حجم الحرب الصليبية في منطقـة الشرق الأدنى واتسمت بتزمت وتعصب وقسـوة من الأوروبيين.   

 

* من أول عام تسلم فيه مراد الحكم عمل على إيجاد نقطة استراتيجية للعثمانيين بأوروبا, وبالفعل استولى على مدينة أورنة البلقائية سنة 792 هـ, وكانت أهم مدينة بعد القسطنطينية عند الدولة البيزنطية, وفورا ً اتخذ مراد الأول قرارا ً هاما ً جدا ً يجعل من مدينة أورنة البقانية الأوروبية عاصمة للدولة العثمانية المسلمة لينقل الوجود الإسلامي إلى قلب القارة الأوروبية, وتكون نقطة انطلاق وقاعدة هجوم على أوروبا وقد ظلت أورنة عاصمة للدولة العثمانية حتى فتح القسطنطينية سنة 857 هـ, وبالفعل تم فتح مدينة فليبه

 

– جنوبي بلغاريا – اليوم وكلجمينا ووردار, وبالتالي صارت القسطنطينية محاطة        بالعثمانيين من كل مكان في أوروبا.

 

الحلف الصليبي:

 

كانت الدولة البيزنطية أشد الدولة الأوروبية تخوفا ً من القوة الجديدة – الدولة العثمانية – للنوايا المعلنة لسلاطين تلك الدولة المسلمة بحتمية فتح القسطنطينية, وكان لسقوط أورنة وجعلها عاصمة للدولة العثمانية وقع شديد في نفسية إمبراطور القسطنطينية الذي هرع لبابا روما: أوربان الخامس, وركع أمامه وقبل يديه ورجليه وطلب منه المساعدة وإعلان حرب صليبية جديدة ضد المسلمين رغم الإختلاف العقائدي المذهبي بين الرجلين فهذا أرثوذكسي وهذا كاثوليكي, وكلاهما يشهد على الآخر بالكفر, إلا أنه إذا تعلقت المسألة بعداوة الإسلام فهما متفقان متحدان, فأعلن الباب حربا ً صليبية جديدة ضد المسلمين بأوروبا.

 

لم ينتظر ملك المجر الحاقد أوروك الخامس دعم البابا فاتحد مع أمراء الصرب والبوسنة ورومانيا, واستغلوا انشغال السلطان مراد الأول في حروب داخلية بآسيا الصغرى, حيث مازالت هناك بعض الإمارات المستقلة, وهجم الحلف الصليبي الذي يقدر بستين ألف مقاتل على مدينة تشيرمن عند نهر ماتيزا, ولكن القائد العثماني الكبير لالاشاهين قائد الحامية العثمانية هناك استطاع أن ينزل هزيمة ساحقة بالتحالف الصليبي رغم الفارق الكبير بين الجيشين, وهرب الأميران الصريبان ولكنهما غرقا في نهر ماتيزا ونجا ملك المجر أوروك الخامس بشق الانفس, وبعد ذلك اتفق ملك الصرب لازار بليانوفيتش وكان شديد الكراهية والعداء للمسلمين عامة والعثمانيين خاصة مع رجل لا يقل حقدا ً ولا بغضا ً منه للمسلمين وهو أمير البلغار سيسمان على قتال العثمانيين, ولكن بعد مناوشات خفيفة مع العثمانيين أدركوا مدى ضعفهم مقارنة بالقوة العثمانية, فاضطروا الى دفع جزية سنوية للسلطان مراد الاول الذي تزوج من ابنة أمير البلغار.

 

نتيجة لتأخر الصرب والبلغار في دفع الجزية اندفعت الجيوش العثمانية لتأديب المتمردين وفتحت بعض المدن الصربية في جنوبي يوغوسلافيا اليوم, وفتحت مدينة صوفيا سنة 784 هـ بعد حصار دام ثلاث سنوات وفتحت مدينة سالونيك المقدونية, وهي تقع الأن في اليونان, وبلغت قوة الدولة العثمانية وسلطانها مراد الأول أن إمبراطور بيزنطة يوحنا باليوح قام بقتل ولده اندرونيكوس خوفا ً من بطش مراد الأول لأن اندرونيكوس تحالف مع الخارجين على مراد الاول.

 

بين المطرقة والسندان:

 

كان الأمير علاء الدين القرماني نكبة من نكبات الزمان على الإسلام والمسلمين, فرغم إحسان السلطان مراد الأول له عدة مرات وصفحه المتكرر عنه ومصاهرته له وإقراره له على منزلته وقيادته لإمارة القرمان, إلا أن علاء الدين كان دائم التأمر والكيد للعثمانيين والتدبير لإزالة ملكهم ودولتهم رغم كل ما سبق, لذلك فقد استغل علاء الدين فرصة انشغال السلطان مراد الأول بحروبه على الجبهة الأوروبية ضد تحالف الصليب البلقاني وشن هجمات قوية بالإشتراك مع أمراء مقاطعات فتشا, أيدين, صاروخان بالأناضول وحقق مكاسب عديدة, مما جعل السلطان مراد الأول يرتد سريعا ً للأناضول للقضاء على الفتنة الناشئة قبل أن يستفحل أمرها وتهدد الكيان العثماني كله.

 

استغل الصليبيون بدورهم انشغال مراد الأول بحرب علاء الدين وقرروا إعداد تحالف صليبي جديد لاسترداد ما اتولى عليه العثمانيون بالبلقان, فتحالف الصرب و البلغار والبوسنيون وأعدوا جيشا ً كثيفا ً واستطاعوا أن يحققوا عدة انتصارات محدودة على الحامية العثمانية في جنوب الصرب, مما شجع أمير البلغار سيسمان الأحمق أن يهجم على حدود الدولة العثمانية في جنوب الدولة العثمانية ولكنه فوجىء بما ليس له طاقة من الجيوش العثمانية الجرارة التي واهمته كالإعصار الهادر ففر ناحية الشمال واعتصم بمدينة نيكوبلس في شمال بلغاريا, وحاول إعادة الكرة وأرسل استغاثة صليبية لنصارى البلقان, وبالفعل اجتمع عنده جيش كبير وهجم على القوات العثمانية المحاصرة لنيكوبلس, ولكنه هزم شر هزيمة ووقع أسيراً بين المسلمين, ولكن السلطان مراد الأول كعادته عفا عنه و أحسن إليه وأبقاه أميراً على نصف بلغاريا, وضم النصف الآخر للدولة العثمانية.

 

وهكذا أصبح العثمانيون بين المطرقة والسندان, مطرقة الصليبين وسندان اللطامعين وطلاب النصف الأخر للدولة العثمانية.

 

معركة كوسوفا ( قوص أوه ):

 

بعدما فرغ السلطان مراد الأول من أمير البلغار سيسمان, كان لابد من تأديب الكلب الصليبي لازار ملك الصرب لآنه كان المحرض الأول للتحالف الصليبي البلقاني, فكان حتماً على المسلمين القضاء على رأس الأفعى الصليبة, وكان لازار قد انسحب بجيوشه ناحية الغرب بعدما رأى هزيمة سيسمان وحاول لازار دخول بلاده والإحتماء بحصونه, ولكن الجيوش العثمانية أدركته عند سهل كوسوفا قوص أوه, و دارت حرب طاحنة بين الفريقين على غيظ وحنق من كلاهما وصبر من كلاهما صبراً بليغاً حتى أنزل الله عز وجل نصره على المسلمين, وقتل الخبيث لازار بسبب ما فعله من شناعات ومذابح بحق أسرى المسلمين.

 

استشهاد مراد الأول:

 

بعد الانتصار الساحق الذي حققه المسلمون على الصرب الملاعين, قام السلطان مراد الأول يتفقد ساحة المعركة ويدور بنفسه بين صفوف شهداء المسلمين, وهو يدعو لهم كما تفقد الجرحى, وفي أثناء ذلك قام جندي حربي ملعون اسمه مليكوفيتش وكان قد تظاهر بالموت ليفلت منن سيوف المسلمين, وأسرع نحو السلطان متظاهراً برغبته فى الإسلام ومحادثة السلطان فتمكن الحراس من القبض عليه, ولكن السلطان أشار للحرس بأن يطلقوه فلما اقترب من السلطان تظاهر أنه يريد تقبيل يد السلطان وبمنتهى الغدر الشيطاني أخرج هذا الكلب الصربي خنجرا ً مسموما ً من كمه وطعن به السلطان, وأسرع الحراس وهبروا الكلب بسيوفهم, ولكن ذلك لم يفد شيئا ً فقد استشهد السلطان مراد –رحمه الله –  في 15 شعبان 791 هـ وعمره 65 عاما.

 

من روائع الأخبار في شأن هذا السلطان العظيم أنه قد شعر قبل هذه المعركة أنها ستكون آخر معاركه الطويلة, والتي بلغت سبعا ً وثلاثين معركة كلها في سبيل الله ولم يخسر منها واحدة, فناجى ربه – عز وجل – ليلة المعركة فقال: " يا الله يا رحيم يا رب السموات يا من تتقبل الدعاء لا تخزني يا رحمن يا رحيم, استجب دعاء دعاء عبدك الفقير هذه المرة أرسل علينا السماء مدرارا ً, وبدد سحب الظلام فنرى عدونا وما نحن سوى عبيدك المذنبين, إنك الوهاب ونحن فقراؤك, أفديك روحي فتقبل رجائي ولا تجعل المسلمين يبوء بهم الخذلان أمام العدو, يا إلهي إنني أقسم بعزتك وجلالك أنني لا أبتغي من جهادي هذا الدنيا الفانية ولكنني أبتغي رضاك, ولا شيء غير رضاك يا إلهي إنني أقسم بعزتك وجلالك أنني في سبيلك فزودني تشريفا ً بالموت في سبيلك ".

 

فلما رأى الله – عزوجل – صدقا ً وإخلاصاً من مراد في سؤاله الشهادة في سبيله أعطاها إياه فانضم لطابور القادة الشهداء الذين قادوا الجيوش وسألوا الله الشهادة مثل أنس بن النضر, والبراء بن مالك, والنعمان بن مقرن, وغيرهم ممن انطبق عليهم قول الله عز وجل :

(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) [الاحزاب : 23].

 

نتائج المعركة:

 

لقد كان من نتائج معركة كوسوفا الفاصلة، سقوط البلقان برمته في قبضة الدولة العثمانية– فيما بعد – وخضوع كوسوفا و صربيا والبوسنة والهرسك ومقدونيا، للحكم العثماني، وانتشار الإسلام على نطاق واسع في أقاليم هذه المنطقة، ما عدا مدينة بلغراد – عاصمة صربيا اليوم – فإنها فتحت بشكل نهائي، في عهد السلطان سليمان القانوني، وذلك في 26 من رمضان المبارك سنة 938هـ (1521م). وتم تحويلها إلى مركز للثقافة الإسلامية وبوابة للشرق.

 

وقد كان للتسامح الديني الذي تميز به العثمانيون، مردود إيجابي كبير لدخول سكان المنطقة في الإسلام – في بداية الأمر – حيث دفع ذلك أهل البلقان إلى أن يعتنقوا الإسلام طوعا، وفي مقدمتهم الألبان والبوشناق – والذين دخلوا في دين الله أفواجا، وحسن إسلامهم وعظم بلاؤهم في خدمة الإسلام، و كانوا سندا وعونا للدولة العثمانية في قتال أعدائها، وفي نشر الإسلام في أوروبا وفي غيرها.

 

وقد امتزاج الألبان وبقية المسلمين من القوميات الأخرى في البلقان – ولاسيما في القرون الأولى من الفتح العثماني للبلقان – امتزاجا شبه كامل مع إخوانهم المسلمين من الأتراك وغيرهم، وانخرطوا في سلك العمل في هذه الدولة الإسلامية كقادة وكولاة وتبوءوا مختلف الوظائف والمناصب السياسية والعسكرية ، بل وحتى كمستشارين وكتاب في بلاط السلطان العثماني نفسه، مستفيدين فيذلك من مبدأ المساواة الذي حاول العثمانيون تطبيقه – قدر جهدهم – على مواطنيهم المسلمين أيا كان موطنهم ، وأيا كان جنسهم أو عرقهم أو لونهم.

 

فقد كان منهم في الدولة العثمانية القواد العظام مثل بالابان باشا – قائد من قواد فتح القسطنطينية – ومحمد علي باشا ، والي مصر والداهية الانتهازي المشهور ، الخارج على الدولة العثمانية ، وكما كان منهم كبار الكتاب والشعراء، والذين كانوا يؤلفون بلغات خمس:

 

 الألبانية والبوسنية والعربية والتركية و الفارسية ، مثل محمد عاكف أرسوى وساميفراشري وغيرهم.

 

وفي عهد العثمانيين كانت ولاية كوسوفا أكبر الولايات العثمانية في روم ( أوروبا )، وقد اكتسبت أهمية إستراتيجية لوقوعها على الطريق التجارية إلى البلقان وتمتعت كغيرها من بقية أقاليم البلقان بأطول فترات السلم والاستقرار والرخاء وشهد نهضة عمرانية إسلامية وما زال بعض تلك المنشآت قائماً حتى الآن. ولقد استمر الحكم الإسلامي في المنطقة حتى بدء تراجع نفوذ السلطنة العثمانية عام 1912م.

 

 

 

المراجع:

 

  • تاريخ الدولة العلية
  • موسوعة التاريخ الإسلامي.
  • التاريخ الإسلامي.
  • الدولة العثمانية المفترى عليها.
  • تاريخ الدولة العثمانية.
  • أطلس تاريخ الإسلام.
  • عوامل نهوض وسقوط الدولة العثمانية.
  • أصول التاريخ العثماني.
  • شذرات الذهب.

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات